المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم: - القرآن ونقض مطاعن الرهبان - جـ ١

[صلاح الخالدي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تعريف بكتاب " هل القرآن معصوم

- ‌نقد مقدمة الكتاب

- ‌الفصل الأول نقض المطاعن الجغرافية

- ‌هل تَغيبُ الشمسُ في بئرِ ماء

- ‌هل الأرض ثابتة لا تتحرك

- ‌كيفَ تُرْجَمُ الشياطينُ بالنجوم

- ‌هل السموات سبع والأراضي سبع

- ‌ما هو النسيء

- ‌بماذا تروى مصر

- ‌هل الرعد ملك من الملائكة؟وكيف يسبح الله

- ‌بين وادي طوى وجبل حوريب

- ‌هل الشمس ثابتة

- ‌القمر كالعرجون القديم

- ‌أسطورة جبل قاف

- ‌الفصل الثاني نقض المطاعن التاريخية

- ‌هل كان هامان وزيراً لفرعون

- ‌حول تعاون هامان وقارون مع فرعون

- ‌حول صنع السامري للعجل

- ‌من هو أبو إبراهيم عليه السلام

- ‌حول أبي مريم وأخيها

- ‌هل هَمَّ يوسفُ عليه السلام بالزنى

- ‌كيف دعا نوح على قومِه بالضلال

- ‌هل نجا فرعون من الغرق

- ‌بين زكريا ومريم

- ‌حول انتباذ مريم مكاناً شرقيّاً

- ‌حول ولادةِ مريم وكلام وليدها

- ‌هل لكلِّ أمةٍ رسول

- ‌هل أشرك آدم وحواء بالله

- ‌هل غرق ابن نوح عليه السلام

- ‌هل أيوب حفيد إسحاق

- ‌الصلة بين موسى والخضر ومحمد - صلى الله عليهم وسلم

- ‌حول ترتيب أسماء الأنبياء

- ‌إدريس وليس أخنوخ

- ‌من هم أتباع نوح عليه السلام

- ‌بابل والنمرود

- ‌ما هو أصل الكعبة

- ‌إِبراهيم عليه السلام ونمرود

- ‌إسماعيل صِدِّيقَّ نبٌيّ عليه السلام

- ‌كيف احتال إخوة يوسف عليه السلام على أبيهم

- ‌الشاهد ببراءة يوسف عليه السلام

- ‌يوسف ومراودة نسوة المدينة

- ‌توجيه طلبِ يوسفَ ذكرَه عند الملك

- ‌عدد مرات مجيء إخوة يوسف لمصر

- ‌حقيقة قميص يوسف

- ‌امرأة فرعون تتبنَّى موسى عليه السلام

- ‌حول تقتيل أولاد بني إسرائيل

- ‌حول صداق امرأة موسى عليه السلام

- ‌وراثة بني إسرائيل للأرض

- ‌تسع آيات لا عشر ضربات

- ‌العيون المتفجرة من الحجر

- ‌الألواح التي كتبت عليها التوراة

- ‌هل طلب بنو إسرائيل رؤية الله

- ‌قارون الإسرائيلي الكافر

- ‌بين داود وسليمان عليهما السلام

- ‌بين هاجر ومريم عليهما السلام

- ‌حول نزول المائدة على الحواريين

- ‌أصحاب القرية والرسل الثلاثة

- ‌حول قوم عاد

- ‌من هم أصحاب الرَّسِّ

- ‌حول لقمان الحكيم

- ‌بين الإسكندر وذي القرنين

- ‌الكعبة ومقام إبراهيم عليه السلام

- ‌يمين أيوب والضغث والضرب

- ‌الصرح الذي بُني لفرعون

- ‌حول الطوفان على المصريين

- ‌حول طالوت وجيشه

- ‌حول كلام عيسى في المهد

- ‌عيسى ومعجزة خلق الطير

- ‌من هو المصلوب

- ‌الفصل الثالث نقض المطاعن الأخلاقية

