الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الملوك والبابوات، ولقد يقدم ثمنًا لذلك أفكاره الحرة أحيانًا، منذ ذلك الحين وفولتير عندي متهم، ولن أبرئه أبدًا، ولن أعده أبدًا من بين أولئك العظام الذين عاشوا بالفكر وحده، وللفكر، وأحسب أن التاريخ العادل سوف يحكم عليه هذا الحكم، فينتقم للحق بما افتراه على نبي كريم ظلمًا وزورًا.
على أن الذي يدعو إلى الدهش أكثر من كل هذا أن الشرق والإسلام وقفا من هذا الأمر موقف النائم الذي لا يعي ولا يشعر بما يحدث حوله، فلم نر كاتبًا من كتاب الإسلام قام في ذلك الوقت يدفع عن دينه هذا الهراء الذي قاله فولتير، ويقذف في وجه هذا الكتاب بالحقائق الباهرة القاطعة، أو أن مؤلفًا وضع كتابًا يبرز فيه شخصية النبي الخيرة العظيمة واضحة جلية، لقد كان الشرق في ليل هادئ بهيم لم تثر فيه حركة فولتير يومئذ ساكنًا.
ولكن الأمر قد تغير اليوم ولاحت في أفق الشرق خيوط الفجر، وقام في هذا القرن كتاب يمجدون عقيدتهم وهم يعلمون أن ذلك تمجيد للحق وللشرق، فإن المسألة ليست مسألة دين فقط، وإنما هي مسألة جنس وقومية (1)، وإذ تقول أوروبا "الإسلام" قائمًا تعني في غالب الأحيان "الشرق" إن الحرب الصليبية لم تكن في حقيقتها إلا حرب الغرب على الشرق (2)، وهذا المد والجزر بين الغرب والشرق يفهمه مفكرو الأوربيين تمام الفهم، ويحسبون له الحساب فالدفاع عن شخصيتنا وعقيدتنا دفاع عن حياتنا.
*
كرومر وكتابه (مصر الحديثة) وتغريب الفكر الإِسلامي:
يعد افيلنج بارنج (كرومر) من كبار دعاة التغريب والاستعماريين في العالم الإسلامي وواحدًا من الذين وضعوا مخطط السياسة التي جرى عليها
(1) لا للجنس ولا للقومية وإنما الدين والدين فقط.
(2)
هي حرب الكفر على الإسلام.
الاستعمار ولا يزال، في محاولة القضاء على مقومات العالم الإسلامي والأمة العربية جزء منه، والإيمان بأن هذا العمل الفكري هو أهم الأعمال القادرة على دعم نفوذ الاستعمار وتركيز قوى الغرب في قلب المنطقة، وتمثل كتاباته في تقاريره وفي كتابه "مصر الحديثة" خطة عمل كاملة، وأيدلوجيا شاملة للقضاء على مقومات الفكر العربي الإسلامي وتمزيق وحدة العالم الإسلامي، ومقاومة القيم والمفاهيم العربية والإسلامية.
ولقد أمضى لورد كرومر في مصر ما لا يقل عن ربع قرن قابضًا على زمام السلطات (1882 - 1906) وأتيح له من قبل أن يمضي وقتًا في الهند، درس في خلالها مناهج الاستعمار البريطاني هنالك، وقد عمل أول أمره في مصر مندوبًا في صندوق الدين المصري 1877، ثم ما لبث أن عين بعد الاحتلال البريطاني مباشرة مندوبًا ساميًّا، ومعتمدًا لبريطانيا، ويهمنا في هذه الدراسة أن نتناول آثاره في مجال الفكر العربي الإسلامي ومخططه الذي سار عليه من بعده كل دعاة التغريب والذي اتخذته منظمات التبشير ومعاهد الإرساليات وكل من اشترك في مخطط العمل (دستورًا) من أجل تأكيد النفوذ الأجنبي عن طريق الفكر.
- وقد تبلورت حملات كرومر في نقاط هامة قليلة:
1 -
إثارة الشبهات حول الإسلام، وذلك بالادعاء بأنه دين مناف للمدنية ولم يكن صالحًا إلا للبيئة والزمان اللذين وجد فيهما.
