الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا تَناقُضَ بين حديثِ القرآنِ عن حرمةِ الخمرِ في الدنيا وإِباحتِها في
الآخرة، لأَنَّ خمرَ الدنيا ليستْ كخمر الجَنّة.
خمرُ الدنيا من أَسلحةِ الشيطانِ في إِغواءِ وإِفسادِ الناس، وإِيقاعِ - العَداوةِ والبغضاءِ بينهم، قال تعالى:(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) .
وخمرُ الدنيا تذهبُ بعقولِ شاربيها، فعندما يَسكرونَ يَفقدونَ السيطرةَ
على أَقوالِهم وأَفعالهم، ولذلك حَرَّمَها اللهُ على الناس.
وخمرُ الجنة منزهةٌ عن هذه العيوبِ والمفاسد، فلا سُلطانَ للشيطانِ
عليها في الجنة، وهي لا تَغتالُ عُقولَ شاربيها المؤمنين، قال تعالى:(يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) .
وقال لعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) .
فالخمرُ السيئةُ التي حَرَّمَها اللهُ في الدنيا أُمُّ الخبائث، وهي غيرُ الخمرِ
الطيبةِ التي أَباحَها اللهُ للمؤمنينَ في الجنة.
فلا تَناقُض بين حرمةِ هذه وإِباحةِ تلك!!.
ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم:
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن الكافرين، وفي
توجيهِ المسلمين إِلى كيفيةِ التعاملِ معهم، فأَوردَ خمسَ آياتٍ تَنْهى عن إِيذاءِ
الكفار، وتأمرُ المسلمين بحسنِ معاملتِهم، وأَوردَ في مقابِلِها خمسَ آياتٍ
تتناقضُ معها، وتأمرُ المسلمينَ بقتالِ الكفارِ وقَتْلِهم:
أ - نهى اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن إِيذاءِ الكفار، قال تعالى:(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) .
الآيةُ محكَمة، وهي تَنهى عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، صَحيح، لكن
مَنْ هم الذينَ تَنهى الآيةُ عن إِيذائِهم، إِنهم الكافرونَ والمنافقونَ الذين
لا يُؤذونَ المسلمين، ولا يَتَآمرون عليهم، ولا يُحاربونَهم، وإِنما هم مُوادِعونَ مُسالِمون ساكتون، ومن المعلومِ أَنَّ إِيذاءَ المسالمِ الساكنِ عدوانٌ عليه، وهذا محرمٌ في الإِسلام.
ولا ننسى أَنَّ الآيةَ التي نهتْ عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، نَهَتْ أَيْضاً
عن طاعتِهم ومتابعتِهم وموافقتِهم على باطلِهم، ولا بُدَّ أَنْ نجمعَ بينَ جملتي
الآية، ولا يَجوزُ أَنْ نُلغيَ الجملةَ الأولى ونُبقي الجملةَ الثانية:(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) .
ب - أَوردَ الآيةَ التي تَنْهى عن الإِكراهِ في الدين؟
قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) .
تَنهى الآيةُ إِكْراهَ أَي كافرٍ على الدخولِ في الدينِ الإِسلامي، لأَنَّ
الدخولَ في الإِسلامِ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن اقتناع.
لكن لا يعني هذا أَن لا نَدْعوه للإِسلام، فلا بُدَّ أَنْ نُفَرقَ بين الدعوةِ والإِكراه
…
يَجبُ علينا أَنْ نَدعوَ كُلَّ كافرٍ للدخولِ في الإِسلام، مهما كان دينه، لأَن الإِسلامَ دعوةٌ للعالمين جميعاً.
وعندما نوجِّهُ له الدعوةَ نكون قد أَدَّيْنا الواجبَ الذي علينا، فإِن
استجابَ للدعوة واعتنقَ الإِسلام، فازَ وأَفْلح، وإِنْ رفضَ الدعوةَ وأَصَرَّ على كفره كان من الخاسرين، ونحن لا نُكرهُه على الإِسلام، ولا نُؤْذيه لِكفرِه طالما هو متوقّفٌ عن إِيذائِنا، فإِنْ آذانا دَفَعْنا الإِيذاء.