- ‌الرخصة لمن أكره على الكفر

- ‌العفو عن لغو اليمين

- ‌حول إعطاء المؤلفة قلوبهم

- ‌حول آيات الجهاد والقتال

- ‌حول إباحة الغنائم

- ‌حول قسم الله بمخلوقاته

- ‌حول الترخيص بالكذب

- ‌إباحة ردِّ العدوان

- ‌حول إباحة تعدد الزوجات

- ‌الفصل الرابع نقض المطاعن اللاهوتية

- ‌التوحيد والتثليث والأقانيم

- ‌الذنوب بين الاستغفار والتكفير والفداء

- ‌ما هي مصادر القرآن البشرية

- ‌هل صلاة الجمعة من تشريع الجاهلية

- ‌هل يباح القتال في الأشهر الحرم

- ‌ما هو أصل التكبير

- ‌حول عالم الجن

- ‌هل يأمر الله بالفسق والفحشاء

- ‌لم يشك الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحىِ

- ‌هل في القرآن أقوال للناس

- ‌حول سور الخَلْع والحَفْد والنّورين

- ‌كيف يشاء الله الكفر

- ‌الله يبتلي عباده بالخير والشر

- ‌حديثُ القرآن عن المسيح عليه السلام

- ‌ما الذي كان يفعلُه عيسى عليه السلام

- ‌6 - رفع عيسى عليه السلام إلى السماء:

- ‌7 - المسيحُ وجيهٌ في الدنيا والآخرة:

- ‌8 - هل المسيح هو المخلِّص وحده

- ‌موقف الملائكة من خلق آدم عليه السلام

- ‌ما معنى سجود الملائكة لآدم عليه السلام

- ‌هل جهنم لجميع الأبرار والأشرار

- ‌مظاهر نعيم المؤمنين في الجنة

- ‌أرواح الشهداء وأجواف الطيور الخضر

- ‌حول تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌هل تذهب الحسناتُ السيئاتِ

- ‌من الذي صُلب: المسيح أم شبيهه

- ‌حول تكفير الصوم للخطايا

- ‌نفي النبوة عن نسل إسماعيل عليه السلام

- ‌هل بلاد العرب للمسيح عليه السلام

- ‌هل أكلت الشاة القرآن

- ‌حول إحراق عثمان المصاحف

- ‌كيف يضل الله الإنسان ثم يعذبه

- ‌بين قدر الله وإرادة الإنسان

- ‌الفصل الخامس نقض المطاعن اللغوية

- ‌ذكر المرفوع بعد المنصوب

- ‌الفاعل لا يكون منصوباً

- ‌المبتدأ مؤنث والخبر مذكر

- ‌تأنيث العدد وتذكير المعدود

- ‌اسم الموصول المفرد العائد على الجمع

- ‌جزم فعل معطوف على منصوب

- ‌هل يجوز نصب المعطوف على المرفوع

- ‌هل ينصب المضاف إليه

- ‌جمع الكثرة بدل جمع القلة

- ‌جمع القلة بدل جمع الكثرة

- ‌هل يجمع الاسم العلم

- ‌بين اسم الفاعل والمصدر

- ‌لا يُعطف المنصوب على المرفوع

- ‌حكمة وضع المضارع بدل الماضي

- ‌حكمة حذف جواب الشرط

- ‌هل صرف القرآن الممنوع من الصرف

- ‌حول تذكير خبر الاسم المؤنث

- ‌هل القرآن يوضح الواضح

- ‌هل يأتي فاعلان لفعل واحد

- ‌اعتراض على الالتفات:

- ‌حكمة إفراد الضمير العائد على المثنى

- ‌كم قلباً للإنسان

- ‌الفصل السادس نقض المطاعن التشريعية

- ‌لماذا قطع يد السارق

- ‌معنى قوله تعالى: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)

