الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء وأكثرهم مالاً، وكانوا من أعتى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكمالها، حتى أخذوا القدس ونابلس وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشويك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية وجميع ما والى ذلك، إلى بلاد إياس وسيس، واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين وبلاد شتى غير ذلك، وقتلوا من المسلمين خلقًا وأممًا لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء والولدان مما لا يحد ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها وصارت دار الإسلام، وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا على دمشق، ولكن الله سلم، وحين زالت أيامهم وانتقض إبرامهم أعاد الله عز وجل هذه البلاد كلها إلى المسلمين بحوله وقوته وجوده ورحمته" (1).
-
محمد عمارة عقلاني مستنير كما يقول ليس على منهج أهل السلطة والجماعة:
لقد انتقل الدكتور عمارة من تيار الفكر الماركسي الشمولي إلى تيار اليسار الإسلامي، أو تيار الأفغاني أو التيار الحضاري أو التيار المستنير أو العقلانية الإسلامية المعاصرة .. سَمّه ما شئت من هذه الأسماء فهي تصدق عليه.
أما إنه عاد إلى الإسلام بمعناه الصحيح وهو منهج أهل السنة
(1)"البداية والنهاية" لابن كثير (12/ 286)، وانظر إلى ما كتبه أيضًا في سنة 402 هـ.
والجماعة .. فلا والله! لم يعُد.
وهذه الدراسة خير شاهد على ذلك.
فإن قلت: لعل الدكتور قد تراجع عن التعلق بهذا التيار أيضًا ورجع إلى منهج الحق. فحاله مال الأشعري في تنقلاته الثلاث.
فأقول: لا! لم يصنع ذلك.
ْويشهد لهذا أمور قد ذكرت بعضها عند الحديث عن مقالاته في اليمامة .. ومنها:
1 -
أن كتبه التي اعتمدت عليها في هذه الدراسة لا زالت تطبع دون تغيير أو تنبيه على مثل هذا التراجع المزعوم .. فقد طبع (تيارات الفكر) وغيره طبعة جديدة في العام الماضي وما قبله.
2 -
أن الدكتور قد جمع أفكاره المعتادة التي يرددها دائمًا وضمّنها واحدًا من أواخر ما كتب وهو "معالم المنهج الإسلامي" الذي طبعه المعهد العالمي للفكر الإسلامي محتسبًا الأجر والنصح للمسلمين!!.
3 -
أنه يردد هذه الأفكار كثيرًا في مقالاته ومقابلاته كما نقلت ذلك عنه مرارًا .. وتابع مجلة المجتمع أو جريدة المسلمون تنبئك بصدق ادعائي! فهما لا تبخلان علينا بين الحين والآخر تبشران الأمة بمشروع عمارة الحضاري. والذي سينقذنا من مستنقعات التخلف التي يجرنا إليها .. النصوصيون المتزمتون الجامدون .. ! فلعلهما يتبصران الأمر بعد هذه الدراسة.
4 -
أن الدكتور الشاعر عبد الرحمن العشماوي .. قد أيدني في هذا عندما ردّ على الدكتور بعض أفكاره الجريئة .. وذلك عندما قال: "قيل عن الرجل ما قيل من أنه قد تراجع عن بعض آرائه العقلانية التي طرحها في كتبه .. "، ثم قال: "ثم إنني ما كدت أنتهي من حوار (المسلمون) الذي
أشرت إليه حتى برزت أمامي صورة الرجل بملامحه القديمة" (1).
- قلت: فالرجل هو الرجل لم يتراجع عن (أي) شيء من أفكاره (المستنيرة) فيشترط لتوبته ما قاله ابن القيم رحمه الله: " .. فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الاعتقادات الفاسدة: بمحض اتباع السنة. ولا يكتفى منهم بذلك أيضًا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة. إذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده. ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى: البيان؛ لأن ذنبهم لما كان بالكتمان، كانت توبتهم منه بالبيان. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم؛ لأن ذاك كتم الحق. وهذا كتمه ودعا إلى خلافه. فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس"(2).
قلت: ويضاف إلى هذا الشرط (التبيين) الشروط المعلومة في التوبة (ترك الفعل -الندم- العزم على عدم العود) ثم قال رحمه الله: "القول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا؟ ) فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة إلا بالتوبة من البدع. وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة، أو يظنها سنة، فهو يدعو إليها، ويحض عليها؟ فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة. وكثرة اطلاعه عليها، ودوام البحث عنها والتفتيش عليها. ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدًا. فإن السنة -بالذات- تمحق البدعة. ولا تقوم لها. وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة، وأزالت ظلمة كل ضلالة. إذ لا سلطان للظلمة مع
(1)"المسلمون"(377).
(2)
"المدارج"(1/ 363).
سلطان الشمس. ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة، ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة، إلا المتابعة، والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله، بالاستعانة والإخلاص، وصدق اللجوء إلى الله والهجرة إلى رسوله، بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، ومن هاجر إلى غير ذلك حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة. والله المستعان" (1).
- قلت: وليعلم الدكتور -هداه الله- أني لم أبادله الرد في هذا الكتاب إلا دفعًا لفساد بدعته (بل بدعه) التي أراد نشرها بين عامة المسلمين وإيقافًا له عن الترسل فيها ..
- قال شيخ الإسلام في حديث له: " .. كذلك بيان من غلط في رأي رآه في أمر الدين من المسائل العلمية والعملية فهذا إذا تكلم فيه الإنسان، بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك لا سيما إذا كان المتكلم فيه داعيًا إلى بدعة فهذا يجب بيان أمره للناس فإن دفع شره عنهم أعظم من دفع شر قاطع الطريق".
- وقال رحمه الله: "إذا كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت، ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله، فإن دُفع صيالهم وبُيِّن ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله" غافر الله لمحمد عمارة وهداه إلى عقيدة أهل السنة والجماعة.
***
(1)"المدارج"(1/ 374).