2 -
أن المسلمين لا يمكنهم أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن إلا بعد أن يتركوا دينهم وينبذوا القرآن وأوامره ظهريًا؛ لأنه يأمرهم بالخمول والتعصب، ويبث فيهم روح البغض لمن يخالفهم والشقاق وحب الانتقام وأن المانع الأعظم والعقبة الكئود في سبيل رقي الأمة هو: القرآن والإسلام.
3 -
إن الإسلام يناقض مدنية هذا العصر من حيث المرأة والرقيق وأن
الإسلام يجعل المرأة في مركز منحط.
4 -
الطعن في شريعة الإسلام وسياسته ومعاملاته.
5 -
أن الشاب المصري المسلم أثناء ممارسته التعليم الأوربي يفقد إسلامه، أو أفضل قسم منه ويقطع حبل المرساة الذي يربطه بمرفإ إيمانه. وأن الشبان الذين يتلقون علومهم في أوربا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم، ولا يستطيعون الالتجاء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته، فيتأرجحون في الوسط ويتحولون إلى مخلوقات شاذة ممزقة نفسيًّا.
6 -
هاجم القرآن، وقال: إنه ينافي العمران وهاجم الإسلام؛ لأنه أباح الطلاق، وأنه حرم الربا والخمر.
7 -
قال: إن الإسلام خال من التسامح ويغلب عليه التعصب، وأنه يغرس في العقول الانتقام والكره اللذان يجب أن يكونا أساسًا للعلاقات بين الرجل والمرأة بدلاً من المحبة والإحسان.
8 -
دعا إلى إطلاق الحرية للمرسلين والمبشرين في مصر والسودان، وأن ينشئوا مدارسهم، وضمن تقاريره إحصائيات عن أعمال التبشير في جنوب السودان وفي تقريره عام 1904 أعلن أنه كتب إلى جمعية تبشيرية إنكليزية يحضها على بعث مرسليها إلى جنوب السودان، وقال: إن جنوب السودان سكانه وثنيون، وإن اتصالهم بالمسلمين إنما يذكرهم بفضائح الدراويش والنخاسين من العرب، وطالب بأن يتاح للمرسلين في أن ينشئوا مدارس في الخرطوم ويدخلوا ما شاءوا من التعاليم الدينية، وقال: إن أعمال المبشرين في الجنوب (جنوبي كودوك - فاشوده) سائرة سيرًا مستمرًا، وقال: إنه لم يطلب منه حتى الآن أي ترخيص لإنشاء مدارس في جنوب السودان تعلم فيها فرائض الإسلام.
9 -
دعا إلى خلق طبقة من المتفرنجين المستغربين من الوجهة الأوربية،
والمدنية الحديثة، وقال: إن هؤلاء جديرون بكل تنشيط ومعاونة يمكن أن تعطى لهم، وقال: إن هؤلاء هم حلفاء الأوربي المصلح ومساعدوه، وسوف يجد محبو الوطنية المصرية أحسن أمل في ترقي أتباع الشيخ محمد عبده، للحصول على مصر مستقلة بالتدريج.
وهذه النصوص المنقولة من كلمات كرومر تمثل جماع ما دعا إليه المبشرون والمستشرقون دعاة التغريب والشعوبيون وما يزالون يدعون إليه حتى الآن، وهي مجموعة من الأكاذيب المنبعثة من التعصب واستخدام سلاح الشبهات للقضاء على مقومات الأمة وقيم فكرها، بعد أن تأكد الاستعمار والنفوذ الأجنبي من أن هذه المقومات هي مصدر القوة في العالم الإسلامي لمقاومة كل ضغط أجنبي.