- ‌حول شهادة المرأة وضربها وميراثها

- ‌حول تعدد الزوجات

- ‌هل الطلاق خطأ

- ‌حول جلد الزاني والزانية

- ‌حول إباحة التسري

- ‌الحجاب الحافظ للمرأة

- ‌هل شعائر الحج من الوثنية

- ‌حول إباحة التجارة في موسم الحج

- ‌من الدي حدد وقت الحج

- ‌هل الإفاضة من أعمال الجاهلية

- ‌هل أركان الحج من الجاهلية

- ‌حول توزيع الزكاة

- ‌توجيه تفضيل الرجال على النساء

- ‌هل صلاة المسلمين تقليد وثني

- ‌حول التطهر بالتيمم

- ‌تفسير سياسي لتحويل القبلة

- ‌اعتراض على الصلوات الخمس

- ‌الصلوات وليلة المعراج

- ‌حول فرض صيام رمضان

- ‌حول حرمة الأشهر الحرم

- ‌هل انتشر الإسلام بالسيف

- ‌حول القصاص في القتل

- ‌حكم قتل المرتد

- ‌حكم الزواج بالكتابيات

- ‌الفصل السابع نقض المطاعن الاجتماعية

- ‌لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل

- ‌لماذا ميراث المرأة نصف ميراث الرجل

- ‌حول تعدد الزوجات

- ‌ضرب الزوجات: لماذا؟ ومتى؟ وكيف

- ‌ماذا بعد الطلقة الثالثة

- ‌حول حجاب المرأة

- ‌حول قتال مانعي الزكاة

- ‌حول توزيع الغنائم

- ‌حول أخذ الجزية من أهل الكتاب

- ‌حول إكراه الجواري على الزنى

- ‌حول الشهود على الزنى

- ‌لماذا جلد الزاني أمام الناس

- ‌المنسوخ والناسخ في حد الزنى

- ‌هل أخد الرسول صلى الله عليه وسلم بثأر حمزة

- ‌حول الإعداد للأعداء

- ‌حول النهي عن موالاة الكفار

- ‌هل يدعو القرآن إلى الكراهية

- ‌حول تقبيل الحجر الأسود

- ‌حول عدم الاستعانة بالكافرين

- ‌حول انتشار الإسلامِ في العالم

- ‌حول تقاتل المسلمين

- ‌الفصل الثامن نقض المطاعن العلمية

- ‌هل لتمثال العجل خوار

- ‌أسطورة خاتم سليمان

- ‌لماذا إنكار عذاب القبر

- ‌حول ناقة صالح عليه السلام

- ‌حول إهلاك قوم مدين

- ‌كيف مُسخ اليهود قردة

- ‌حول عالم الجن

- ‌حول التداوي بالعسل

- ‌أين شهود الإسراء والمعراج

- ‌حول مهمة الهدهد زمن سليمان عليه السلام

- ‌ما هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان

- ‌حول موت سليمان عليه السلام

- ‌رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل

- ‌هل تتكلم الجبال

- ‌الله يلين الحديد لداود عليه السلام

- ‌حول نوم أصحاب الكهف

- ‌حول الريح المسخرة لسليمان عليه السلام

- ‌حول أصحاب الفيل والطير الأبابيل

- ‌هل خاف يعقوب على أبنائه من العين

- ‌حول بقرة بني إسرائيل

- ‌هل الرعد ملاك

- ‌حول سحر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل التاسع نقض المطاعن الفنية

- ‌ما المراد بالحروف المقطعة

- ‌هل في القرآن كلام أعجمي

- ‌دعوى التناقض في القرآن

- ‌أَوَّلاً: هل يتبدَّلُ كلامُ الله

- ‌ثانياً: التفاوت في مقادير أيام الله:

- ‌ثالثاً: بين نفي الشفاعة وإثباتها في الآخرة:

- ‌رابعاً: هل أهل الجنة قليلون أم كثيرون

- ‌خامساً: هل اليهود والنصارى مؤمنون

- ‌سادساً: بين الأمر بالصفح والأمر بالغلظة:

- ‌سابعاً: هل يأمر الله بالفحشاء

- ‌ثامناً: حول القسم بالبلد الأمين:

- ‌تاسعاً: حول المنافقين:

- ‌عاشراً: بين النهي عن الهوى وإباحته:

- ‌أحد عشر: التناقض في الخمر بين الحل والحرمة:

