الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُقِيمُ ثُمَّ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ إسْفَارٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ
وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ
، وَكَذَلِكَ فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمَدِينَةَ أَوْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ لِعِظَمِ فَضْلِهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا.
الثَّانِي: الَّذِي مَنْزِلُهُ مُتَّصِلٌ بِالْجَامِعِ وَلَمْ يَأْتِ الْجَامِعُ لَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ تَبَعًا لِأَهْلِ الْجَامِعِ، فَلَوْ خَالَفَ وَجَمَعَ مَعَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ جَمْعِهِمْ تَبَعًا لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ.
[أَسْبَاب الْجَمْع وَصِفَته]
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ الْجَمْعِ لِلْمَطَرِ أَوْ الطِّينِ مَعَ الظُّلْمَةِ بِقَوْلِهِ: (يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلَ الْوَقْتِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) عَلَى الْمَنَابِرِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ حُكْمُ الْمُعْتَادِ. (ثُمَّ يُؤَخِّرُ) الْمَغْرِبَ نَدْبًا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ (قَلِيلًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ) بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ لِاخْتِصَاصِ الْأُولَى بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَقِيلَ قَدْرَ حَلْبِهِ شَاةً، وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعِلَّةُ التَّأْخِيرِ لِيَأْتِيَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ، وَلَا يُقَالُ: وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَضِيقٌ فَتَأْخِيرُهَا مُنَافٍ لِذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ: تَأْخِيرُهَا مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِامْتِدَادِ اخْتِيَارَيْهَا لِلشَّفَقِ، فَإِنَّ لَهُ قُوَّةً فِي بَابِ الْجَمْعِ رِفْقًا بِالنَّاسِ فِي حُصُولِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ، وَأَيْضًا نَصُّوا عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا لِمُحَصِّلِي الشُّرُوطِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا (يُقِيمُ) الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ (فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّيهَا) أَيْ الْمَغْرِبَ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَهَا مَطْلُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا فَهَذَا أَوْلَى.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَانْصِرَافِ الْإِمَامِ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ (يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ) إثْرَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ وَلَا تَحْمِيدٍ مِنْ الْمُؤَذِّنِ (فِي دَاخِلِ) صَحْنِ (الْمَسْجِدِ) بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْدُوبًا، وَعِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ يُسَنُّ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ لِيُعْلِمَ أَهْلَ الْبُيُوتِ.
(وَيُقِيمُ) لِلْعِشَاءِ (ثُمَّ يُصَلِّيهَا) سَرِيعًا (ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ) إلَى مَنَازِلِهِمْ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (عَلَيْهِمْ الْإِسْفَارُ) أَيْ بَقِيَّةً مِنْ نُورِ النَّهَارِ بِحَيْثُ يَصِلُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ) .
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا: ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَانْصِرَافِهِ إلَخْ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَبْقَى فِي مَحَلِّهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْجُزُولِيَّ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ يَنْصَرِفُ مِنْ مَحَلِّهِ أَوْ يَسْتَمِرُّ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَعُودُ اهـ.
وَأَقُولُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ: وَلْيَنْصَرِفْ الْإِمَامُ إلَخْ يَشْمَلُ هَذَا.
الثَّانِي: قَوْلُهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلَخْ لَوْ جَمَعُوا وَلَمْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ أَعَادُوا الْعِشَاءَ وَقِيلَ لَا إعَادَةَ.
