الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"الدولة الإسلامية"(76).
7 -
يحتج الدكتور على دعواه السابقة بعدة أدلة يمكن تلخيصها كالآتي:
أ- حديث تأبير النخل "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
ب- أن الخلافة كانت بالشورى والاختيار والعقد والبيعة لا بالميراث.
ج- أن الحكم في القرآن والسنة لا يدل على الحكم في السياسة بل الحكم في القضاء والمنازعات.
د- أن عمر رضي الله عنه اقتبس بعض أنظمة الفرس كالديوان.
هـ- أن الإسلام قد قرر الفصل بين أمة الدين وأمة الدولة.
وأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى سنة دينية ملزمة وسنة دنيوية غير ملزمة ومنها مشاوراته للصحابة في عدد من الحوادث وقضاؤه بينهم بحسب ما يظهر له مستشهدًا على قوله هذا بكلام للقرافي والدهلوي سيأتي في موضعه.
*
العلمانية في الميزان السلفي:
نحن نرفض العلمانية ونحن نرفض السلطة الدينية! هذا حكم أهل السنة وهو موافق لحكمك فما الفرق بيننا إذن؟ الفرق بيننا أن منهج أهل السنة يؤمن بالإسلام كاملاً، لأنه منهج يعم حياة المسلم صغيرها وكبيرها، وأما الدكتور عمارة فيؤمن بالعلمانية (المتمسلمة) التي تؤمن ببعض الإسلام وترد بعض فخلاصة كلامه -هداه الله- أننا يجب أن نأخذ العقائد والعبادات وأركان الدين من القرآن والسنة لأنها وحي لا يتغير بالزمن، وأما في السياسة وشئون المجتمع فالمرجع فيها إلى الأمة والمصلحة لا القرآن والسنة؛ لأنها ليست دين .. ولكن كل ذلك "في إطار الوصايا العامة والقواعد الكلية التي
قررها هذا الدين"!! كما يقول. وأيضًا أمور الاقتصاد والعمران والتصوف بأنواعه مثلها. هذا ملخص ما يريد الدكتور وهو ينطوي على مخالفات شرعية مستترة ستتضح أثناء النقاش. فيقال للدكتور:
1 -
لا أعرف أحدًا من الإسلاميين من أهل السنة في هذا الزمان يقول بالسلطة الدينية كما تزعم، وإنما تلك المقولات تخيلات في ذهنك أسأت بها فهم كلام الأستاذين المودودي وسيد قطب -رحمهما الله- (1) فالسلطة الدينية لم يقل بها سوى الشيعة الذين يجعلون للإمام العصمة في قراراته أما عندنا أهل السنة فلا يجرؤ أن يقول ذلك أحد.
فلماذا تكذب عليهما؟ وتحمل كلامهما ما لا يحتمل وما لا يقوله إلا جاهل بطبيعة المنهج الإسلامي فحديثهما في واد وأنت وفهمك في واد آخر فأنت تقول عن المودودي أنه: "ذهب فأحيا شعارًا من شعارات الخوارج -رغم عدائه لفكرهم- وهو شعار الحاكمية فأثار بلبلة ولغطًا وشبهات كثيرة في حقل الفكر السياسي الإسلامي المعاصر""الطريق"(267).
وهو يقول عن نفسه: "إن الإسلام لا طاعة فيه لأحد من الناس، وإن الآيات التي أوردناها آنفًا لتدل دلالة صارخة على أن الطاعة ليست إلا لله عز وجل، وما جاء الإسلام إلا لأن يقمع شأفة عبودية الإنسان لغير الله، وأن يقضي على ألوهية البشر. ومن الواضح النبين أن الإسلام لا طاعة فيه لأحد من البشر ككونه أحد أفراد البشر. فما طاعة الرسول إلا باعتباره قد أوتي الحكم والنبوة من الله، وما طاعة الحكام إلا باعتبارهم منفّذين لأحكام الله
(1) كل يؤخذ من قوله ويترك، وكتاب "المورد العذب" للشيخ الدويش فيه النقد الجميل العفّ لما كتبه سيد قطب في "الظلال"، واقرأ في الرد على الشيخ المودودي "المودودي" للجمال، و"موقف الجماعة الإسلامية من الحديث" لمحمد إسماعيل، وانظر في الحكم على قطب والمودودي فتوى العلامة ابن باز في مجلة المجتمع (202).
