الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قارون، وكلامُ المَؤَرِّخين ليس يقينياً قاطعاً، إِنما هو محتملٌ للصحةِ والخَطَأ،
فلا يُعْتَمَدُعليه.
وكلامُ الأَحبارِ أَيضاً ليس يَقينيّاً، فلا يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُحْكَمُ به على
كلامِ اللهِ في القرآن، ولذلك لا نقول: إِنَّ قورحَ هو الذي خرجَ على
موسى صلى الله عليه وسلم، مع اثنيْنِ من بني إِسرائيل، وأَنَّ اللهَ خَسَفَ بالثلاثةِ في البرية.
ونتوقَّفُ في هذا الكلامِ الذي ذَكَرهُ الأَحْبار، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه..
والذي نقولُه ونؤمنُ به أَنَّ قارونَ المذكورَ في القرآنِ ليس هو قارونَ ملكَ
ليديا، ولا قورحَ الذي خَرَجَ على موسى، قارونُ المذكورُ في القرآنِ إِسرائيليّ من قومِ موسى، وقد أَغناهُ الله، وآتاهُ من الكنوزِ ما يعجزُ الرجالُ الأَشدّاءُ الأَقوياءُ عن حَمْلِه، واختارَ الكفْرَ والبغيَ والطغيان، وانحازَ إِلى فرعونَ ضدَّ قومِه الإِسرائيليين، واستخدمَ أَموالَه وكنوزَه في محاربةِ موسى صلى الله عليه وسلم وأَتْباعِه، ولم يَستجبْ لنصْحِ الناصحين المؤمنين، فعاقَبَه اللهُ وخَسَفَ به وبدارِه الأَرض، قال تعالى:(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) .
والراجحُ أَنَّ قارونَ الإِسرائيليَّ كان قد انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ بني إِسرائيل،
قبلَ أَنْ يبعثَ اللهُ موسى عليه السلام نبيّاً إِلى فرعون، ولذلك أَرسلَه اللهُ نبيّاً إِلى الطُّغاةِ الثلاثة: فرعونَ وهامانَ وقارون.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) .
والراجحُ أَنَّ اللهَ خَسَفَ بقارونَ ودارِه الأَرض في مصر، قبلَ أَنْ يَخرجَ
بنو إِسرئيل منها!!.
***
بين داود وسليمان عليهما السلام
-
كان داودُ رسولاً ومَلكاً على بني إِسْرائيل، وكان ابْنُه سليمان نبيّاً مَلكاً
من بعدِه على بني إِسرائيل، وكان سليمانُ مساعِداً لأَبيه في عهدِه عليه السلام.
وقد أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن استدراكٍ لسليمان على حُكْمٍ حَكَمَ به والدُه داودُ.
قال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) .
وأَوردَ الفادي روايةً عن ابنِ عباس رضي الله عنهما في حُكْمٍ داودَ وسليمانَ في قضيةِ الحرثِ والغنم، استدركَ فيها سليمانُ على حُكْمِ أبيه..
وخَطَّأَ القرآنَ في استدراكِ سليمانَ على حُكْمِ أَبيه، كما خَطَّأَ الروايةَ عن ابنِ عباس، واعتبرَ ذلك مُتعارضاً مع فطنةِ ودقةِ وحُكْمِ داود.
قالَ في تخطئَتِه: " كانَ داودُ من الأَنبياءِ الملْهَمين، ومن الملوك الحكماء، فلا
يُعْقَلُ أَن سُلَيمانَ كان يتعقَّبُ أَحكامَه، وهو والدُه، ولا نظنُّ أَنَّ داودَ الملْهَمَ يعْجَزُ عن حَلّ قضيةٍ كهذه..
أَمّا الذي انتقدَ أَحكامَ أَبيه فكانَ أَبْشالوم وليس سليمان، فإنَّ
أَبْشالومَ لما عَزَمَ على الثورةِ ضِدَّ والدِه كان يسترقُّ قلوبَ بني إِسرائيل، ويقولُ: مَنْ يجعلُني قاضياً في الأَرضِ لأُنصفَ المظلومَ! فكانَ يَقْبَلُ الواحدَ ويكرمُه ويُعَظّمُه، فاستمالَ الناسَ ثم قامَ بانقلابٍ فاشلٍ على والدِه
…
" (1) .
