المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة الحمد لله ربِّ العالمَين، وصلى الله وسلم - تفسير العثيمين: غافر

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌مقدمة

- ‌(الآيات: 1 - 3)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (6)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌(الآية: 9)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (11)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (12)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (13)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (14)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (15)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (17)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (21)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (22)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (23، 24)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (32، 33)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (38، 39)

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيات (41 - 43)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (45، 46)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (47، 48)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (49، 50)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (52)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآيتان (53، 54)]

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌[الآية (55)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (56)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (57)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (61)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (62، 63)

- ‌من فوائِد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (64)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (66)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (67)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (68)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (69)

- ‌الآيات (70 - 72)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآيتان (72، 74)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (75)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (76)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (78)

- ‌من فوائلِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (79، 80)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (81)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (82)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (83)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (84، 85)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة الحمد لله ربِّ العالمَين، وصلى الله وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة

الحمد لله ربِّ العالمَين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

إن العِلْم يَحتاج إلى مُكابَدة وإلى مُثابَرة وإلى دأَبٍ وكلَّما عوَّد الإنسان نفسَه على ذلك اعتاده وصار أَمْرًا سهلًا عليه.

أمَّا إذا ركَنَ إلى الكَسَل والدَّعة والسُّكون فإنه يَصعُب عليه جِدًّا أن يَكون مجُتَهِدًا؛ لأن النفس وما تَعوَّدت، والإنسان في طلَب العِلْم كالمُجاهِد في سبيل الله في إعداد العُدَّة؛ لأن الله تعالى جعَل الجِهاد في سبيل الله والعِلْم عَديلَيْن؛ حيث قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122]، يَعنِي: لا يُمكِن أن يَخرُجوا جميعًا في الجِهاد، {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] يَعنِي: وقعَدَت طائِفة {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} {لِيَتَفَقَّهُوا} الفاعِل همُ الفِرْقة الباقِية {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ، بل قال بعضُ العُلَماء رحمهم الله: إن طلَب العِلْم أَوكَدُ من الجِهاد في سبيل الله؛ لأن طلَب العِلْم يَنبَني عليه الجِهاد والعِلْم لا يَنبَني على الجِهاد، بل إن المُجاهِد لا يُمكِن أن يُجاهِد على الوجه الصحيح إلَّا بطلَب العِلْم؛ فلِهَذا كان أَوكَدَ.

إِذَنْ: فبَقاء الإنسان يُطالِع ويُراجِع ويُذاكِر ويَحفَظ في العِلْم الشَّرْعيِّ هو كالمُجاهِد في سبيل الله سَواءً بسَواءٍ.

ص: 7

ولو سُئِلْنا: أيُّهما أفضَلُ الجِهاد في سبيل الله أو طلَب العِلْم؟

قُلْنا: لا يُمكِن أن نُفضِّل أحدَهما على الآخَر على الإطلاق، فمِن الناس مَن نَقول له: طلَبُ العِلْم في حقِّك أفضَلُ. ومن الناس مَن نَقول: الجِهاد في حقِّكَ أفضَلُ؛ ولهذا تَجِدون أَجْوبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التَّفاضُل بين الأعمال أنه يُخاطِب كل إنسان بما تَقتَضِيه حاله، وبهذا يَنفَكُّ الإشكال الذي يَرِد على النَّفْس؛ حيث يَقول الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث:"أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَذا وَكَذا"، وفي بعضِها:"أَفْضَلُ الأَعْمالِ كَذا وكَذا"، فيُقال: إن هذا الاختِلافَ هو على حَسب حال المُخاطَب نَقول: بعض الناس طلَب العِلْم أَفضَلُ في حقِّهم، وبعض الناس الجِهاد في حَقِّهم أفضَلُ، فمَن كان وِعاءً للعِلْم حافِظًا فاهِمًا مُكابِدًا للعِلْم، فهذا طلَب العِلْم في حقه أَفضَلُ؛ لأنه يُنتِج أكثَرَ، وَينفَع المُسلِمين أكثَرَ، ومَن كان على غير هذه الحالِ قليلَ الحِفْظ، قليلَ الفَهْم ولكنه شُجاع قوِيٌّ بطَلٌ فهُنا الجِهاد في حَقِّه أفضَلُ، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} .