- ‌ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم:

- ‌ثالث عشر: هل نجا فرعون أم غرق

- ‌رابع عشر: السماء والأرض أيهما خلقت أولاً

- ‌خامس عشر: هل القرآن محكم أو متشابه

- ‌حول التكرار في القرآن

- ‌هل في القرآن من كلام الآخرين

- ‌ثانياً: ماذا أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من كللام عمر بن الخطاب

- ‌ب - ثلاث موافقات لعمر:

- ‌ثالثاً: ماذا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتب اليهود

- ‌حول إنزال القرآن مفرقاً

- ‌حول الكلمات الغريبة في القرآن

- ‌حول الناسخ والمنسوخ في القرآن

- ‌2 - لماذا نسخت القبلة إلى بيت المقدس

- ‌3 - هل نسخ تمسك الرجل بزوجته

- ‌ لماذا نُسخَ الامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيام

- ‌6 - هل نسخَ تَحريمُ إِتلافِ أَشجارِ الأَعداء

- ‌7 - لا نسخ في الصلاة على غير المسلم:

- ‌حول الكلام المتشابه في القرآن

- ‌هل القرآن مثل كلام الناس

- ‌حول الاختلاف والتناقض في القرآن

- ‌مع أمثلة الفادي للاختلاف في القرآن:

- ‌الفصل العاشر نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌تمهيد:

- ‌حولَ أَزواجِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم

- ‌حول حرمة نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌حول جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وغزواته

- ‌ما الذي حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم على نفسه

- ‌حول أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الزعم بأن القرآن وحي من الشيطان

- ‌هل مال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المشركين

- ‌اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بتزوج زوجة ابنه

- ‌حول سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌حول تقبيل الرسول للحجر الأسود

- ‌التشكيك في عفَّة عائشة رضي الله عنها

- ‌حول قتلِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم خصومَه

- ‌موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من ابن أم مكتوم

- ‌لم يطرد الرسول صلى الله عليه وسلم الفقراء والعبيد

- ‌استعاذة الرسول صلى الله عليه وسلم من الشيطان

- ‌هل الرسول صلى الله عليه وسلم مذنب

- ‌حول موقف عبد الله بن سعد بن أبي السرح

- ‌هل الرسول صلى الله عليه وسلم بدون معجزات

- ‌اتهامات الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌هل مات الرسول صلى الله عليه وسلم مسموماً

- ‌حول أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الوحي

- ‌3 - غطيط الرسول صلى الله عليه وسلم عند الوحي:

- ‌هل شرع الرسول صلى الله عليه وسلم في الانتحار

- ‌خرافة امتحان خديجة لجبريل

- ‌سخرية المجرم من رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌حول المرأة التي وهبت نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌حول إرجاء وإيواء الرسول صلى الله عليه وسلم من يشاء من نسائه

- ‌هل أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم أقوال أهل الكتاب في القرآن

- ‌هل شتم الرسول صلى الله عليه وسلم الذين شتموه

- ‌حول غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌إشاعة إبادة الكلاب في المدينة

- ‌حول تبشير عيسى بمحمد عليهما الصلاة والسلام

- ‌ما معنى الأُمِّي والأميين

- ‌عودة إلى دعوى التناقض في القرآن

- ‌لماذا النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم

- ‌تَمَّ الكتاب بحمد الله وتوفيقه

الفصل: ‌ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم:

ولا تَناقُضَ بين حديثِ القرآنِ عن حرمةِ الخمرِ في الدنيا وإِباحتِها في

الآخرة، لأَنَّ خمرَ الدنيا ليستْ كخمر الجَنّة.

خمرُ الدنيا من أَسلحةِ الشيطانِ في إِغواءِ وإِفسادِ الناس، وإِيقاعِ - العَداوةِ والبغضاءِ بينهم، قال تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) .

وخمرُ الدنيا تذهبُ بعقولِ شاربيها، فعندما يَسكرونَ يَفقدونَ السيطرةَ

على أَقوالِهم وأَفعالهم، ولذلك حَرَّمَها اللهُ على الناس.

