الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
//الجزء الثاني
قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر
773 -
852هـ - 1371 - 1448م أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، حافظ العصر، رحلة الطالبين، مفتي الفرق، أمير المؤمنين في الحديث، شهاب الدين أبو الفضل الشهير بابن حجر الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي.
ولد في ثاني عشرين شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
ويأتي ذكر والده في محله إن شاء الله تعالى. ومات والده وهو حدث السن، فكفله بعض أوصياء والده إلى أن كبر وحفظ القرآن الكريم، واشتغل وتعانى المتجر، وتولع بالنظم وقال الشعر الكثير المليح إلى الغاية. ثم حبب الله
إِلَيْهِ طلب الحديث فأقبل عليه وسمع الكثير بمصر وغيرها، ورحل وانتقى، وحصل وسمع بالقاهرة من شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، والحافظين ابن الملقن والعراقي، وأخذ عنهم الفقه أيضاً، ومن الشيخ برهان الدين إبراهيم الإبناسي، ونور الدين الهيثمي، والشيخ تقي الدين محمد بن محمد الدجوي، والقاضي صدر الدين سليمان بن عبد الناصر الأبشيطي، وبغزة من أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي، وبالرملة من أحمد بن محمد الأيكي، وبالخليل من صالح بن خليل بن سالم، وببيت
المقدس من المفتي شمس الدين محمد بن إسماعيل القلقشندي، وبدر الدين حسن بن موسى بن مكي، ومحمد بن محمد بن علي المنبجي، ومحمد بن عمر بن موسى، وبدمشق في بدر الدين محمد بن محمد بن قوام البالسي، وفاطمة بنت محمد بن أحمد بن المنجا التنوخي، وفاطمة بنت محمد بن عبد الهادي. وغيرهم، وبمنى من زين الدين أبي بكر بن الحسين.
ورحل إلى اليمن بعد أن جاور بمكة، وأقبل عَلَى الاشتغال والإشغال والتصنيف، وبرع في الفقه والعربية، وصار حافظ الإسلام، علامة في معرفة الرجال واستحضارهم، والعالي والنازل مع معرفة تامة بعلل الأحاديث وغيرها. وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر أقطار الأرض، وقدوة الأمة، علامة العلماء، حجة الأعلام، محيي السنة، انتفع به الطلبة وحضر دروسه جماعة من علماء عصرنا وقضاة قضاتنا، وقرأ عليه غالب فقهاء مصر، وأملى بخانقاه بيبرس نحواً من عشرين سنة.
ثم انتقل لما عزل عن منصب القضاة بالشيخ شمس الدين محمد القاياتي إلى دار الحديث الكاملية ببين القصرين، واستمر عَلَى ذَلِكَ، وناب في الحكم في ابتداء أمره عن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني مدة طويلة، ثم عن الشيخ ولي الدين العراقي، ثم تنزه عن ذَلِكَ وتولى مشيخة خانقاة بيبرس الجاشنكير في دولة الملك المؤيد شيخ، وصار إذ ذاك من أعيان العلماء، وتصدر للإقراء والتدريس إلى أن ولاه الملك الأشرف برسباي قضاء القضاة " الشافعية بالديار المصرية عوضاً عن قاضي القضاة " علم الدين صالح البلقيني بحكم عزلة، وذلك في سابع عشرين المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة، فاستمر في المنصب إلى أن
عزل بقاضي القضاة شمس الدين محمد الهروي بعد نحو عشرة شهور، ثم أعيد إلى القضاء عوضاً عن الهروي في ثاني شهر رجب " سنة ثمان وعشرين " وثمانمائة ودام في المنصب في هذه المرة إلى أن صرف بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني في سنة ثلاث وثلاثين، ثم أعيد عوضاً عن قاضي القضاة علم الدين في شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. وطالت مدته في هذه الولاية إلى حدود سنة أربعين أو التي بعدها. وعزل أيضاً بقاضي القضاة علم الدين صالح، واستمر مصروفاً إلى أن أعيد عوضاً عن علم الدين المذكور في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، واستمر في وظيفة القضاء إلى أن صرف بالشيخ شمس الدين محمد القاياتي في سنة تسع وأربعين، ثم أعيد بعد موت القاياتي في سنة خمسين وثمانمائة، واستمر إلى سلخ ذي الحجة من السنة فصرف بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني أيضاً، وقام مصروفاً إلى أن طلب وأعيد عوضاً عن الشيخ ولي الدين محمد السفطي وذلك في يوم الاثنين ثامن ربيع الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
وكان لولايته في هذه المرة يوماً مشهوداً فدام في المنصب إلى أن عزل نفسه " في خامس عشرين جمادى الآخرة من السنة، وولي من الغد عوضه قاضي القضاة " علم الدين صالح البلقيني، وهذه آخر ولايته للقضاء.