وقبل البَدْء بالتَّفْسير نُقدِّم مُقدِّمة - نَسأَل الله سبحانه وتعالى أن يَنفَع بها -، فنَقولُ:

إنَّ مِنْ نِعْمَة الله سبحانه وتعالى على العَبْد أن يُحبِّب إليه العِلْم، وذلك لأن العِلْم الشَّرْعيَّ مِفتاح كل خير؛ لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقَهْهُ فِي الدِّينِ"

(1)

وهذه بُشْرى لكُلِّ مَن فقَّهَه الله في دِينه وعلَّمه، أنَّ الله أَراد به خيرًا، والفِقْه في الدِّين هو مَعرِفة الأحكام الشرعية من أدِلَّتها، ثُم تَطبيق هذه الأحكامِ التي عُلِّمها؛

(1)

أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا، رقم (71)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، رقم (1037)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

ص: 8

لأن مَن لم يُطبِّق فليس بفِقيه؛ بل هو قارِئ؛ ولهذا حذَّر عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه من أن يَكثُر القُرَّاء ويَقِلَّ الفُقَهاء

(1)

، فالفَقيه في دِين الله هو الذي يَعلَم شريعة الله ثُم يُطبِّقها على - نفسه وعلى غيره، بقَدْر استِطاعته.

وطالب العِلْم عليه مَسؤُولية كبيرة؛ لأنه واسِطة بين الخَلْق وبين الرسول صلى الله عليه وسلم إذ إنَّه يَنقُل شريعة الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى أُمَّته؛ ولهذا يَجِب أن يَكون أُسْوة حسَنة في عِباداته وأخلاقه ومُعامَلاته؛ لأنه إذا كان أُسوة حَسَنة في ذلك، فقد أَثمَر العِلْم في حقِّه ثمَراته الجَليلة، ولأنه إذا كان أُسوة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك أَحبَّه الناس وأَلِفوه، واقتَدَوْا به، وصار إمامًا، وإن لم يَكُن إمامًا كبيرًا؛ لكنه إمام بحَسَبِ حاله، وكلَّما ازداد الإنسانُ عِلْمًا وتَمَسُّكًا بما علِم، ازداد احتِرام النَّاس له، واقتِداؤُهم به، وجَعْلهم إيَّاه أُسوةً.

ثُم إن طالِب العِلْم يَجِب عليه الإخلاصُ لله عز وجل في طلَبه؛ لأن الإخلاص هو أهمُّ شيء، وهو الذي يَكون به تَحقيق ما أَراده العَبْد، والإخلاص لله في طلَب العِلْم أَشار الإمامُ أَحمَدُ رحمه الله إلى شيء منه، فقال: العِلْم لا يَعدِله شيء لمَن صحَّتْ نِيَّته. قالوا: وبِمَ تَصِحُّ النِّيَّة؟ قال: يَنوِي بذلك رَفْع الجَهْل عن نَفْسه وعن غيره

(2)

.

وهذا لا شكَّ أنه تَصحيح النِّيَّة، لكنه ليس كلُّه، أو ليس كلُّه تَصحيحَ النِّية، بل هناك أَشياءُ تَجِبُ مُلاحظُتها أيضًا، وذلك بأن يَنوِيَ بطلَب العِلْم امتِثال أَمْر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أَمَر بالعِلْم، ورغَّب فيه، فقال تَعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

(1)

أخرجه مالك في الموطأ (1/ 173، رقم 77)، والدارمي في السنن رقم (191، 192).

(2)

انظر الفروع لابن مفلح (2/ 339).