وخمرُ الجنة منزهةٌ عن هذه العيوبِ والمفاسد، فلا سُلطانَ للشيطانِ

عليها في الجنة، وهي لا تَغتالُ عُقولَ شاربيها المؤمنين، قال تعالى:(يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) .

وقال لعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) .

فالخمرُ السيئةُ التي حَرَّمَها اللهُ في الدنيا أُمُّ الخبائث، وهي غيرُ الخمرِ

الطيبةِ التي أَباحَها اللهُ للمؤمنينَ في الجنة.

فلا تَناقُض بين حرمةِ هذه وإِباحةِ تلك!!.

‌ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم:

زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن الكافرين، وفي

توجيهِ المسلمين إِلى كيفيةِ التعاملِ معهم، فأَوردَ خمسَ آياتٍ تَنْهى عن إِيذاءِ

الكفار، وتأمرُ المسلمين بحسنِ معاملتِهم، وأَوردَ في مقابِلِها خمسَ آياتٍ

تتناقضُ معها، وتأمرُ المسلمينَ بقتالِ الكفارِ وقَتْلِهم:

أ - نهى اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن إِيذاءِ الكفار، قال تعالى:(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) .

الآيةُ محكَمة، وهي تَنهى عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، صَحيح، لكن

مَنْ هم الذينَ تَنهى الآيةُ عن إِيذائِهم، إِنهم الكافرونَ والمنافقونَ الذين

ص: 555

لا يُؤذونَ المسلمين، ولا يَتَآمرون عليهم، ولا يُحاربونَهم، وإِنما هم مُوادِعونَ مُسالِمون ساكتون، ومن المعلومِ أَنَّ إِيذاءَ المسالمِ الساكنِ عدوانٌ عليه، وهذا محرمٌ في الإِسلام.

ولا ننسى أَنَّ الآيةَ التي نهتْ عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، نَهَتْ أَيْضاً

عن طاعتِهم ومتابعتِهم وموافقتِهم على باطلِهم، ولا بُدَّ أَنْ نجمعَ بينَ جملتي

الآية، ولا يَجوزُ أَنْ نُلغيَ الجملةَ الأولى ونُبقي الجملةَ الثانية:(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) .

ب - أَوردَ الآيةَ التي تَنْهى عن الإِكراهِ في الدين؟

قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) .

تَنهى الآيةُ إِكْراهَ أَي كافرٍ على الدخولِ في الدينِ الإِسلامي، لأَنَّ

الدخولَ في الإِسلامِ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن اقتناع.

لكن لا يعني هذا أَن لا نَدْعوه للإِسلام، فلا بُدَّ أَنْ نُفَرقَ بين الدعوةِ والإِكراه

يَجبُ علينا أَنْ نَدعوَ كُلَّ كافرٍ للدخولِ في الإِسلام، مهما كان دينه، لأَن الإِسلامَ دعوةٌ للعالمين جميعاً.

وعندما نوجِّهُ له الدعوةَ نكون قد أَدَّيْنا الواجبَ الذي علينا، فإِن

استجابَ للدعوة واعتنقَ الإِسلام، فازَ وأَفْلح، وإِنْ رفضَ الدعوةَ وأَصَرَّ على كفره كان من الخاسرين، ونحن لا نُكرهُه على الإِسلام، ولا نُؤْذيه لِكفرِه طالما هو متوقّفٌ عن إِيذائِنا، فإِنْ آذانا دَفَعْنا الإِيذاء.

جـ - أَوردَ الآيةَ التي تُرشدُنا إِلى مساعدةِ الكفار مالِياً، قال تعالى:(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) .

ليسَ علينا هدى الكفار، لكن بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ لهم الدعوةَ، ونُقدمَ لهم

المساعدةَ الماليةَ إِذا كانوا محتاجين، وهذا بعدَ أَنْ يُعْلِنوا خُضوعَهم لسلطانِ

ص: 556

المسلمين، بدفْعِ الجزية، ويَكُفّوا أَيديهم عن إِيذاءِ المسلمين.