ما ذَكَرَهُ الفادي عن قصةِ الملكِ اليهوديِّ أَبْشالوم مع أَبيه وثورتِه عليه
نتوقَّفُ فيه، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه، لعدمِ وجودِ دليلٍ عنْدَنا عليه.
أَمّا تخطئةُ الفادي لكلامِ القرآنِ عن ما جَرى بينَ داودَ وسليمانَ - صلى الله عليهما وسلم - فهي مردودةٌ عليه، وما قالَه القرآنُ عنها فهو الصحيحُ والصَّواب، وهذا عندنا يَقين.
لقد استدركَ سليمانُ على حكْمِ لأَبيه صلى الله عليه وسلم في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم، وقَبِلَ داودُ استدراكَ ابنه وأَنْفَذَ له حُكْمَه، وليس معنى هذا اتهامَ داودَ صلى الله عليه وسلم بالعجْزِ أَو الضعفِ أَو الخَطأ في الحُكْم، فقد آتى اللهُ داودَ فقْهاً وعلْماً وحكمةً وفِطْنَة، قال تعالى عنه:(وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) .
وقال تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) .
(1) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:
106-
سليمان أو أبشالوم
إن داود وسليمان - كما فى القرآن - حكما فى الحرث، وإن سليمان راجع داود فى الحكم.
ثم ذكر كلام المفسرين فى هذه القضية. وعقب عليه بقوله: القضية تليق بأبشالوم بن داود؛ لأنه كان دائماً يعارض أقوال أبيه ولا تليق بسليمان.
الرد على الشبهة:
إن فى التوراة أن سليمان كان حكيماً. أحكم من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته. واللائق بحكمته هو الحكم فى الحرث. ففى الإصحاح الرابع من سفر الملوك الأول: " وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق، وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الأرزاحى، وهيمان وكلكول ودردع بنى ماحول، وكان صيته فى جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفا وخمسا. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى فى لبنان، إلى الزوفا الثابت فى الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته "[امل 4: 30 - 34] .
اهـ (شبهات المشككين) .
شَدَّدَ اللهُ ملكَه وقَوّاه، وآتاهُ اللهُ الحكمة، وهي الفهمُ والعقلُ والصواب،
كما آتاهُ فَصلَ الخطاب، وهو منعُ الخلافِ والجدالِ والنزاع، بين المتخاصمَيْن المحتكِمَيْن عنده، حيثُ يُصْدِرُ حُكْمَهُ الذي يَحُلُّ المشكلة، ويُنهي الأَمْر!.
وكان يساعِدُه في أَحكامِه ابْنُه سليمان، الذي آتاهُ اللهُ الحكمةَ والعلمَ
والفهم، وبذلك أُضيفَتْ حكمتُه إِلى حكمةِ أَبيه، وأُضيفَ عِلْمُه إِلى عِلْمِ أَبيه..
وإِذا دَعت الحاجةُ استدركَ الابنُ على حُكْمِ أَبيه، وتَقَبَّلَ الأَبُ استدراك الابنِ وحُكْمَه بِرضاً، وأَمْضى حُكْمَه!.
وهذا ثَناءٌ على داودَ في فَهْمِه وحُكْمِه وعِلْمِه، وليس اتِّهاماً له بالضعفِ
والغفلةِ والجَهْل، كما ظَنَّ الفادي الجاهل.
وقد أَشارت الآيتانِ من سورةِ الأَنبياءِ إِشارةً مجملةً مبهمةً إِلى حادثةٍ
مُعَيَّنَة، احتكمَ فيها خَصمانِ إلى داودَ صلى الله عليه وسلم، ثم استدركَ عليه ابنُه سليمان، فَقَبلَ الأَبُ حُكْمَه وأَمْضاه.
