الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إِلَى الْمِيقَاتِ.
ــ
كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ. فإن قِيلَ: تَحِيَّةُ المَسْجِدِ غيرُ واجِبَةٍ. قُلْنا: إلَّا أنَّ النَّوافِلَ المُرَتَّباتِ تُقْضَى، وإنَّما سَقَط القَضاءُ لِما ذَكَرْنا. فأمَّا إن تجاوَزَ المِيقاتَ، ورَجَع قبلَ دُخُولِ الحَرَمِ، فلا قَضاءَ عليهَ، بغيرِ خِلافٍ، سَواءٌ أرادَ النُّسُكَ أو لا.
فصل: ومَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ خارِجًا مِن الحَرَمِ، فحُكْمُه في مُجاوَزَةِ قَرْيَتِه إلى ما يَلِى الحَرَمَ حُكْمُ المُجاوِزِ للمِيقاتِ في الأحْوالِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ مَوْضِعَه مِيقاتُه، فهو في حَقِّه كالمَواقِيتِ لأهْلِ الآفاقِ.
1153 - مسألة: (ومَن جاوَزَه مُرِيدًا للنُّسُكِ)
غيرَ مُحْرِمٍ، (رَجَع) مِن المِيقاتِ (فأحْرَمَ منه، فإن أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، فعليه دَمٌ، وإن رَجَع إلى المِيقاتِ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ غيرَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحْرِمٍ، يَجِبُ عليه أن يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ ليُحْرِمَ منه إذا أمْكَنَه؛ لأنَّه واجِبٌ أمْكَنَه فِعْلُه، فلَزِمَه، كسائِرِ (1) الوَاجِباتِ، وسَواءٌ تجاوَزَه عالِمًا به أو جاهلًا، عَلِم تَحْرِيمَ ذلك أو جَهِلَه. فإن رَجَع إليه فأحْرَمَ منه، فلا شَئَ عليه. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وبه قال جابِرُ بنُ زَيْدٍ، والحسنُ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن المِيقاتِ الذي أُمِرَ بالإِحْرامِ منه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم يَتَجاوَزْه. وإن أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ فعليه دَمٌ، سَواءٌ رَجَع إلى المِيقاتِ أو لم يَرْجِعْ. وبه قال مالكٌ، وابنُ المبارَكِ. وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، أنَّه إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه، إلَّا أن يَكُونَ قد تَلَبَّسَ بشئٍ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ كالوُقُوفِ، وطَوافِ القُدُومِ، فيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عليه. قالوا: لأنَّه حَصَل مُحْرِمًا في المِيقاتِ قبلَ التَّلَبُّسِ بأفْعالِ الحَجِّ، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو أحْرَمَ منه (2). وعن أبى
(1) في م: «كسائه» .
(2)
في م: «عنه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حنيفةَ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلَبَّى سَقَط عنه الدَّمُ، وإن لمِ يُلَبِّ لم يَسْقُطْ عنه. وعن عطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا شئَ على مَن ترَك المِيقاتَ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال:«مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» . رُوِىَ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا (1). ولأنَّه أحْرَمَ دُونَ مِيقاتِه، واسْتَقَرَّ عليه الدَّمُ، كما لو لم يَرْجِعْ، أو كما لو طاف، عندَ الشافعىِّ، وكما لو لم يُلَبِّ، عندَ أبي حنيفةَ. ولأنَّ الدَّمَ وَجَب بتَرْكِه الإِحرامَ مِن المِيقاتِ، ولا يَزولُ هذا برُجُوعِه ولا بتَلْبِيَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما وَجَب، وفارَقَ ما إذا رَجَع قبلَ إحْرامِه فأحْرَمَ منه، فإنَّه لم يَتْرُكِ الإِحْرامَ منه، ولم يَهْتِكْه.
فصل: ولو أفْسَدَ المُحْرِمُ مِن دُونِ المِيقاتِ حَجَّه، لم يَسْقُطْ عنه الدَّمُ. وبه قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
(1) الموقوف أخرجه الإمام مالك، في: باب ما يفعل من نسى من نسكه شيئا، من كتاب الحج. الموطأ 1/ 419. والدارقطنى في سننه 2/ 244. والبيهقى، في: باب من مرَّ بالميقات يريد حجًّا أو عمرة. . . .، وباب من ترك شيئًا من الرمى. . . .، من كتاب الحج. السنن الكبرى 5/ 30، 152. والمرفوع عزاه ابن حجر، في: كتاب المواقيت، من كتاب الحج، لابن حزم. تلخيص الحبير 2/ 229.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّ القَضاءَ واجِبٌ. ولَنا، أنَّه وَجَب عليه بمُوجِبِ هذا الإِحْرامِ، فلم يَسْقُطْ بوُجُوبِ القَضاءِ، كبَقِيَّةِ المَناسِكِ، وكجزَاءِ الصَّيْدِ. فصل: وإن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، وخَشِىَ إن رَجَع إلى المِيقاتِ فَواتَ الحَجِّ، جاز أن يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، ويُجْزِئُه الحَجُّ. إلَّا أنَّه رُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: مَن تَرَك المِيقاتَ فلا حَجَّ له. والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهورِ؛ لأنَّه لو كان مِن أرْكانِ الحَجِّ، لم يَخْتَلِفْ باخْتِلافِ النّاسِ والأماكِنَ، كالوُقُوفِ والطَّوافِ. وإذا أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ عندَ خوْفِ الفَواتِ، فعليه دَمٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عندَ مَن أوْجَبَ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ. وإنَّما أبَحْنا له الإِحْرامَ مِن مَوْضِعِه؛ مُراعاةً لإِدْراكِ الحَجِّ، فإنَّ مُراعاةَ ذلك أوْلَى مِن مُراعاةِ واجِبٍ فيه مع فَواتِه، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ، لعَدَمِ الرُّفْقَةِ، أو الخَوْفِ مِن عَدُوٍّ أو لِصٍّ أو مَرَضٍ، أو لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، ونحْوِ هذا مِمّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهو كالخائِفِ الفَواتَ، في أنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِه، وعليه دَمٌ.