الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُتَعَمِّدًا
وَإِنْ مَرِضَ خَرَجَ إلَى بَيْتِهِ فَإِذَا صَحَّ بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْمَرَضِ وَعَلَى الْحَائِضِ فِي الْحَيْضِ فَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا سَاعَتَئِذٍ إلَى الْمَسْجِدِ
وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ
[مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ]
وَلْيَدْخُلْ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي
ــ
[الفواكه الدواني]
قَضَاؤُهُ وَلَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا، وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ نَاسِيًا، وَيُجَابُ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ وَوَجَبَ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ حَيْثُ كَانَ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا، وَلَزِمَ مَعَ الْفِطْرِ بِالنِّسْيَانِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النَّاسِيَ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ التَّفْرِيطِ مَعَ انْضِمَامِ وُجُوبِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا وَسَهْوَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ:(وَكَذَلِكَ) أَيْ يَبْتَدِئُ الِاعْتِكَافَ (مَنْ جَامَعَ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ مُتَعَمِّدًا) وَمِثْلُ الْجِمَاعِ قُبْلَةٌ لِشَهْوَةٍ وَاللَّمْسُ بِبَعْضِ جَسَدِ مَنْ يَلْتَذُّ بِهِ مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وِجْدَانِهَا، فَذِكْرُ الْوَطْءِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا إنْ قَبَّلَ مَنْ لَا تُشْتَهَى، أَوْ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ لَذَّةً.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَطْءُ الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ كَغَيْرِهِمَا فِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِمَا بِخِلَافِهِ احْتِلَامُهُمَا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَصِحَّتُهُ بِعَدَمِ وَطْءٍ وَقُبْلَةِ شَهْوَةٍ وَلَمْسٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ نَاسِيَةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَيَبْتَدِئُهُ وَلَوْ كَانَتْ لَا تَبْطُلُ الصَّوْمَ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ مِنْ الْمُعْتَكِفِ لَيْلًا أَوْ فِي تَطَوُّعٍ نَهَارًا نِسْيَانًا، وَمِمَّا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ تَعَمُّدُ السُّكْرِ وَلَوْ لَيْلًا وَلَوْ صَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا سُكْرُهُ بِحَلَالٍ فَإِنَّمَا يُبْطِلُ اعْتِكَافَ يَوْمِهِ إنْ حَصَلَ السُّكْرُ نَهَارًا كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَجْرِي فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا جَرَى فِيهِمَا، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ غَيْرُ الْمُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ كَالْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ فَقِيلَ كَالسُّكْرِ بِالْحَرَامِ وَقِيلَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهَا بِتَعْطِيلِ الزَّمَنِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ اتِّفَاقًا
[مَالًا يُبْطِل الِاعْتِكَاف]
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَعْذَارٍ لَا تُبْطِلُهُ إنَّمَا تُمْنَعُ إمَّا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الصَّوْمُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ مَرِضَ) الْمُعْتَكِفُ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ الصَّوْمِ دُونَ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (خَرَجَ إلَى بَيْتِهِ) وُجُوبًا مَعَ الْمَرَضِ الْمَانِعِ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ جَوَازِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ.
وَفِي الرَّجْرَاجِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ. (وَاذَا صَحَّ) مِنْ مَرَضِهِ وَرَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ سَرِيعًا (بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ) مِنْ اعْتِكَافِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ فِي كَلَامِهِ الْإِتْيَانُ بِبَدَلِ مَا فَاتَ بِالْعُذْرِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ أَيَّامٌ مُعَيَّنَةً وَفَاتَتْ أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مَضْمُونَةً (وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ) تَخْرُجُ إلَى بَيْتِهَا كَمَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ (وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ مَا دَامَ (فِي الْمَرَضِ وَعَلَى الْحَائِضِ) مَا دَامَتْ (فِي الْحَيْضِ) فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ. (وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ) وَصِلَةُ طَهُرَتْ وَأَفَاقَ (فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا) وُجُوبًا (سَاعَتئِذٍ) أَيْ وَقْتَ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ، وَالْمُرَادُ بَعْدَ طُهْرِهَا وَبُرْءِ الْمَرِيضِ (إلَى الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّا بِيَوْمِ الرُّجُوعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى. بِزَوَالٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ عِيدٍ وَخَرَجَ وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا أَخَّرَ الرُّجُوعَ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ لِعُذْرٍ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ وَيَسْتَأْنِفُ، لَا أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ إذَا صَادَفَ زَوَالَ الْعُذْرِ لَيْلَةَ الْعِيدِ أَوْ يَوْمَهُ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ حَتَّى مَضَى الْعِيدُ وَتَالِيَاهُ فِي الْأَضْحَى لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، بِخِلَافِ لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ وَأَخَّرَ كُلٌّ الرُّجُوعَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّ اعْتِكَافَهُ يَبْطُلُ لِصِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِغَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبِنَاءَ فِي كَلَامِهِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى مَعْنًى أَعَمَّ، وَأَنَّ مِثْلَ الْمَرَضِ الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ، نَعَمْ كَلَامُهُ كَكَلَامِ خَلِيلٍ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ بِصَوْمِ فَرْضٍ بِحَسَبِ الْأَصْلِ كَرَمَضَانَ أَوْ بِنَذْرٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَضْمُونَةً أَيْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ الْعُذْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا يَجِبُ الْبِنَاءُ إلَّا إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْمُعْتَكَفِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمُعْتَمَدُ مِنْهَا عَدَمُ لُزُومِ الْقَضَاءِ.