ومن روائع ما يُروى عن أَميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أَنه رأَى نصرانياً عَجوزاً هَرِماً محتاجاً، فأَمَرَ بإِعطائِه مساعدةً من بيتِ مالِ المسلمين، وقال: ما رحمْنا الرجلَ إِذا أَخَذْنا منه المال - الجزية - شابّاً، وتخلَّينا عنه وهو هَرِم!.

د - زَعَمَ الفادي أَنَّ اللهَ أَمَرَ المسلمينَ بتَرْكِ الكفارِ وشأنهم، واستدلَّ

على ذلك بقوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) .

وهذا استدلالٌ باطلٌ، فإِنَّ الآيةَ صريحةٌ في دعوتِهم للدخولِ في

الإِسلام، قال تعالى:(فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) .

إِنه لا يتركُهم وشأْنَهم، وإِنما يُحاججُهم ويُحاجّونَه، ويُكَلِّمُهم ويُكَلِّمُونَهُ،

فإِنْ لم يَسْتَجيبوا له صارحَهم بإِسْلامِه، وهو يَدْعوهم دعوةً صريحةً للدخولِ في الإِسلام:(وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) .

فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على الكفر، أَيْقَنّا أَنهم كافِرون خاسِرون

هالِكون، وإِنْ كَفُّوا أَيديَهم عن إِيذائِنا تَرَكْناهم وشأنهم.

واستدلَّ أَيضاً على تركِ الكافرين بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) .

وهذا استدلال باطل أَيضاً، لأَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم مأمورٌ بتبليغِ الكفارِ الدعوة، وإِقامةِ الحجةِ عليهم، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ تركَهم وشأنَهم، ويكونُ قد قامَ بواجبِه، ولم يجعَلْه اللهُ حَفيظاً ولا وكيلاً عليهم، ولم يأمُرْه بقذْفِ الإِيمانِ في قلوبِهم، لأَنَّ هذا بيدِ الله.

واستدلَّ الفادي الجاهلُ أَيضاً على وجوبِ تركِ الكافرين وشأنهم بقولِه

ص: 557

تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .

لا تَنفي الآيةُ وُجوبَ دعوةِ الكفارِ للإِسلام، فإِنّ هذا واجبٌ على

الدعاةِ، إِنما تَنفي إِكراهَ الكفارِ على الإِيمان، لأَنه لا إِكراهَ في الدينِ، وبعدَ

تبليغِ الدعوةِ وإِقامةِ الحجةِ يُتْرَكُ الكفارُ وشأنهم.

هـ - أَمَرَ اللهُ المسلمين بدعوةِ الكفارِ إِلى سبيلِ اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ

الحسنة، وأَوردَ الفادي قولَه تعالى:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) .

والآيةُ محكمة، وتوضحُ لنا أُسلوبَ الدعوة، وكيفيةَ التعاملِ مع

الآخَرين، وتقديمِ الدعوة لهم، وإِقامةِ الحجةِ عليهم.

وأَوردَ الفادي المفترِي خمسَ مَجموعاتٍ من الآياتِ، اعْتَبَرَها متناقضةً

مع المجموعاتِ السابقة، ولذلك اتهمَ القرآنَ بالتناقض.

1 -

أَمَرَ اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بتحريضِ المؤمنين على قِتالِ الكافرين، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..) .

واعتبرَ الفادي الآيةَ متناقضةً مع الآيةِ التي تَنْهى عن إِيذاءِ الكافرين، وهي قولُه تعالى:(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) .

ولا تَناقُضَ في الحقيقةِ بينَ النهيِ عن إِيذاءِ الكافرين، والأَمْرِ بالتَّحريضِ

على قِتالِهم، لأَنَّ الكفارَ نوعان: النهيُ عن الإِيذاءِ ينطبقُ على نوعٍ من الكفار، وهم الكفارُ المسالمونَ المحايدون، الذين لا يَتآمرونَ على المسلمين ولا يُحاربونهم.