ورسوله، وما طاعة العلماء إلا لأجل أنهم يرشدون الناس إلى أحكام الله ورسوله وحدود الله في مختلف شعب الحياة. فإذا جاء أحد منهم بأمر من الله، فالواجب على المسلم أن يطأطئ له رأسه دون أن يستنكف عن طاعته؛ لأنه لا حرية له في الفكر والرأي أبدًا أمام الله خالقه ورازقه وحاكمه الحقيقي المطلق. وأما إذا جاء أحد من البشر مهما كان شأنه يعرض على المسلم رأيه وفكرته من نسيج خياله فإن طاعته على المسلم ليس واجبًا. وله الحق كل الحق أن يمارس حريته في التفكير ويقيم رأيًا من الآراء. كما له الحق في أن يأخذ برأي غيره إن ارتاح إليه قلبه. وأن يخالفه بحرية تامة إذا رآه لا يستقيم" (1) "مفاهيم إسلامية" (129).
وأنت تقول عن سيد رحمه الله: "لم يختلف موقف سيد قطب في الجوهر عن موقف المودودي في نظرية الحاكمية الإلهية فهي بمقتضى لا إله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته لا حاكمية إلا لله ولا سلطان لأحد على أحد لأن السلطان كله لله .. والحاكفية الإلهية عامة في الجانب الإرادي من حياة الإنسان كما هي في الجانب الفطري والوجودي شاملة لما هو دنيوي شمولها لما هو ديني عامة فيما هو سياسة عمومها فيما هو عبادة""الصحوة الإسلامية"(149).
وهو يقول: "الإسلام لا كهانة فيه ولا وساطة بين الخلق والخالق، فكل مسلم في أطراف الأرض، وفي فجاج البحر، يستطيع بمفرده أن يتصل بربه، بلا كاهن ولا قسيس، والإمام المسلم لا يستمد ولايته من "الحق الإلهي" ولا من الوساطة بين الله والناس، وإنما يستمد مباشرته للسلطة من الجماعة الإسلامية، كما يستمد السلطة ذاتها من تنفيذ الشريعة، التي يستوي الكل في فهمها وتطبيقها متى فقهوها، ويحتكم إليها الكل على السواء.
(1)"مفاهيم إسلامية" للمودودي (ص 129).
فليس في الإسلام "رجل دين" بالمعنى المفهوم في الديانات التي لا تصح مزاولة الشعائر التعبدية فيها إلا بحضور رجل الدين، إنما في الإسلام علماء بالدين، وليس للعالم بهذا الدين من حق خاص في رقاب المسلمين، وليس للحاكم في رقابهمم إلا تنفيذ الشريعة التي لا يبتدعها هو بل يفرضها الله على الجميع" (1) "العدالة الاجتماعية" (13).
فكيف تتهمهما بما لم يقولا به؟ الذي أظنه -والله أعلم- أنك تعلم حقيقة قولهما، ولكنك ترى بسوء فهمك إن هذا القول منهما يتضمن القول بالسلطة الدينية ولو أنكرا ذلك في كتبهما وهكذا غيرهما من دعاة الإسلام الذين يطالبون بتحكيم الشريعة (كاملة) ويدل لذلك قولك:"وهم بقولهم هذا .. يجعلون صاحب السلطة السياسية في النظام الإسلام -الحاكم- وكيلاً عن الله سواء صرحوا بذلك أم لم يصرحوا لأن الحاكم هو في النهاية منفذ شريعة ومطبق قانون .. ""الدولة الإسلامية"(32) وهذا الفهم الخاطئ جرك إلى اعتقاد أن من يطالب بتحكيم الشريعة في هذا الزمان هو من الداعين إلى السلطة الدينية.
- يقول عبد القادر عودة رحمه الله: "إذا كان من وظيفة الحكومة الإسلامية أن تقيم الدين فإنها لا تعتبر من نوع الحكومات الدينية التي يسميها الفقه الدستوري حكومات ثيوقراطية"(2).