جـ - أَوردَ الآيةَ التي تُرشدُنا إِلى مساعدةِ الكفار مالِياً، قال تعالى:(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) .
ليسَ علينا هدى الكفار، لكن بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ لهم الدعوةَ، ونُقدمَ لهم
المساعدةَ الماليةَ إِذا كانوا محتاجين، وهذا بعدَ أَنْ يُعْلِنوا خُضوعَهم لسلطانِ
المسلمين، بدفْعِ الجزية، ويَكُفّوا أَيديهم عن إِيذاءِ المسلمين.
ومن روائع ما يُروى عن أَميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أَنه رأَى نصرانياً عَجوزاً هَرِماً محتاجاً، فأَمَرَ بإِعطائِه مساعدةً من بيتِ مالِ المسلمين، وقال: ما رحمْنا الرجلَ إِذا أَخَذْنا منه المال - الجزية - شابّاً، وتخلَّينا عنه وهو هَرِم!.
د - زَعَمَ الفادي أَنَّ اللهَ أَمَرَ المسلمينَ بتَرْكِ الكفارِ وشأنهم، واستدلَّ
على ذلك بقوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) .
وهذا استدلالٌ باطلٌ، فإِنَّ الآيةَ صريحةٌ في دعوتِهم للدخولِ في
الإِسلام، قال تعالى:(فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) .
إِنه لا يتركُهم وشأْنَهم، وإِنما يُحاججُهم ويُحاجّونَه، ويُكَلِّمُهم ويُكَلِّمُونَهُ،
فإِنْ لم يَسْتَجيبوا له صارحَهم بإِسْلامِه، وهو يَدْعوهم دعوةً صريحةً للدخولِ في الإِسلام:(وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) .
فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على الكفر، أَيْقَنّا أَنهم كافِرون خاسِرون
هالِكون، وإِنْ كَفُّوا أَيديَهم عن إِيذائِنا تَرَكْناهم وشأنهم.
واستدلَّ أَيضاً على تركِ الكافرين بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) .
وهذا استدلال باطل أَيضاً، لأَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم مأمورٌ بتبليغِ الكفارِ الدعوة، وإِقامةِ الحجةِ عليهم، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ تركَهم وشأنَهم، ويكونُ قد قامَ بواجبِه، ولم يجعَلْه اللهُ حَفيظاً ولا وكيلاً عليهم، ولم يأمُرْه بقذْفِ الإِيمانِ في قلوبِهم، لأَنَّ هذا بيدِ الله.
واستدلَّ الفادي الجاهلُ أَيضاً على وجوبِ تركِ الكافرين وشأنهم بقولِه
تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
لا تَنفي الآيةُ وُجوبَ دعوةِ الكفارِ للإِسلام، فإِنّ هذا واجبٌ على
الدعاةِ، إِنما تَنفي إِكراهَ الكفارِ على الإِيمان، لأَنه لا إِكراهَ في الدينِ، وبعدَ
تبليغِ الدعوةِ وإِقامةِ الحجةِ يُتْرَكُ الكفارُ وشأنهم.
هـ - أَمَرَ اللهُ المسلمين بدعوةِ الكفارِ إِلى سبيلِ اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ
الحسنة، وأَوردَ الفادي قولَه تعالى:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) .
والآيةُ محكمة، وتوضحُ لنا أُسلوبَ الدعوة، وكيفيةَ التعاملِ مع
الآخَرين، وتقديمِ الدعوة لهم، وإِقامةِ الحجةِ عليهم.
وأَوردَ الفادي المفترِي خمسَ مَجموعاتٍ من الآياتِ، اعْتَبَرَها متناقضةً
مع المجموعاتِ السابقة، ولذلك اتهمَ القرآنَ بالتناقض.
1 -
أَمَرَ اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بتحريضِ المؤمنين على قِتالِ الكافرين، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..) .
واعتبرَ الفادي الآيةَ متناقضةً مع الآيةِ التي تَنْهى عن إِيذاءِ الكافرين، وهي قولُه تعالى:(وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) .