الثَّانِي: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَعْضُ تَكْرَارِ بَيَانِهِ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا فِي الْمَرِيضِ: فَإِذَا صَحَّ بَنَى، ثُمَّ أَعَادَهُ ثَانِيًا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ، هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَظَهَرَ لَنَا جَوَابٌ يَنْدَفِعُ بِهِ دَعْوَى التَّكْرَارِ وَهُوَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إعَادَتِهِ ثَانِيًا الْإِشَارَةُ إلَى وُجُوبِ رُجُوعِهِ سَرِيعًا إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا إذَا صَحَّ بَنَى وُجُوبَ الرُّجُوعِ سُرْعَةً فَنَبَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا،
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ) أَيْ مَحَلِّ اعْتِكَافِهِ لِأَنَّ
يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ
وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ وَلَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ
وَلَا شَرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ
وَلَا
ــ
[الفواكه الدواني]
الْخُرُوجَ مُنَافٍ لِلْمُلَازَمَةِ (إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) الَّتِي لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَبَوْلٍ، وَمَا لَا غِنَى لَهُ عَنْ تَحْصِيلِهِ كَشِرَاءِ مَأْكُولِهِ وَمَشْرُوبِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ بِحَاجَتِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُرُوجِ، فَيَشْمَلُ الْخُرُوجَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِجَنَابَتِهِ أَوْ عِيدِهِ أَوْ جُمُعَتِهِ أَوْ تَبَرُّدِهِ لِحَرٍّ أَصَابَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْحَمَّامِ، وَقَوْلُ الشَّامِلِ: وَلَا يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْحَمَّامَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُمْكِنُهُ التَّطَهُّرُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَحَلٍّ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِغَسْلِ ثِيَابِهِ الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ وَلَا غِنَى لَهُ عَنْهَا، وَيَجُوزُ لَهُ انْتِظَارُ تَجْفِيفِهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِنَابَةُ لِغَيْرِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ لِحُضُورِ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِذَا مَاتَا مَعًا لَا يَخْرُجُ لِجِنَازَتِهِمَا وَلَا لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ وَإِنْ وَجَبَتْ وَيُؤَدِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا خَرَجَ لِشَيْءٍ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ الِاعْتِكَافِ أَنْ يُحَصِّلَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمُعْتَكَفِ، وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ غَيْرَ مُكَفًّى.