- ويقول الشيخ سفر الحوالي: "أما السلطة الكهنوتية فلا وجود لها في الإسلام لا بالشكل الذي رأيناه سلفًا في أوربا النصرانية ولا بغيره. ذلك أن الإسلام -وهو دين التوحيد الخالص- إنما أنزله الله لتحرير العباد وإخراجهم
(1)"العدالة الاجتماعية" لسيد قطب (ص 13). وفي هذا الكتاب تطاول سيد قطب على الصحابيين عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ما لا يقبله أي مسلم.
(2)
"الإسلام وأوضاعنا السياسية" لعبد القادر عودة (ص 101).
من عبودية العباد إلى عبادة الله وحده وطاعته دون سواه في التلقي وفي الاتباع في المنهج والسلوك " (1).
- ويقول الشيخ القرضاوي: "أما الحاكمية بالمعنى التشريعي ومفهومها أن الله سبحانه هو الشرع لخلقه وهو الذي يأمرهم وينهاهم ويحل لهم ويحرم عليهم فهذا ليس من ابتكار المودودي ولا سيد قطب بل هو أمر مقرر عند المسلمين جميعًا"(2).
فالحاكم لا يطاع إلا لأجل تنفيذ أوامر الله وأحكامه وإما إذا خالف ذلك فلا حق له بالطاعة. وهذا عمل الخلفاء الراشدين بعده صلى الله عليه وسلم والغريب أنك لم تطلق على حكمهم مسمى "الحكومة الدينية" مع أننا لا نطالب إلا بمثل حكمهم!! فما الفرق بيننا؟ الخلاف بيننا وبينك ليس هو في اعتقادك أن العلماء والدعاة يقولون بالحكومة الدينية بشكلها النصراني فأنت تعلم أنهم لم يقولوا بذلك كما سبق وإنما الخلاف بيننا في تحديد السلطة المدنية والسلطة الدينية كما فرقت بينهما أو أمور الدين وأمور الدولة. فقولك إن أمور السياسة والاقتصاد والعمران والفن لا تدخل ضمن الدين قول فيه إجمال فهو من الأسماء المبهمة التي يتوقف فيها أهل السنة فلا يجيبوا بنفي ولا إيجاب حتى يعرفوا معناها فهي كألفاظ الجسم والتركيب والجوهر والحيز في باب العقائد يتوقف فيها كما هو معروف من مذهب أهل السنة فإن كان حقًّا أقر وإن كان باطلاً رد .. وهكذا قولك هذا فماذا تعني بالسياسة؟ إن كنت تعني مثلاً أن تختار الأمة حكامها بنفسها مع الشروط التي اشترطها الإسلام فيهم وإن يشاورهم هذا الحاكم في أمور الدولة التنظيمية وفي شئون الحرب المتغيرة كخطة الحرب (التكتيكية) من أين يهاجم؟ وأي قائد يولي على هذه الجهة؟
(1)"العلمانية"(ص 607).
(2)
"بينات الحل الإسلامي" للقرضاوي (ص 162).
ونحو ذلك فهذا الأمر نوافقك في أنه لم يرد فيه نصوص ملزمة، وإنما هو متروك للحاكم.
وأما إن كنت تعني بالسياسة أن تكون الدولة ديمقراطية كما تصرح بذلك كثيرًا، وتكون السلطات بيد الشعب فهذا أيضًا مما يتوقف فيه لأنه مجمل. فإن عنيت بسلطات الشعب أن يشاركوا الحاكم في أحكامه التي سبق أمثله منها أي لم يكن فيها نص من القرآن أو السنة فهذا مما نوافقك عليه، ولكن لا نسميه ديمقراطية، وإنما هو الشورى الإسلامية ويتنبه هنا إلى أمرين:
1 -
إن الذين يشاورهم الخليفة من الشعب في مثل هذه القضايا إنما هم أهل العقد والحل من أجلاء المسلمين وأصحاب الورع والتقوى والفكر الناضج وليست المشاورة لكل الشعب الذي يحتوي في مجمله على أناس من الجهلة والعوام والطغام الذين لا يفقهون شيئًا في هذه الأمور.
