الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
(3) كِتَابُ الزَّكَاةِ
(1)
===
بسم الله الرحمن الرحيم
(3)
(كِتَابُ الزَّكَاةِ)
قال الحافظ (2): الزكاة في اللغة النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما، وترد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير (3)، وشرعًا بالاعتبارين معًا:
أما بالأول فلأن إخراجَها سببٌ للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلِّقَها الأموالَ ذاتُ النماء كالتجارة والزراعة، ودليل الأول:"ما نقص مال من صدقة"(4)، ولأنها يُضَاعَفُ ثوابُها كما جاء:"إن الله يُرَبِّي الصدقةَ"(5)، وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإِسلام عليها.
وقال ابن العربي: تُطْلَقُ الزكاةُ على الصدقة الواجبة، والمندوبة، والنفقة، والحق، والعفو. وتعريفُها في الشرع: إعطاءُ جزءٍ من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مُطَّلِبي.
(1) في نسخة: "أول كتاب الزكاة".
(2)
"فتح الباري"(3/ 262، 263).
(3)
وترد في عرف الفقهاء مصدرًا بمعنى: إخراج المزكي مالَه، واسمًا بمعنى: الجزء الخارج، كما في "الإكمال على مسلم"(3/ 107). (ش).
(4)
أخرجه مسلم (2588)، والدارمي (1682).
(5)
أخرجه البخاري (1410)، ومسلم (1014)، والترمذي (661)، وابن ماجه (1842)، والدارمي (1681).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغنى عن تكلف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة:"فمن جحدها كفر".
واختُلِفَ في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة فقيل: كان في السنة الثانية قبلَ فرضِ رمضانَ، أشار إليه النووي في باب السير من "الروضة"، وجزم ابن الأثير في "التاريخ" بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر، فقد تقدم في حديث ضمام (1) بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد (2) القيس، وفي عدة أحاديث ذكرُ الزكاةِ، وكذا مخاطبة (3) أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها:"يأمرنا بالزكاة"، لكن يمكن تأويل كل ذلك كما سيأتي في آخر الكلام.
وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولةِ ففيها: لما أُنْزِلَتْ آيةُ الصدقة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عاملًا فقال: "ما هذه إلَّا جزية وأخت الجزية"، والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يُحْتَجُّ به.
وادعى ابن خزيمة (4) في "صحيحه" أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام"، وفي استدلاله بذلك نظر؛ لأن الصلواتِ الخمس لم تكن فُرِضَتْ بعدُ، ولا صيامَ رمضان فيحتمل أن تكون مراجعةُ جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من
(1) أخرجه أحمد (3/ 143)، ومسلم (12)، والبخاري (63)، والترمذي (619)، والنسائي (458)، والدارمي (654)، وابن ماجه (1402).
(2)
أخرجه مسلم (17).
(3)
أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773).
(4)
انظر: "صحيح ابن خزيمة"(2260).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قصة الصلاة والصيام. وبلغ ذلك جعفرًا فقال: يأمرنا، بمعنى: يأمر به أمتَه، وهو بعيد جدًا.
وأولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا - إن سلم من قدح في إسناده - أن المراد بقوله: "يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام"، أي: في الجملة، ولا يلزم أن يكون المرادُ بالصلاةِ الصلواتِ الخمسَ، ولا بالصيام صيامَ رمضانَ، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصةَ ذات النصاب والحول، والله أعلم.
ومما يدل على أن فرضَ الزكاةِ كان قبل التاسعة حديثُ أنس المتقدِّمُ في "العلم" في قصة ضمام بن ثعلبة، وقوله: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ وكان قدوم ضمام سنة خمس، وإنما الذي وقع في التاسعة بَعْثُ العمالِ لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدمَ فرضيةِ الزكاة قبل ذلك.
ومما يدل على أن فرضَ الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقُهم على أن صيام
رمضان إنما فُرِضَ بعد الهجرة؛ لأن الآية الدالَّة على فرضيته مدنية بلا خلاف،
وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من
حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن
تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعله" (1).
إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح إلَّا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه عريب بالمهملة المفتوحة، ابن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين، وهو دال على أن فرضَ صدقةِ الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة وهو المطلوب. ووقع في "تاريخ الإِسلام": في السنة الأولى فُرِضَتِ الزكاةُ، انتهى ما قاله الحافظ.
(1) أخرجه أحمد (6/ 6)، وابن خزيمة (2394)، والنسائي (3507)، وابن ماجه (1828)، والحاكم (1/ 410).
1556 -
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: "لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ،
===
قال العيني (1): وإنما ذكر كتاب الزكاة عقيب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثةِ الإيمان، وثانية الصلاة في الكتاب والسنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (2)، أما السنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم:"بُنِيَ الإِسلامُ على خمس"، الحديث.
1556 -
(حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، نا الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة قال: لما تُوُفِّي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة من الربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودُفِنَ يوم الثلاثاء، وفيه أقوال أخر قاله العيني (3)، (واستُخْلِفَ أبو بكر بعده) أي جُعِلَ خليفته، وأقيم مقامه، (وكفر من كفر من العرب) مَنْ الأولى بفتح الميم في محل الرفع؛ لأنه فاعل قوله:"كفر"، وَمِنَ الثانيةُ بكسر الميم حرف جر للبيان.
وهؤلاء كانوا صنفين، صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى كفرهم، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله:"وكفر من كفر من العرب". وهذه (4) الفرقة طائفتان: إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدَّقوه على دعواه في النبوة، وأصحابُ الأسود العنسي ومن كان من مُسْتَجِيبِيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكِرَة لنبوة سيدنا
(1)"عمدة القاري"(6/ 320).
(2)
سورة البقرة: الآية 3.
(3)
"عمدة القاري"(6/ 335).
(4)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 335، 337).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
محمد صلى الله عليه وسلم، مُدَّعِيَة للنبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله المسيلمةَ باليمامة، والعنسيَّ بالصنعاء، وانقضَّ جموعهم، وهلك أكثرهم.
والطائفة الثانية: ارتدُّوا عن الدين فأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرَهما من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن (1) مسجد لله تعالى في بسيط الأرض إلا ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين في قرية يقال لها: جُوَاثى.
والصنف الآخر هم الذي فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة، وأنكروا فرضَ الزكاة ووجوبَ أدائها إلى الإِمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يُدْعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردةِ، فأضيف الاسمُ في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وَأُرِّخَ قتال بأهل البغي في زمان علي رضي الله عنه إذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صَدُّوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتِهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر رضي الله عنه، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرَّقها فيهم.
وقال الواقدي في "كتاب الردة": لَمَّا تُوُفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدَّت العربُ، فارتدَّ من جماعة الناس أسد وغطفان إلَّا بني عبس، فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها، وكانت فزارة قد ارتدت، وبنو الحنفية (2) باليمامة، وارتد أهل البحرين، وبكر بن وائل، وأهل دباء، وأزد عمان، ونمر بن قاسط، وكلب ومن قاربهم من قضاعة، وارتدت عامة بني تميم، وارتدَّ من بني سليم عصية، وعميرة، وخفاف، وبنو عوف بن امرئ القيس، وذكوان، وحارثة.
(1) يشكل عليه ما في "الفتح": أن الجمهور كانوا على ما كانوا في حياته صلى الله عليه وسلم وبسط في هامش "اللامع"(5/ 6 - 10). (ش).
(2)
وفي "العمدة"(6/ 336): وبنو حنيفة.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ،
===
وثبت على الإِسلام أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وكعب بن عمرو بن خزاعة، وثقيف، وهذيل، والدئل، وكنانة، وأهل السراة، وبجيلة، وخثعم، وطي، ومن قارب تهامة من هوازن، وجشم، وسعد بن بكر، وعبد القيس، وتجيب، ومدحج (1) إلَّا بنو زيد، وهمدان، وأهل صنعاء.
وقال الواقدي: وحدثني محمد بن معين بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة قال: لم يرجع من دوس ولا من أهل السراة كلها، قال: وحدثني عبد المجيد بن جعفر عن يزيد بن أبي حكيم قال: سمعت أبا مروان التجيبي قال: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأبناء بصنعاء.
وفي "أخبار الردة" لموسى بن عقبة: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع عامة العرب عن دينهم: أهلُ اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وبنو أسد، وبنو عامر، وأشجع، ومسكت طيء بالإِسلام، وفي "كتاب الردة" لسيفٍ عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت في الإِسلام ردة كانت باليمن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم على يد ذي الخمار عبهلة بن كعب، وهو الأسود العنسي، [انتهى ما قاله العيني].
(قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ) بضم الهمزة مبني للمفعول، أي أمرني الله (أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله) وكان عمر رضي الله عنه لم يستحضره من هذا الحديث، إلَّا هذا القدر الذي ذكره، وإلَّا فقد وقع في حديث (2) ولده عبد الله زيادة:"وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة"،
(1) كذا في الأصل، وفي "العمدة" (6/ 336): مذحج بالذال المعجمة.
(2)
أخرجه مسلم (22).
فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟ » فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ،
===
وفي رواية (1) أبي العلاء بن عبد الرحمن: "حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويؤمنوا بما جئتُ به"، وهذا يعم الشريعة كلها، ومقتضاه أن من جحد شيئًا مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعي إليه فامتنع، ونصب القتال تجب مقاتلته وقتله إذا أصرَّ، (فمن قال: لا إله إلَّا الله عصم مني مالَه ونفسَه)، فلا يجوز هدرُ دمِه، واستباحةُ مالِه بسبب من الأسباب، (إلَّا بحقه) أي بحق الإِسلام، من قتلِ النفسِ المحرَّمةِ، أو تركِ الصلاة، أو منع الزكاة بتأويل باطل، (وحسابه على الله) فيما يسره، فيثيب المؤمنَ، ويعاقب المنافق، فاحتج عمر رضي الله عنه بظاهر ما استحضره، مما رواه من قبل أن ينظر إلى قوله:"إلَّا بحقه".
(فقال) له (أبو بكر) رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرَّق) بتشديد الراء، وقد تُخَفَّفُ (بين الصلاة والزكاة) أي قال: أحدهما واجب دون الآخر. أومنع من إعطاء الزكاة متأَوّلًا، (فإن الزكاة حق المال) كما أن الصلاة حق البدن، فدخلت في قوله:"إلَّا بحقه"، فقد تضمنت عصمة دم ومال معلقة باستيفاء شرائطها، والحكم المعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، فكما لا تتناول العصمةُ من لم يُوءَدِّ حقَّ الصلاة، كذلك لا تتناول العصمةُ من لم يؤد حق الزكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا في عموم قوله:"أمرت أن أقاتل الناس"، فوجب قتالهم حينئذ.
وهذا من لطيف النظر أن يقلب المعترض على المستدل دليله، فيكون أحق به، فلذلك فعل أبو بكر فسلم له عمر، وقاسه على الممتنع من الصلاة لأنها كانت بالإجماع من رأي الصحابة، فردَّ المختلَفَ فيه إلى المتفق عليه، وفيه دلالة على أن أبا بكر وعمر لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة،
(1) أخرجه مسلم (21).
وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِى عِقَالًا
===
كما سمعه غيرهما، ولم يستحضراه، إذ لو كان ذلك لم يحتجَّ عمر على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لَرَدَّ به على عمر، ولم يحتَجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله:"إلَّا بحقه"، ولكن يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظري.
ويحتمل أن يكون عمر ظَنَّ أن المقاتلة إنما كانت لكفرهم لا لمنعهم الزكاةَ فاستشهد بالحديث، وأجابه الصديق بأني ما أقاتلهم بكفرهم بل لمنعهم الزكاةَ.
(والله لو منعوني عقالًا)(1)، قال العيني (2): واختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال: زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قولى الكسائي والنضر بن شميل، وأبي عبيد، والمبرد، وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء.
وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال: الحبل الذي يُعْقَل به البعيرُ، وهذا القول محكي عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو مأخوذ مع الفريضة، لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها، وقيل: معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة، فبلغ مع غيره فيها قيمة نصاب.
وقيل: أراد به الشيءَ التافِهَ الحقيرَ، فضرب العقال مثلًا له.
وقيل: كان من عادة المصدِّق إذا أخذ الصدقة أن يعمد إلى قَرَن بفتح القاف والراء، وهو الحبل الذي يقرن به بين البعيرين لئلا تشرد الإبل، فيسمى عند ذلك القرآن، فكل قرنين منها عقال.
وفي "المحكم": العقال: القلوص الفتية، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: العقالُ القلوصُ، وقال النضر بن شميل: إذا بلغت الإبل خمسًا
(1) وأجاد المحشي في تفسيره ناقلًا عن "مرقاة الصعود" للسيوطي. (ش).
(2)
"عمدة القاري"(6/ 337 - 338).
كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ" (1). [خ 7284، م 20، ت 2606، ن 3970، جه 3927]
===
وعشرين وجبت فيها بنت مخاض من جنس الإبل، فهو العقال، وقال أبو سعيد الضرير: كل ما أُخِذَ من الأموال والأصناف في الصدقة من الإبل والغنم والثمار من العشر ونصف العشر، فهذا كله في صنفه: عقال، لأن المؤدي عقل به عنه طلبة السلطان، وعقل عنه الإثم الذي يطلبه الله تعالى به، انتهى.
(كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه) أي على ترك أدائه إلى الإِمام، وهذا ظاهر في أنه قاتلهم على ترك أدائهم الزكاةَ إلى الإِمام، لا على إنكار فرضيتها، (فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما) نافية (هو) ضمير الشأن (إلَّا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، قال: فعرفت أنه) أي القتال (الحق) أي المحقَّق الثابت بالدليل الشرعي بما ظهر من الدليل الذي أقامه الصدِّيق، لا أنه قَلَّده في ذلك؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد مجتهدًا آخر.
فإن قلت: ما النص الذي اعتمد عليه أبو بكر، وعمل به؟ قلت: روى الحاكم في "الإكليل" من حديث فاطمة بنت خشاف السلمية، عن عبد الرحمن الظفري، وكانت له صحبة، قال:"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أشجع لِتُؤْخَذَ صَدَقتُه فأبى أن يعطيها، فرده إليه الثانية فأبى، ثم رده إليه الثالثة، وقال: إن أبى فاضرب عنقه"، قال عبد الرحمن بن عبد العزيز أحد رواة الحديث: قلت لحكيم - وهو حكيم بن عباد بن حنيف -: ما أرى أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة إلَّا على هذا الحديث، قال: أجل (2).
(1) وزاد في نسخة: "قال أبو داود: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: العقال صدقة سنة، والعقالان صدقة سنتين".
(2)
انظر: "عمدة القاري"(6/ 338).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: عِقَالًا،
===
(قال أبو داود: رواه رباح بن زيد، عن معمر، عن الزهري بإسناده) أي الزهري، كما رواه عقيل، عن الزهري، أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده"(1) من طريق إبراهيم بن خالد، ثنا رباح، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"لما توفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكفر من كفر"، الحديث. وفيه:"والله لو منعوني عناقًا".
واختلف أصحابُ الزهري في رواية لفظ: عقالًا، أو عناقًا (قال بعضهم: عقالًا) كما في رواية قتيبة (2)، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، وكذلك عند النسائي برواية قتيبة، عن الليث، عن عقيل، وكذلك عند مسلم، والترمذي، وكذا في البخاري، لكن اختلفت نسخه، ففي نسخة الحافظ العسقلاني، والقسطلاني، والعيني: والله لو منعوني عقالًا، وكذا في النسخة المصرية، ونسخة "تيسير الباري"، وأما في النسخة المطبوعة الهندية الأحمدية ففيها:"لو منعوني كذا"، وهكذا في نسخة قديمة، وفي أخرى قديمة مُصَححةٍ:"والله لو منعوني كذا"، كتب لفظ كذا بسواد، ثم كتب وكذا بحمرة، وكتب على الحاشية عقالًا.
وقال العسقلاني (3) في شرحه على قوله: لو منعوني: ولأبي ذر: كذا، وهي كناية عن قوله: عقالًا، وله عن الكشميهني: كذا وكذا، ثم قال: واختُلِفَ في قوله: كذا، فقيل: هي وهم، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عناقًا، وهو أصح من رواية: عقالًا. وقال الحافظ في
(1)"مسند أحمد"(1/ 47)، وأيضًا أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(15/ 86) رقم (5857).
(2)
أخرجه النسائي (2443)، ومسلم (20)، والترمذي (2607)، والبخاري (7284)، كلهم بنفس الطريق.
(3)
"فتح الباري"(12/ 278 و 13/ 258).
وَرَواهُ بْنُ وَهْبٍ عن يُونُسَ قَاَلَ: "عَنَاقًا".
===
"الفتح": وقوله: وهو أصح، أي من رواية من روى عقالًا كما تقدمت الإشارة إليه في كتاب الزكاة، أو أبهمه كالذي وقع ههنا.
معنى هذا الكلام أن قوله: هو أصح، يحتمل معنيين، أولهما: أي أصح من رواية من روى: عقالًا، وثانيهما: أن يقال: أصح من رواية من أبهمه، فلا يتعين الأصحية من رواية من روى: عقالًا، وقد حمله القسطلاني (1) على الوهم.
(ورواه ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد عن الزهري (قال: عناقًا)، اختلفت الرواية عن يونس عن الزهري كما سيذكره المصنف، فروى عنبسة عن يونس، عن الزهري في هذا الحديث، قال: عناقًا، وعنبسة بن خالد متكلَّم فيه، قال في "الميزان" (2): قال أبو حاتم: كان هذا على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن، قال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه، وقال الفسوي: سمعت يحيى بن بكير يقول: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن موضعًا للكتابة عنه، وقال الساجي: تفرد عن يونس بأحاديث، وكان أحمد بن حنبل يقول: ما لنا ولعنبسة! أي شيء خرج علينا عن عنبسة؟ هل روى عنه غير أحمد بن صالح، قلت: بل روى عنه جماعة، وأثنى عليه أبو داود.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب (3) ": قال الآجري عن أبي داود: عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد، سمعت أحمد بن صالح يقول: عنبسة صدوق. قيل لأبي داود: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: سألت أحمد بن صالح، قلت: كانت أصول يونس عنده أو نسخه؟ قال: بعضها أصول، وبعضها نَسَخَه.
(1) انظر: "إرشاد الساري"(10/ 307).
(2)
"ميزان الاعتدال"(3/ 298).
(3)
(8/ 154).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ: لَوْ مَنَعُونِي (1) عَنَاقًا
===
وروى ابن السرح وسليمان بن داود - شيخا المصنف - عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وقال: عقالًا، لكن يشكل على هذا قولُ المصنف: ورواه ابن وهب، عن يونس قال: عناقًا، بأن المصنف خالف ذلك القول، فأخرج رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري وقال: عقالًا، فإن كان هذا من غير رواية ابن السرح وسليمان بن داود فكان اللازم أن يصرح به، ولم أجد رواية ابن وهب فيما عندي من الكتب.
(قال أبو داود: قال شعيب بن أبي حمزة ومعمر والزبيدي، عن الزهري في هذا الحديث: لو منعوني عناقًا) أما رواية شعيب بن أبي حمزة فأخرجها النسائي في "مجتباه"(2) في موضعين: أولهما في "الجهاد"، قال فيه: عناقًا، وفي نسخة: عقالًا، وثانيهما في "استتابة المرتدين"، وقال فيه: عناقًا، وأخرج حديثه البخاري (3) أيضًا في "الزكاة"، فقال: عناقًا.
أما معمر فروى عنه عمران القطان أبو العوام عند النسائي (4)، والحاكم، من حديث أنس، قال فيه: عناقًا، ثم قال بعد تمام الحديث: قال أبو عبد الرحمن: عمران القطان ليس بالقوي في الحديث، وهذا الحديث خطأ، والذي قبله هو الصواب، حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة.
(1) في نسخة: "قال: لو منعوني".
(2)
"سنن النسائي"(3092 - 3973).
(3)
"صحيح البخاري"(1399)، وأيضًا أخرجه أحمد (1/ 19)، والطحاوي في "مشكل الآثار"(15/ 84) رقم (5854)، والبيهقي (4/ 104)، وابن حبان (1/ 449) رقم (216).
(4)
"سنن النسائي"(3094)، و"المستدرك"(1/ 386 - 387).
وَرَوَى (1) عَنْبَسَةُ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ في هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: عَنَاقًا.
1557 -
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "إِنَّ حَقَّهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ: عِقَالًا". [انظر سابقه]
===
وخطَّأه الترمذي (2) أيضًا. وصححه الحاكم، والذهبي في تلخيصه، فقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، غير أن الشيخين لم يخرجا عن عمران القطان، وليس لهما حجة في تركه؛ فإنه مستقيم الحديث، وكذا قاله الذهبي.
وأما رواية رباح بن زيد، عن معمر عن الزهري، فقد تقدمت عن "مسند أحمد"، وفيها: عناقًا، وأما حديث الزبيدي، عن الزهري، فأخرجه النسائي في الجهاد وقال فيه: عناقًا (3).
(وروى عنبسة) بن خالد بن يزيد الأيلي، (عن يونس، عن الزهري، في هذا الحديث (4)، قال: عناقًا)، وعنبسة تكلم فيه بعضهم، كما تقدم.
1557 -
(حدثنا ابن السرح، وسليمان بن داود قالا: أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري، قال: قال أبو بكر: إن حقه) أي الإِسلام، أو الله تعالى (أداءُ الزكاة) أي زاد هذا اللفظ (وقال: عقالًا) بدل: عناقًا.
قلت: قد روي كلا اللفظين، أي: عناقًا، أو عقالًا بطريق صحيح كما عرفته، ولكن رجَّح البخاري رواية: عناقًا، وقال في صحيحه (5): قال لي
(1) في نسخة: "رواه عنبسة".
(2)
انظر: "سنن الترمذي"(4/ 353).
(3)
أما رواية محمد بن الوليد الزبيدي فأخرجها النسائي (3091)، ومن طريقه الطحاوي في "مشكل الآثار"(15/ 84) رقم (5853).
(4)
أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(15/ 88) رقم (5859).
(5)
"صحيح البخاري"(7284).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابن بكير وعبد الله عن الليث، عن عقيل: عناقًا، وهو أصح، ذكر هذا القدرَ الحافظُ في "الفتح"(1)، والعيني، والقسطلاني، وكذا في النسختين القديمتين المصحَّحَتين، وكذا في النسخة المطبوعة بمصر، وكذا في نسخة "تيسير الباري" المطبوعة بلا هور.
وأما النسخة المطبوعة الهندية الأحمدية، فزاد فيه بعد قوله:"وهو أصح": رواه الناس عناقًا، وعقالًا ها هنا لا يجوز، وعقالًا في حديث الشعبي مرسل، وكذا قال قتيبة: عقالًا، فهذه العبارة الزائدة لم أرها في غير هذه النسخة من نسخ البخاري وشروحه.
وسبب ترجيحهم روايةَ لفظ "عناقًا" قولُهم بوجوب الزكاة في الصغار التي لا يكون معها كبار، فلعلهم ظنوا أن لفظ العناق يُثبِتُ المدعى، وأنى لهم هذا؟ ! أما أولًا: فلأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تكلم بلفظ الشرط، وما يكون بلفظ الشرط لا يلزم تحققه بل يجوز أن يكون ممتنعًا، كما في قوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} (2)، وكما في قوله تعالى:{إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} (3).
وثانيًا: فإن هذا يحتمل المبالغة في التقليل، قال القاري (4): قال النووي: في رواية: عقالًا، وذكروا فيه وجوهًا، أصحها وأقواها قول صاحب "التحرير": إنه ورد مبالغة، لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد، فيقتضي قلة وحقارة، فاندفع ما قال ابن حجر من قوله: ودليل وجوبها في الصغار قول أبي بكر رضي الله عنه: "والله لو منعوني عناقًا" ووافقه عليه الصحابة، وكان إجماعًا.
(1)"فتح الباري"(13/ 250)، و"عمدة القاري"(16/ 507)، و"إرشاد الساري"(10/ 306، 307).
(2)
سورة الأنبياء: الآية 22.
(3)
سورة الزخرف: الآية 81.
(4)
"مرقاة المفاتيح"(4/ 288، 289).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال ابن الهمام: يدل على نفيه ما في أبي داود، والنسائي عن سويد بن غفلة، قال: أتاني مصدِّقُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فجلست إليه فسمعته يقول: في - يعني- كتابي "أن لا آخذ راضع لبن"، الحديث. قال: وحديث أبي بكر لا يعارضه؛ لأن أخذ العناق لا يستلزم الأخذ من الصغار، لأن ظاهر ما قدمناه في حديث في صدقة الغنم أن العناق يقال على الجذعة والثنية مجازًا، فيجوز حمله عليه دفعًا للتعارض، ولو سُلِّم جاز أخذُها بطريق القيمة، لا أنها هي نفس الواجب، ونحن نقول به، أو هو على طريق المبالغة لا التحقيق، يدل عليه أن في الرواية الأخرى: عقالًا، مكان عناقًا، انتهى.
قال في "البدائع"(1)، ما ملخصه: أما صفة نصاب السائمة فله صفات، منها: السنُّ، وهو أن تكون كلها مسان أو بعضها، فإن كان كلها صغارًا فصلانًا، أو حملانًا، أو عجاجيل، فلا زكاة فيها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وكان أبو حنيفة يقول أولاً: يجب فيها ما يجب في الكبار، وبه أخذ زفر ومالك، ثم رجع وقال: يجب فيها واحد منها، وبه أخذ أبو يوسف والشافعي، ثم رجع، وقال: لا يجب فيها شيء، واستقر عليه، وبه أخذ محمد.
واختلفت الروايات عن أبي يوسف في زكاة الفصلان، في رواية: لا زكاة فيها حتى تبلغ عددًا لو كانت كبارًا تجب فيها واحدة منها، وهو خمسة وعشرون، وفي رواية قال: في الخمس خمس فصيل، وفي العشر خُمْسا فصيل، وفي خمسة عشر (2) ثلاثة أخماس فصيل، وفي عشرين أربعة أخماس فصيل، وفي خمس وعشرين واحدة منها.
وفي رواية قال: في الخمس يُنْظَرُ إلى قيمة شاةٍ وسطٍ، وإلى قيمة خمس فصيل، فيجب أقلُّهما، وهكذا في العشر، وفي خمسة عشر، وفي العشرين.
(1)"بدائع الصنائع"(2/ 126، 127، 128).
(2)
في الأصل: "ثلاثة عشر"، والظاهر ما أثبتناه.