أَمَّا الأَمْرُ بقتالِ الكفارِ فإِنه ينطبقُ على نوعٍ آخرَ من الكفار، وهم

الذين يَتَآمَرونَ على المسلمين ويُحاربونَهم، ويَطْعَنونَ في دينِهم، ويَمنعونَ

دعوتَهم، ويَفْتِنون الناسَ عن الإِسلام.

ص: 558

2 -

لا تَناقُضَ بين قولِه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، وبينَ قولِه تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) .

تمنعُ الآيةُ الأُولى إِجبارَ الكفارِ على اعتناقِ الإِسلام، لأَنَّ

الإِسلامَ لا يَقبلُ الإِكراهَ والإِجبار، ولا بُدَّ من أَنْ يَقتنعَ الإِنسانُ بالإسلامِ قناعةً خاصّة، ينتجُ عنها اعتناقُه الإِسلام، ولكنَّ عَدَمَ إِكراهِهم على اعتناقِ الإِسلام لا يُلْغي وُجوبَ دعوتهِم للدخولِ فيه، فعلى الدعاةِ أَنْ يَدعوهم لهذا الدين، لأَنه رسالةٌ عالمية، ودينُ اللهِ للعالَمين جَميعاً، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرِهم تركْناهم وشأْنَهم، وحسابُهم عند اللهِ، على أَنْ يَخْضَعوا لسلطان المسلمين.

فإِذا وَقَفَ الكفارُ أَمامَ الدعاة، ومَنَعوهم من أَداءِ واجبِ الدعوةِ، وفتنوهم

وآذوهم وعَذَّبوهم واضطهدوهم، كانوا هم المعْتَدين الظالمين، وعند ذلك أَباحَ لنا اللهُ مواجَهَتهم، وأَمَرَنا بقتالِهم، والدفاعِ عن الناسِ المعَذَّبين المفتونين الذينَ تحتَ سُلطانِهم! وإِذا تَركوا الدعاةَ يَدْعونَ ويتحركون، ولم يَتَعَرَّضوا لهم بفتنةٍ ولا إِيذاء - وهذا نادراً ما يحصلُ من الكفار - فإِنهم لا يُقاتَلون.

3 -

لا تَناقُضَ بين تقديمِ الأَموالِ والمساعداتِ للكفار، الذي أَشارَ له

قولُه تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ، وبينَ الأَمرِ بقتالِهم حتى يَدفعوا الجزيةَ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) .

فإِنَّ القتالَ مُوَجَّهٌ للكفارِ المقاتلينَ المحاربينَ المعتدينَ على المسلمين، المتآمِرين عليهم، وهم يُقاتَلونَ لأَنهم هم البادئونَ بالعُدوانِ والقتال، والبادئُ

أَظلم..

فإِذا هُزِمَ الكفارُ المقاتِلون فلا بُدَّ أَنْ يَخْضَعوا لسلطانِ المسلمين،

ويَعْتَرفوا بقوَّتهم، والدليلُ على ذلك دفعُ الجزيةِ لهم، وهذه الجزيةُ على

القادرين منهم، يَدْفَعونَها للمسلمين مقابلَ حمايتِهم لأَنفسِهم ودمائِهم

وأَموالِهم، ودفاعِهم عنهم.

ص: 559

وإِدْا كان هؤلاء الكفارُ المسالمونَ مُحتاجين إِلى المال، وَجَبَ على

المسلمين تَقديمُ المساعدةِ لهم، وهم مأجورونَ على ذلك:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) .

4 -

لا تناقُضَ بين تركِ الكفار وشأنِهم الذي قد يُؤْخَذُ من قوله تعالى:

(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ، ولا بين ملاحقتِهم والأَمْر بقتالِهم، الذي وَرَدَ في

قولِه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) .

إِنَّ تركَهم وشأنَهم يكونُ بعد تقديمِ الدعوةِ الإِسلاميةِ لهم، وإِقامةِ الحجةِ

عليهم، فإِنْ أَصَرّوا على كُفْرِهم، تَرَكَهُم المسلمون وشَأنَهم، بشرطِ أَنْ لا

يَتَآمَروا على المسلمين، ولا يَقِفوا أَمامَ دينِهم، ولا يَطْمَعوا فيهم، وهذا ما

تُقررُه آيةُ سورةِ يونس.