وقد استهدفت هذه الحملة أساسًا قتل روح المقاومة والحملة على الاستعمار وخلق روح تدعو إلى تقبله والرضا به والاستسلام له، على أساس أنه أمر لا يمكن مقاومته، ومن المصلحة الانتفاع بالمستعمرين وقبول فكرهم وحضارتهم، وتقبل الحرية والاستقلال على مراحل، وهذا التيار الذي دُعي فيما بعد بتيار التعقيل أو الالتقاء مع الإنجليز في منتصف الطريق، وقد ارتفع هذا الصوت في السنوات الأخيرة لكرومر، وحاول خلق فلسفة قوامها تقبل الاستعمار وصداقته وعدم معارضته، وذلك بتصوير الاحتلال على أنه حقيقة واقعة، وكانت حجة دعاة هذه المعركة التي تعد خطوات التغريب والشعوبية القائمة الآن في العالم الإسلامي امتدادًا لها، كانت حجة هذه الحركة في (الاعتدال)، أو التعقيل على أساس فهم سلبي قوامه أن التخلص من الاحتلال يحتاج إلى قوة ليست موجودة لدى المصريين، وأن الدعوة إلى مقاومة الاستعمار هو إنفاق للوقت فيما لا طائل تحته، وما دام الإنجليز هم الذين يمسكون زمام الأمور وحدهم فلا سبيل إلى الإصلاح إلا بمصادقتهم
والتفاهم معهم وقبول ما يتنازلون عنه.
وقد أشاد كرومر بهذه الدعوة التي حمل لواءها لطفي السيد في الجريدة. ومن هنا تعمقت الحملة على الوطنيين وعلى دعاة الجلاء والحرية وعلى أصوات الدعوة المتحمسة وهوجمت أبشع هجوم، وقد حملت هذه الدعوة: الإيمان بالفكر العربي إيمانًا كاملاً ونقله، والتشيع له، وتحقير كل مقومات الفكر العربي الإسلامي ورميه بالضعف والجمود والتخلف، كما حملت لواء التقدير لأمثال كرومر ووصفه بالبطولة والإعجاب ببريطانيا وأوربا واعتبارها رأس الأمم العظيمة، وبذلك انحرف ميزان المفاهيم بين القيم الأساسية والمفاهيم المستوردة، وقد أيد كرومر هذا الاتجاه وأطلق عليه اسم (المدرسة) وتمثل هذا الاتجاه في كتابات الجريدة، التي أنشأها الباشوات والإقطاعيون والموالون للإنجليز، وأصبح شعار هذه الدعوة:(الاعتدال، المحاسنة، التعقيل).
- ثم كان أن اتجه المخطط إلى نهايته في ظل هذه الحركة وكانت الدعوة إلى:
1 -
الإقليمية الضيقة، مصر للمصريين، نحن لسنا عربًا، وليس لنا بالمسلمين أي روابط، ولا دخل لنا في أمورهم ومن هنا لا يجوز لنا أن نشارك في معارك طرابلس التي وقعت مع إيطاليا في سبيل مقاومة الاستعمار.
2 -
التعليم، لا يكون إلا لطبقة معينة من الأمة هي الطبقة الثرية التي تتأهل لولاية الحكم وإن أبناء الطبقات الفقيرة لا يجوز أن يتعلموا إلا (فك الخط).
3 -
اللغة العربية الفصحى هي مصدر التخلف، ولذلك لا بد من تحسين اللغة العامية حتى تصبح لغة الكلام والكتابة معًا.
4 -
الإنجليز يعملون لتمديننا وحمايتنا، فلا خصومة بيننا وبينهم ولكن مودة وصداقة.
5 -
الوطنية لا تكون اندفاعًا عاطفيًا، ولا ينبغي أن يتعلق بأوهام الإسلامية أو الرابطة العربية وإنما تقوم على سياسة المصالح فمصر أولاً وقبل كل شيء. وبذلك حقق كرومر هدفه في خلق تيار واضح في تعميق دعوته ونشر سمومه وقبول آرائه في ازدراء الفكر العربي الإسلامي واحتقار الإسلام والعروبة واللغة العربية والشك في صلاحية هذه المقومات لبناء أمة أو نهضة.