احتكمَ إِلى داودَ رَجُلانِ في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم، والحرثُ هو الزَّرْع،
فدخلتْ غنم صاحب الغنم إلئ ذلك الزرع، ونَفَشَتْ فيه لَيْلاً، واشتكى صاحبُ الزرعِ على صاحبِ الغنمِ عندَ داودَ صلى الله عليه وسلم، فحكمَ داودُ بحُكْمٍ لم تذكُرْه الآيَتان، واستدركَ سليمانُ على حُكْم أَبيه، وأصدرَ هو حُكْماً فَهَّمَه اللهُ إِيّاه، وكان هو الحكمَ الأَصَحّ!! ونُلاحظُ أَنَّ الكلامَ في الآيتيْن مجملٌ مختصرٌ مُبْهَم، لم يَذكُرْ تفَاصيلَ القضيةِ المعروضَة، ولا حُكْمَ داودَ في القضية، ولا كيفيةَ استدراكِ سليمان، ولا حُكْمَه فيها.
ولا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ مرفوعٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يُضيفُ شيئاً إِلى ما وَرَدَ في القرآن.
وقد وردَتْ روايةٌ موقوفةٌ على ابن عباسٍ رضي الله عنهما، يُمكنُ أَنْ " نستأنسَ " بها في تَصَوّرِ المسألة.
قالَ ابنُ عباس: دَخَلَ رجلانِ على داود، أَحَدُهما صاحبُ
حَرْث، والآخَرُ صاحب غَنَم.
فقال صاحبُ الحَرْث: إِنَّ هذا أَرسلَ غَنَمَهُ في حَرْثي، فلم يُبْقِ من حَرثي شيئاً!.
فقال له داود: اذهبْ فإِنَّ الغنمَ كُلَّها لك!.
فَمَرَّ صاحبُ الغنمِ بسليمان، وأَخبرَه بالذي قَضى به داود..
فَدَخَلَ سليمانُ على داود صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبيَّ الله! إِنَّ القضاءَ سِوى الذي قَضيْتَ!.
فقالَ له داودُ: كيفَ؟
قال سليمانُ: إِنَّ الحرثَ لا يَخفى على صاحبِه ما يخرجُ منه في كُلِّ عام، فلَه أَنْ يَبيعَ من أَولادِها وأصوافِها وأَشعارِها، حتى يستوفيَ ثمنَ الحَرْث! فقالَ له داودُ: أَصبتَ.
القضاءُ ما قضيتَ!.
وفي روايةٍ أُخْرى لابنِ عباسِ: أَنه قال: قضى داودُ بالغنمِ لأَصحابِ
الحَرْثِ، فقالَ لهم سليمانُ: كيفَ قضى بينكم؟
فأَخْبَروه..
فقالَ لهم: لو وُلّيتُ أَمْرَكْم لقضيتُ بغيرِ هذا! فأُخبرَ داودُ بكلامِ سليمانَ، فقال له: كيفَ تَقْضي بينَهم؟.
قالَ سليمانُ: أَدفعُ الغنمَ إِلى صاحبِ الحَرْثِ، فيكونُ له أَولادُها وأَلبانُها
ومنافعُها، ويَبذُرُ أَصحابُ الغنمِ لأَهْلِ الحَرْثِ مثْلَ حَرْثهم، فإِذا بَلَغَ الحرثُ
الذي كانَ عليه، أَخَذَ أَصحابُ الحرثِ حَرْثَهم، وردّوا الغَنَمَ إِلى
أَصحابِها.
إِنَّ هذا التفصيلَ موقوفٌ على ابنِ عباس، ولم يرفَعْهُ إِلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم،
ونحنُ نذكُرُ كلامَه من بابِ الاستِئْناس، مع التحفُّظِ والاحتياط.
لكنَّنا نقولُ: لم يُخطئْ داودُ صلى الله عليه وسلم في حُكْمه، لأَنه معصومٌ من الله، إِنما نقول: كانَ حُكْمُهُ خلافَ الأَوْلى، فَفَهَّمَ اللهُ سليمانَ المسألةَ، وأَلهمه الحُكْمَ الأَصَحَّ والأَوْلى.
فحُكْمُ داودَ صحيحٌ صواب، ولكنَّ حُكْمَ سليمانَ هو الأَصَحُّ الأَصوبُ..
والله أعلم!!.