ولا تَناقُضَ في الحقيقةِ بينَ النهيِ عن إِيذاءِ الكافرين، والأَمْرِ بالتَّحريضِ
على قِتالِهم، لأَنَّ الكفارَ نوعان: النهيُ عن الإِيذاءِ ينطبقُ على نوعٍ من الكفار، وهم الكفارُ المسالمونَ المحايدون، الذين لا يَتآمرونَ على المسلمين ولا يُحاربونهم.
أَمَّا الأَمْرُ بقتالِ الكفارِ فإِنه ينطبقُ على نوعٍ آخرَ من الكفار، وهم
الذين يَتَآمَرونَ على المسلمين ويُحاربونَهم، ويَطْعَنونَ في دينِهم، ويَمنعونَ
دعوتَهم، ويَفْتِنون الناسَ عن الإِسلام.
2 -
لا تَناقُضَ بين قولِه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، وبينَ قولِه تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) .
تمنعُ الآيةُ الأُولى إِجبارَ الكفارِ على اعتناقِ الإِسلام، لأَنَّ
الإِسلامَ لا يَقبلُ الإِكراهَ والإِجبار، ولا بُدَّ من أَنْ يَقتنعَ الإِنسانُ بالإسلامِ قناعةً خاصّة، ينتجُ عنها اعتناقُه الإِسلام، ولكنَّ عَدَمَ إِكراهِهم على اعتناقِ الإِسلام لا يُلْغي وُجوبَ دعوتهِم للدخولِ فيه، فعلى الدعاةِ أَنْ يَدعوهم لهذا الدين، لأَنه رسالةٌ عالمية، ودينُ اللهِ للعالَمين جَميعاً، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرِهم تركْناهم وشأْنَهم، وحسابُهم عند اللهِ، على أَنْ يَخْضَعوا لسلطان المسلمين.
فإِذا وَقَفَ الكفارُ أَمامَ الدعاة، ومَنَعوهم من أَداءِ واجبِ الدعوةِ، وفتنوهم
وآذوهم وعَذَّبوهم واضطهدوهم، كانوا هم المعْتَدين الظالمين، وعند ذلك أَباحَ لنا اللهُ مواجَهَتهم، وأَمَرَنا بقتالِهم، والدفاعِ عن الناسِ المعَذَّبين المفتونين الذينَ تحتَ سُلطانِهم! وإِذا تَركوا الدعاةَ يَدْعونَ ويتحركون، ولم يَتَعَرَّضوا لهم بفتنةٍ ولا إِيذاء - وهذا نادراً ما يحصلُ من الكفار - فإِنهم لا يُقاتَلون.
3 -
لا تَناقُضَ بين تقديمِ الأَموالِ والمساعداتِ للكفار، الذي أَشارَ له
قولُه تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ، وبينَ الأَمرِ بقتالِهم حتى يَدفعوا الجزيةَ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) .
فإِنَّ القتالَ مُوَجَّهٌ للكفارِ المقاتلينَ المحاربينَ المعتدينَ على المسلمين، المتآمِرين عليهم، وهم يُقاتَلونَ لأَنهم هم البادئونَ بالعُدوانِ والقتال، والبادئُ
أَظلم..
فإِذا هُزِمَ الكفارُ المقاتِلون فلا بُدَّ أَنْ يَخْضَعوا لسلطانِ المسلمين،
ويَعْتَرفوا بقوَّتهم، والدليلُ على ذلك دفعُ الجزيةِ لهم، وهذه الجزيةُ على
القادرين منهم، يَدْفَعونَها للمسلمين مقابلَ حمايتِهم لأَنفسِهم ودمائِهم
وأَموالِهم، ودفاعِهم عنهم.
وإِدْا كان هؤلاء الكفارُ المسالمونَ مُحتاجين إِلى المال، وَجَبَ على
المسلمين تَقديمُ المساعدةِ لهم، وهم مأجورونَ على ذلك:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) .
4 -
لا تناقُضَ بين تركِ الكفار وشأنِهم الذي قد يُؤْخَذُ من قوله تعالى:
(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ، ولا بين ملاحقتِهم والأَمْر بقتالِهم، الذي وَرَدَ في
قولِه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) .