ص: 9

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19]، وقال الله تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وهذا شيء مُشاهَد، بَيِّنوا لي تاجِرًا من أكبَر التُّجَّار في عهد الأئِمَّة الأربَعة حصَل له من رَفْع الذِّكر ما حَصَل لهؤلاءِ الأئِمَّة الأربعة، لن تَجِدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فأَهْل العِلْم مَرفوعون عِند الله، ومَرفوعون عِند العِبَاد، مَرفوعون في حَياتهم ومَرفوعون بعد مَماتِهم، حتى وإن نَالَ أحَدًا منهم ما يَنالُه من التَّعذيب أو المُضايَقة، أو ما أَشبَه ذلك فإنه يَزداد بذلك رِفْعة عِند الله ورِفْعة عِند العِباد.

فأنت إذا نَوَيْت بطلَبك للعِلْم امتِثال أَمْر الله، صارَت كلُّ حرَكة تَتحَرَّكها في هذا المَجالِ عِبادة، إن راجَعْت الدَّرْس فعِبادة، وإن حَفِظت فعِبادة، وإن مَشَيْت فعِبادة، وقد ثبَت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ"

(1)

.

وهذه مسائل تَغيب عنَّا كثيرًا:

الأولى: كثيرًا ما نُراجِع الكُتُب لتَحقيق مَسأَلة ما، ولكن يَغيبُ عنَّا أَنَّنا الآنَ في عِبادة نَرجو بها ثَواب الله؛ لكن إذا استَحضَر طالِب العِلْم أنه يَمتَثِل أَمْر الله سبحانه وتعالى بطَلَب العِلْم، صارَ طلَبُه للعِلْم عِبادة.

الثانية: أن يَنوِيَ بطلَب العِلْم حِفْظ الشريعة؛ لأنَّ الشريعة تُحفَظ برِجالها؛ ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "إِنَّ الله لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا

(1)

أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل، معلقًا مجزومًا به، ووصله مسلم: كتاب الذِّكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، رقم (2699)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 10

مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّاسُ عُلَمَاءَ يَسْتَفْتُونَهُمُ، اسْتَفْتَوْا أُنَاسًا جُهَّالًا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"

(1)

.

إِذَنْ: حِفْظ الشريعة يَكون بالعُلَماء، برِجالها فانْوِ بذلك - أي: بطلَبك العِلْم - حِفْظ الشريعة، ونِعْمَ الرجُلُ أنتَ؛ إذا كنْت خِزانة لشَريعة الله عز وجل! .

الثالِثة: أن يَنوِيَ بهذا - أي: بطلَبه العِلْم - حِماية الشَّريعة والذَّوْد عنها؛ لأن الشَّريعة لها أَعداءٌ، أعداءٌ مُعلِنون بعَداوتهم، وأَعداءٌ {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108]، فلها أَعداءٌ؛ فأنت انْوِ بطلَبك العِلْم حِماية الشَّريعة، والدِّفاع عنها؛ وإذا كان هذا مَقصودَ طالِب العِلْم، فإنه سوف يَختار الجِهَة التي يَكون غَزو أعداء المُسلِمين من ناحِيَتها، وعلى هذا يَجِبُ أن يَكونَ على عِلْمٍ بما يَجرِي في الساحة من الأفكار الرَّديئة أو العقائِد الفاسِدة.

ونَضرِب مثَلًا بوَقْت من الأَوْقات مَرَّ على الناس وهُمْ لا يَعرِفون مَذاهِبَ أهل التَّعْطيل، ولا يَعرِفون الأفكار المُنحرِفة الهَدَّامة؛ لأنَّهم لم يَخرُجوا من بلادهم، ولم يَفِد إليهم أحَدٌ من غيرهم، فهم مُلتَفُّون على عُلَمائهم، ولا يَعرِفون إلَّا الحَقَّ، هؤلاء لا يُهِمُّهم أن يَشتَغِلوا بأمور أخرى من وَسائِل العِلْم، أو الدِّفاع عن الشَّريعة؛ لأنَّهم آمِنون، لكن إذا جاء العَدوُّ فلا بُدَّ أن نَستَعِدَّ له، وأن يَكون استِعْدادنا بسِلاح مُناسِب لسِلاحه، فمِن المَعلوم مثَلًا أنَّ مَن هَاجَمَك بالمَدافِع والصواريخ، لا يَصِحُّ ولا يَستَقيم

(1)

أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، رقم (100)، ومسلم: كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، رقم (2673)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

ص: 11

أن تُدافِعه بما يُسمَّى بالسِّلاح الأبيض بالخَناجِر والسيوف وما أَشبَهها؛ لأن الواجِب أن تَستَعدَّ لكل عَدوٍّ بما يُناسِب سِلاحه.