فاستطاع أن ينشر هذه الآراء عن طريق صحيفتين: صحيفة لها طابعها العلني في تأييد الاستعمار "المقطم" وصحيفة لها طابعها المصري الغامض "الجريدة" وقد مضى كرومر خلال فترة إقامته في مصر إلى آخر المدى في تنفيذ مخططه الاستعماري التغريبي الذي يتركز على عدة أعمال أساسية:
1 -
الحملة على مركز الرابطة التي تجمع العالم الإسلامي وهي السلطنة العثمانية والخلافة والسلطان عبد الحميد وتأييد خصومها وفتح أبواب مصر لهم وإتاحة الفرصة لهم للحملة على الجامعة الإسلامية والخلافة والدولة العثمانية.
2 -
الحملة على الإسلام باعتباره تركيا وباعتبار أن الكيان القائم في تركيا بكل أخطائه ومساوئه هو "الإسلام" والتركيز على الخلافة الإسلامية باعتبارها نقطة الالتقاء للعالم الإسلامي رغبة في القضاء عليها.
3 -
الاتفاق مع فرنسا وتوقيع الاتفاق الودي وذلك حتى لا يجد المصريون مجالاً للحملة على بريطانيا ومقاومة نفوذها، وقد كشف ذلك عن أن الاستعمار ملتق على هدف واحد هو السيطرة على العالم الإسلامي.
4 -
استقدام عديد من الأجانب ومن السوريين واللبنانيين خصوم الدولة العثمانية ليصبحوا (ركائز) في دعم الحكم وإتاحة الوسائل الكفيلة لهم
بالكتابة والتجارة والسيطرة على مجالات الاقتصاد والفكر والصحافة.
5 -
نشر اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية على حساب اللغة العربية والثقافة الفرنسية في محاولة القضاء على الفكر الإسلامي العربي، وبذلك أمكن تجميد اللغة العربية في المدرسة المصرية والجامعة وتجميدها عن النمو في العالم العربي والإسلامي كله.
وقد حاول كرومر تنفيذ تجربة الاستعمار البريطاني في الهند للقضاء على اللغة العربية بها، وذلك بنشر اللغة الإنجليزية حتى تكون لغة تخاطب، ففرض التدريس بها، ولقد كان الإسلام هو العامل الأساسي الذي استطاع أن يحمي اللغة العربية بوصفها لغة القرآن ولولاه لانتهت اللغة العربية في مصر.
6 -
خلق روح الإقليمية وتمصير القيم بعد أن كانت عربية أو إسلامية، وذلك لعزل كل قطر عن القطر الآخر وأقام حدود فكرية بين أجزاء الوطن العربي والعالم الإسلامي.
وقد استطاع هذا التيار أن يبتعد عن جذور الفكر العربي الإسلامي، وأن يشجبه شجبًا كاملاً، ويجعل الحديث عنه جمودًا ورجعية، كما انتشرت الحملة العنيفة المستمرة على رجال الأزهر ووصفهم بأنهم رجال الدين وإلقاء اتهامات الأكليروس على علماء المسلمين، كما نقلت الاتهامات التي وجهها الفكر الغربي إلى المسيحية الغربية على الإسلام. ولم تمر حملات كرومر دون أن تواجه بمعارضة ونقد وتشريح وكشف لما بها من أخطاء ومغالطات وتعقيب، وأبرز ثلاثة تناولوا كتابات كرومر بالرد هم: فريد وجدي، ومصطفى الغلاييني، ورشيد رضا.
وعندما صدر كتاب مصر الحديثة (مارس 1908) نشرت اللواء والمؤيد ردودًا تفصيلية، مما جاء فيها قول المؤيد: "لم يكن كرومر من رجال العلم والفلسفة، ولا من رجال التأليف إنما كان جنديًّا يؤمن بمجد الإمبراطورية،
تعود بحكم وظيفته أن يكتب، ونظرته استعمارية تنبع من وجهة نظر سيطرة بريطانيا، وهي قائمة على كراهية الشرق والعرب والمسلمين واحتقارهم والإيمان بأن الرجل الأبيض له حق تمدينهم".
1 -
وقال فريد وجدي في رده على كرومر: إنه مما لا خلاف فيه أن الإسلام كان وحده سبب يقظة الأمة العربية والروح التي بعثتها لتكوين وحدتها الاجتماعية والسياسية وأنها باسمه وبتأثير تعاليمه اتصلت من بين شعابها وهضابها الرملية لمنازعة دولتي الرومان والأعاجم حق السيادة الأرضية، وباسمه أسست تلك المملكة الباهرة في الأندلس التي كانت سببًا في إيصال نور المدنية إلى أوربا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، فهل يصح أن توصف المبادئ التي كونت هذه الدول بأنها مبادئ تميت الشعوب التي تسود فيها.