وانقطع شيخ الإسلام شهاب الدين المذكور في بيته ملازماً للإشغال والتصنيف إلى أن توفي بعد أن مرض أكثر من شهر، في ليلة السبت ثامن عشرين ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. ودفن من الغد وصلى عليه بمصلاة بكتمر المؤمني بالرميلة، ومشى أعيان الناس من بيته داخل باب القنطرة إلى القرافة حيث دفن، وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه، ومشى الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان، والقضاة، والعلماء، والأمراء، والأعيان بل غالب الناس في جنازته حَتَّى قيل عن بعض الأذكياء أنه حزر من مشى في الجنازة أكثر من خمسين ألف إنسان، وكان لموته يوم عظيم عَلَى المسلمين، حَتَّى عَلَى أهل الذمة، ورثاه الشعراء.
وكان رحمه الله حافظ المشرق والمغرب، أمير المؤمنين في الحديث، انتهت إليه رئاسة علم الحديث من أيام شبيبته بلا مدافعة، بل قيل أنه لم ير مثل نفسه، قلت: وهذا هو الأصح. وكان عفا الله عنه ذا شيبة نيرة ووقار وأبهة، ومهابة، هذا مع ما احتوى عليه من العقل والحكمة والسكون والسياسة والدربة بالأحكام ومداراة الناس، قبل أن يخاطب الشخص بما يكره، بل كان يحسن لمن يسيء إِلَيْهِ ويتجاوز عمن قدر عليه.
وكانت صفته رحمه الله، ذا لحية بيضاء ووجه صبيح، للقصر أقرب، وفي الهامة نحيف، جيد الذكاء، عظيم الحذق لمن ناظره أو حاضره، راوية للشعر وأيام من تقدمه وعاصره، فصبح اللسان، شجي الصوت، هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة، واقتفائه طرق من تقدمه من الصلحاء السادة، وأوقاته للطلبة مقسمة تقسيماً لمن ورد عليه آفاقياً كان أو عنده مقيماً، مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للإفتاء والتصنيف.
وأما مصنفاته فنذكر ما نعرفه منها فإن أسماء مصنفاته مجلد كامل صغير الحجم، فأول تصانيفه تغليق التعليق وصل فيه تعليقات البخاري، وهو كتاب نفيس، قرض عليه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وغيره، وهو من تصانيفه الجليلة
القديمة، وشرح البخاري في نيف وعشرين مجلداً، وهو فتح الباري، وصنف له أيضاً مقدمة في مجلد، وكتاب فوائد الاحتفال في بيان أحوال الرجال المذكورين في البخاري زيادة عَلَى تهذيب الكمال في مجلد ضخم وكتاب تجريد التفسير من صحيح البخاري عَلَى ترتيب السور، وكتاب تقريب الغريب، وكتاب إتحاف المهرة بأطراف العشرة في ثمان مجلدات، ثم أفرد منه أطراف مسند الإمام أحمد وسماه أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي في مجلدين، وكتاب أطراف الصحيحين، وكتاب أطراف المختارة للضياء مجلد ضخم، وكتاب " تهذيب " تهذيب الكمال للحافظ المزي في ست مجلدات، ومختصره تقريب التهذيب مجلد ضخم، وكتاب تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب، وكتاب