2 -
إن مشاورة الحاكم لهم لا تعني أن يلزم بما يقولون ما لم يكن فيه نص بل هو يستمع إلى آرائهم ثم يفصل في الأمر بما يراه هو محققًا لمصلحة الأمة. ولا يلزمه أحد بشيء كما فعل عمر رضي الله عنه في أحكام كثيرة.
وأما إن عنيت بسلطان الشعب (الديمقراطية الغربية)(1) وهو ما تعنيه.
(1) يذهب الشيخ سعيد حوى رحمه الله إلى جواز الأخذ بالديمقراطية الغربية لأن المسلمين في وضعهم الراهن في موقف ضعف أمام الرأي العالمي لا يُسمح لهم فيه بحرية القرار. ويستشهد باقتباس عمر للديوان من الفرس" (مجلة الإرشاد اليمنية - السنة السابعة عدد 10) والشيخ -غفر الله له- واهم في هذا القول الخيالي؛ لأن الدولة الإسلامية إذا عزمت على تحكيم الكتاب والسنة لا تحتاج بعدها إلى نظام آخر. ولا تلتفت إلى ضغط دولي أو غيره. وإنما هو اليقين والتوكل على الله. ولو راعت ما ذكره الشيخ لما بقي للإسلام إلا رسمه لمن تأمل. ثم ليعلم القارئ أنني لم أتوسع في موضوع الشورى والديمقراطية؛ لأن مكانها المناسب هو الرد القادم على (فهمي هويدي) -إن شاء الله- لكي لا تطول هذه الرسالة .. ولتصبح الرسالتان (عمارة - هويدي) تكمل إحداهما الأخرى" ا. هـ ما قاله الشيخ سليمان الخراش.
أي أن تكون الأمة هي مصدر التشريع بحيث تشرع القوانين التي تراها مناسبة للزمن المعاصر ولو خالفت نصًا من الكتاب أو السنة فهذا ما نرفضه رفضًا تامًا؛ لأنه تدخل في ما اختص به الله تعالى. وهو ما يسميه سيد قطب والمودودي بالحاكمية. وهذا هو الذي تدندنون حوله فقد صرحت في بعض كتبك بأن الهدف من سن القوانين المتنوعة التي يراها الشعب هو مصلحة الأمة ولو عارض ذلك نصًّا من الكتاب والسنة ومثال ذلك قولك: "الإسلام كدين لم يحدد للمسلمين نظامًا محددًّا للحكم؛ لأن منطق صلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان يقتضي ترك النظم المتجددة قطعًا بحكم التطور للعقل الإنساني الرشيد. يصوغها وفق مصلحة المجموع وفي إطار الوصايا العامة والقواعد الكلية التي قررها هذا الدين""الدولة الإسلامية"(53)، وفي نص آخر تقول:"إن الأمة هنا هي مصدر السلطات شريطة أن تتقيد سلطاتها بالوصايا الدينية المتمثلة في النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة طالما بقيت هذه النصوص محققة لمصلحة الأمة في مجموعها وإلا قدمت المصلحة على هذه النصوص .. لأن الشريعة في السياسة والدولة والعمران مقاصد ورأس هذه المقاصد ومحورها وجماعها هو تحقيق مصلحة الأمة الكافلة لسعادتها في الدنيا والآخرة""العلمانية"(51).
- قلت: ومعنى هذا الكلام الخطير الذي (يميع) الإسلام وسلطانه في الأرض أن الشعب (الجاهل) إذا اجتمع يومًا ما ورأى أن أمرًا ما يحقق المصلحة للدولة فإن الحاكم يلتزمه ولو خالف القرآن والسنة كما قال الدكتور فيترتب على هذا الأمر الخطير قضايا كثيرة .. وهكذا قضايا كثيرة وخطيرة لا تحصر .. فإن العمدة عند الدكتور هو (المصلحة) لا غير فهو (براجماتي) مسلم! وأما النصوص الشرعية فكما اعترف هو بنفسه فإنها تقذف في البحر!! والعياذ بالله! والطريف قوله بعد ذلك: "في إطار الوصايا العامة