2 -
أما مصطفى الغلاييني فقد أصدر كتابًا في 224 صفحة باسم "الإسلام روح المدنية" صدر 1908 في بيروت وأعيد طبعه في مصر بعد ذلك. وقد رد فيه مفصلاً على آراء كرومر عن:
(1)
التعصب في الإسلام.
(2)
الرق في الإسلام.
(3)
المرأة في الإسلام.
(4)
المدنية الإسلامية.
وأجاب على ثلاثة أسئلة هي:
(أ) هل الشريعة الإسلامية لا توافق هذا الزمان؟
(ب) هل الإسلام مدن الإنسانية أم أخرها؟
(ج) هل القرآن منافٍ للعمران؟
3 -
أما الشيخ رشيد رضا فقد رد في المنار مجلد 10 (1907) على ما
ذكره كرومر وأعاد إلى الذاكرة ما وجهه إلى المستشار الإنجليزي عام 1905 عندما هاجم الشريعة الإسلامية، وقد جاء في ذلك قوله إلى كرومر: "هل عنيت بما قلت في تقريرك الأخير عن الحكم بالشريعة الإسلامية التي وضعت منذ أكثر من ألف سنة الدين الإسلامي نفسه الذي هو عبارة عن القرآن الكريم والسنة النبوية أم عنيت بذلك الفقه الإسلامي الذي وضعه الفقهاء؟!.
وقد رد كرومر في مكر ولؤم، فقال: إنه إنما قصد الفقه ولم يقصد الدين الإسلامي نفسه".
- وكان كرومر في تقريره 1906 قد هاجم الإسلام والفكر العربي الإسلامي في ثلاثة مواضع:
1 -
إباحة الاسترقاق.
2 -
المرأة.
3 -
اجتماع الأصول المدنية والقانونية في الإسلام.
وقد رد عليه كثيرون في مقدمتهم فريد وجدي، ومصطفى الغلاييني والدكتور شبلي شميل.
وقد نشر فريد وجدي رده باللغة الإنجليزية في جريدة اجبيشيان ستندر حتى يهيئ للورد كرومر فرصة قرائته بنفسه وبلغته، غير أن كرومر لم يلبث بعد عامين بعد خروجه من مصر أن أصدر كتابه "مصر الحديثة" وعاد فاتهم الإسلام والثقافة العربية الإسلامية مرة أخرى باتهامات جديدة فعاد فريد وجدي إلى الرد عليه مفندًا رأيه بأدلة جديدة في بضعة وعشرين مقالاً نشرها في جريدة الدستور عام 1908 ثم جمعها في كتابه "اللورد كرومر والإسلام".
ومما جاء فيها قول فريد وجدي: صغر في عيني جدًا من حيث معارفه التاريخية والاجتماعية والدينية وكنت أظن أنه بعد أن قرأ ردي عليه في أجبيشان ستندارد الإنجليزية يؤوب إلى الحق، فيتنازل عما اختزنه ذهنه عن
الإسلام عن طريق الوراثة والتقليد فإذا به ازداد تعسفًا وجنى على الحقيقة.
ويظهر أن السياسة قطعته عن العلم فلم يدرس في فلسفة الأديان كتابًا واحدًا. ويسوءنا أن نجاريه في تعديه على الإسلام فنكيل له الصاع بالصاع ونريه من أقوال قادة الفلسفة الأوربية مبلغ ما أتت به المسيحية للعلم والمدنية، ولكن يردنا عن ذلك أدب إسلامي أفاضه علينا القرآن فنمتنع عن تناول النصرانية بالقول تفاديًا من استياء الآخرين بذلك الدين.
ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نذكره بقول العلامة "درابر" أن المسيحية لبثت في أوربا ألف سنة فلم تنجب عالمًا واحدًا، ولم يلبث الإسلام غير سنين معدودة حتى نبغ فيه ألوف من أراكين العلم وأساطين الفلسفة. إن المصري يعتبر من أكثر العالمين أدبًا وظرفًا وكرمًا، وماذا رأى كرومر من سوء أدبنا حتى يحط من قدرنا إلى هذا الحد، إن ذنب الإسلام في نظر أهل السياسة من أوربا أنه دين يحمل الآخذ به على الإباء والشمم، ويحميه من أن يكون مضغة للمستعمرين من الأمم، مم يكفر المسلم المعتصم، أيكفر من وجدانه دينًا لا يجافي العقل ولا يحجر عليه، دينًا يفتح باب الحرية المعقولة في وجه كل ميل من أميال جسده وبصره، دينًا يدعو للقوة الدنيوية كما يدعو للمنزلة الأخروية.
لا بد أن يكون من الذين يحومون حول كرومر رجل أو رجال دسوا له الدسائس، فما كان كرومر يستطيع أن يقول هذا الكلام ما لم يقم قوم من المسلمين يدعون أنهم آخذون في إصلاح الإسلام وكلمة إصلاح التي هي في لغتهم، Reform تذكرهم بانقلاب أساسي للدين من نوع الانقلاب الذي أحدثه لوثر وكالفان من مؤسسي البروتستانية، فلما رأى كرومر أن في مصر رجالاً يدعون هذه الدعوى، ولم يثمر أعمالهم سنين ثمرة تذكر، زعم أن الإسلام غير قابل للإصلاح.
أما الإسلام في ذاته فلا يعوزه إصلاح ما، وكل ما يشاهد في أهله من
آثار الحياة عنه، أسبابه الجهل والبعد عن أصوله وفروعه، فانشر العلم بين طبقات المسلمين تنتهي كل هذه الخرافات. فثم يطلب الإسلام الإصلاح.
هل يحجر على المتعلم العلم، قال: يصد الباحث، هل يأمر بإحراق المتكلمين في الطبيعيات، هل يزجر أهله عن السعادة المادية، هل يكبح الآخذين به عن الملذات البدنية المعتدلة، هل يقيم لهم الوسطاء والشافعين من الكهنة، هل يأمر الناس بالذلة والمسكنة، هل يحسن للإنسان قتل الناس بمجرد مخالفتهم له في العقيدة، هل يبيع حملته الجنة والرحمة الإلهية، كل ما في الأمر أن جهال المسلمين غلوا في تعظيم الصالحين وفي استعمال البيارق والطبول في الأذكار، وافرط أغنياؤهم في كثرة التزاوج والطلاق، وهي أمور سببها الجهل، وأوجبها سكوت العلماء وغدًا تنتبه العقول فلا يوجد لها عين ولا أثر.
يقول اللورد: إن الإسلام فشل في تكوين نظام اجتماعي وهذه كلمة تضحك الصخر وتبكيه في آن واحد، فيا ليت شعري إذا خاب الإسلام في تكوين نظام اجتماعي فكيف جمع العرب المشتتين وكون منهم أمة دحرت الرومان والفارسيين وما زالت تمتد حتى بلغت أقصى ما بلغته دولة الرومان في قرون وصار ملكها أكبر من ملك إنجلترا اليوم، ألم يقرأ نظام الأندلسيين في غرب أوربا في القرن السابع والثامن والتاسع والعشر والحادي عشر من الميلاد حيث كانت أوربا تتعلم منهم العلوم وتقتبس منهم المدنية.
أتريد دليلاً على فساد مزاعم اللورد كرومر أقوى من قوله: إن الإسلام خاب في تكوين نظام اجتماعي في الوقت الذي أجمعت فيه التواريخ أن الأمة الإسلامية اجتمعت بالإسلام وارتقت به وكونت لنفسها في ممالك متعددة مدنيات باهرة تفضل مدنية اليوم من أكثر الوجوه؟!. ولكن الأغرب في كل ما مر من تعليلات كرومر لإخفاق النظام الاجتماعي الذي وضعه الإسلام قوله: إنه حط من قدر المرأة، كيف حط الإسلام من قدر المرأة، وهو