الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكعبة، إِنما هو من الله، وله الحِكَمُ العديدةُ من القبلةِ الأُولى، ومن التحويلِ
إِلى القبلةِ الجديدة، حِكَمٌ تربويةٌ وتشريعية، ورَدَّت الآياتُ على شبهاتِ
واعتراضاتِ السفهاءِ من اليهود.
وهذه الآياتُ أَبلغُ رَدٍّ على تحليلاتِ الفادي
المفتري، ونقضٍ لاتهاماتِه ضد رسولِنا الحبيبِ صلى الله عليه وسلم.
3 - هل نسخ تمسك الرجل بزوجته
؟ :
نَظَرَ الفادي المجرمُ نظرةً خبيثةً لحادثةِ زَواجِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم من زينبَ بنتِ جحشٍ رضي الله عنها، بعدَ أَنْ طَلَّقَها مُتَبَنّاهُ زيدُ بنُ حارثة رضي الله عنه، لخلافاتٍ زوجيةٍ بينهما، وفَسَّرَ المجرمُ الحادثةَ تفسيراً فاجِراً حاقِداً لئيماً، اتهمَ فيه رسولَنا صلى الله عليه وسلم بأَنه متبعٌ للهوى والشهوة.
قالَ اللهُ عز وجل: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) .
ادَّعى المجرمُ المفترِي أَنَّ في الآيةِ نَسْخاً، وأَنه وفقَ هوى الرسولِ صلى الله عليه وسلم.
قال: " جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ لزيدٍ أَنْ يتقيَ اللهَ ويتمسكَ بزوجتِه زينب، بعد أَنْ خافَ محمدٌ من تعييرِ العربِ له أَنه يتزوجُ بزوجةِ ابنِه بالتبنّي، مع ما سبقَ وأَضمَره محمدٌ في نفسِه ساعةَ رأى زينبَ واشْتهاها، فقال: سبحانَ مُقَلِّبِ القلوب.
ثم قال: إِنَّ اللهَ أَمَرَه بالزواجِ من زينب! ".
ادَّعى المجرمُ أَن جملةَ: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ)
المذكورةَ في الآيةِ منسوخةٌ، وأَنَّ التي نسخَتْها هي الجملةُ التي بعدَها في الآية:(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) .
وادَّعى الفاجرُ المفترِي أَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم رأى زينبَ زوجةَ ابنِه بالتَّبَنّي زيدِ بن حارثة، فأَحَبَّها واشْتَهاها، وأَضمرَ في نفسِه الزواجَ منها، ولكنه خشيَ
من تَعييرِ العربِ له، بأَنه تزوجَ امرأةَ ابنِه، وكان قد أَوصى زيداً بها قائِلاً له: أَمْسِكْ عليك زوجَكَ واتَّقِ الله.
فَنَسَخَ هذه الوصية، وزعمَ أَنَّ اللهَ هو الذي زوَّجَه من زينب، وأَنزلَ عليه الآيةَ المذكورة، التي فيها جملة:(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) .
مع أَنه لا يوجَدُ في الآيةِ منسوخٌ ولا ناسخ، وإِنما هذا ثمرةُ جَهلِ
الفادي المفترِي وإِجرامه وفجورِه، والأَسبابُ التي ذكرها لزعْمِ النسخِ نتَاجُ
حِقْدِه وخيالِه المريض.
وخلاصةُ حادثةِ زواج الرسولِ صلى الله عليه وسلم بإِيجازٍ هي:
كانت زينبُ بنتُ جحشٍ رضي الله عنها ابنةَ عمةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو يَعرفُها منذ صغرِها، وكانَ قبلَ البعثةِ قد تَبَنّى زيدَ بنَ حارثة، واشتهرَ بين قريشٍ باسمِ: زيدِ بنِ محمد، وكان زيدٌ من السابقين إِلى الإِسلام رضي الله عنه.
وقد أَبطلَ اللهُ المَبني، وأَمَرَ بنسبةِ الأَبناءِ بالتبَنّي إِلى آبائِهم الحقيقيّين، وذلك في قوله تعالى:(وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) .
وبذلك أُعيدَتْ نسبةُ زيدٍ إِلى أَبيه حارثة، فلم يقولوا: زيدُ بنُ محمد،
وإِنما يقولون: زيدُ بنُ حارثة.
وأَرادَ اللهُ الحكيمُ الخبيرُ أَنْ يُبطلَ كُلَّ آثارِ التَبني، بتجربةٍ عمليةٍ على يدِ
رسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأَمَرَ اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ يُزَوِّجَ ابنةَ عمتِه زينبَ لزيدِ بنِ حارثة، فنفَّذَ أَمْرَ اللهِ وزوَّجَه بها..
وكانَ في زينبَ حِدَّةٌ وشِدَّة، وكانتْ تَرى نفسَها
أَفضلَ من زيد، لأَنها قرشيةٌ هاشمية، وهو عَبْدٌ مُحَرَّر..
ولذلك كانت تنشأُ بينهما خلافاتٌ عديدة، وكان زيدٌ يشكو زينبَ إِلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكانَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم يوصيهِ بها، ويَدْعوه إِلى الصبرِ عليها، ولما أَخبره أَنه يُريدُ أَنْ
يُطَلقَها نهاهُ عن ذلك، وقال له: أَمْسِكْ عليك زوجَك واتقِ اللهَ فيها.
وأَخبرَ اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم أَنَّ الحياةَ الزوجيةَ لن تستمرَّ بينهما، وأَنَّ زيداً سيُطَلِّقُ زينب، وأَنه هو الذي سيتزوَّجُ زينبَ بعد تطليقِ زيدٍ لها، وذلك لإِبطال كُلِّ آثارِ التبني
…
وكان صلى الله عليه وسلم يَعلمُ أَنَّ قَدَرَ اللهِ لا بُدَّ أَنْ يَتم، وصارَ يفكرُ في ما سيقولُه عنه الناس بعد زواجِه بزينب.
وطَلَّقَ زيدٌ زينب، ولما انتهتْ عِدَّتُها أَمَرَ اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم أَنْ يتزوَّجَها، وأَثارَ المنافقون الخبثاءُ الشبهاتِ ضدَّ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لقد تزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنهِ زيد!.
فأَنزلَ اللهُ الآيةَ، لإِبطالِ تلك الشبهات، وبَيَّنَ حكمةَ ذلك الزواج " قال
تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) .
ذَكرت الآية ُ ما قالَه الرسولُ صلى الله عليه وسلم لزيد: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) .
ومعنى قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) : تُخْفي في نفسِك ما
أَخبرَكَ اللهُ به، من أَنَّ زيداً سَيُطَلِّقُ زينبَ، وستتزوجُها أَنت من بعدِه بأَمْرِ الله.
واللهُ سيُبدي هذا الأَمْرَ ويُظهِره للناس، وسيتمُّ الطلاقُ، وستتزوَّجُها أَنت فعلاً.
ومعنى قوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) : تُفكرُ في كلامِ الناسِ
وشبهاتِهم واتهاماتِهم لك، ولحسبُ لهم حِساباً، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ لا تخشى
الناسَ، وأَن لا تهتمَّ بما سيقولونَه عنك، لأَنك على صواب، واللهُ هو الأَحَقُّ
أَنْ تَخْشاه.