إِنَّ تركَهم وشأنَهم يكونُ بعد تقديمِ الدعوةِ الإِسلاميةِ لهم، وإِقامةِ الحجةِ
عليهم، فإِنْ أَصَرّوا على كُفْرِهم، تَرَكَهُم المسلمون وشَأنَهم، بشرطِ أَنْ لا
يَتَآمَروا على المسلمين، ولا يَقِفوا أَمامَ دينِهم، ولا يَطْمَعوا فيهم، وهذا ما
تُقررُه آيةُ سورةِ يونس.
أَما إِذا تآمَرَ الكفارُ على المسلمين، وحارَبوهم، أَو فَتَنوهم عن دينهم،
ونَشَروا بينهم الكفرَ والفساد، فإِنهم يكونونَ مُعْتَدين على المسلمين، وعند ذلك يُقاتِلُ المسلمون هؤلاء الكفارَ المُعْتَدين الظالمين، وهذا ما تصرحُ به آيةُ سورةِ النساء، فهي تتحدثُ عن صنفٍ خاصٍّ من الكفار، وهم الذين قالَتْ عنهم:(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) .
إِنهم يَحرصون على كفرِ المسلمين، ويَنشرونَ بينهم الكفر والانحراف، ليستووا معهم، فإِن لم يَتَوقَّفوا عن هذا العدوان وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم وأَخْذُهم:(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .
5 -
لا تَناقُضَ بين وُجوب دعوةِ الكفارِ بالحسنى، الذي وَرَدَ في قولِه
تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، وبينَ الأَمْرِ بقتالِهم، الذي وَرَدَ في قوله تعالى:
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .
إِنَّ الدعوةَ هي أَولُ ما يُوَجَّهُ إِلى الكفار، وهي لا تَكونُ إِلّا بالحكمةِ
والموعظةِ الحسنة، فإِنْ رَفَضوا الدعوة، وقاموا بقِتالِ المسلمين وَجَبَ على
المسلمين قِتالُهم لأَنهم معتدون ظالمون.
وكم كان الفادي مُفْتَرِياً عندما اعتبرَ قِتالَ الكفارِ المقاتِلينَ دعوةً بالسيف،
علماً أَنَّ السيفَ لم يكنْ يوماً أُسلوباً من أَساليبِ الدعوةِ إِلى الإِسلام، لأَنه
يَهدفُ إِلى تحطيمِ قوةِ الكفارِ العسكرية، التي يُحارِبونَ بها الإِسلام
والمسلمين، ويَحرمونَ شعوبَهم من نورِ الإِسلام، وعندما يَتحققُ هذا الهدفُ
بالقتالِ وتَتحطمُ قوةُ الكفارِ العسكرية، ويَخضعونَ لسلطانِ المسلمين، يتوقَّفُ المسلمونَ عن قتالِهم وقَتْلِهم، ويتوجَّهون إِلى شعوبِهم بالدعوة، التي لن تكونَ إِلَّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة.
وكان الفادي كاذباً على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عندما قالَ عنه:" لهذا فَتَكَ محمدٌ بمعارضيه في الدين، مثلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، وأَبي عَفْك، وأَبي رافعِ بنِ أَبي عَقيق ".
إِنه لا يُحسنُ قراءةَ الأَسماء، فالثاني ليس " أَبا عَفْك الشيخ "، وإِنما هو
" ابنُ أَبي عَفْك "، والثالث ليس:" أَبا رافع بنِ أَبي عَقيق "، وإِنما هو:" أَبو رافع بنُ أَبي الحقيق ".
ولقد أَمَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بقَتْلِ هؤلاءِ الثلاثة - وآخرينَ غيرِهم مَعْروفين في كتبِ السيرة - ليس لأَنَّهم كُفارٌ مُعارِضونَ له في الدين، فقد كان كُفار كَثيرون يُعارضونَه في الدّين، ويَسْتَحِبّونَ الكفرَ على الإِيمان، ومع ذلك لم يَقْتُلْهم، وكان منهم منافقون مثلُ عبدِ الله بن أُبَيّ، وكان منهم يهودٌ مثلُ كَعْبِ بنِ أَسَد، زعيمِ يهودِ بني قريظة، الذي عَقَدَ معه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهْداً، ومثلُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَب زعيمِ يَهودِ بني النضير، الذي عَقَدَ معه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عهداً آخر.