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ الْإِسْفَارُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ الْوِتْرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ كَتَرَاوِيحِ رَمَضَانَ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ طَلَبِ انْصِرَافِهِمْ بَعْدَ الْعِشَاءِ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَغِلُونَ بِنَفْلٍ وَلَا غَيْرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَنَفُّلَ بَيْنَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَنَفَّلَ بَيْنَهُمَا لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ إلَّا أَنْ تَكْثُرَ النَّوَافِلُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ وَقْتُ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ فَيَفُوتُ الْجَمْعُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ التَّنَفُّلِ الْكَرَاهَةُ، وَلَا وَجْهَ لِحُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَاتُ وَاجِبٍ إذْ الْجَمْعُ مَنْدُوبٌ أَوْ مَسْنُونٌ وَالْمُفَوِّتُ لِأَحَدِهِمَا لَا يُحَرَّمُ فِعْلُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ نِيَّةِ الْجَمْعِ وَلَا مَحَلَّهَا، وَمَحِلُّهَا عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَتُطْلَبُ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فَقِيلَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَظْهَرُ أَثَرُ الْجَمْعِ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِمَا وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي، فَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبَطَلَتْ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ تَرَكَهَا فِيهِمَا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَى بِهَا فِي الْأُولَى فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهَا وَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا عِنْدَ الْأُولَى وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا مَشْرُوطَةٌ بِنِيَّةِ الْإِمَامَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَتَرْكِ الْإِمَامِ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمْعِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ثَالِثِ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ) يَوْمَ الْوُقُوفِ وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْعِيدِ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) جَمْعُ تَقْدِيمٍ (عِنْدَ الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَخْطُبَ لِلنَّاسِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَجْلِسَ فِي وَسَطِهَا، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا خَلِيلٌ خُطْبَتَيْنِ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لَهَا، وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ يَنْزِلُ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ بَعْدَ صَلَاتِهَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْعَصْرِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:(بِأَذَانٍ) لِكُلِّ صَلَاةٍ (وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَلَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَجْمُوعَةِ.
قَالَ زَرُّوقٌ: وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ فِي جَمْعِ الظُّهْرَيْنِ وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ صَلَّى فِي رَحْلِهِ كَفَتْهُ الْإِقَامَةُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَذَانٍ، وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي رَحْلِهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَيَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ السُّنَّةَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَالصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ سِرِّيَّةٌ وَتُصَلَّى الظُّهْرُ فِي عَرَفَةَ، وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: جَمَعَ الرَّشِيدُ مَالِكًا وَأَبَا يُوسُفَ فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُفَ
وَصَلَ إلَيْهَا
وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ بِالْمُسَافِرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَإِذَا ارْتَحَلَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى جَمَعَ حِينَئِذٍ
وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُصَلِّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَصَلَّى بَعْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ جُمُعَةٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا يَجْهَرُ بِالْجُمُعَةِ، فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ وَسَلَّمَ.
وَأَشَارَ إلَى رَابِعِ الْأَسْبَابِ لِلْجَمْعِ وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ (بِالْمُزْدَلِفَةِ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ وَمَحَلُّهُ (إذَا وَصَلَ إلَيْهَا) بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلَّا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ الْخَفِيفَةِ، بِأَنْ يُؤَذِّنَ لِلْمَغْرِبِ بَعْدَ الشَّفَقِ وَيُقِيمَ لَهَا فَإِذَا صَلُّوهَا وَفَرَغُوا مِنْهَا يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ وَيُقِيمُ لَهَا وَيُصَلُّونَهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِتَسْبِيحٍ وَلَا تَنَفُّلٍ كَسَائِرِ الْجُمُوعِ، لَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا.
قَالَهُ زَرُّوقٌ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لَمْ يَصِحَّ جَمْعُهُ قَبْلَهُ، فَلَوْ جَمَعَ أَعَادَ الْمَغْرِبَ نَدْبًا وَالْعِشَاءَ بَعْدَ الشَّفَقِ وُجُوبًا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إذَا وَصَلَ عَمَّا إذَا لَمْ يَصِلْ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ فَهَذَا يَجْمَعُ إذَا غَابَ الشَّفَقُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ، وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ عَرَفَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَلْ لِكُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْإِمَامُ الْجَمْعُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ سُنِّيَّةِ الْجَمْعِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا الْجَمْعَ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لِعَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَنَفَرَ مِنْهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ اخْتِيَارًا لَا يَجْمَعُ إلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الشَّفَقِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِعَجْزٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وَلَوْ غَيْرَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ وَقَفَ بَعْدَهُ لَا يَجْمَعُ وَلَا بِالْمُزْدَلِفَةِ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَذَانِ لِلْمَغْرِبِ بَعْدَ الشَّفَقِ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ يُكْرَهُ فِي الضَّرُورِيِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَذَانُ لِلظُّهْرِ حَيْثُ يُجْمَعُ مَعَ الْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ بَابَ الْجَمْعِ بَابُ ضَرُورَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ تُفْعَلُ بَعْدَ أَوْ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى فَيُقَيَّدُ مَا فِي الْأَذَانِ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ الْمَجْمُوعَةِ،