فالآنَ صار في الساحة أَفكار رَديئة خَبيثة، إن لم تَكُن مُلحِدة فهِيَ إلى الإِلحْاد أقرَبُ من الاعتِدال، ولا حاجةَ إلى التَّخصيص؛ لأنه مَعلوم عند كَثير مِنْكم.

فنَحتاج أن نَعرِف هذه الأفكارَ وكَيفَ نُبطِلها، وإني أَقول لكُمْ: إن جميع الأفكار المُنحرِفة إبطالُها سَهْل جِدّا، حتى وإن هَوَّلوا الأمر، وإن ضَخُمُوا فهُمْ كالإِسْفِنج، اعصُرْه بيَدِك يَخرْج كلُّ ما فيه، ولا تَتَهيَّبوا لأنهم ليس عِندهم عِلْم مَسموع ولا عَقْل مَصنوع، فلا بُدَّ أنَّ الإنسان إذا كان قد نوَى بطلَب العِلْم حماية الشريعة والدِّفاع عنها، لا بُدَّ أن يَعرِف ما يَكون في الساحة، حتى يَستَطيع أن يُدافِع، ولكل مَقامٍ مَقال، ولكل مَكان ما يُناسِبه.

وإني أَقولُ لكُم: إن حِماية الشريعة والدِّفاع عنها لا يَكون إلَّا برِجالها، لو ألَك كُنت في مَكْتبة، ومعَك جماعة ودخَل رجُل مُلحِد يُقرِّر الإلحاد، وأنتُمْ لا عِلْمَ عِنْدكم، لكن المَكتَبة مَملوءة من الكتُب التي تَرُدُّ على المُلحِدين، وتُبيِّن زَيْف ما هُم عليه، فلا يُمكِن أن يَقفِز كِتاب منها من أَجْل أن يَرُدَّ على هذا المُلحِدِ؛ فالكُتُب وإن كثُرَتْ لا تُفيد، لا بُدَّ من عُلَماء، وإذا كان في هذا المَكانُ الذي ذكَرْت إذا كان فيه عالِمٌ! فسوف يَتكلَّم بما يَرُدُّ قول هذا المُلحِدِ، حتى يَنكِص على عَقِبيه. هَذِه أُمور ثلاثة كلُّها تَتَرتَّب على إخلاص النِّيَّة.

الرابِعة: ما أَشار إليه الإمامُ أَحمَدُ رحمه الله أَنْ يَنوِيَ رَفْع الجَهْل عن نَفْسه وعن غيره، ومتى كان يَنوِي ذلك لا بُدَّ أن يَجِدَّ في الطلَب، لأنَّ مَن أَراد الغِنَى لا بُدَّ أن يَكتَسِب، ولا بُدَّ أن يَتَّجِر، ولا بُدَّ أن يَخوض جميع مَيادين التِّجارة؛ فإذا كان يُريد

ص: 12

رَفْع الجَهْل عن نفسه فليس من المُمكِن، ولا من المَعقول أن يَجلِس من غير تَعلُّم، لا بُدَّأن يَجِدَّ في الطَلب.

