الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت " وما ربك بظلام للعبيد "، فإن هؤلاء الظاهرية حالهم إطلاق ألسنتهم في الأئمة الأعلام أصحاب المذاهب رضي الله عنهم ونحو ذَلِكَ، فهذا جزاؤهم في الدنيا والآخرة، فأمرهم إلى الله تعالى.
قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان البرمكي صاحب وفيات الأعيان
608 -
681هـ - 1211 - 1282م أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن باوَل، بفتح الواو، ابن شاكل، بفتح الكاف، بن الحسين بن ملك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، الإمام العلامة شمس الدين أبو العباس، البلخي الأصل، الإربلي المولد، الدمشقي الدار والوفاة، الشافعي، قاضي قضاة دمشق وعالمها ومؤرخها.
مولد بإربل في يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة، وأمه من نسل خلف بن أيوب صاحب أبي حنيفة رضي الله عنه، ونشأ بأربل
وتفقه بالموصل، ثم دمشق قدم في عنفوان " شبيبته " فأقام بها مدة يسيرة، وتوجه إلى ديار مصر واشتغل بها أيضاً، وحصل من كل علم طرفاً جيداً، وبرع في الفقه والأصول والعربية وغير ذَلِكَ، وأفتى ودرس، ونظم ونثر، ولي قضاء دمشق من القاهرة، وخرج منها في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ست وستين وستمائة، وتوجه إلى دمشق فدخلها في المحرم سنة سبع وستين، فباشرها مدة عشر سنين.
وفي أول ولايته للقضاء كان منفرداً إلى أن ورد عليه الخبر بأن برز المرسوم الشريف الظاهري بأن يكون بدمشق أربع قضاة، وصل ثلاثة تقاليد لشمس الدين عبد الله بن محمد عطاء الحنفي، ولزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي، ولشمس الدين عبد الرحمن الحنبلي، وكانوا قبل ذَلِكَ نواباً للشافعي.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة ومن العجيب اجتماع ثلاث قضاة القضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد، فقال بعض الأدباء شعراً:
بدمشق آية قد ظه
…
رت للناس تماما
كلما ازدادوا شموساً
…
زادت الدنيا ظلاما
وقال غيره:
أهل دمشق استرابوا
…
من كثرة الحكام
إذ هم جميعاً شموس
…
وحالهم في ظلام
ثم صرف قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان هذا عن قضاء دمشق، وقدم إلى القاهرة ودام بها نحواً من سبع سنين، وتولى الحكم بها نيابة عن قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، ودرس بالقاهرة، وأفتى، وصنف، إلى أن أعيد إلى دمشق قاضياً بعد القاضي عز الدين بن الصائغ وتوجه إلى دمشق، فلما قرب منها خرج نائبها الأمير عز الدين أيدمر بجميع الموكب والأمراء وأرباب الوظائف لتلقيه، وأما رؤساء دمشق فإنهم تلقوه من عدة مراحل، وهنأ الشعراء بعدة قصائد، من ذَلِكَ ما أنشده الشيخ رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقي:
أنت في الشام مثل يوسف في مص
…
ر وعندي أن الكرام جناس
ولكلِّ سبع شداد وبعد السبْ
…
ع عام فيه يغاث الناس
قلت هذا القول " لمدة مفارقته " الحكم بدمشق إلى أن عاد ثانياً إِلَيْهِ.
وقال فيه نور " الدين " بن مصعب:
رأيت أهل الشام طرَّاً
…
ما فيهم قطَّ غير راض
أتاهم الخير بعد شرٍّ
…
فالوقت بسْط بلا انقباض
وعوِّضوا فرحة بحزنٍ
…
قَدْ أنصف الدهر فِي التقاضي
وسرهم بعد طول غمَّ
…
قدوم قاضٍ وعزل قاض
فكلِّهم شاكر وشاكٍ
…
بحال مستقْبل وماض
" ودام " فِي هَذِهِ الولاية بدمشق إِلَى سنة ثمانين وستمائة، صرف عن القضاء ولزم داره إِلَى أن توفي يوم السبت سادس عشرين شهر رجب، وقيل سادس عشره، سنة إحدى وثمانين وستمائة بالمدرسة النجيبية بدمشق، " ودفن "" بقاسيون ".
وكان إماماً عالماً بارعاً، متقناً كثير الفضائل، أديباً، شاعراً، جامعاً، مؤرخاً، وتاريخه وفيات الأعيان مشهور، وهو فِي غاية الحسن، وَكَانَ جواداً، ممدحاً،
مدحه شعراء عصره بغرر القصائد، وَكَانَ يجيز عليها الجوائز السنية، وَكَانَ عنده عقل واحتمال، وستر عن العورات، وعلو همة، ولما كَانَ معزولاً بالديار المصرية حصل لَهُ ضائقة، فبلغ الأمير بدر الدين الخازندار ذَلِكَ فأمر لَهُ بنفقة هائلة ومائة أردب قمح، فامتنع من قبولها.
وذكره الحافظ قطب الدين فِي تاريخه، قال كَانَ إماماً عالماً، أديباً بارعاً، وحاكماً عدلاً، ومؤرخاً جامعاً.
وذكره أيضاً الحافظ أبو محمد البرزالي فِي معجمه وقال فِيهِ: أحد علماء عصره المشهورين، وسيد أدباء دهره المذكورين، جمع بَيْنَ علوم جمة: فقه وعربية وتاريخ ولغة وغير ذَلِكَ، وجمع تاريخاً نفيساً اقتصر فِيهِ عَلَى المشهورين من كل فن، وولي قضاء الشافعية مدة، ودرس وأفتى، وسمع الحديث من ابن المكرم الصوفي بإربل، سمع منه البخاري عن أبي الوقت، وسمع من الشاوي وابن الجميزي، وأجازه المؤيد الطوسي، وأبو روح،
وابن الصفا، والحسين بن أحمد القشيري، وإسماعيل، ومحمد بن علي بن عبد الله السيد الحسيني، وآخرون من نيسابور، وذكر مولده ثُمَّ قال: لَهُ يد طولى فِي علم اللغة، لَمْ ير فِي وقته من يعرف ديوان المتنبي كمعرفته، وَكَانَ مجلسه كثير الفوائد والتحقيق والبحث، لا يوجد فِيهِ غير ذَلِكَ، انتهى.
وقال الشهاب محمود فِي تاريخه: كنت كثير الاجتماع بِهِ فِي مباشرته الثانية للاقتباس من فوائده، رحمه الله، انتهى.
قلت وأثنى عَلَيْهِ أيضاً غير واحد، وَقَدْ طال الشرح فِي ذَلِكَ، ولا بد من ذكر شيء من شعره، فمن ذَلِكَ:
تَمثّلْتم لي والبلاد بعيدةٌ
…
فخيِّل لي أنّ الفؤاد لكم مغْنى
وناجاكم قلْبي عَلَى البعد والنَّوى
…
فآنستُم لفْظاً وأوحشْتم مَعنى
وله أيضاً:
يَا جيرة هل من عودةٍ فعسى
…
يُفيق من سكرات الوجْد مخْمورُ
إذَا ظفرْتُ من الدُّنيا بقرْبكم
…
فكل ذنْبٍ جناه الحبُّ مغفور
وله أيضاً:
يا ربّ إن العبد يخفي عيْبه
…
فاسترْ بحلمك مَا بدا من عيْبه
ولقد أتاك وَمَا لَهُ من شافع
…
لذنوبه فاقبلْ شفاعة شيْبه