الإصابة في تمييز الصحابة خمس مجلدات، وكتاب لسان الميزان وتحرير الميزان، وكتاب تبصير المنتبه بتحرير المشتبه مجلد ضخم، وكتاب طبقات الحفاظ في مجلدين، والدرر الكامنة في المائة الثامنة، وإنباء الغمر بأنباء العمر، وكتاب قضاة مصر مجلد ضخم، وكتاب الكاف الشاف في تحرير أحاديث الكشاف مجلد، وكتاب الاستدراك عليه في مجلد آخر، وكتاب التمييز في تخريج أحاديث الوجيز مجلدين، وكتاب الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية؛ وكتاب الإعجاب ببيان الأسباب مجلد ضخم، وكتاب الأحكام لبيان ما في القرآن من الإبهام، وكتاب الزهر المطول في بيان الحديث المعدل مجلد، وشفاه الغلل في بيان العلل، وتقريب النهج بترتيب الدرج، والإفتان في رواية القرآن، والمقترب في بيان المضطرب، والتعريج عَلَى التدريج، ونزهة القلوب في معرفة المبدل من
المقلوب، ومزيد النفع بما رجح فيه الوقف عَلَى الرفع، وبيان الفصل بما رجح فيه الإرسال عَلَى الوصل، و " تقويم السناد بمدرج الأسناد " والإيناس بمناقب العباس، وتوالى التأنيس بمعاني ابن إدريس، والمرجة الغيثية عن الترجمة الليثية، والاستدراك عَلَى الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء مجلد، وتخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي وقع في الإملاء مجلدين، وتحفة الظراف بأوهام الأطراف مجلد، والمطالب العالية من رواية المسانيد الثمانية، والتعريف الأوحد بأوهام من جمع رجال المسند، وتعريف أولي التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وكتاب الأعلام بمن ولي مصر في الإسلام، وتعريف الفئة بمن عاش مائة من هذه الأمة، والقصد الأحمد في من كنيته أبو الفضل واسمه أحمد، وكتاب إقامة الدلائل عَلَى معرفة الأوائل، والخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة، والشمس المنيرة في تعريف الكبيرة، والإتقان في فضائل القرآن مجلد، وكتاب الأنوار بخصائص المختار والآيات النيرات للخوارق المعجزات، والنبأ الأنبه في بناء
الكعبة، " والقول المسدد في الذب عن المسند، وبلوغ المرام بأدلة الأحكام " وبذل الماعون بفضل الطاعون، والمنحة فيما علق الشافعي به القول عَلَى الصحة، والأجوبة المشرقة عن الأسئلة المفرقة، ومنسك الحج، وشرح مناسك المنهاج كذلك، وتصحيح الروضة كتب منه ثلاث مجلدات، ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر كراسة، وشرحها نزهة النظر بتوضيح الفكر، والانتفاع بترتيب الدارقطني عَلَى الأنواع، ومختصر البداية والنهاية لابن كثير، وتخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية، والأربعين المتباينة، وغير ذَلِكَ عدة تصانيف أخر، وله ديوان شعر كبير وآخر صغير.
ولي منه سماع وإجازة بجميع ما يجوز له وعنه روايته من تصانيفه ونظمه ونثره، وقد انتخب من ديوانه الكبير قطعة ورتبها عَلَى سبعة أبواب وسماها السبعة
السيارة النيرات، فكتب إِلَيْهِ الشيخ شهاب الدين الحجازي يطلبها منه، وكتب ما أنشدنا الشيخ شهاب الدين الحجازي لنفسه إجازة قوله:
سماء الفضل تحوي نيِّراتٍ
…
وقد حُجبت بسحْب المكْرمات
وكدت أضلُّ يا مولاي فامننْ
…
لَعَلّي أهتدي بالنيِّرات
ومما أنشدني شيخ الإسلام صاحب الترجمة من لفظه لنفسه رحمه الله " تعالى وعفا عنه " قوله:
خليليَّ ولَّى العمر منَّا ولم نتبْ
…
وننوي فعال الصالحات ولكنَّا
فحتَّى متى نبني بيوتاً مِشيدةً