وإذا كان يُريد رَفْع الجَهْل عن غيره فلا بُدَّ أن يَحرِص غاية الحِرْص على نَشْر العِلْم بالوَسائِل المُناسِبة، الوسائِل القَويَّة في كل مجَال:

أولًا: يُمكِن أن يَنشُر العِلْم عن طريق الحَديث في المَجالِس العادِيَّة؛ جلَس مجَلِسًا في وَليمة في أي مَكان، يُمكِن أن يَنشُر عِلْمه، وذلك بالطريقة اللَّبِقة المُحبَّبة للنُّفوس، والتي لا تُوجِب المَلَل والاستِثْقال، يُمكِن أن يُورِد مَسأَلة من المَسائِل في هذا الجَمْعِ الذي عِنده يُورِد مَسألة يَقول: ما تَقولون في رجُلٍ فَعَل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا؛ أو يَأتِي بمَسأَلة إلغازٍ حتَّى يَفتَح الأَذْهان، وحِينئذٍ يَدخُل في تعليم الناس.

لسْتُ أَقولُ: افرِضْ نَفْسك في المَجلِس الذي أنت فيه؛ لأن هذا صَعْب على النُّفوس، لكن اجلِبْهم إلى العِلْم بالطرُق المُحبَّبة المُناسِبة، حتى يَشْتَغِل المَجلِس بالعِلْم مُناقَشة، أو إلقاءً، أو ما أَشبَه ذلك.

ثانيًا: كذلك أيضًا يَنشُر عِلْمه عن طريق الأشرِطة، والأشرِطة - ولله الحمد - نفَع الله بها نَفْعًا كثيرًا، خُصوصًا وأنَّ الناس كثير مِنهم - وخاصَّة من الشَّباب - يَتلقَّوْن هذه الأشرِطةَ بشغَف ولَهف، لا تَكاد تَخرُج إلَّا والناس يَتلَقَّوْنها وَينتَفِعون بها، فهذه الأَشرِطةُ - ولله الحمد - فيها مَصلَحة كبيرة ونَشْر للعِلْم، وليس في مَكانِك أو بلَدِك، أو مَنطِقتك، بل إنه يَتَعدَّى إلى خارِج بلادِك، كما سمِعنا أنَّ أَشرِطة الدُّعاة والعُلَماء تَذهَب إلى أماكِنَ بَعيدةٍ. هذه من وَسائِل نَشْر العِلْم.

ثالِثًا: يُمكِن أن تَنشُر العِلْم عن طَريق الكِتابة، كِتابة الرَّسائِل، تَأليف كُتُب، نَشرة وَرَقية، وما أَشبَه ذلك، بقَدْر المُستَطاع؛ حتى تَنشُر عِلْمك، وتَنفَع وتَنتَفِع.

ص: 13

وهناك نَشْر للعِلْم بطَريق خَفيٍّ، يَخفَى على طالِب العِلْم، أو على كثير من طلَبة العِلْم، ألَا وهو نَشْر العِلْم عن طريق العمَل به، كثيرًا ما يَرقُب النَّاس هذا العالِمَ، ويَرَوْن ماذا يَصنَع، فيَقتَدون به، قال بعض الناس: إنه كان يُصلِّي. فقال بعض الذين شاهَدوه: إنَّك تَفعَل كذا وكذا في صلاتِك. فانظُرْ كيف كان الناس يُراقِبون أَفعال طالِب العِلْم من أَجْل أن يَقتَدوا به، وهذا من طريق نَشْر العِلْم، بل قد يَكون هذا من أَبلَغِ الطُّرُق التي يَتَأثَّر بها الناس؛ لأنَّ تَأثُّر الناس بالفِعْل قد يَكون أَشدَّ وأقوَى من تَأثُّرهم بالقَوْل؛ ولهذا بمرِّر ما أَسلَفْناه من أنَّ طالِب العِلْم لا يَكون فَقيهًا إلَّا إذا عمِل بعِلْمه، وإلَّا فهو قارِئ وليس بفِقيهٍ.

وبهذه المُناسَبة أَوَدُّ أن أَحُثَّكم على مَكارِم الأخلاق، من: السَّماحة، وبَذْل السَّلام، وبَذْل المَعروف، والتَّسامُح فيما بينكم، ومُلاقاة الناس بالبِشْر، وطلاقة الوَجْه، فقد كان من صِفات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان دائِم البِشْر كثير التَّبسُّم، صلَواتُ الله وسلامه عليه؛ دائِم البِشْر لا تَجِده مُنغلِقًا ولا مُكفَهرًّا، كَثير التَّبسُّم في مَحلِّه، فلنا فيه صلوات الله وسلامه عليه أُسوة حسَنة؛ قال الله تعالى فيه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وممَّا يَنبَغي لطالِب العِلْم أن يَحفَظ وَقْته عن الضَّياع، وضَياع الوقت يَكون بأسباب، أو يَكون له وُجوهٌ:

الوجهُ الأوَّل: أن يَدَع المُذاكَرة ومُراجَعة ما قرَأ.