الثَّانِي: إذَا أَرَادَ الْمُعْتَكِفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فَيَأْكُلَ فِي أَيِّ مَحَلٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ فِي رِحَابِهِ أَوْ فِي الْمَنَارَةِ وَيُغْلِقُهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَكَلَ خَارِجَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ خَارِجًا عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
الثَّالِثُ: كَخُرُوجِهِ لِبَعْضِ حَوَائِجِهِ، وَلِمَانِعٍ حَصَلَ لَهُ كَحَيْضٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ وَقَضَى حَاجَتَهُ أَوْ زَالَ مَانِعُهُ وَقُلْنَا يَرْجِعُ سَرِيعًا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوَّلًا، أَوْ يَجُوزُ لَهُ الذَّهَابُ إلَى أَيِّ مَسْجِدٍ حَيْثُ كَانَ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي الْقُرْبِ أَوْ أَقْرَبَ؟ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ تَعْيِينِ الْأَوَّلِ حَيْثُ وُجِدَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي الْقُرْبِ أَوْ أَقْرَبَ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَدَأَ اعْتِكَافَهُ فِي مَسْجِدٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لَا لِعُذْرٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقَالِ لِيُكْمِلَ فِيهِ اعْتِكَافَهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ اخْتِيَارًا لَمَا وَجَبَ عَلَى نَاذِرِ أَيَّامٍ تُدْرِكُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ الِاعْتِكَافُ فِي مَحَلِّ خُطْبَةٍ
ثُمَّ بَيَّنَ الزَّمَنَ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْ مُرِيدِ الِاعْتِكَافِ الدُّخُولُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَدْخُلْ) مُرِيدُ الِاعْتِكَافِ (مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ) لِيَسْتَكْمِلَ اللَّيْلَةَ، وَحُكْمُ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا، وَالنَّدْبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْذُورًا، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَخَّرَ دُخُولَهُ وَدَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَحَلَّ النِّيَّةِ، بَلْ وَلَوْ دَخَلَ مَعَ الْفَجْرِ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهَا مَعَ الْفَجْرِ لَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ عَلَى التَّأْخِيرِ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْوَاجِبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُنْهَى الْمُعْتَكِفُ عَنْ فِعْلِهِ فَقَالَ: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَالْمُرَادُ فِي الْمَسْجِدِ لَا إنْ كَانَ خَارِجَهُ فَيُمْنَعُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَأَمَّا سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَقُومُ مِنْ مَحَلِّهِ لِلتَّعْزِيَةِ وَلَا لِلتَّهْنِئَةِ، وَهَذَا حَيْثُ كَانَ الْمَرِيضُ غَيْرَ أَبَوَيْهِ، وَأَمَّا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِعِيَادَتِهِمَا أَوْ لِجِنَازَةِ أَحَدِهِمَا، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَخُرُوجِهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. (وَلَا يُصَلِّي) الْمُعْتَكِفُ (عَلَى جِنَازَةٍ) وَلَوْ لَاصَقَتْ وَلَوْ جِنَازَةَ جَارٍ أَوْ صَالِحٍ، وَالْمُرَادُ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِتَجْهِيزِهَا إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَتُبْطِلُ اعْتِكَافَهُ، وَاتَّفَقَ الشُّيُوخُ عَلَى جَوَازِ حِكَايَتِهِ الْآذَانَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَكْبِيرٍ وَهُوَ ذِكْرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ تَقْتَضِي الْمَشْيَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلِّهِ وَالْمُخَالَطَةَ لِلنَّاسِ الْمُنَافِي كُلٌّ مِنْهُمَا لِلِاعْتِكَافِ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَحَبُّ مِنْ النَّفْلِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ جَارًا أَوْ صَالِحًا، وَقُلْتُمْ هُنَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَ) كَذَا (لَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ مَحَلُّهَا قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَيُمْنَعُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خُرُوجِهِ لِأَكْلِهِ، وَمَفْهُومُ التِّجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِنَحْوِ أَكْلِهِ فَلَا يُنْهَى عَنْهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ مِنْ عَيْشِهِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ، وَأَمَّا شِرَاؤُهُ أَوْ بَيْعُهُ لِلتِّجَارَةِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ أَيْضًا، فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ يَخْرُجُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ لِلتِّجَارَةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ دَاخِلَهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَوْ خَارِجَهُ بِحَيْثُ لَا يُجَاوِزُ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ: أَيَجْلِسُ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ وَيَكْتُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: لَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَمْرَ الْخَفِيفَ وَالتَّرْكُ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يَخْرُجُ لِمُدَاوَاةِ رَمَدٍ بِعَيْنَيْهِ وَلْيَأْتِهِ مَنْ يُعَالِجُهُ، وَلَا يَصْعَدُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى مَا يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ بِقَوْلِهِ: وَكُرِهَ أَكْلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مُكَفًّى، وَدُخُولُهُ مَنْزِلَهُ وَإِنْ لِغَائِطٍ، وَاشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ وَكِتَابَتِهِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ، وَفِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ، وَصُعُودُهُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ، وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلُذْ بِهِ، وَأَشَارَ إلَى الْجَائِزِ بِقَوْلِهِ: وَجَازَ
بَأْسَ أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْمَسْجِدِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَعْقِدَ نِكَاحَ غَيْرِهِ
وَمَنْ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ خَرَجَ مِنْ اعْتِكَافِهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهِ وَإِنْ اعْتَكَفَ بِمَا يَتَّصِلُ فِيهِ اعْتِكَافُهُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ فَلْيَبِتْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى.
ــ
[الفواكه الدواني]
إقْرَاءُ قُرْآنٍ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ وَتَطَيُّبُهُ، وَأَنْ يَنْكِحَ وَيُنْكِحَ، وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا، وَانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفِهِ، وَنُدِبَ إعْدَادُ ثَوْبِهِ وَمُكْثُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ.