أَما إِذا تآمَرَ الكفارُ على المسلمين، وحارَبوهم، أَو فَتَنوهم عن دينهم،

ونَشَروا بينهم الكفرَ والفساد، فإِنهم يكونونَ مُعْتَدين على المسلمين، وعند ذلك يُقاتِلُ المسلمون هؤلاء الكفارَ المُعْتَدين الظالمين، وهذا ما تصرحُ به آيةُ سورةِ النساء، فهي تتحدثُ عن صنفٍ خاصٍّ من الكفار، وهم الذين قالَتْ عنهم:(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) .

إِنهم يَحرصون على كفرِ المسلمين، ويَنشرونَ بينهم الكفر والانحراف، ليستووا معهم، فإِن لم يَتَوقَّفوا عن هذا العدوان وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم وأَخْذُهم:(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .

5 -

لا تَناقُضَ بين وُجوب دعوةِ الكفارِ بالحسنى، الذي وَرَدَ في قولِه

تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، وبينَ الأَمْرِ بقتالِهم، الذي وَرَدَ في قوله تعالى:

ص: 560

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .

إِنَّ الدعوةَ هي أَولُ ما يُوَجَّهُ إِلى الكفار، وهي لا تَكونُ إِلّا بالحكمةِ

والموعظةِ الحسنة، فإِنْ رَفَضوا الدعوة، وقاموا بقِتالِ المسلمين وَجَبَ على

المسلمين قِتالُهم لأَنهم معتدون ظالمون.

وكم كان الفادي مُفْتَرِياً عندما اعتبرَ قِتالَ الكفارِ المقاتِلينَ دعوةً بالسيف،

علماً أَنَّ السيفَ لم يكنْ يوماً أُسلوباً من أَساليبِ الدعوةِ إِلى الإِسلام، لأَنه

يَهدفُ إِلى تحطيمِ قوةِ الكفارِ العسكرية، التي يُحارِبونَ بها الإِسلام

والمسلمين، ويَحرمونَ شعوبَهم من نورِ الإِسلام، وعندما يَتحققُ هذا الهدفُ

بالقتالِ وتَتحطمُ قوةُ الكفارِ العسكرية، ويَخضعونَ لسلطانِ المسلمين، يتوقَّفُ المسلمونَ عن قتالِهم وقَتْلِهم، ويتوجَّهون إِلى شعوبِهم بالدعوة، التي لن تكونَ إِلَّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة.

وكان الفادي كاذباً على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عندما قالَ عنه:" لهذا فَتَكَ محمدٌ بمعارضيه في الدين، مثلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، وأَبي عَفْك، وأَبي رافعِ بنِ أَبي عَقيق ".

إِنه لا يُحسنُ قراءةَ الأَسماء، فالثاني ليس " أَبا عَفْك الشيخ "، وإِنما هو

" ابنُ أَبي عَفْك "، والثالث ليس:" أَبا رافع بنِ أَبي عَقيق "، وإِنما هو:" أَبو رافع بنُ أَبي الحقيق ".

ولقد أَمَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقَتْلِ هؤلاءِ الثلاثة - وآخرينَ غيرِهم مَعْروفين في كتبِ السيرة - ليس لأَنَّهم كُفارٌ مُعارِضونَ له في الدين، فقد كان كُفار كَثيرون يُعارضونَه في الدّين، ويَسْتَحِبّونَ الكفرَ على الإِيمان، ومع ذلك لم يَقْتُلْهم، وكان منهم منافقون مثلُ عبدِ الله بن أُبَيّ، وكان منهم يهودٌ مثلُ كَعْبِ بنِ أَسَد، زعيمِ يهودِ بني قريظة، الذي عَقَدَ معه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهْداً، ومثلُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَب زعيمِ يَهودِ بني النضير، الذي عَقَدَ معه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عهداً آخر.

ص: 561