الوجه الثاني: أن يَجلِس إلى أصدقائه، وأَحِبَّائه، وَيتحدَّث معهم بحَديث لَغو، ليس فيه فائِدة.

الوَجْه الثالِثُ: وهو أَضَرُّها على طالِب العِلْم، ألَّا يَكون له همٌّ إلَّا تَتبُّع أقوال

ص: 14

الناس، وما قيل وما يُقال، وما حصَل وما يَحصُل في أمر ليس مَعنِيًّا به، وهذا لا شَكَّ أنه من ضَعْف الإسلام؛ لأن النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال:"مِنْ حُسْن إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"

(1)

.

والاشتِغال بهذا القِيلِ والقال وكَثْرة السُّؤال مَضيَعة للوقت، وهو في الحقيقة مرَض إذا دبَّ في الإنسان - نَسأَل الله العافِية - صار أكبَرَ هَمِّه، ورُبَّما يُعادِي مَن لا يَستَحِقُّ العداء، أو يُوالي مَن لا يَستَحِقُّ الوَلاء، من أَجْل تَشاغُله في هذه الأُمورِ، التي تَشغَله عن طلَب العِلْم، بحُجَّة أنه يَقول له فِكْرة. هذا من باب الانتِصار لصاحِب الحَقِّ، وليس كذلك، بل هذا من إِشْغال النَّفْس بما لا يَعنِي الإنسان.

أمَّا إذا جاءك الخبَرُ بدون أن تَتَلقَّفه، وبدون أن تَطلُبه، فكل إنسان يَتلقَّى الأخبار، لكن لا يَنشَغِل بها، لا تَكُون أكبَرَ همِّه؛ لأن هذا يَشغَل طالِب العِلْم، ويُفسِد عليه أمرَه، وَيفتَح في الأُمَّة باب الحِزْبية والوَلاء والبَراء، فتَتَفرَّق الأُمَّة فنَسأَل الله تعالى أن يُوفِّقَنا وإيَّاكم لما فيه الخَيْر والصَّلاح، وأن يَجمَع القُلوب على طاعته، وَيرزُقنا عِلْمًا نافِعًا، وعمَلًا صالِحًا، ورِزْقًا طيِّبًا واسِعًا يُغنينا به عن خَلْقه.

فإن قال قائِل: كثير من المَشايخ يَهتَمُّون بالعِلْم ويُهمِلون فِقْه الواقِع، وكثير من الطُّلَّاب يُنكِرون إنكارًا شديدًا على مَن اهتَمَّ بالواقِع وَيقولون: العِلْم قال الله قال الرسولُ.

فالجوابُ: النَّاس في كل أُمورهم يَنقَسِمون إلى ثلاثة أقسام: طرَفان ووسَط، طرَف مُفرِّط، وطرَف مُفرِط، ووسَط. من الناس مَن يَشتَغِل بما يُسمُّونه فِقْه الواقِع،

(1)

أخرجه الترمذي: كتاب الزهد، رقم (2317)، وابن ماجه: كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم (3976)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 15

ولا يَكون له هَمٌّ إلَّا تَتبُّع الناس، وقيل وقال وكَثْرة السؤال، وهذا لا شَكَّ أنه مَضيَعة وتَشاغَل بالمُهِمِّ إن كان مُهِمًّا عن الأهمِّ، وهذا غلَط.