وَأَشَارَ إلَى خَامِسِ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ) أَيْ اشْتَدَّ (بِالْمُسَافِرِ) فِي الْبَرِّ سَفَرًا مُبَاحًا، وَإِنْ قَصُرَ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يُدْرِكَ الزَّوَالَ سَائِرًا وَفِي هَذَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ (فَلَهُ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَ) فِي (أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ) فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهَذَا يُسَمَّى جَمْعًا صُورِيًّا وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ أَوْ تُؤَخِّرُهُ عَنْهُ، وَلِهَذَا صُلِّيَتْ فِيهِ كُلُّ صَلَاةٍ فِي وَجْهِهَا، وَثَانِي الْوَجْهَيْنِ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ وَقَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا، وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَفِي وَقْتِهِمَا، وَحُكْمُ التَّأْخِيرِ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاتَيْنِ فِي نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ، وَفِي النُّزُولِ قَبْلَهُ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ وَالْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَسَوَاءٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ (وَ) الْحُكْمُ (كَذَلِكَ) فِي الْعِشَاءَيْنِ إذَا أَشْرَكَهُ الْغُرُوبُ سَائِرًا فَلَهُ وَجْهَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ (الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جَمْعًا صُورِيًّا بِأَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ وَيُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُنْزِلُ طُلُوعَ الْفَجْرِ هَذَا مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ، وَالثُّلُثَ الْأَوَّلَ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا بَعْدَهُ لِلْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ، وَثَانِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَوْ قَبْلَهُمَا فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا كَمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَيْنِ عِنْدَ نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَثَانِي الْحَالَتَيْنِ أَنْ يُدْرِكَهُ الزَّوَالُ أَوْ الْغُرُوبُ بَازِلًا بِالْمَنْهَلِ وَفِيهِ ثَلَاثُ أَوْجُهٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَجْهًا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا ارْتَحَلَ) الْمُسَافِرُ أَيْ أَرَادَ الِارْتِحَالَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ وَزَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهِ (فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى) وَهِيَ الظُّهْرُ مِنْ الظُّهْرَيْنِ أَوْ الْمَغْرِبُ مِنْ الْعِشَاءَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لَهُمَا، وَنَوَى أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ (جَمَعَ حِينَئِذٍ) بِأَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ عِنْدَ الظُّهْرِ وَالْعِشَاءَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، وَيُسَمَّى جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَالْأَوَّلُ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَثَانِيهَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ قَبْلَ الِاصْفِرَارِ فِي الظُّهْرَيْنِ أَوْ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعِشَاءَيْنِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ فَقَطْ، وَثَالِثُهَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرَيْنِ أَوْ بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعِشَاءَيْنِ.
فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ
عَقْلِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقُ بِهِ لِبَطْنٍ بِهِ وَنَحْوِهِ جَمَعَ وَسْطَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَعِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ
ــ
[الفواكه الدواني]
رَاكِبًا لَهُ حَالَتَانِ، وَمَنْ زَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ لَهُ ثَلَاثُ أَحْوَالٍ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى، قَبْلَ الِارْتِحَالِ فِي الثَّلَاثِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى قِسْمَيْ الرَّاكِبِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَفِي وَقْتَيْهَا كَمَنْ لَا يَضْبِطُ نُزُولَهُ، وَأَشَارَ إلَى أَحْوَالِ النَّازِلِ بِقَوْلِهِ: وَرَخَّصَ لَهُ الظُّهْرَيْنِ بِالْمَنْهَلِ إذَا زَالَتْ بِهِ، وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ وَفِي الِاصْفِرَارِ خَيْرٌ فِيهَا، وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثِ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَبَاقِي اللَّيْلِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّازِلَ وَقْتَ الزَّوَالِ أَوْ الْغُرُوبِ مُخَالِفٌ لِلسَّائِرِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّازِلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ وَيَنْزِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَجْمَعُ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَالسَّائِرَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ، وَنَظِيرهُ مَنْ لَا يَضْبِطُ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْمَبْطُونُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ تَأْخِيرُ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا بِحَيْثُ إذَا فَرَغَ مِنْهَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَيَشْرَعُ فِي الثَّانِيَةِ لِدُخُولٍ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ جَدَّ الْيَسِيرُ فِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا إسْنَادُ الْجِدِّ إلَى السَّيْرِ، وَهُوَ إنَّمَا يُسْنَدُ إلَى الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الِاجْتِهَادُ وَالسَّيْرُ لَا يُجْتَهَدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا جَوَابَ هَذَا بِتَضْمِينِ جَدَّ بِمَعْنَى اشْتَدَّ أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ إسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عَلَى حَدِّ: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ صَاحِبُهَا، وَالْمَعْنَى هُنَا جَدَّ السَّيْرَ أَيْ صَاحِبُهُ، وَثَانِي الْأَمْرَيْنِ أَنَّ تَعْبِيرَهُ بِ جَدَّ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ الْجِدِّ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ كَمَا صَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ قَصُرَ وَلَمْ يَجِدَّ إلَخْ.
الثَّالِثُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ صُورِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تُؤَخَّرُ، وَالْمُرَادُ وَقْتُهَا الْمُعْتَادُ لَهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَا صَلَّيْت فِيهِ وَقْتٌ لَهَا ضَرُورِيٌّ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الضَّرُورِيَّ بَعْدَ الْمُخْتَارِ أَمْرٌ أَغْلَبِيٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي الصُّورِيِّ هَلْ هُوَ رُخْصَةٌ أَوْ غَيْرُ رُخْصَةٍ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَخَالَفَ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً، وَلَعَلَّ وَجْهَ كَوْنِهِ رُخْصَةً أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُلَامُ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَرِيضِ وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَلَا يُلَامُ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهَا، لِأَنَّهُ يُرَخَّصُ لِصَاحِبِ الضَّرُورَةِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلصَّحِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ إلَى سَادِسِ الْأَسْبَابِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ (لِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ) بَيْنَ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ (إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَلَى عَقْلِهِ) فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ أَوْ حُمَّى أَوْ دَوْخَةٍ (عِنْدَ الزَّوَالِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَجْمَعُ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرَيْنِ (وَعِنْدَ الْغُرُوبِ) بِالنِّسْبَةِ لِلْعِشَاءَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَدَّمَ خَائِفُ الْإِغْمَاءِ وَالنَّافِضُ وَالْمَيْدُ، وَاسْتَشْكَلَ الْقَرَافِيُّ طَلَبَ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَجْمَعُ مَا لَمْ يَجِبْ بَلْ يَحْرُمُ التَّقَرُّبُ بِصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ لَمْ تَجِبْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ حُصُولِ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ لَوْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهَا وَهُوَ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ فَيُطْلَبُ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهَا تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْأُولَى، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَيْضِ اسْتِغْرَاقُهُ الْوَقْتَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ خَافَ السَّلِيمُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَكْسَهُ وَهُوَ مَا إذَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَقْتَ الْأُولَى مِنْ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا عَكْسُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ كَصَاحِبِ السَّلَسِ الَّذِي يُلَازِمُهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَيَنْقَطِعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ.
الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَدْبِ التَّقْدِيمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَنَدْبُ التَّأْخِيرِ فِي عَكْسِهِ وَاضِحٌ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ فِي آخِرِهِ لَطَلَبَ مِنْهُ التَّأْخِيرَ، لَكِنْ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ اسْتِغْرَاقَهُ لِوَقْتِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ فَمَا وَجْهُ طَلَبِهِ بِهَا وَيُقَدِّمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَجَوَابُهُ احْتِمَالُ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
الثَّالِثُ: لَوْ جَمَعَ الْمَرِيضُ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُولَى لِخَوْفِ زَوَالِ عَقْلِهِ أَوْ لِحُمَّى عِنْدَ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ سَنَدٌ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ سَلَّمَ أَوْ قَدَّمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ أَوْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ أَعَادَ الثَّانِيَةَ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، وَمَحَلُّ الْإِعَادَةِ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ إذَا جَمَعَ غَيْرَ نَاوٍ الِارْتِحَالَ، وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ، وَأَشَارَ إلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ حَالَتَيْ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ:(وَإِنْ) كَانَ