(وَلَا شَرْطَ) مَعْمُولٌ بِهِ (فِي الِاعْتِكَافِ) قَالَ الْجُزُولِيُّ: صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَكِفُ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ أَعْتَكِفُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ إلَى أَنْ يَبْدُوَ لِي فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ فَأَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْمَشْهُورُ مِنْهَا أَنَّهُ يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إنْ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْمُعْتَكَفِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرُّ مُنَافِيهِ لَغْوٌ وَقَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ شَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُفِدْهُ.
(وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يَكُونَ) الْمُعْتَكِفُ (إمَامًا لِمَسْجِدٍ) وَلَوْ رَاتِبًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُنَافِي الِاعْتِكَافَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ كَوْنُهُ إمَامًا، لِأَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَّ فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ» ، وَلَا يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا مَا كَانَ رَاجِحَ الْفِعْلِ، فَمَا فِي خَلِيلٍ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَخِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا إقَامَةُ الصَّلَاةِ أَوْ صُعُودُهُ لِلْأَذَانِ عَلَى مَنَارٍ أَوْ سَطْحِ فَمَكْرُوهَتَانِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُعْتَكِفِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ:(وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) أَيْ يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ عَقْدُ النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
(أَوْ) أَيْ وَيُبَاحُ لَهُ أَنْ (يَعْقِدَ نِكَاحَ غَيْرِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَيُنْكِحَ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ تَشَاغُلٍ بِهِ بِأَنْ كَانَ مُجَرَّدَ إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ حَرُمَ وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ بِنَحْوِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ مُنْعَزِلٌ عَنْ النَّاسِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ؛ وَلِأَنَّهُ مَفْسَدَةُ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ مِنْ مَفْسَدَةِ الِاعْتِكَافِ، وَمِمَّا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ وَسَمَاعُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ مَرِيضٍ
، ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ تَمَامِ اعْتِكَافِهِ بِقَوْلِهِ:(وَمَنْ اعْتَكَفَ) بِالنَّذْرِ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ (أَوَّلَ الشَّهْرِ) رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ وَسَطَهُ) وَأَتَمَّهَا (خَرَجَ) جَوَازًا (مِنْ اعْتِكَافِهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهِ) لِانْقِضَاءِ اعْتِكَافِهِ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
(وَ) أَمَّا (إنْ اعْتَكَفَ بِمَا) أَيْ فِي زَمَنٍ يَتَّصِلُ فِيهِ (اعْتِكَافُهُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ) الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، كَمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ الْأَوَّلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. (فَلْيَبِتْ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (لَيْلَةَ) يَوْمِ عِيدِ (الْفِطْرِ) أَوْ النَّحْرِ (فِي الْمَسْجِدِ) الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ لَهُ الْبَيَاتُ فِي الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَغْدُوَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى) لِيَصِلَ عِبَادَةً بِعِبَادَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ رضي الله عنه: «بَلَغَنِي أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ اعْتِكَافِهِ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ» .
1 -
(خَاتِمَةٌ) يَتَأَكَّدُ نَدْبُ الِاعْتِكَافِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْأَفْضَلُ مِنْهُ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ لِأَجْلِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُقَدِّرُ فِيهَا سبحانه وتعالى جَمِيعَ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ الْجَارِيَةِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] وَمَعْنَى تَقْدِيرِ الْأُمُورِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَوْقُهَا إلَى مَوَاقِيتِهَا وَتَنْفِيذُ الْقَضَاءِ الْمُقَدَّرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهَا فِيهِ لِخَبَرِ:«الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» وَهِيَ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَجْمًا بَعْد نَجْمٍ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَكَانَ نُزُولُ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ.
قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَةٍ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا تَلْزَمُ لَيْلَةٌ بِعَيْنِهَا بَلْ تَنْتَقِلُ، فَإِذَا كَانَتْ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ تَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الصَّوَابِ بِدَلِيلِ حَثِّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْتِمَاسِهَا وَمَا وَرَدَ مِنْ رَفْعِهَا، فَالْمُرَادُ رَفْعُ تَعْيِينِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِرَفْعِهَا جُمْلَةً وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِتَقْدِيرِ الْكَائِنَاتِ فِيهَا مِنْ أَرْزَاقٍ وَغَيْرِهَا وَإِظْهَارِهَا لِلْمَلَائِكَةِ، وَسَبَبُ امْتِنَانِ اللَّهِ تَعَالَى بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ فِي أَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ وَتَعَجَّبَ مِنْ طُولِهَا مَعَ قِصَرِ أَعْمَارِ أُمَّتِهِ وَعَدَمِ بُلُوغِهَا عُمُرَ الْأَوَائِلِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَالْمُرَادُ عَمَلُ لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