…
وأعمارُنا منَّا تهدُّ وما تُبْسما
وله أيضاً:
سلام عليكم ما برحت مؤمَّلاً
…
دوام البقا حَتَّى أرى الحضرة التَّي
وما رمت طول العيش إِلَاّ لنلتقي
…
فيا ليت أيَّامي أطيلت ومُدَّتي
وله أيضاً:
يا مبدعاً بالحسن واصل أخا
…
همَّ له عام وما وصلْتا
فقال هل صيَّف في مساءة
…
قلت نعم وفي هموم شتَّا
وله أيضاً:
تبّاً لذي المكْر ورعياً لذي
…
قلبٍ سليم جوده فيه ذاتْ
فعاش في عز وفي نعمة
…
وكل من في ذاته المكرمات
وله أيضاً:
أقول وقد وافت فأوفت بوعدها
…
قد انفردت محبوبتي بالفتوة
فيا كِبد اللاحي اشعلي وتوقَّدي
…
فإن التي أهوى وفتْ وتفتت
ومن شعره أيضاً:
سألت مَنْ لحظُه وحاجبُه
…
كالقوْس والسِّهم موعداً حسنا
ففوَّق السَّهم من لواحظه
…
وانْقوس الحاجبان واقترنا
وله أيضاً:
أتى من أحبَّائي رسول فقال لي:
…
ترفَّق وهنْ واخضعْ تفزْ برضانا
فكم عاشق قاسى الهوان بحبِّنا
…
فصار عزيزاً حين ذاق هوانا
وله أيضاً:
أحببت وقَّاداً كنجم طالع
…
أنزلته برضى الغرام فؤادي
وأنا الشهاب فلا تعاند عاذلي
…
إن مِلْت نحو الكوكب الوقاد
وله أيضاً:
وأهيفَ حيَّاني بطيب وصاله
…
ومن ريقه الخمر الحلالُ حلالي
أدار لي الكأسين خمراً وريقه
…
ونزهني عن جفوة وملالي
قلت: وله من هذا النمط الظريف عدة مقاطيع، أضربت عنها خوف الإطالة.
ولنذكر قصيدته الفائية النبوية وأولها:
إن كنت تنكر حبّاً زادني كلفاً
…
حسبي الذي قد جرى من مدمع وكفا
وإن تشككتَ سل من عاذلي شجني
…
هل بتُّ أشكو الأسى والبث والأسفا
أحبابنا ويد الأسقام قد عبثت
…
بالجسم هل لي منكم بالوصال شِفَا؟
كدَّرت عيشاً تقضَّى في بعادكم
…
وراق منِّي نَسِيبٌ فيكم وصفا
سرْتُم وخلَّفتُموا في الحي ميت هوى
…
لولا رجاء تلاقيكم لقد تلقا
وكنت أكتم حُبي بعدكم زمناً
…
حَتَّى تكلم دمع العين فانكشفا
سألت قلبي عن صبري فأخبرني
…
بأنه حين صرتم عني انصرفا
وقلت للطرف أَيْنَ النوم بعدهم؟
…
فقال: نومي وبحر الدمع قد نزفا
وقلت للجسم: أَيْنَ القلب؟ قال: لقد
…
خلَّى الحوادث عنه وابْتغى السلفا
سَرى هواكم فسار القلب يتبعه
…
حَتَّى تعرَّف آثاراً له وقفا
فيا خليلي هذا الرّبْعُ لاح لنا
…
يدعو الوقوف عليه والبكا فقفا
ربع كربع اصطباري بعد أن رحلوا
…
تجاوز الله عنه قد خلا وعفا
وأهيف خطرتْ كالغصن قامته
…
فكلُّ قلب إليها من هواه هفا
كالسَّهم مقلته والقوس حاجبه
…
ومُهْجتي لهما قد أصبحتْ هدفا
ذو وجْنة كالشقيق الغَضِّ في ترف
…
يطل منها جبين الشمس منكسفا
وعارض إن بدا من تحتها فلقد
…
أهدى الربيع إليها روضةً أُنُفا
يا أيها البدر إنِّي بعْد بُعدك لا
…
أنفك في جامع الأحزان معتكفا
أرسلتَ لحظاً ضعيفاً فهو في تلفي
…
يقوي وقلبي قوي فهو قد ضعفا
وفتْية لِحِميَ المحبوب قد رحلوا
…
وخلَّفتني ذنوبي بعدكم خلفا
يطوون شُقَّة بيدٍ كلَّما نُشرت
…
غَدوا وكل امرئ بالصَّبر ملْتحفا
حَتَّى رأوا حضرة الهادي التي شرفت
…
قصَّاده وعلت في قصده شرفا
محمداً صفوة الله الذي انكسفت
…
إذ جاء بالحق شمس الكفر وانكشفا
وله أيضاً وقد كتبه عَلَى منتخبه المسمى بالسبعة السيارة النيرات المتقدم ذكره: