المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(319) بابٌ: في قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ

- ‌(320) بابٌ: في لَيْلَةِ الْقَدْرِ

- ‌(322) بَابُ مَنْ رَوَى أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ

- ‌(324) بَابُ مَنْ قَالَ: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ

- ‌(325) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ في كُلِّ رَمَضَانَ

- ‌(326) بَابٌ: في كَمْ يُقْرأُ الْقُرْآنُ

- ‌(327) بَابُ تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ

- ‌(328) بَابٌ: في عَدَدِ الآيِ

- ‌(329) بَابُ تَفْرِيعِ أَبْوَابِ السُّجُودِ، وَكَمْ سَجْدَةً في الْقُرْاَنِ

- ‌(330) بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ في الْمُفَصَّلِ

- ‌(331) بَابُ مَنْ رَأَى فِيهَا سُجُودًا

- ‌(332) بَابُ السُّجُودِ في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقرأ}

- ‌(333) بَابُ السُّجُودِ في {ص}

- ‌(334) بَابٌ: في الرَّجُلِ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَهُوَ رَاكِبٌ

- ‌(335) بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَجَدَ

- ‌(336) (بابٌ: فِيمَنْ يَقْرَأُ السَّجْدة بَعْدَ الصُّبْح)

- ‌(337) بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ

- ‌(338) بابٌ: فِيمَنْ لَمْ يُوتِرْ

- ‌(339) بَابٌ: كمِ الْوِتْرُ

- ‌(340) بَابُ مَا يُقْرَأُ في الْوِتْرِ

- ‌(341) بَابُ الْقُنُوتِ في الْوِتْرِ

- ‌(342) بَابٌ: في الدُّعَاءِ بَعْدَ الْوِتْرِ

- ‌(343) باب: في الْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ

- ‌(344) بابٌ: في وَقْتِ الْوِتْرِ

- ‌(345) بَابٌ: في نَقْضِ الْوِتْرِ

- ‌(346) بابُ الْقُنُوتِ في الصَّلَوَاتِ

- ‌(347) بابٌ: في فَضْلِ التَّطوُّعِ في الْبَيْتِ

- ‌(348) بابٌ

- ‌(349) بَابُ الْحَثِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ

- ‌(350) بابٌ: في ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ

- ‌(352) بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مِنَ الطُّولِ

- ‌(353) بابُ مَا جَاءَ فِى آيَةِ الْكُرْسِىِّ

- ‌(354) بابٌ: فِى سُورَةِ الصَّمَدِ

- ‌(355) بابٌ: فِى الْمُعَوِّذَتَيْنِ

- ‌(356) (بَابٌ: كيْفَ يُسْتَحَبُّ التَّرْتيلُ في القِرَاءَةِ

- ‌(357) بابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ

- ‌(358) بابٌ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ

- ‌(359) باب الدُّعَاءِ

- ‌(360) باب التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى

- ‌(361) بابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ

- ‌(362) بابٌ: فِى الاِسْتِغْفَارِ

- ‌(363) (بَابُ النَّهْي أَنْ يَدْعُوَ الإنْسَانُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ)

- ‌(364) بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(365) بَابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ

- ‌(367) بَابٌ: في الاسْتِخَارَةِ

- ‌(368) بَابٌ: في الاسْتِعَاذَةِ

- ‌(3) كِتَابُ الزَّكَاةِ

- ‌(1) بَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ

- ‌(2) بَابُ العُرُوضِ إِذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ

- ‌(3) بَابُ الْكَنْزِ مَا هُوَ؟ وَزَكَاةُ الْحَلْي

- ‌(4) بَابٌ: في زَكَاةِ السَّائِمَةِ

- ‌(5) بَابُ رِضَى الْمُصَدِّقِ

- ‌(6) بَابُ دُعَاءِ الْمُصَدِّقِ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ

- ‌(7) بَابُ تَفْسِيرِ أَسْنَانِ الإِبْلِ

- ‌(8) بَابٌ: أَيْنَ تُصَدَّقُ الأَمْوَالُ

- ‌(9) بَابُ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ صَدَقَتَهُ

- ‌(10) بَابُ صَدَقَةِ الرَّقِيقِ

- ‌(11) بَابُ صَدَقَةِ الزَّرْعِ

- ‌(12) باب زَكَاةِ الْعَسَلِ

- ‌(13) بَابٌ: في خَرْصِ الْعِنَبِ

- ‌(14) بَابٌ: في الْخَرْصِ

- ‌(15) بَابٌ: مَتَى يُخْرَصُ التَّمْرُ

- ‌(16) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الثَّمَرَةِ في الصَّدَقَةِ

- ‌(17) بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ

- ‌(18) بَابٌ: مَتَى تُؤَدَّى

- ‌(19) بَابٌ: كَمْ يُؤدَّى في صَدَقَةِ الْفِطْرِ

- ‌(20) بَابُ مَنْ رَوَىَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ

- ‌(21) بَابٌ: في تَعْجِيلِ الزَّكاةِ

- ‌(22) بَابٌ في الزَّكَاةِ تُحْمَلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ

- ‌(23) بَابُ مَنْ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، وَحَدُّ الْغِنَى

- ‌(24) بَابُ مَنْ يَجُوزُ لهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَهُوَ غَنِيٌّ

- ‌(25) بَابٌ: كَمْ يُعْطَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنَ الزَّكَاةِ

- ‌(26) بَابُ كَرَاهِيةِ الْمَسْألَةِ

- ‌(27) بَابٌ: في الاسْتِعْفَافِ

- ‌(28) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ

- ‌(29) (بَابُ الفَقِيرِ يُهْدِي لِلْغَنِيِّ مِنَ الصَّدَقَةِ)

- ‌(30) بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا

- ‌(31) بَابٌ: في حُقُوقِ الْمَالِ

- ‌(32) بَابُ حَقِّ السَّائِلِ

- ‌(33) بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ

- ‌(34) بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ

- ‌(35) بابُ الْمَسْأَلَةِ فِى الْمَسَاجِدِ

- ‌(36) بابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهِ اللَّهِ عز وجل

- ‌(37) بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ عز وجل

- ‌(38) بَابُ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ

- ‌(39) بَابٌ في الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ

- ‌(40) بَابٌ: في فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ

- ‌(41) بابٌ: فِى الْمَنِيحَةِ

- ‌(42) بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ

- ‌(43) بَابُ الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوجِهَا

- ‌(44) بَابٌ: في صِلَةِ الرَّحِمِ

- ‌(45) بَابٌ: في الشُّحِّ

- ‌(4) كِتَابُ اللُّقَطَةِ

الفصل: ‌(4) كتاب اللقطة

بسم الله الرحمن الرحيم

(4) كِتَابُ اللُّقَطَةِ

قال في "المجمع"(1): بضم اللام وفتح القاف: المال الملقوط، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب، وقيل: هو اسم الملتقَط كالضُّحَكة، والملقوط بسكون قاف، والأول أكثر وأصح. "ك": هو بفتح قاف وسكونها: الملقوط، بخلاف القياس فإن الفتح قياسًا للَّاقط. انتهى.

وفي "القاموس": واللقط محركةً، - وكحُزْمَةٍ، وهُمَزَةٍ، وَثُمَامَةٍ-: ما التُقِطَ.

وقال الحافظ في "الفتح"(2): واللقطة الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في "الفائق": اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث: الفتحُ، وقال ابن بري: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس.

(1)"مجمع بحار الأنوار"(4/ 512).

(2)

"فتح الباري"(5/ 78).

ص: 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وفيها لغتان أيضًا: لقاطة بضم اللام، ولقطة بفتحها. قد نظم الأربعةَ ابنُ مالك حيث قال:

لُقَاطَةٌ، وَلُقْطَةٌ، وَلُقَطَهُ

وَلَقُطَةٌ ما لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهُ

وأدخلها المصنف في كتاب الزكاة يدل عليه قوله في آخر كتاب اللقطة: آخر كتاب الزكاة، فوجه إدخالها فيها والمناسبة بها أن المال الملتقطة إذا لم يوجَدْ مالِكُها واجبُ التصدقِ بعد التعريف، سواء أن يكون التصدق على نفسه أو على غيره من الفقراء، فبهذا ناسب ذكرها فيها، والله أعلم.

قال الإِمام شمس الأئمة السرخسي في "مبسوطه"(1) ما ملخصه: أنه اختلف الناس فيمن وجد لقطة، فالمُتَفَلْسِفَة يقولون: لا يحل له أن يرفعها؛ لأنه أخذ المال بغير إذن صاحبه، وذلك حرام شرعًا، وبعض المتقدمين من أئمة التابعين كان يقول: يحل له أن يرفعها، والترك أفضل؛ لأن صاحبها يطلبها في الموضع الذي سقطت منه، ولأنه لا يأمن على نفسه أن يطمع فيها بعدما يرفعها، والمذهب عند علمائنا وعامة الفقهاء أن رفعها أفضل من تركها.

ثم ما يجده نوعان، أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشر الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به إلَّا أن صاحبه إذا وجده في يده بعدما جمعه كان له أن يأخذ منه؛ لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع به للواجد، ولم يكن تمليكًا من غيره، فإن التمليك من المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة، ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه، قال صلى الله عليه وسلم:"من وجد عينَ ماله فهو أحق به"(2).

(1)"المبسوط"(2/ 11).

(2)

أخرجه أبو داود في البيوع برقم (3531).

ص: 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

والنوع الثاني، وهو: ما يعلم أن صاحبه يطلبه فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرِّفه ليوصله إلى صاحبه، وروي عن إبراهيم النخعي قال: يعرِّفها حولًا فإن جاء صاحبها وإلَّا تصدق بها، فإن جاء صاحبها فهو بالخيار، إن شاء أنفذ الصدقة، وإن شاء ضمنه.

والتقدير بالحول ليس بعام لازم في كل شيء، وإنما يعرفها مدة يتوهم أن صاحبها يطلبها، وذلك يختلف بقلة المال وكثرته، حتى قالوا في عشرة دراهم فصاعدًا: يعرفها حولًا؛ لأن هذا مال خطير يتعلق القطع بسرقته، والحول الكامل لذلك حسن، وفيما دون العشرة إلى ثلاثة: يعرفها شهرًا، وفيما دون ذلك إلى الدرهم: يعرفها جمعة، وفيما دون الدرهم يعرف يومًا، وفي فلس أو نحوه: ينظر يمنة ويسرة، ثم يضعه في كف فقير، وشيء من هذا ليس بتقدير لازم، لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون، ولكنا نعلم أن التعريف بناء على طلب صاحب اللقطة، ولا طريق له إلى معرفة مدة طلبه حقيقة، فيبني على غالب رأيه.

ثم قال (1) في محل آخر: وفي الحديث الذي رواه أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه دليل لما قلنا: إن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم، ولكنه يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها، ألا ترى أن مائة دينار لما كانت مالًا عظيمًا كيف أمره صلى الله عليه وسلم بأن يعرفها ثلاث سنين، انتهى.

قلت: وهذه إحدى الروايات عن الحنفية اختارها شمس الأئمة السرخسي، وفيها روايتان أخريان، إحداهما: أنها إن كانت أقل من عشرة دراهم عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وثانيهما: قول محمد رحمه الله إذ قدَّره في الأصل بالحول عن غير تفصيل بين القليل والكثير.

ثم قال في "البدائع"(2): وأما بيان أحوالها، فأما قبل الأخذ فلها أحوال مختلفة قد يكون مندوب الأخذ، وقد يكون مباح الأخذ، وقد يكون حرام الأخذ.

(1) انظر: "المبسوط"(11/ 5).

(2)

"بدائع الصنائع"(5/ 295، 296).

ص: 571

1701 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ

===

أما حالة الندب فهو أن يخاف عليها الضيعة لو تركها فأخذُها لصاحبها أفضلُ من تركها.

وأما حالة الإباحة: فهو أن لا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبها، وهذا عندنا، وقال الشافعي رضي الله عنه: إذ خاف عليها يجب أخذها.

وأما حالة الحرمة: فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها، وكذا حكم لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز التقاطها أصلًا.

وأما حال بعد الأخذ فلها بعد الأخذ حالان: في حال هي أمانة، وفي حال هي مضمونة، أما حالة الأمانة فهي أن يأخذها لصاحبها؛ لأنه أخذها على سبيل الأمانة، فكانت يده يد أمانة كيد المودع، وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه، لأن المأخوذ لنفسه مغصوب، انتهى.

1701 -

(حدثنا محمد بن كثير، أنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سُويد) مصغرًا (ابن غَفَلة) بفتح المعجمة والفاء، أبو أمية الجعفي، أدرك الجاهلية، وقيل: إنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح، وقدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أصح، وشهد فتح اليرموك، قال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال نعيم بن ميسرة: عن رجل، عن سُوَيْد بن غَفَلة قال: أنا لِدَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أي ولدت في العام الذي وُلد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(قال: غزوت مع زيد بن صُوحان) بضم المهملة وسكون الواو بعدها مهملة أيضًا، ابن حجر العبدي، أبو سليمان، ويقال: أبو عائشة، وهو أخو صعصعة وسيحان ابني صوحان، أسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الكلبي في تسمية من شهد الجمل مع علي رضي الله عنه، قال: وزيد بن صوحان العبدي، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وصحبه، وكان فاضلًا ديِّنًا خَيِّرًا سيدًا في قومه هو وإخوته، وكان معه راية عبد القيس يوم الجمل.

ص: 572

وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَا لِى: اطْرَحْهُ. فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ

===

وروي من وجوه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير له إذ هَوَّمَ (1) فجعل يقول: "زَيْدٌ وما زيدٌ! جُنْدَبٌ وما جُنْدبٌ! " فسئل عن ذلك، فقال:"رجلان من أمتي، أما أحدهما فتسبقه يده إلى الجنة ثم يَتْبَعُها سائِرُ جسده، وأما الآخر فيَضْرِب ضربة تفرق بين الحق والباطل"، فكان زيدُ بن صُوحَان قُطِعَتْ يده يوم جَلُولَاءَ، وقيل: بالقادسية في قتال فرس، وقُتِل هو يوم الجَمَل، وأما جُنْدَب فهو الذي قَتَلَ الساحرَ عند الوليد بن عقبة، كذا في "أسد الغابة"(2) لابن الأثير، وكذا قال الحافظ في "الإصابة"(3).

(وسلمان بن ربيعة) بن يزيد بن عمرو بن سهم بن ثعلبة الباهلي، مختلف في صحبته، قال أبو حاتم: له صحبة، يكنى أبا عبد الله. وقال أبو عمر: ذكره العقيلي في الصحابة، وهو عندي كما قال أبو حاتم. وقال ابن منده: ذكره البخاري في الصحابة، ولا يصح، ويقال له: سلمان الخيل، شهد فتوح الشام، ثم سكن العراق، وولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فاستشهد قبل الثلاثين أو بعدها، له ذكر في حديث اللقطة، وله ذكر في قصة أبي موسى حيث سئل عن بنت وابنة ابن، فوافقه سلمان بن ربيعة في القسمة، وسئل ابن مسعود فخالفهما، أخرجها النسائي، وأصلها في البخاري، وكان في خلافة عثمان، "إصابة"(4) ملخصًا.

(فوجدت سوطًا) أي ملقى في الطريق فالتقطته، (فقالا) أي زيد وسلمان (لي: اطرحه)؛ لأنه مال الغير (فقلت: لا) أطرحه، (ولكن) أعرفه، (إن وجدت صاحبه) أي مالكه الذي يعرفه أعطيته، (وإلا) أي وإن لم أجده (استمتعت)

(1)"التهويم": هزُّ الرأس من النعاس.

(2)

"أسد الغابة"(2/ 139، الترجمة 1847).

(3)

انظر: "الإصابة"(1/ 583، الترجمة 2997).

(4)

المصدر السابق (2/ 59، الترجمة 3354).

ص: 573

بِهِ، قال: فَحَجَجْتُ (1) فَمَرَرْتُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ (2) صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«عَرِّفْهَا حَوْلًا» ، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ (3)، فَقَالَ:«عَرِّفْهَا حَوْلًا» ، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا،

===

أي انتفعت (به)، ولفظ أبي داود الطيالسي (4):"قلت: لا، ولكن أعرفه، فإن وجدت من يعرفه وإلَّا استمتعت به، فَأَبَيا عليَّ، وأبيتُ عليهما".

(قال) سويد بن غفلة: (فحججت) ولفظ الطيالسي: "فلما رجعنا من غزاتنا قُضِيَ لي أني حججت"، (فمررت على المدينة) في البدء أو العود، (فسألت أبي بن كعب) وذكرت له قصة السوط وكلامهما.

(فقال) أُبَيُّ بن كعب (5): (وجدت صرة) أي كيسًا أو خريطة (فيها مئة دينار، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: عَرِّفْها حولًا)(6) أي سنة كاملة (فعرفتها حولًا، ثم أتيته) بعد مضي الحول الأول (فقال: عرفها حولًا) أي ثانيًا، (فعرفتها حولًا، ثم أتيته) بعد تمام الحول الثاني (فقال: عرفها حولًا) ثالثًا، (فعرفتها حولًا).

قال الحافظ في "الفتح"(7): قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى إن اللقطة تُعَرَّفُ ثلاثة أعوام إلا شيء جاء عن عمر، انتهى. وقد حكاه

(1) في نسخة: "فحججت به".

(2)

في نسخة: "رسول الله".

(3)

زاد في نسخة: "فقلت: لم أجد من يعرفها".

(4)

"مسند الطيالسي"(رقم 552).

(5)

زاد الترمذي: "أحسنت"(رقم 1374).

(6)

التعريف واجب مطلقًا، وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها، كذا في "المغني"(8/ 292)، وسيأتي الكلام على كيفية التعريف الحولي، انتهى. (ش).

(7)

"فتح الباري"(5/ 79).

ص: 574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

الماوردي عن شواذ من الفقهاء، وحكى ابن المنذر عن عمر رضي الله عنه أربعة أقوال (1): يعرفها ثلاثة أحوال، عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام، ويحمل ذلك على عظم اللقطة (2) وحقارتها، وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا، وهو أربعة أشهر. انتهى.

قلت: وللحنفية فيها ثلاث روايات قد ذكرناها قبل مجملة، أُوْلاها ما ذكرها محمد في "الأصل" وهو ظاهر الرواية: تقديره بالحول من غير فصل بين قليل وكثير، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.

وثانيتها ما ذكرها صاحب "الهداية"(3): فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، قال العبد الضعيف: هذه رواية عن أبي حنيفة.

قال في "العناية"(4): قوله: وهذه رواية عن أبي حنيفة، يشير إلى أنها ليست ظاهر الرواية، فإن الطحاوي قال: إذا التقط لقطة يعرفها سنة سواء كان شيئًا نفيسًا أو خسيسًا في ظاهر الرواية.

وثالثتها ما ذكره صاحب "الهداية"(5): وقيل: الصحيح أن شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق بها، وهو الذي اختاره السرخسي في "مبسوطه"(6).

(1) وحكى الموفق الآثار المختلفة في ذلك (انظر "المغني": 8/ 293). (ش).

(2)

وبسط تفصيلَها القاري أشد البسط (انظر "مرقاة المفاتيح": 6/ 219). (ش).

(3)

"الهداية"(2/ 417).

(4)

انظر: "العناية" مع "فتح القدير"(6/ 112، 113).

(5)

"الهداية"(2/ 417).

(6)

انظر: "المبسوط" للسرخسي (11/ 3).

ص: 575

ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَلتُ: لَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَقَالَ: «احْفَظْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا ووكاءها،

===

قال الشامي في حاشيته على "الدر"(1): وصححه في "الهداية"، وفي "المضمرات" و"الجوهرة": وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير، "بحر".

قلت: والمتون على قول السرخسي، والظاهر أنه رواية أو تخصيص لظاهر الرواية بالكثير، تأمل.

وعبارة السرخسي: وفي الحديث الذي رواه أُبَي بن كعب رضي الله عنه دليل لما قلنا: إن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم، ولكن يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها، ألا ترى أن مائة دينار لما كانت مالًا عظيمًا كيف أمره صلى الله عليه وسلم بأن يعرفها ثلاث سنين، انتهى (2).

قلت: فما قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى: إن اللقطة تعرف ثلاث سنين، لعله لم يتنبه لهذه الرواية الثالثة للحنفية.

(ثم أتيته) بعد مضي ثلاثة أحوال (فقلت: لم أجد من يعرفها، فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفظ عددَها) أي الدراهم (ووعاءها) والوعاء ما يجعل فيه الشيء سواء كان من جلد أو خزف أو خشب أو غير ذلك، وهي بالمد وبكسر الواو وقد تُضَمُّ، وقرأ بها الحسن في قوله:{قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} (3)، وقرأ سعيد بن جبير "إعاء" بقلمب الواو المكسورة همزةً، (ووكاءها) بكسر الواو والمد: الخيط الذي يشد بها الصُّرة وغيرها، وإنما أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة، وأن يعرف صدق المدعي من كذبه، وأن فيه تنبيهًا على حفظ الوعاء وغيره، لأن العادة جرت بإلقائه

(1)"ردّ المحتار"(6/ 436).

(2)

انظر: صفحة (7).

(3)

سورة يوسف: الآية 76.

ص: 576

فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا"

===

إذا أخذت النفقة، وأنه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على أن حفظ المال أولى، (فإن جاء صاحبها) والجزاء محذوف أي فَأَدِّها إليه، (وإلَّا فاستمتع بها)(1).

قال الحافظ (2): واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها، هل يضمنها له أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاريُّ وداودُ بنُ علي إمامُ الظاهرية، لكن وافق داود الجمهورَ إذا كانت العين قائمة.

ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: "لتكن وديعة عندك"، وقولُه أيضًا عند مسلم:"فاعرف عفاصَها ووكاءَها، ثم كُلْها، فإن جاء صاحبها فَأَدِّهَا إليه"، وأصرح من ذلك رواية أبي داود بلفظ:"فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصها ووكاءَها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه"، فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة الجمهور.

قلت: وهذا الحديث بظاهره يخالف ما ذهب إليه الأحناف من أنه إذا كان الملتقط غنيًّا لا يجوز له الانتفاع بها، وهذا الحديث يدل على أن الملتقط إذا كان غنيًّا يجوز له الانتفاع بها، لأن أبي بن كعب كان من مياسير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأغنيائهم، ومع هذا فأباح له رسول الله صلى الله عليه وسلم الانتفاعَ بها.

(1) قال الموفق (8/ 300): ظاهر المذهب أن اللقطة تملك بمضي حول التعريف، واختار أبو الخطاب أن لا يملكها، وهو مذهب الشافعي، وبسطه في موضع آخر (8/ 299)، وقال: إذا عرَّفها حولًا ولم تُعْرَفْ، ملكها ملتَقِطُها، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة والثوري: يتصدق بها، إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك إن كان فقيرًا، ثم قال في موضع آخرة وتملك ملكًا مراعًى يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها (8/ 301). (ش).

(2)

"فتح الباري"(5/ 84، 85).

ص: 577

وَقَالَ: وَلَا أَدْرِى أَثَلَاثًا قَالَ: «عَرِّفْهَا» ، أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً". [خ 2437، م 1723، ت 1374، جه 2506، حم 5/ 126]

===

فالجواب عنه ما قاله الإِمام السرخسي في "مبسوطه"(1): ولكنا نقول: يحتمل أنه لفقره وحاجته لديون عليه، فأَذِنَ له في الانتفاع وخلطها بماله، ويحتمل أنه علم أن ذلك المال لحربي لا أمان له، وقد سبقت يده إليه فجعله أحقَّ به لهذا، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رزقٌ ساقه الله إليك"، ولكن مع هذا أمره بأن يعرف عددَها ووكاءها [احتياطًا] حتى إذا جاء طالب لها محترم تمكن من الخروج مما عليه يدفع مثلها إليه، انتهى.

وكتب مولانا يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله: ثم إن إجازته صلى الله عليه وسلم في إنفاق أُبَيٍّ صرةَ الدنانير على نفسه إنما نحمله على أنه كان أهلًا (2) لذلك في ذلك الوقت، وقولهم (3): إن أبيًّا كان من مياسير أهل المدينة، إن كان المراد على عموم الأزمنة فغير مسلم، إذ قد ثبت خلاف ذلك في غير رواية واحدة، منها تصدق أبي طلحة بستانَ بيرحاء على حسان وأبي مع قوله صلى الله عليه وسلم له:"اجعلها في فقراء أهلك"(4)، فلو لم يكن فقيرًا كيف يستحق صدقة بيرحاء، وإن كان المراد في بعض الأزمنة، فليس لهم حجة في إثبات أن أمر الصرة كان في حالة اليسار، انتهى.

(وقال) سلمة بن كهيل: (ولا أدري أثلاثًا قال) سويد بن غفلة: (عرفها أو مرة واحدة)، وفي رواية البخاري (5):"فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا". قال الحافظ (6): القائل شعبة، والذي قال:"لا أدري"

(1)"المبسوط"(11/ 6).

(2)

أي كان فقيرًا، كما بسطه ابن الهمام (6/ 124). (ش).

(3)

كما في "الترمذي"(3/ 50، 51 تحت حديث 1373). (ش).

(4)

انظر: "صحيح البخاري"(55 - كتاب الوصايا، 10 - باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه).

(5)

"صحيح البخاري"(2426).

(6)

"فتح الباري"(5/ 79).

ص: 578

1702 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ:«عَرِّفْهَا حَوْلًا» ، قَالَ: ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَلَا أَدْرِى قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِى سَنَةٍ، أَوْ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ! [انظر الحديث السابق]

===

هو شيخه سلمة بن كهيل، وقد بيَّنه مسلم من رواية بهز بن أسد عن شعبة، أخبرني سلمة بن كهيل، واختصر الحديث، قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عامًا واحدًا.

وقد بَيَّنَه أبو داود الطيالسي في "مسنده" أيضًا فقال في آخر الحديث: قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا. وأغرب ابن بطال فقال: الذي شك فيه هو أبي بن كعب، والقائل هو سويد بن غفلة، انتهى.

ولم يُصِبْ في ذلك وإن تبعه جماعة، منهم المنذري، بل الشك فيه من أحد رواته وهو سلمة لما استثبته فيه شعبة، وقد رواه غير شعبة عن سلمة بن كهيل بغير شك جماعة، وفيه هذه الزيادة، وأخرجها مسلم من طريق الأعمش والثوري وزيد بن أبي أنيسة وحماد بن سلمة كلهم عن سلمة، وقال: قالوا في حديثهم جميعًا: ثلاثة أحوال، إلَّا حماد بن سلمة فإن في حديثه: عامين أو ثلاثة، انتهى.

1702 -

(حدثنا مسدّد، نا يحيى، عن شعبة بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدِّم، قال مسدّد بسنده عن شعبة:(قال) شيخه سلمة بن كهيل في حديثه: (عرفها حولًا، قال) أي: ثم قال سلمة بن كهيل (1) في حديثه: (ثلاث مرار، قال) سلمة بن كهيل: (فلا أدري قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (له) أي لأبي بن كعب (ذلك) أي ثلاث مرات (في سنة، أو في ثلاث سنين).

غرض المصنف بهذا الكلام بيان الفرق بين حديث محمد بن كثير،

(1) كذا في "الفتح"(5/ 79). (ش).

ص: 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، وبين حديث يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل بأن محمد بن كثير روى عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، وفصل فيه ثلاثة أحوال، يقول: عرقها حولًا، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا.

وأما في رواية يحيى ففيها: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل يقول: عرفها حولًا، مرة واحدة، ولم يذكر كما ذكره محمد بن كثير ثلاث مرات مفصلة، ثم قال: ثلاث مرات، أي عرفها حولًا ثلاث مرات.

وهذا القول يحتمل معنيين، أحدهما: أن المراد بقوله: ثلاث مرات،

أي في ثلاث سنين، فعلى هذا يوافق حديث يحيى حديث محمد بن كثير، والاحتمال الثاني: أن يكون المراد بقوله: ثلاث مرات، أي في سنة واحدة، وعلى هذا يخالف حديث يحيى حديث أحمد بن كثير.

وقد أوضح ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده"(1) من حديث يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن شعبة، حدثني سلمة بن كهيل إلى أبي بن كعب، وفيه:"وجدت صُرَّة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: عرِّفها حولًا، فعرَّفتها حولًا، فلم أجد من يَعْرِفها فأتيته، فقلت له: لم أجد من يعرِفها، فقال: عرِّفها حولًا ثلاث مرات، ولا أدري قال له ذلك في سنة أو في ثلاث سنين"، انتهى.

ويخالفه سياق أبي داود الطيالسي في "مسنده"(2) من رواية شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، وفيه: فقال أبي بن كعب: "وجدت سورة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فمّال: "عرِّفها حولًا"، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثلاث مرات".

(1)"مسند أحمد"(5/ 126).

(2)

"مسند الطيالسي"(552).

ص: 580

1703 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ فِى التَّعْرِيفِ: قَالَ: "في عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ"،

===

وقد أخبرني الطحاوي (1) حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل فخالفهما، ففصَّل فيه الأحوال الثلاثة كما فصَّل في حديث محمد بن كثير، ولفظه: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل أنه قال: قد سمعت سويد بن غفلة يقول: قد كنت خرجت حاجًّا فأصبت سوطًا، فأخذتها، فقال لي زيد بن صوحان: دعها عنك، فقلت: والله لا أدعها للسباع، ولآخذنَّها فلأَستنفعنَّ بها، فلقيت أُبَىَّ بن كعب، فذكرت له ذلك، فقال لي: لقد أحسنت في أخذها، فإني قد كنت وجدت صُرَّةً فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذتها، ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرتها له، فقال:"عرفها حولًا كاملًا"، قال: فعرفتها حولًا، فلم أجد من يعرفها، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"اذهب، فعرفها حولًا"، فعرفتها هو، ، فلم أجد من يعرِفها، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"عَرِّفها حولًا"، فلم أجد من يعرفها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، "احفظ عددَها، ووعاءَها، وعفاصَها، ووكاءَها"، الحديث.

1753 -

(حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، نا سلمة بن كهيل بإسناده ومعناه، قال) حماد، عن سلمة (في التعريف: قال: في عامين أو ثلاثة) أخرج الإِمام أحمد في "مسنده"(2): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا بهز، ثنا حماد بن سلمة، ح: وحدثنا عبد الله قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ثنا حماد بن سلمة، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة قال: حججت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة، فذكر الحديث، قال: فعرفتها عامين أو ثلاثًا. قال: "اعرف عددها، ووعاءَها"، الحديث.

(1) انظر: "شرح مشكل الآثار"(رقم 4698)، و"شرح معاني الآثار"(4/ 137).

(2)

انظر: "مسند أحمد"(5/ 126، 127).

ص: 581

وَقَالَ: «اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا» ، زَادَ:«فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» (1). [انظر تخريج الحديث السابق]

1704 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ (2)، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللُّقَطَةِ،

===

(وقال: "اعرف عددَها ووعاءَها ووكاءَها"، زاد) حماد: (فإن جاء صاحبها فَعَرَفَ عددَها (3) ووكاءَها، فادفعها إليه). قال أبو داود: ليس يقول هذه الكلمة إلَّا حماد في هذا الحديث يعني: فَعَرَفَ عددَها، هذه إشارة إلى تضعيف هذه الكلمة، وسيأتي التصريح بتضعيفها.

1704 -

(حدثنا قتيبة بن سعيد، نا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المُنْبَعِث) بضم الميم، وسكون النون، وفتح الموحدة، وكسر المهملة بعدها مثلثة، مدني، ذكره ابن حبان في "الثقات"، (عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلًا)، وفي رواية البخاري (4):"جاء أعرابي"(5). (سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة).

قال الحافظ: زعم ابن بشكوال أن السائل المذكور: هو بلال المؤذن، وفيه بُعْد؛ لأنه لا يُوصَف بأنه أعرابي، وقيل: السائل هو الراوي، وفيه بُعْد أيضًا. ثم ظفرت بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحميدي، والبغوي،

(1) زاد في نسخة: "قال أبو داود: ليس يقول هذه الكلمة إلَّا حماد في هذا الحديث يعني: فَعَرَفَ عددَها".

(2)

وفي نسخة: "منبعث".

(3)

قال الموفق: إذا وصفها بالصفات المذكورة دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صِدْقُهُ أو لا، وبهذا قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُجْبَرُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ولا يجوز له دفعُها إلَّا إذا غلب على ظنه صدقُه ("المغني" 8/ 309). (ش).

(4)

"صحيح البخاري"(2427).

(5)

وبسط الحافظ في اسمه ("فتح الباري" 5/ 80). (ش).

ص: 582

فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» ،

===

وابن السكن، والباوردي (1)، والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري، عن ربيعة، عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال:"عرفها سنة، ثم أَوْثِقْ وعاءَها"، فذكر الحديث، وقد ذكر أبو داود طرفًا منه تعليقًا، ولم يَسُقْ لفظَه، وكذلك البخاري في "تاريخه"، وهو أولى ما يفسر به هذا المبهم لكونه من رهط زيد بن خالد، انتهى ملخصًا.

(فقال: عَرِّفْها سنة (2)، ثم اعرف وكاءَها وعفاصَها) بكسر المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف مهملة: الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو غيره، (ثم استنفِقْ بها، فإن جاء ربها فأَدِّها إليه) وفي هذه الجملة دلالة ظاهرة على أن اللقطة وديعة عند الملتقط، فالأمر بالاستنفاق على نفسه ما كان على سبيل التمليك، بل لأنها كانت سبيلها التصدق، فإذا كان الملتقط محلًّا للصدقة فقيرًا ذا حاجة أباح له التصدق على نفسه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بعد الإنفاق على نفسه إن جاء صاحبها بعد الإنفاق فأدِّها إليه أي إن كان موجودًا، وبالبدل إن كان مستهلكًا.

(1) كذا في الأصل، وفي "الفتح": البارودي، بتقديم الراء على الواو، وفي "الإصابة" في ترجمة سويد الجهني أو المزني: الباوردي، كما في الأصل.

(2)

قال القاري (6/ 219): قال ابن الهمام: ظاهر الأمر بتعريفها سنة يقتضي التكرار، وإن كان ظرفية السَّنَةِ يصدق بوقوعه مرة، لكن يجب حمله على المعتاد وقتًا بعد وقت، ويكرر ذلك كلما وجد مظنة، قال ابن الملك: في الأسبوع الأول يعرف كل يوم مرتين، مرة في أول النهار، ومرة في آخره، وفي الأسبوع الثاني كل يوم مرة، وبعد ذلك في كل أسبوع مرة، وقدَّر محمد في "الأصل" التقدير بالحول بهذا الحديث، وهو قول مالك والشافعي وأحمد

إلخ.

وفي "الهداية"(2/ 417): يعرِّف الأقلَّ من عشرة دراهم أيامًا، والأكثر حولًا، والرواية الثالثة: أن هذا على رأي المبتلى به، كذا في "حاشية أبي داود". (ش).

ص: 583

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ:«خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِىَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟

===

(فقال) الرجل السائل: (يا رسول الله! فَضَالَّةُ الغنم) ما حكمها؟ (فقال: خذها) أي ضالة الغنم (فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب). قال الحافظ في "الفتح"(1): فيه إشارة إلى جواز أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال، معَرَّضَةٌ للهلاك، مُتَرَدَّدَةٌ بين أن تأخذها أنت أو أخوك، والمراد به ما هو أعمُّ من صاحبها أو من مُلْتَقِطٍ آخر، والمراد بالذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث له على أَخْذِها؛ لأنه إذا علم أنه إن لم يأخذها بقيت للذئب كان ذلك أدعى (2) له إلى أخذها

، وفيه دليل على رد إحدى الروايتين (3) عن أحمد في قوله: يترك التقاط الشاة، وتمسَّك به مالك في أنه يملكها بالأخذ، ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذا الملتقط.

وأجيب بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يمكلها الملتقط على شرط ضمانها، وقد أجمعوا على أنه لو جاء قبل أن يأكلها الملتقط لأخذها، فدل على أنها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في الشاة:"هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"، وبين قوله في اللقطة:"شأنك بها، أو خذها"، بل هو أشبه بالتملك؛ لأنه لم يشرك معه ذئبًا ولا غيره، ومع ذلك فقالوا في النفقة: يغرمها إذا تصرف فيها ثم جاء صاحبها.

(قال) أي الرجل السائل: (يا رسول الله! فَضَالَّة الإبل؟ ) أي ما حكمها؟

(1)"فتح الباري"(5/ 82).

(2)

في الأصل: "أوعى" بالواو، والصواب كما في "الفتح":"داعى" بالدال.

(3)

قال الموفق: الشاة كالذهب والفضة في التعريفِ، والملك بعده، هو الصحيح من مذهب أحمد، وعنه رواية أخرى: ليس لغير الإِمام التقاطُها، وعن مالك في الشاة توجَدُ في الصحراء: اذْبَحْها، وَكُلْها، وفي العصر: ضُمَّها حتى تجد صاحبَها ("المغني" 8/ 338). (ش).

ص: 584

فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَقَالَ:«مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا» . [خ 2436، م 1722، ت 1372، جه 2504، حم 4/ 116]

===

(فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرَّت وجنتاه) الوجنة ما ارتفع من الخدَّين، وفيها أربع لغات: بالواو، والهمزة، والفتح فيهما والكسرة (أو احمرّ وجهه) شك من الراوي.

(وقال: ما لك ولها، معها حِذَاؤُها) الحذاء بكسر المهملة بعدها معجمة مع المد، أي خُفُّها (وسقاؤها) أي جوفها، وقيل: عنقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما رُكِّبَ في طباعها من الجلادة عن العطش وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط (حتى يأتيها ربُّها).

قال الحافظ (1): والضَّالُّ مِنَ الحيوان كاللقطة من غيره، والجمهور على القول بظاهر الحديث (2) في أنها لا تُلْتقَطُ، وقال الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهيَ على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضًا، قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءَها حيث ضلَّت أقرب إلى وجدان مالِكِها لها من تَطَلُّبِهِ لها في رحال الناس، وقالوا: في معنى الإبل كلُّ ما امتنع بقوته عن صغار السباع.

قلت: وأما عند الحنفية فقال في "البدائع"(3): وكذا لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز التقاطها أصلًا، واحتج بما روي

(1)"فتح الباري"(5/ 80).

(2)

قال الموفق: لا يتعرض لبعير ولا لحيوان يقوى على الامتناع كالبقر والخيل والطيور، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: إن وجدها في القرى يعرفها، وفي الصحراء لا يقربها، وقال أبو حنيفة: يباح التقاطها كالغنم. (انظر: "المغني" 8/ 343). (ش)

(3)

"بدائع الصنائع"(5/ 295، 296).

ص: 585

1705 -

حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ:«سِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ» ،

===

أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل (1)، فقال:"ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ الماءَ، وترعى الشجرَ، دَعْها حتى يلقاها ربُّها"، نهى عن التعرض لها وأمر بترك الأخذ.

ولنا ما رُوِيَ أن رجلًا وجد بعيرًا بالحَرَّة (2)، فَعَرَّفَه، ثم ذكره لسيدنا عمرَ رضي الله عنه، فأمره أن يعرِّفَه، فقال الرجل لسيدنا عمرُ: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمرُ: أَرْسِلْه حيث وجدتَه.

وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام:"حتى يلقاها ربها"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه.

والدليل عليه أنه لما سأله عن ضالة الغنم قال: "خذها، فإنها لك، أو لأخيك، أو للذئب"، دعاه إلى الأخذ، ونَبَّه على المعنى، وهو خوف الضيعة، وأنه موجود في الإبل، والنص الوارد فيها أولى أن يكون واردًا في الإبل وسائرِ البهائم دلالة، إلَّا أنه عليه الصلاة والسلام فصل بينهما في الجواب من حيث الصورة لهجوم الذئب على الغنم إذا لم يلقها ربُّها عادة بعيدًا كان أو قريبًا، ولا كذلك الإبل لأنها تَذُبُّ عن نفسها.

1705 -

(حدثنا ابن السرح) أحمد بن عمرو، (نا ابن وهب) عبد الله، (أخبرني مالك بإسناده ومعناه، زاد) أي مالك عن ربيعة على رواية إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة:(سقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر)، فالزيادة هي قوله:"ترد الماء، وتأكل الشجر"، وأما لفظ "سقاؤها" فليس مزيدًا؛ لأنه مذكور

(1) قال العيني: عند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل، وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط ("عمدة القاري" 9/ 163). (ش).

(2)

الحَرَّةُ: الأرض ذات الحجارة السوداء. والمقصود هنا: حرَّة المدينة.

ص: 586

وَلَمْ يَقُلْ: «خُذْهَا» فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ، وَقَالَ فِى اللُّقَطَةِ:«عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» ، وَلَمْ يَذْكُر «اسْتَنْفِقْ» . [انظر الحديث السابق]

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلَهُ، لَمْ يَقُولُوا:«خُذْهَا» .

===

في الروايتين، (ولم يقل) أي مالك لفظ:(خذها في ضالة الشاء) وذكره إسماعيل بن جعفر في روايته (وقال) أي مالك (في اللقطة: عرِّفْها سنة، فإن جاء صاحبها) فأدها إليه (وإلَّا) أي وإن لم يجئ صاحبها (فشأنك بها).

قال الحافظ (1): قوله: "شأنك بها"، الشأن: الحال، أي: تَصَرَّفْ فيها، وهو بالنصب أي الزم شأنَك بها، ويجوز الرفع بالابتداء، والخبر بها، أي شأنك متعلق بها. (ولم يذكر) مالك لفظ:(اسْتَنْفِقْ) كما ذكره إسماعيل بن جعفر.

(قال أبو داود: رواه الثوري وسليمان بن بلال وحماد بن سلمة عن ربيعة مثلَه) أي مثل ما روى مالك عن ربيعة، (لم يقولوا: خذها) غرض المصنف بهذا الكلام ما وقع في رواية إسماعيل بن جعفر من لفظ "خذها" في ضالة الشاة مخالف لما رواه مالك والثوري وسليمان وحماد عن ربيعة، فهي شاذة إن كان غرضه تأييد رواية مالك، وإلا فإشارة إلى أنها زيادة ثقة، والله أعلم. أما حديث الثوري فأخرجه البخاري في "اللقطة"(2)، وأما حديث سليمان بن بلال عن ربيعة فأخرجه البخاري في "كتاب العلم"(3).

وحديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري الذي أخرجه البخاري في "اللقطة"(4) ففيها: "خذها"، وأما حديث حماد بن سلمة عن ربيعة فسيأتي عند المصنف قريبًا.

(1)"فتح الباري"(5/ 84).

(2)

"صحيح البخاري"(2427) وأيضًا أخرجه مسلم في "صحيحه"(1722)، وأحمد في "مسنده"(4/ 117)، وعبد الرزاق في "مصنفه"(18602).

(3)

"صحيح البخاري"(91)، واْيضًا أخرجه مسلم (1722)، وأبو عوانة (4/ 39).

(4)

"صحيح البخاري"(2428).

ص: 587

1706 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - الْمَعْنَى - قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ -، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ،

===

1706 -

(حدثنا محمد بن رافع وهارون بن عبد الله، المعنى، قالا: نا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (عن الضحاك -يعني ابن عثمان-، عن بسر بن سعيد) هكذا في جميع النسخ لأبي داود التي عندي هن غير ذكر واسطة بين الضحاك بن عثمان وبسر بن سعيد، ولكن أخرج الطحاوي (1) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، وزاد بينهما: أبا النضر، وكذا أخرج مسلم في "صحيحه" (2) من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، ومن طريق أبي بكر الحنفي قال: حدثنا الضخاك بن عثمان بهذا الإسناد، فذكر مسلم بين الضحاك وبسر بن سعيد واسطة أبي النضر.

وكذا أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده"(3) من طريق ابن أبي فديك وأبي بكر الحنفي، فذكر بينهما أبا النضر، وكذا أخرجه ابن ماجه (4) بطريق أبي بكر وابن وهب وفيه أيضًا واسطة سالم، وهو أبو النضر (5)، ثم رأيت "تهذيب التهذيب" للحافظ فلم يذكر في ترجمة ضحاك بن عثمان في شيوخه بسرَ بن سعيد، وذكر في شيوخه أبا النضر سالمًا، وكذا لم يذكر ضحاك بن عثمان في تلامذة بسر بن سعيد في ترجمته، فالظاهر أن في سند أبي داود سقوطًا، والله أعلم.

(1)"شرح معاني الآثار"(4/ 138).

(2)

"صحيح مسلم"(1722).

(3)

"مسند أحمد"(4/ 116).

(4)

"سنن بن ماجه"(2507).

(5)

قلت: ذكر المزي هذا الحديث في "تحفة الأشراف"(3/ 183) رقم (3748)، وعزاه إلى أبي داود، وذكر بين الضحاك بن عثمان وبسر بن سعيد واسطة سالم أبي النضر.

ص: 588

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وإلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» . [م 1722، ت 1373، جه 2507، حم 4/ 116]

1707 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ مَوْلَى

===

(عن زيد بن خالد الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة؟ فقال: عرَّفها سنة، فإن جاء باغيها) أي طالبها (فَأَدِّها إليه) أي إذا عَرَفَ وكاءَها، ووعاءَها، وعددَها، والأمر فيه ليس للوجوب، قال الحافظ (1): قال أبو حنيفة والشافعي - رحمهما الله-: إن وقع في نفسه صدقُه جاز أن يُدْفَعَ، ولا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا ببينة، وقد أخذ بظاهرها مالك وأحمد.

(وإلَّا) أي وإن لم يجئ باغيها (فَاعْرِفْ عفاصَها، ووكاءَها، ثم كُلْها، فإن جاء باغيها) أي بعد الأكل والتصرف فيها (فأدِّها إليه) إن كانت موجودة وإلا بالبدل، وفي سياق هذا الحديث أصرح دلالة على أن اللقطة وديعة عند الملتقط، إذا تصرف فيها يجب ردها على صاحبها إن كانت قائمة، وإن استهلكت يجب بدلها.

قال الحافظ (2): وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: "فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلَّا فاعرف عفاصَها ووكاءَها، ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه"، فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور.

1707 -

(حدثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، عن أبيه يزيدَ مولى

(1)"فتح الباري"(5/ 79).

(2)

المصدر السابق (5/ 85).

ص: 589

الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ (1) نَحْوَ حَدِيثِ رَبِيعَةَ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «تُعَرِّفُهَا حَوْلًا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعْتَهَا إِلَيْهِ، وإلَّا عَرَفْتَ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اقْبِضْهَا (2) فِى مَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» . [انظر سابقه]

1708 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بِإِسْنَادِ قُتَيْبَةَ وَمَعْنَاهُ، وَزَادَ (3) فِيهِ:«فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» وَقَالَ حَمَّادٌ أَيْضًا: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ. [انظر سابقه]

===

المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر) عبد الله بن يزيد (نحو حديث ربيعة، قال) عبد الله بن يزيد في حديثه عن أبيه يزيد: (وسئل) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن اللقطة؟ فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تُعَرِّفها حولًا، فإن جاء صاحبها دفعتَها إليه) أي إن عرف علاماتها (وإلَّا) أي وإن لم يجئ صاحبها (عرفتَ وكاءَها وعفاصَها، ثم اقبضها في مالك) أي لتحفظها ولا تلتبس بمالك، (فإن جاء صاحبها) بعد معرفة وكائِها وعفاصِها وقبضِها في مالك (فادفعها إليه) وفي الحديث دلالة على أن الملتقط لا يملك اللقطة بل تبقى على ملك صاحبها.

1708 -

(حدثنا موسى بن اسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد وربيعة بإسناد قتيبةَ ومعناه) وقد تقدم حديث قتيبة قريبًا (وزاد) حماد بن سلمة (فيه: فإن جاء باغيها) أي طالبها (فَعَرَفَ عفاصَها وعددَها فادفعها إليه، وقال حماد أيضًا: عن عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلَه) أي مثل ما قال حماد عن يحيى بن سعيد وربيعة من زيادة قوله: "فإن جاء باغيها فَعَرَفَ عفاصها وعددَها فادفعها إليه".

(1) في نسخة: "ذكر".

(2)

وفي نسخة: "أَفِضْها"، وفي نسخة:"أفضتها".

(3)

وفي نسخة: "فزاد".

ص: 590

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِى زَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ (1) وَرَبِيعَةَ: «إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ» ؛ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ: «فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» (2)

===

(قال أبو داود: وهذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمةَ بنِ كهيلٍ ويحيى بن سعيدٍ وعبيدِ الله وربيعة: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها، فادفعها إليه"، ليست بمحفوظة).

قال الحافظ في "الفتح"(3): في رواية حماد بن سلمة وسفيان الثوري وزيد بن أنيسة عند مسلم، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي من طريق الثوري، وأحمدُ، وأبو داود من طريق حماد كلهم عن سلمة بن كهيل في هذا الحديث:"فإن جاء أحد يخبرك بعددِها ووكائِها ووعائِها فأعطِها إياه"، لفظ مسلم، وأما قول أبي داود: إن هذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة، وهي غير محفوظة، فتمسك بها من حاول تضعيفَها فلم يُصِبْ، بل هي صحيحة، وقد عرفت من وافق حمادًا عليها، وليست شاذة.

وقال في "الجوهر النقي"(4): قال البيهقي: قال أبو داود: هذه الزيادة التي زادها حماد بن سلمة: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه" ليست محفوظة، قلت: ذكر ابن حزم بأن حمادًا لم ينفرد بزيادة الأمر بالدفع، بل وافقه على ذلك الثوريُّ، فرواه كذلك عن ربيعة، عن يزيد بن خالد، عن سلمة بن كهيل، عن سويد، انتهى.

(فعرف عفاصها ووكاءَها) هذه بيان الزيادة، أي من قوله: "فعرف عفاصها

(1) في نسخة: "عبيد الله بن عمر رضي الله عنه".

(2)

زاد في نسخة: ورواه هدبة بن خالد أيضًا [من] حديث بسر بن سعد قال فيه: عرفها سنة.

(3)

"فتح الباري"(5/ 78).

(4)

"الجوهر النقي" مع "السنن الكبرى"(6/ 197).

ص: 591

وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا قَالَ:«عَرِّفْهَا سَنَةً» .

===

ووكاءها"، إلى قوله: "فادفعها إليه"، كأنه يشير إلى أن قوله: "إن جاء صاحبها"، ليس بزائد فالزيادة ليس إلا قوله: "فعرف عفاصها ووكاءها" إلى آخره.

(ورواه هدبة بن خالد أيضًا [من] حديث بسر بن سعيد) أي كما رواه ضحاك بن عثمان [من] حديث بسر بن سعيد، (قال) هدبة (فيه) أي في الحديث:(عرفها سنة) هذه العبارة ما وجدتها إلَّا على حاشية النسخة المكتوبة الأحمدية، ونقل عنها في حاشية النسخة المجتبائية، ولم أجد حديث هدبة في شيء من الكتب التي تتبعتها.

(وحديث عقبة بن سويد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا قال: عرفها سنةً) وقد تقدم (1) في بيان تسمية السائل المجهول أن الحافظ ذكر اسم السائل، وقال: ثم ظفرت بتسمية السائل، وذلك فيما أخرجه الحميدي، والبغوي، وابن السكن، والباوردي، والطبراني كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري، عن ربيعة، عن عقبة بن سويد الجهني، عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة؟ فقال: "عرفها سنة، ثم أوثق وعاءها"، فذكر الحديث، وقد ذكر أبو داود طرفًا منه تعليقًا ولم يَسُقْ لفظَه.

وقد ذكر الحافظ في "الإصابة"(2) في ترجمة سويد الجهني أو المزني: وأما حديث ربيعة فذكره أبو داود تعليقًا، ووصله الباوردي والطبراني ومطين من طريق محمد بن معن بن نضلة، عن ربيعة، عن عتبة بن سويد، عن أبيه سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الشاة.

وذكر الحافظ في "تعجيل المنفعة"(3) في ترجمة عقبة قال: عقبة، ويقال: عتبة بن سويد الأنصاري، عن أبيه، وعنه الزهري، مجهول، قلت: قد روى

(1) انظر: صفحة (582).

(2)

"الإصابة"(رقم الترجمة 3618).

(3)

"تعجيل المنفعة"(رقم الترجمة 743).

ص: 592

وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» .

1709 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ -. (ح): وَحَدَّثَنَا مُوسَى - يعني ابْن إِسْمَاعِيلَ - حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (1) ، - الْمَعْنَى -

===

عنه أيضًا ربيعة الرأي وعبد العزيز، ذكره ابن أبي حاتم بالشك، وليس هو في "المسند" إلَّا عقبة بغير شك، انتهى.

(وحديث عمر بن الخطاب أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرفها سنة) هذا التعليق وصله الطحاوي (2)، وقال: حدثنا فهد (3) بن سليمان، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير أنه قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله بن ربيعة، أن أباهما سفيان بن عبد الله قد كان وجد عيبة (4)، فأتى بها عمر بن الخطاب، فقال له: عرفها سنة، فإن عُرِفَتْ فذاك، وإلَّا فهي لك، قال: فعرفها سنة فلم تُعْرَفْ، فأتى بها عمر رضي الله عنه العامَ المقبل أو القابلَ في الموسم، فأخبره بذلك، فقال له عمرُ: هي لك، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمرنا بذلك، فأبى سفيان أن يأخذها، فأخذها منه عمر بن الخطاب فجعلها في بيت مال المسلمين.

وغرض المصنف بهذا الكلام وهو قوله: وحديث عقبة، إلى آخره أن مدة التعريف اختلفت الروايات فيها، ففي بعضها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعريفها ثلاث سنين، وفي بعضها سنة واحدة، ولما وقع الشك في ثلاث سنين، وتأيدت روايةُ سنة واحدة بروايات كثيرة، ذكر أبو داود أن رواية تقدير التعريف بسنة أقوى وأكثر، والله تعالى أعلم.

1709 -

(حدثنا مسدد، نا خالد - يعني الطحان -، ح: وحدثنا موسى -يعني ابن إسماعيل-، نا وهيب) يعني ابن خالد (المعنى) أي معنى حديث

(1) زاد في نسخة: "يعني ابن خالد".

(2)

"شرح معاني الآثار"(4/ 137 - 138)، وأيضًا أخرجه الدارمي (2599)، والنسائي في "الكبرى"(8518)، والبيهقي في "سننه"(6/ 187).

(3)

وفي الأصل: "فهر بن سليمان"، وهو تحريف.

(4)

وفي الأصل: "عتبة"، وهو تحريف.

ص: 593

عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً (1) فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَىْ عَدْلٍ، وَلَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وإلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» . [جه 2505، حم 4/ 161]

===

خالد الطحان (2) ووهيب بن خالد واحد، (عن خالد الحذاء، عن أبي العلاء) يزيد بن عبد الله بن الشخير، (عن مطرف، يعني ابن عبد الله) بن الشخير، (عن عياض) بكسر أوله، وتخفيفِ التحتانية، وآخره معجمة (ابن حمار) بكسر المهملة، وتخفيف الميم، التميمي، المجاشعي، صحابي، سكن البصرة، وعاش إلى حدود الخمسين.

(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وجد لقطة فليُشْهِدْ ذا عدل أو ذَوَيْ عدل) وأخرج الطحاوي (3) هذا الحديث فقال: "فليشهد عليها ذَوَي عدلٍ" من غير شك، لكن في "نصب الراية" (4) بلفظ:"ذا عدل". (ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلَّا فهو مال الله يؤتيه من يشاء).

قال الشوكاني (5): "قوله: "فَلْيُشْهِد"، ظاهر الأمر يدل على وجوب الإشهاد (6)، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو حنيفة، وفي كيفية الإشهاد

(1) في نسخة: "اللقطة".

(2)

وفي الأصل: "خالد بن الطحان"، والصواب:"خالد الطحان".

(3)

"شرح معاني الآثار"(4/ 136).

(4)

"نصب الراية"(3/ 466).

(5)

"نيل الأوطار"(4/ 46 - 47).

(6)

وقال ابن الهمام تحت قول صاحب "الهداية": ويكفيه في الإشهاد أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة فَدُلُّوه علي: قال الحلواني: أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ، فإن فعل ذلك ولم يعرف بعدها كفى، فجعل التعريف إشهادًا، فاقتضى أن يكون الإشهاد الذي أمر به في الحديث هو التعريف، =

ص: 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قولان: أحدهما: يُشْهِد أنه وجد لقطة، ولا يُعْلِم بالعفاص ولا غيره، لئلا يتوسل بذلك الكاذب إلى أخذها، والثاني: يشهد على صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوارث، وأشار بعض الشافعية إلى التوسط بين الوجهين، فقال: لا يستوعب الصفات، ولكن يذكر بعضها، قال النووي: وهو الأصح.

والثاني من قولي الشافعي: أنه لا يجب الإشهاد، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، قالوا: وإنما يستحب احتياطًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به في حديث زيد بن خالد، ولو كان واجبًا لَبَيَّنه، انتهى.

قلت: إن الإشهاد عند الحنفية لتعيين جهةِ الأمانة ورفع الضمان فقط، واختلف فيه فعند أبي حنيفة إذا أشهد لا ضمان عليه، وإذا لم يُشْهِدْ وصدقه المالك بأن الملتقط أخذه ليرده على مالكه فتصديقه يرفع الضمان، وأما إذا كذبه وكان الملتقط لم يشهد عليه فعليه الضمان حينئذٍ أيضًا.

وأما عندهما فتحقق الأمانة بوجهين: إما بالتصديق من المالك بأن يصدقه في الأخذ له، أو باليمين.

قال في "البدائع"(1): وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه، لأن المأخوذ لنفسه مغصوب، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في شيء آخر، وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان، إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة، وعندهما بالتصديق أو باليمين، حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا يجب عليه الضمان بالإجماع وإن لم يشهد؛ لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه، وإن كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - أشهد أو لم يشهد، ويكون القول قول الملتقط مع يمينه.

وأما عند أبي حنيفة فإن أشهد فلا ضمان عليه، لأنه بالإشهاد

= ويكون قوله: "ذا عدل" ليفيد عند جحد المالك التعريف

إلخ. ("فتح القدير" 6/ 113). (ش).

(1)

"بدائع الصنائع"(5/ 296).

ص: 595

1710 -

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (1)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً

===

ظهر أن الأخذ كان لصاحبه، فظهر أن يده يد أمانة، وإن لم يشهد يجب عليه الضمان، انتهى.

قال الشوكاني (2): لقوله: "يؤتيه من يشاء" استدل به من قال: إن الملتقط يملك اللقطة بعد أن يعرف بها حولًا، وهو أبو حنيفة، لكن بشرط أن يكون فقيرًا، وبه قالت الهادوية، واستدلوا على اشتراط الفقر بقوله في هذا الحديث:"فهو مال الله" قالوا: وما يضاف إلى الله إنما يمتلكة من يستحق الصدقة.

قلت: لم يقل الحنفية بتملكها بعد التعريف حولًا، بل قالوا: إن اللقطة تبقى على ملك مالكها وإن أكلها الملتقط حال كوفه فقيرًا، فإن الأكل لم يقع على ملكة، بل وقع على ملك مالكه بالإباحة الشرعية، والمباح له لا يكون مالكًا بل يكون آكلًا على ملك المبيح.

1710 -

(حدثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) أي جد أبيه شعيب (عبد الله بن عمرو بن العاص) عطف بيان، أو بدل عن: جده، أو بالرفع بتقدير الضمير أي هو، (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الثمر المعلَّق؟ ) أي المُدْلَى من الشجر قبل أن تُقْطَعَ (فقال: من أصاب) من الثمر (بفيه) أي يأكله (من ذي حاجة) بيان لمن، أي فقير أو مضطر، أي من أصاب للحاجة والضرورة الداعية إليه (غيرَ مُتَّخِذٍ) حال من فاعل "أصاب"، أو بالجر على أنه صفة "ذي حاجة"(خُبْنَةً) بضم معجمة وسكون موحدة، قال

(1) في نسخة: "العاصي".

(2)

"نيل الأوطار"(4/ 47).

ص: 596

فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ،

===

في "المجمع"(1): الخبنة: مَعْطِفُ الإزار وطَرَفُ الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، أخبن إذا خَبَأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله.

(فلا شيء عليه) من الإثم والضمان، وكان هذا في أول الإِسلام ثم نُسِخَ، أو يقال: إن معنى قوله: "لا شيء عليه" أي من الإثم، وأما الضمان فيجب عليه (ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيْه) أي غرامة قيمة مثليه (والعقوبةُ) بالرفع، أي التعزير، قال ابن الملك (2): وهذا على سبيل الزجر والوعيد، وإلَّا فالمتلف لا يضمن بأكثر من قيمة مثله، وكان عمر رضي الله عنه يحكم به عملًا بظاهر الحديث، وبه قال أحمد (3).

وفي "شرح السنة": هذا إيجاب للغرامة والتعزير فيما يخرجه، لأنه ليس من باب الضرورة المرخص فيها، ولأن الملاك لا يتسامحون بذلك بخلاف القدر اليسير الذي يؤكل، ولعل تضعيف الغرامة للمبالغة في الزجر أو لأنه كان كذلك تغليظًا في أوائل الإِسلام ثم نسخ.

(ومن سرق منه) أي من الثمر (شيئًا) أي قدر النصاب (بعد أن يُؤوِيَه) بضم الياء، من آوى يُؤْوِي، والمعنى: يضمه ويجمعه (الجَرِيْنُ) بفتح الجيم وكسر الراء، موضع تجفيف التمر بعد القطع، وهو كالبيدر للحنطة، وهو حرز عادة، فإن الجرين للثمار كالمراح للشياه (فبلغ) أي قيمةُ ذلك الشيء (ثمنَ المِجَن) بكسر الميم وفتح الجيم، أي الترس المسمى بالدرقة، والمراد بثمنه نصاب السرقة؛ لأنه كان يساوي في ذلك الزمان ربع دينار، وقيل: هو عشرة

(1)"مجمع بحار الأنوار"(2/ 12).

(2)

"مرماة المفاتيح"(6/ 223).

(3)

وبه قال أحمد وإسحاق خلافًا للأئمة الثلاثة والأكثر إذ قالوا: هذا منسوخ، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بوجوب غرامة مثليه، كذا في "المغني"(12/ 438). (ش).

ص: 597

فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ (1) ، وَذَكَرَ فِى ضَالَّةِ الْغَنَمِ والإِبِلِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «مَا كَانَ مِنْهَا فِى طَرِيقِ (2) الْمِيتَاءِ وِ (3) الْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا (4) فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِىَ لَكَ،

===

دراهم، وهو نصاب السرقة عند أبي حنيفة (فعليه القطع) أي قطع اليد حدًّا.

(وذكر) أي عبد الله بن عمرو (في ضالة الغنم والإبل كما ذكر غيره) وهو زيد بن خالد الجهني، (قال) أي عبد الله بن عمرو:(وسئل) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن اللقطة فقال: ما كان) أي ما وجد (منها في طريق الميتاء) وفي نسخة "المشكاة": "في الطريق الميتاء"، بتعريف الطريق باللام.

قال القاري (5): كذا وقع في "جامع الأصول"، وقد وقع في نسخ "المصابيح":"في طريق الميتاء"، بالإضافة، والميتاء بكسر الميم وسكون التحتانية ممدودة، أي العامة المسماة بالجادة، قال التوربشتي: الميتاء الطريق العام، ومجتمع الطريق أيضًا ميتاء، والجادة التي تسلكها السابلة، وهو مفعال من الإتيان، أي يأتيه الناس ويسلكه، فالياء في الميتاء أصله همز، أبدل ياءً جوازًا، والهمز فيه أصله ياء أبدل همزًا وجوبًا.

(والقريةِ الجامعةِ) أي لسكانها (فَعَرِّفْها سنة) لأنها لقطة، (فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت) أي طالبها (فهي) أي اللقطة (لك) أي مِلْكٌ لك، أو خاص لك تتصرف فيه، والحاصل أن ما يوجد من اللقطة في العمران والطرق المسلوكة غالبًا يجب تعريفها؛ إذ الغالب أنها ملك مسلم.

(1) زاد في نسخة: "وَمَنْ سَرَقَ دُوْنَ ذَلِكَ فَعَلَيْه غرَامَةُ مِثْلَيْهِ والعُقُوْبَةُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: والجرين: الجوخان .. " وهذا تفسير بالفارسية.

(2)

في نسخة: "الطريق".

(3)

في نسخة: "أو".

(4)

في نسخة: "صاحبها".

(5)

"مرقاة المفاتيح"(6/ 224) رقم (3036).

ص: 598

وَمَا كَانَ فِى الْخَرَابِ يَعْنِى فَفِيهَا وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ». [ت 1289، جه 2596، ن 4974، ك 4/ 381، ق 8/ 278، حم 2/ 180]

1711 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ - يَعْنِى ابْنَ كَثِيرٍ -، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا: قَالَ فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ: قَالَ: «فَاجْمَعْهَا» ". [انظر سابقه]

===

(وما كان) أي وجد (في الخراب) أي في قرية خربة (يعني) زاد لفظ: يعني؛ لأن الراوي لم يحفظ اللفظ، وفي رواية "المشكاة" عن النسائي:"وما كان في الخراب العاديِّ" أي التي لم يجر عليها عمارة إسلامية، ولم تدخل في ملك مسلم (ففيها وفي الركاز) بكسر الراء أي دفين الجاهلية، كأنه ركز في الأرض (الخمسُ) بضمتين، ويُسْكَنُ الثاني، فأعطي لها حكم الركاز؛ إذ الظاهر أنه لا مالك لها.

وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله: والمراد بالطريق الميتاء والقرية الجامعة حيث يغلب الظن على كونه قد سقط عن أحد، وبالكائن في الخراب حيث يظن أنه كان دفينة ثمة، فبرز بعد بهبوب الرياح وصبوب الأمطار، ولما كان الغالب في كل منهما ما ذكر عبر عنه بهما، وليس المناط إلَّا ما ذكرنا، فلو علم في الطريق الميتاء كونه دفينة كان له حكم الكنز والركاز، ولو علم في الخربة كونه مِنْ سقطِ متاع أحد كان الواجب فيه التعريف، وفي قوله:"وفي الركاز الخمس"، أشار بزيادة لفظ الركاز إلى أن الحكم فيما إذا كان من العاديات ومن المخلوق ثمة دون الموضوع غير متفاوت.

1711 -

(حدثنا محمد بن العلاء، نا أبو أسامة، عن الوليد - يعني ابن كثير-، حدثني عمرو بن شعيب بإسناده) أي بإسناد عمرو بن شعيب (بهذا) أي الحديث (قال) عبد الله بن عمرو، أو الوليد بن كثير (في ضالة الشَّاء: قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَاجْمَعْها)، والغرض بهذا بيان الفرق بين روايةِ ابن عجلان وروايةِ ابن كثير بأن في رواية ابن عجلان لم يذكر حكم ضالة الشاء إلا بقوله:"كما ذكر غيره"، وفي رواية ابن كثير حكمها مذكور بقوله:"فاجمعها" أي فاجمعها للحفظ والرفع إلى المالك.

ص: 599

1712 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهَذَا بِإِسْنَادِهِ؛ وقَالَ فِى ضَالَّةِ الْغَنَمِ:«لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، خُذْهَا قَطُّ» . وكَذَا قَالَ فِيهِ أَيُّوبُ وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«فَخُذْهَا» . [ن 2494]

1713 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا. قَالَ فِى ضَالَّةِ الشَّاءِ:

===

1712 -

(حدثنا مسدد، نا أبو عوانة، عن عبيد الله بن الأخنس) بمفتوحةٍ فساكنةٍ معجمة، وفتحِ نونٍ، النخعي، أبو مالك الكوفي، الخزاز، ويقال: مولى الأزد، قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وعن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا.

(عن عمرو بن شعيب بهذا) الحديث (بإسناده، وقال) عمرو في حديثه (في ضالة الغنم: لك، أو لأخيك، أو للذئب، خذها) أي الشاة (قَطْ) بسكون الطاء، أي فقط، أي ذكرها ولم يذكر غيرها، كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله: قوله: "خذها قط" بإسكان الطاء غير مشددة، أي لم يذكر زيادة على هذا، وإنما اكتفى عليه فقط، انتهى.

(وكذا قال فيه أيوب) ولعله السختياني، ولم أجد روايته هذه فيما عندي من الكتب (ويعقوبُ بنُ عطاء) بن أبي رباح المكي، ضعيف، (عن عمرو بن شعيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فخذها") ولم أجد روايته هذه أيضًا.

1713 -

(حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، ح: وحدثنا ابن العلاء، نا ابن إدريس، عن ابن إسحاق) أي كلاهما حماد وابن إدريس يرويان عن ابن إسحاق، (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا) أي الحديث. (قال) محمد بن إسحاق (في ضالة الشاء:

ص: 600

"فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأتيهَا بَاغِيهَا". [حم 2/ 180]

1714 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، حَدَّثَهُ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ: أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَجَدَ دِينَارًا فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ، فَسَأَلَتْ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«هُوَ رِزْقُ اللَّهِ» ، فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَكَلَ عَلِىٌّ وَفَاطِمَةُ،

===

"فاجْمَعْها حتى يأتيَها باغيها") أي طالِبُها، فزاد محمد بن إسحاق على رواية ابن كثير، وعبيد الله بن الأخنس، وأيوب، ويعقوب بن عطاء قوله:"حتى يأتيها باغيها".

1714 -

(حدثنا محمد بن العلاء، نا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عبيد الله بن مقسم حدثه) أي حدث عبيدُ الله بنُ مقسم بكيرَ بن الأشج (عن رجل) لم أقف على تسمية هذا المبهم، وقال الشوكاني في "النيل" (1): وفي إسناده رجل مجهول، (عن أبي سعيد: أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا) ملقى في الطريق (فأتى به)(2) أي بالدينار (فاطمةَ، فسألت) فاطمةُ رضي الله عنها (عنه) أي عن الدينار (رسولَ الله صلى الله عليه وسلم) أي هل يجوز لنا أكله؟ (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو) أي الدينار (رزق الله) أي رزق من الله لكم، (فأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل علي وفاطمةُ).

قال في "نصب الراية"(3): قال المنذري: واستشكل هذا الحديث من جهة

(1)"نيل الأوطار"(4/ 51).

(2)

واستدل بذلك صاحب "المغني"(8/ 296) لمذهب مالك وأبي حنيفة: أن ما كان مما لا تقطع فيه اليد لا يجب تعريفه

إلخ، لكنه لا يصح؛ فإن القطع عند مالك على ربع دينار، فتأمل. (ش).

(3)

"نصب الراية"(3/ 469).

ص: 601

فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتْهُ امْرأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ،

===

أن عليًّا أنفق الدينار قبل تعريفه، قال: وأحاديث التعريف أكثر وأصح إسنادًا، ولعل تأويله أن التعريف ليس له صيغة يعتد بها، فمراجعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ملأ الخلق إعلان به، فهذا يؤيد الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة، انتهى.

قلت: رواه عبد الرزاق في "مصنفه"(1)، وفيه: أنه عرفه ثلاثة أيام، فقال: أخبرنا ابن جريج، عن أبي بكر بن عبد الله، أن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أخبره عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا في السوق، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"عَرِّفْه ثلاثة أيام"، قال: فعرفه ثلاثة أيام، فلم يجد من يَعْرِفُه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:"شأنك به"، قال: فباعه علي فابتاع منه بثلاثة دراهم شعيرًا، وبثلاثة دراهم تمرًا، وقضى ثلاثة دراهم، وابتاع بدرهم لحمًا، وبدرهم زيتًا، وكان الدينار بأحد عشر درهمًا، فلما كان بعد ذلك جاء صاحبه فعرفه، فقال له علي: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلته، فانطلق صاحب الدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال لعلي:"رُدَّه إليه"، فقال: قد أكلته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل:"إذا جاءنا شيء أديناه إليك"، انتهى.

وكذلك رواه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي (2)، والبزار في "مسانيدهم"، قال البزار: وأبو بكر هذا هو عندي أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، وهو لين الحديث، انتهى.

وذكره عبد الحق في "أحكامه" من جهة عبد الرزاق، ثم قال: أبو بكر بن أبي سبرة متروك الحديث، انتهى.

(فلما كان بعد ذلك) أي بَعدَ أكلِ الدينار (أتته امرأة تَنْشُدُ الدينار)

(1)(10/ 142) رقم (18637)، لكن فيه:"عبد الرزاق عن أبي بكر" بغير واسطة ابن جريج، فليتأمل.

(2)

انظر: "مسند أبي يعلى"(2/ 332) رقم (1073).

ص: 602

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَلِيُّ! أَدِّ الدِّينَارَ". [ق 6/ 194]

===

أي تطلب وتتفقد برفع صوتها (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي! أَدِّ الدينار).

وهذا الحديث وأمثاله بظاهرها تخالف الحنفية بأن عندهم أن اللقطة يجب التصدق بها إذا كان الملتقط غنيًّا، ولا يجوز صرفها على نفسه، واستشكل بأن ها هنا التقط علي رضي الله عنه الدينار، وأكله، وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فلو كان كما قالت الحنفية لم يَجُزْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل منها، ولا لعلي رضي الله عنه.

واختلفوا في الجواب عن هذا الإشكال، وقد كتبه مفصلًا مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله فقال: استدل الشافعية بهذه الروايات على أن أكل اللقطة بعد التعريف لا يختص بالفقير، كيف وقد ثبت أن عليًّا وفاطمة أكلا منه وهم بنو هاشم، لا تحل لهم الصدقة بحال، فكذلك الغني يجوز له التناول منه، وأجاب الحنفية عن ذلك بوجوه:

1 -

بضعف الروايات، ولا يصح؛ فإن الروايات كلها صحيحة، غاية الأمر أن تكون صحتها للغير إن صح الكلام في أحد من رواتها.

2 -

وبالاضطراب في الروايات؛ فإن السائلة عن المسألة في بعضها هي فاطمة، وفي بعضها سأل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والناشد في بعضها امرأة، وفي بعضها غلام، وإتيانه في بعضها بعد ثلاث، وفي بعضها فبينا هم مكانهم.

ولا يصح هذا الجواب أيضًا؛ فإن مؤدى الكل واحد، أما السؤال عن المسألة فلعل عليًّا ذكر له القصة في أثناء الطريق، ثم ذكرتها فاطمة ولم تعلم بإخبار علي، أو كان سأله أحدهما فنسب إلى الآخر مجازًا، أو ذكرت بعض القصة فاطمة، ثم أتمها علي لكونه أعلم بها منها، وكثيرًا ما يأخذ أحد في الكلام فيقبل السامع على الآخر لما يعلم كونه أعلم بالقصة من المتكلم.

وأما أن المتفقد للدينار رجل أو امرأة فلعلهما أم وابن، أو أخ

ص: 603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وأخت، أو غير هذين، فأتى أحدهما ثم ردفه الآخر، فذكر كل من الرواة أحدًا.

وأما أن إتيان الناشد كان بعد ثلاث أو في مكانهم، فإن الظاهر من قوله:"مكانهم" وإن كان هو المكان بمعنى المجلس، والإضافة تفيد اتحاد المجلس وبقاءه غير متبدل بعد؛ إلا أنه لا يبعد حمله نظرًا إلى معناه اللغوي أنهم كانوا إجتمعوا بعد ثلاث في ذلك المكان المعين، فبينا هم ثمة إذ أتاهم

إلخ.

وأجاب البعض الآخرون بأن الروأية منكرة؛ لأنها تخالف الروايات الصحيحة الناطقة بوجوب التعريف، وليس في شيء من الروايات، وفيه أن عدم ذكر الراوي التعريفَ لا يستلزم عدم التعريف.

وآخرون أثبتوا الاضطراب بوجه آخر، وهو أن هذه الرواية المفصلة الواردة ها هنا دالة على أن عليًّا أنفقه كما وجد، وقد ذكر في بعضها أنه عرفه ثلاثة أيام. فإحدى الروايتين غير صحيحة بيقين إلى غير ذلك من التطويلات التي هي غير مفيدة بيقين، بل الحق في الجواب- والله أعلم- أن رفع اللقطة قد تكون للحفظ، حتى تكون يدُ اللاقط عليها يد أمانة، ويجب حينئذ تعريفُها بفور ما أخذ، وقد يكون للإنفاق في حاجتها إذا علم من حال المالك رضاه بذلك، والقبض حينئذ قبض ضمان، ولما كان الحسنان فيما علمته من حالهما وكان أبواهما أيضًا كذلك كما تدل عليه العادة، ولم يكن أحد في المدينة بحيث يظن به الضن بعلي رضي الله عنه في مثل ذلك، سيما وقد رفعه لأداء ضمانه بعد ذلك، كان الدينار لا في حكم اللقطة، بل مثله في ذلك مثل صديق له مال عند رجل وهو يعلم من حاله أنه لو أنفق منه في حاجته، لا سيما فاقة الجوع لكان راضيًا، ثم أنفق منه اتكالًا على ذلك الإذن الغير الصريح لم يفعل بذلك بأسًا، كيف وقد قال الله تعالى في كتابه ما رفع الخفاء عن جواز أمثال هذه التصرفات بعد ما علم رضاء المالك حيث قال: {لَيْسَ عَلَى

ص: 604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ} إلى: {ليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} (1).

وأما أنه كان في حل من أهل المدينة بتصوفه في أموالهم، فقد عرفت حال اليهودي، وهم أخبث أقوام في عداوة أهل بيت الرسالة وسائر المؤمنين، فكيف بغيرهم؟ ! وأما المؤمنون بجملتهم فلا يظن بأحد منهم أنه لا يرضى بأكل فاطمة وأبنيها وأبيها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما أجاب بعضهم من ترك التعريف بأن عليًّا رفعه في السوق بمحضر من الشاهدين، ثم لم يَحْتَجْ إلى تعريف على حدة مع أن هذا الجواب غير مقنع، فإن الاكتفاء بمثل هذا التعريف لا يجوز، وعلى هذا فيمكن جمع هذه الرواية المذكورة هاهنا بما فيه تصريح بتعريف علي إياه ثلاثة أيام بأنه أنفقه أولًا لكونه رفعه على اعتبار الضمان، ثم عرف ثلاثة أيام أن مَنْ سقط منه دينار في يوم كذا فليأتني وأنا زعيمه، ثم إن عليًّا وإن كان رفعه على قصد الإنفاق، لكن اليهودي لما تسامح بقيمة الدقيق بقي الدينار، فتركه عند الجزار على اعتبار أن يكون رهنًا عنده، فيأخذ ديناره حين يعطيه دينه، وهو المراد بقول من قال: قطعه قيراطين، انتهى كلامه.

وقال الشوكاني في "النيل"(2): وحديث علي رضي الله عنه أخرجه أبو داود عن بلال بن يحيى العبسي عنه: "أنه التقط دينارًا فاشترى به دقيقًا، فعرفه صاحب الدقيق" الحديث

، قال المنذري: في سماع بلال بن يحيى عن علي نظر، وقال الحافظ: إسناده حسن، وروإه أيضًا أبو داود عن أبي سعيد الخدري:"أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا فأتى به فاطمةَ فسألت عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم"، الحديث، وفي إسناده رجل مجهول.

وأخرجه أبو داود أيضًا من وجه آخر عن أبي سعيد، وذكره مطولًا، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين، وقال ابن عدي:

(1) سورة النور: الآية 61.

(2)

"نيل الأوطار"(4/ 51، 52).

ص: 605

1715 -

حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِىُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى الْعَبْسِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ: "أَنَّهُ الْتَقَطَ دِينَارًا فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا، فَعَرَفَهُ صَاحِبُ الدَّقِيقِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الدِّينَارَ، فَأَخَذَهُ عَلِىٌّ فَقَطَعَ مِنْهُ قِيرَاطَيْنِ

===

لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وروى هذا الحديثَ الشافعي عن الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، وزاد: أنه أمره أن يعرفه، ورواه عبد الرزاق من هذا الوجه، وزاد: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام، وفي إسناد هذه الزيادة أبو بكر بن أبي سبرة، وهو ضعيف جدًّا.

وقد أعلَّ البيهقي هذه الروايات لاضطرابها ولمعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف، قال: ويحتمل أن يكون أباح له الأكل قبل التعريف للاضطرار، انتهى.

قلت: وقد أجاب عنه الإِمام السرخسي في "مبسوطه"(1)، فقال: وأما حديث علي رضي الله عنه فقد قيل: ما وجده لم يكن لقطة، وإنما ألقاها مَلَكٌ ليأخذه علي رضي الله عنه، فقد كانوا لم يصيبوا طعامًا أيامًا، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بطريق الوحي، فلذلك تناولوا منه على أن الصدقة الواجبة كانت لا تحل، وهذا لم يكن من تلك الجملة، فلهذا استجاز علي رضي الله عنه الشراء بها لحالته (2)، انتهى.

1715 -

(حدثنا الهيثم بن خالد الجهني، نا وكيع، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى العبسي، عن علي: أنه التقط دينارًا، فاشترى به دقيقًا، فعرفه صاحب الدقيق) بأنه ختنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنُ عمه (فردَّ عليه الدينارَ)، وأتاه الدقيق مجانًا (فأخذه علي فقطع منه) أي من الدينار (قيراطين)

(1)"المبسوط"(11/ 8).

(2)

كذا في الأصل، وفي "المبسوط": لحاجته.

ص: 606

فَاشْتَرَى بِهِ لَحْمًا". [ق 6/ 194]

1716 -

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِىُّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيهِمَا؟ (1) قَالَتِ: الْجُوعُ،

===

قال في "القاموس": القيراط والقِرّاط بكسرهما، يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربعُ سدسِ دينار، وبالعراق: نصف عُشْرِه. وقال في "المجمع": هو نصف عشر الدينار في أكثر البلاد، وعند أهل الشام جزء من أربعة وعشرين منه، وياؤه بدل من الراء (فاشترى به لحمًا).

1716 -

(حدثنا جعفر بن مسافر التنّيسي، أنا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل، (نا موسى بن يعقوب الزمعي) هو موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، الأسدي، الزمعي، أبو محمد المدني، قال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: هو صالح، روى عنه ابن مهدي، وله مشايخ مجهولون، وذكره ابن حبان في "الثقات".

قلت: وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: لا بأس به عندي، ولا برواياته، وقال الأثرم: سألت أحمد عنه فكأنه لم يعجبه، وقال الساجي: اختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: لا يعجبني حديثه، وقال ابن القطان: ثقة.

(عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أخبره) أي أخبر سهل أبا حازم: (إن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة وحسنٌ وحسينٌ يبكيان) والجملة حالية، (فقال: ما يبكيهما؟ قالتْ: الجوعُ) مبتدأ، خبره محذوف، أي: يبكيهما،

(1) في نسخة: "يبكيكما".

ص: 607

فَخَرَجَ عَلِىٌّ فَوَجَدَ دِينَارًا بِالسُّوقِ، فَجَاءَ إِلَى فَاطِمَةَ وأَخْبَرَهَا (1)، فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِىِّ فَخُذْ دَقِيقًا فَجَاءَ الْيَهُودِىَّ، فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا، فَقَالَ الْيَهُودِىُّ: أَنْتَ خَتَنُ هَذَا الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَخُذْ دِينَارَكَ وَلَكَ الدَّقِيقُ، فَخَرَجَ عَلِىٌّ حَتَّى جَاءَ به فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْجَزَّارِ، فَخُذْ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَذَهَبَ فَرَهَنَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمِ لَحْمٍ (2) فَجَاءَ بِهِ، فَعَجَنَتْ وَنَصَبَتْ وَخَبَزَتْ وَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَهُمْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذْكُرُ لَكَ، فَإِنْ رَأَيْتَهُ لَنَا حَلَالًا

===

أو خبر محذوف المبتدأ أي: الذي يبكيهما الجوع، (فخرج علي فوجد دينارًا بالسوق) ملقى فالتقطه، (فجاء) به (إلي فاطمة، وأخبرها) بالتقاطه، (فقالت) فاطمة:(اذهب إلى فلان اليهوديِّ) لم أقف على تسميته (فخذ لنا دقيقًا) منه.

(فجاء) علي (اليهوديَّ، فاشترى به) أي بالدينار (دقيقًا، فقال اليهودي: أنت) بتقدير همزة الاستفهام أي: أأنت (ختنُ) أي زوج ابنة (هذا الذي يزعم) أي يقول (إنه رسول الله؟ قال) علي رضي الله عنه: (نعم)، أنا ختنه، (قال: فخذ دينارَك ولك الدقيقُ) أي هدية مني، (فخرج علي) من عند اليهودي (حتى جاء به) أي بالدينار، أو بالدقيق، أو بكل واحد منهما (فاطمة فأخبرها) أي بالقصة التي وقعت مع اليهودي، (فقالت: اذهب إلى فلان الجزّارِ، فخذلنا) منه (بدرهم لحمًا، فذهب) علي إلى الجزار (فرهن الدينار بدرهمِ لحم، فجاء) علي (به) أي باللحم، (فعجنت) أي فاطمةُ الدقيقَ، (ونصت) أي القدرَ على النار، (وخبزت، وأرسلت) أي الرسولَ (إلى أبيها صلى الله عليه وسلم) تدعوه، (فجاءهم) أي جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إياهم.

(فقالت: يا رسول الله! أذكر لك) قصة الدينار، (فإن رأيته لنا حلالًا

(1) في نسخة: "فأخبرها".

(2)

في نسخة: "لحمًا".

ص: 608

أَكَلْنَاهُ وَأَكَلْتَ مَعَنَا، مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ:«كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ» . فَأَكَلُوا، فَبَيْنَا هُمْ مَكَانَهُمْ إِذَا غُلَامٌ يَنْشُدُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ الدِّينَارَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدُعِىَ لَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَقَطَ مِنِّى فِى السُّوقِ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:«يَا عَلِىُّ! اذْهَبْ إِلَى الْجَزَّارِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَكَ: أَرْسِلْ إِلَىَّ بِالدِّينَارِ، وَدِرْهَمُكَ عَلَىَّ» ، فَأَرْسَلَ بِهِ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ". [ق 6/ 194]

1717 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ،

===

أكلناه، وأكلتَ معنا، من شأنه) أي الدينار أو الطعام الموجود (كذا وكذا، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا، فبينا هم مكانهم) أي في مكانهم (إذا غلام ينشد اللهَ والإِسلامَ الدينارَ) أي ينشد الدينار بواسطة اسم الله وبواسطة الإِسلام، (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) أحدًا (فدعي) بصيغة المجهول، أي الغلامُ (له) أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(فسأله) أي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامَ عن الدينار، (فقال) الغلام:(سقط) الدينار (مني في السوق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي! اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: أرْسِلْ إليَّ بالدينار) الذي رهنه عندك علي في اللحم، (ودرهمك) الذي أخذ به عَلِيٍّ اللحمَ (عَلَيَّ، فَأرْسَلَ) الجزَّارُ (به) أي بالدينار، (فدفعه) أي الدينار (رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إليه).

قلت: والذي عندي في توجيه الحديث أن يقال: إن هذه القصة وقعت قبل أن ينزل حكم التعريف، وأكل الطعام كان في الاضطرار، والله تعالى أعلم.

1717 -

(حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، نا محمد بن شعيب، عن المغيرة بن زياد) البجلي، أبو هشام الموصلي، ويقال: أبو هاشم، قال البخاري: قال وكيع: كان ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب، وعن أحمد: مضطرب الحديث، أحاديثه مناكير، وعن يحيى بن معين:

ص: 609

عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى الْعَصَا وَالْحَبْلِ وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ: يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ". [الكامل لابن عدي 6/ 354]

===

ليس به بأس، له حديث واحد منكر، وقال الدوري وابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، وقال العجلي، وابن عمار، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: شيخ، قلت: يُحتَجُّ به؟ قالا: لا، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي، وقال الحاكم أبو عبد الله: المغيرة بن زياد، يقال له: أبو هشام المكفوف، صاحب مناكير، لم يختلفوا في تركه، يقال: إنه حدث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع، قال المزي: في هذا القول نظر؛ فلا أعلم أحدًا قال: إنه متروك، ولعله اشتبه على الحاكم بأصرم بن حوشب، فإنه يكنى أبا هشام أيضًا، وهو من المتروكين.

قلت: قد قال فيه ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، فوجب مجانبةُ ما انفرد به، وتركُ الاحتجاج بما يخالف، ولكن نقل الإجماع على تركه مردود.

(عن أبي الزبير المكي أنه) أي أبا الزبير (حدثه، عن جابر بن عبد الله قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا) بالقصر (والحبل والسوط وأشباهه) أي من الأشياء التافهة ما يُعَدُّ يسيرًا (يلتقطه الرجل ينتفع به) أي الحكم فيها أن ينتفع الملتقط به إذا كان فقيرًا من غير تعريف سنة، أو مطلقًا.

قال السرخسي في "مبسوطه"(1): ثم ما يجده نوعان: أحدهما: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى، والثاني: ما يعلم أن مالكه يطلبه، فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به، إلَّا أن صاحبه إذا وجده في يده بعد ما جمعه كان له أن يأخذ منه، لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع

(1)"المبسوط"(11/ 2، 3).

ص: 610

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، عن الْمُغِيرَةِ أَبِي سَلَمَةَ،

===

به للواجد، ولم يكن تمليكًا من غيره، فإن التمليك من المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة، ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه، قال صلى الله عليه وسلم:"من وجد عين ماله فهو أحق به".

وأما النوع الثاني فهو ما يعلم أن صاحبه يطلبه، فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرِّفه ليوصله إلى صاحبه، انتهى ملخصًا.

قلت: فالعصا والسوط والحبل إن كان بحيث تدخل في الأشياء التافهة التي لا يطلبها المالك فحكمها أنه لا يجب تعريفها، ويجوز الانتفاع بها للملتقط، وإن كان من النوع الثاني فلا يجوز الانتفاع بها، ويجب تعريفها على حسب قيمتها.

(قال أبو داود: رواه النعمان بن عبد السلام)(1) بن حبيب التيمي، أبو المنذر الأصبهاني، أصله من نيسابور، ثم صار إلى البصرة فتفقه، وكان ممن ينتحل السنة، وينتحل مذهب الثوري في الفقه، وكان أبوه يتبع السلطان، وخلَّف ضيعة فتركها النعمان، ولم يأخذها، له ذكر في اللقطة من "سنن أبي داود"، كان أحد العباد الزهاد الفقهاء، وقال الحاكم في "المستدرك": ثقة مأمون.

(عن المغيرة أبي سلمة) هو المغيرة بن مسلم القَسْمَلِي بقاف وميم مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة، أبو سلمة السرّاج بتشديد الراء، وُلِدَ بمرو، وسكن المدائن، عن أحمد: ما أرى به بأسًا، وعن ابن معين: صالح، وقال الغلابي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات" (2). قلت: وقال

(1) أخرج روايته ابن عدي في "كامله"(6/ 354)، ومن طريقه البيهقي في "سننه"(6/ 195).

(2)

"الثقات"(7/ 466).

ص: 611

بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ شَبَابَةُ، عن مُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ قَالَ:"كَانُوا"، لَمْ يَذْكُرُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم.

1718 -

حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَحْسَبُهُ

===

العجلي: ثقة. (بإسناده) أي بإسناد المغيرة عن أبي الزبير المكي.

(ورواه شبابة، عن مغيرة بن مسلم) وهو المغيرة أبو سلمة المتقدم، (عن أبي الزبير، عن جابر، قال) شبابة: (كانوا) أي المشايخ (لم يذكروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم) بل يذكرونه موقوفًا على جابر بن عبد الله.

وغرض المصنف بيان الاختلاف في سند هذا الحديث بأن محمد بن شعيب رواه عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، ورواه النعمان بن عبد السلام فخالف محمدَ بنَ شعيب، فروى عن المغيرة أبي سلمة في موضع مغيرة بن زياد، فروى عنه عن أبي الزبير، عن جابر، والظاهر أنه مرفوع أيضًا فوافق محمدَ بنَ شعيب في الرفع، ورواه شبابة عن مغيرة بن مسلم، ووافق النعمانَ بنَ عبد السلام في شيخه، فقال: عن مغيرة بن مسلم وهو المغيرة أبو سلمة، وخالفهما في الرفع وجعله موقوفًا على جابر، وقال: كانوا لم يذكروا النبي صلى الله عليه وسلم.

1718 -

(حدثنا مخلد بن خالد، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن عمرو بن مسلم) الجندي بفتح الجيم والنون، اليماني، قال أحمد: ضعيف، وقال مرة: ليس بذاك، وعن ابن معين: لا بأس به، وعنه: ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس له حديث منكر جدًّا، وقال الساجي: صدوق يهم، وقال ابن خراش وابن حزم: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات".

(عن عكرمة، أحسبه) أي قال عمرو بن مسلم: أحسب عكرمة قال:

ص: 612

عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "ضَالَّةُ الإِبِلِ الْمَكْتُومَةُ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا". [ق 6/ 191، عب 10/ 129]

1719 -

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِىِّ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ"

===

(عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ضالة الإبل) أي حكم ضالة الإبل (المكتومةُ) إذا أخذها الملتقط فكتمها ولم يعرِّفها (غرامتُها) أي ضمان قميتها (ومثلُها معها) قد تقدم قَبْلُ أن هذا القول كان على سبيل التغليظ، أو كان في أول الإِسلام ثم نسخ.

1719 -

(حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وأحمد بن صالح قالا: نا ابن وهب، أخبرني عمرو) بن الحارث كما في رواية أحمد (1)، (عن بكير) ابن الأشج، (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة اللخمي، أبو محمد، ويقال: أبو بكر المدني، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: مدني، تابعي، ثقة، وقال النسائي والدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".

(عن عبد الرحمن بن عثمان) بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (التيمي) أسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب، ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قتل مع عبد الله بن الزبير بمكة، ودفن بالحزورة، فلما وسع المسجد دخل قبره في المسجد الحرام.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج)، قال الشوكاني (2): قد استشكل

(1)"مسند أحمد"(3/ 499).

(2)

"نيل الأوطار"(4/ 52).

ص: 613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

تخصيص لقطة الحاج بمثل هذا مع أن التعريف لا بد منه في كل لقطة من غير فرق بين لقطة الحاج وغيره. وأجيب عن هذا الإشكال: بأن المعنى أن لقطة الحاج (1) لا تحل إلا لمن يريد التعريفَ فقط من دون تملكٍ، فأما من أراد أن يعرِّفَها ثم يتملكها فلا، وقد ذهب الجمهور إلى أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة.

قال في "الفتح"(2): وإنما اختصت بذلك لإمكان إرسالها إلى أربابها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من واردٍ إليها، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها.

قال ابن بطال: وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة (3) بالمبالغة في التعريف، لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف.

وقال الشوكاني: هذا النهي تأوله الجمهور: بأن المراد منه النهي عن التقاط ذلك للملك، وأما للإنشاد بها فلا بأس، ويدل على ذلك قولُه في الحديث الآخر:"ولا تحل لقطتها إلَّا لمعرِّف"، وفي لفظ آخر:"ولا تحل ساقطتُها إلا لمنشِدٍ"، انتهى.

وقال في "البدائع"(4): وكل جواب عرفته في لقطة الحل فهو الجواب

(1) قال القاري: وفي "شرح الهداية" لابن الهمام: قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجيء صاحبها، ولا عمل على هذا في هذا الزمان لفشوَّ السرقة بمكة من حوالي الكعبة. [انظر:"مرقاة المفاتيح"(6/ 222)]. (ش).

(2)

انظر: "فتح الباري"(5/ 88).

(3)

قال الموفق (8/ 305): ظاهر كلام أحمد والخرقي أن لقطة الحل والحرم سواء، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز لقطة الحرم للتملك، وعن الشافعي كالمذهبين. (ش).

(4)

"بدائع الصنائع"(5/ 299).

ص: 614

قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي في لُقَطَةِ الْحَاجِّ يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا. [م 1724، حم 3/ 499]

قَالَ ابْنُ مَوْهِبٍ: عَنْ عَمْرٍو.

1720 -

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ

===

في لقطة الحرم، يصنع بها ما يصنع بلقطة الحل من التعريف وغيره، وهذا عندنا، وعند الشافعي رحمه الله: لقطة الحرم تُعَرَّف أبدًا، ولا يجوز الانتفاع بها بحال، واحتج بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في صفة مكة:"ولا تحل لقطتها إلَّا لمنشد" أي لمعرِّفٍ، فالمنشد المعرِّف، والناشد الطالب وهو المالك، ومعنى الحديث: أنه لا تحل لقطة الحرم إلَّا للتعريف.

ولنا ما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين لقطة الحل والحرم، ولا حجة له في الحديث؛ لأنا نقول بموجبه أنه لا يحل التقاطها إلا للتعريف، وهذا حال كل لقطة، إلَّا أنه خص عليه الصلاة والسلام لقطة الحرم بذلك لما لا يوجَد صاحِبُها عادة، فتبين أن ذا لا يسقط التعريف، انتهى.

(قال أحمد) بن صالح: (قال ابن وهب: يعني في لقطة الحاج يتركها) أي اللقطة لملتقطها (حتى يجدها صاحبها) فزاد أحمد عن ابن وهب هذا القول من قوله: "يتركها" إلى قوله: "صاحبها".

(قال ابن موهب) أي يزيد بن خالد: (عن عمرو)، حاصله أن للمصنف في هذا الحديث شيخين: يزيد بن خالد، وأحمد بن صالح؛ فأحمد بن صالح قال: أخبرني عمرو، وأما يزيد بن خالد فقال: عن عمرو.

1725 -

(حدثنا عمرو بن عون، أنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، (عن ابن أبي حيان) هكذا في المجتبائية والكانفورية والقادرية ونسخة صاحب "العون" (1). وأما في النسخة المكتوبة الأحمدية والمصرية واللكهنوية ففيها: عن أبي حيان، وهو الصواب، فإن الحافظ لم يذكر

(1) انظر: "عون المعبود"(5/ 98، رقم 1717).

ص: 615

التَّيْمِىِّ، عَن الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ جَرِيرٍ بِالْبَوَازِيجِ،

===

في "تهذيب التهذيب" في شيوخ خالدٍ الطحان الواسطيِّ ابنَ أبي حيان، بل ذكر أبا حيان، وأخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في "مسنده" (1) فقال: ثنا أبو حيان (التيمي)، ولم أجد ابن أبي حيان في "التقريب"، ولا في "تهذيب التهذيب"، فالظاهر أن لفظ "ابن" خطأ في هذه النسخ.

(عن المنذر بن جرير) وفي رواية "مسند أحمد": عن الضحاك بن المنذر، عن المنذر بن جرير، فزاد فيه: الضحاك بن المنذر، والمنذر بن جرير هذا هو منذر بن جرير بن عبد الله البجلي، الكوفي، روى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عمير، وعون بن أبي جحيفة، وأبو إسحاق السبيعي، والضحاك بن المنذر، وأبو حيان التيمي على خلاف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات"(2).

(قال: كنت مع جرير بالبوازيج) بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف زاي معجمة، بعدها تحتية، ثم جيم، كذا ضبطه البكري في "معجم البلدان".

ثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، قال: ولا أعلم هذا الاسم ورد إلا في هذا الحديث، وصوابه عندي:"الموازج" بالميم، وهو المحفوظ، قال: والموازج من ديار هذيل، وهي متصلة بنواحي المدينة.

وقال ابن السمعاني: بوازيج بالباء الموحدة، وبعد الألف زاي: بلدة قديمة فوق بغداد، خرج منها جماعة من العلماء قديمًا وحديثًا، وقال المنذري: بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبد الله، وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التي بين تكريت وأربل، كذا قال الشوكاني (3).

وفي "القاموس": والبوازيج بلدة قرب التكريت فتحها جرير البجلي، منه منصور بن الحسن البجلي ومحمد بن عبد الكريم البوازيجيان. وفي "معجم

(1)"مسند أحمد"(4/ 362).

(2)

"الثقات"(5/ 420).

(3)

"نيل الأوطار"(4/ 53).

ص: 616

فَجَاءَ الرَّاعِى بِالْبَقَرِ، وَفِيهَا بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ لَا نَدْرِى لِمَنْ هِىَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: أَخْرِجُوهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَأْوِى الضَّالَّةَ إِلَاّ ضَالٌّ» . [جه 2503، حم 4/ 360، ق 6/ 190]

آخِر كتَاب الزَّكَاةِ

===

البلدان" (1) لياقوت الحموي: البوازيج بعد الزاي ياء ساكنة وجيم: بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصبُّ في دجلة، ويقال لها: بوازيج الملك، لها ذكر في الأخبار والفتوح، وهي الآن من أعمال الموصل، ينسب إليها جماعة من العلماء، وبوازيج الأنبار موضع آخر، قال أحمد بن يحيى بن جابر: فتح عبد الله بوازيج الأنبار، وبها قوم من مواليه إلى الآن.

(فجاء الراعي) أي راعى جرير (بالبقر) أي قطيع البقر، (وفيها بقرة ليست منها) والواو للحال أي ليست من تلك القطيع (فقال له) أي للراعي (جرير: ما هذه؟ ) أي ما لهذه البقرة دخلت في القطيع مع أنها ليست لنا (قال) الراعي: (لَحِقَتْ بالبقر لا ندري لمن هي، فقال جرير: أخرجوها)(2) أي من قطيع (3)، (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يأوي الضالةَ) أي لا يضمُّ ولا يجمعها من غير تحريف (إلَّا ضالٌّ) أي عن الهدى، والضالة من الحيوان ما ضل وغاب عن مالكه.

آخِر كتَاب الزَّكَاةِ وفي نسخة على الحاشية: آخر كتاب اللقطة

(1)(1/ 503).

(2)

قال الموفق (8/ 345): إذا أخذ اللقطة ثم ردها إلى موضعها ضمنها، روي ذلك عن طاوس، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لا ضمان عليه لحديث ابن عمر هذا، ولما روي عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرًا: أرسله حيث وجدته

إلخ. (ش).

(3)

في الأصل: "قطيف" وهو تحريف، والصواب ما أثبته.

ص: 617

تم بحمد الله وتوفيقه المجلد السادس ويليه إن شاء الله المجلد السابع وأوله: "كتاب المناسك"

وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد

وعلى آله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا

ص: 618