ومن الناس مَن يَتَشاغَل بالفِقْه الشَّرْعيِّ ويَحرِص عليه، لكنه لا يَلتَفِت إلى أحوال الناس إطلاقًا، بل رُبَّما يُنكِر من الفِقه الشَّرعيِّ ما يَظُنُّ أنَّ الدليل لا يَدُلُّ عليه، وهذا أيضًا طرَف خَطَأ.

ومن الناس مَن يُحاوِل الجمع بين هذا وهذا، ونحن إذا سَبَرْنا سِيرة النّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وجَدْنا أنه عليه الصلاة والسلام يَفهَم الواقِع، ويَفهَم الناس، ويَفهَم الخيّر من الشِّرير، لكنه صلى الله عليه وسلم يَهتَمُّ بالأمر الثاني، الذي هو الفِقْه في الدِّين، ولهذا قال:"مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"

(1)

لم يَقُل: يُفقِّهْه في الواقِع، فِقْه الواقِع وَسيلة للتَّطبيق فقَطْ، فلا بُدَّ لطالِب العِلْم من هذا ومن هذا، لا تَجنَح إلى طرَف الفِقْه في الواقِع، ولا تَغلُ في الفِقْه في الدِّين، فتُعرِض عن كل شيء، فالإنسان يَجِب أن يَكون وسَطًا.

فإن قال قائِل: لكن لو نظَرْنا إلى واقِعنا المُعاصِر الآنَ بعض وسائِل الإعلام تَدعو إلى الكُفْر والإلحاد والشِّرْك، وما أَشبَه ذلك، الواقِع الحَقُّ يَمنَع من ذلك، فكيف تَكون حِماية الشَّريعة؟

فالجوابُ: أنت انْوِ بذلك حِماية الشريعة، أمَّا كونُك تُطبِّق ذلك في المُجتَمَع، هذا ليس إليك، هذا إلى الله عز وجل:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]، ومعلومٌ ما جرَى للإمامِ أحمدَ وغيرِه من الأئِمَّة من المِحَن، في

(1)

أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا، رقم (71)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، رقم (1037)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

ص: 16

محُاوَلة تَطبيق الشَّريعة في الناس، ومع ذلك هم صبَروا واحتَسَبوا حتى ظهَر الحَقُّ، ولله الحمدُ.

فتَطبيق الشَّريعة ليس مَعناه أن طالِب العِلْم إذا نَوى تَطبيق الشَّريعة وحِمايَتها، أنه يَستَطيع ذلك، قد لا يَستَطيع، لكن هو يَنوِي هذا، ويَجعَل طلَبه للعِلْم مُركَّزًا على هذه النِّيَّةِ، والله سبحانه وتعالى يُيَسِّر له الأمر، ثُم إذا أُوذِيَ في الله، فهو رِفْعة لدرَجاته، ورِفْعة لِذكْره، لو تَأمَّلت مَن أكثَر الناس إيذاءً من العُلَماء لوَجَدْت أنهم العُلماء الكِبار هم الذين يَلحَقهم الأذى من حَبْس وضرْب وإهانة، وربَّما قَتْل، فيَكون هذا من رِفْعة الله لهم.

مسألة: ما هي العُلوم التي يَحسُن لطالِب العِلْم البَدْء بها؟

الجَوابُ: نرَى أن أهمَّ المهمَّات هو العِلْم بهذا الكِتابِ العَزيز، كِتاب الله قبلَ كل شيء، لأن الصَّحابة رضي الله عنهم لا يَتَجاوَزون عَشْر آيات حتى يَتَعلَّموها وما فيها من العِلْم والعمَل، ثُمَّ العِناية بما صحَّ من السُّنَّة، ثُم العِناية بما كتَبَه أهل العِلْم وأَخَذوه من هَذين المَصدَرين الأساسين، الكِتاب والسُّنَّة، ولا يَعنِي إذا قُلنا: إنَّك تَحرِص على مَعرِفة كلام الله، وكلام رسوله، أن تُعْرض عن كُلِّ شَيءٍ، لا بُدَّ أن نَنْتَفِعَ بأفْكَارِ العلماء الذين كرَّسوا جُهودَهم لخِدْمة العِلْم، وإلَّا لضِعْنا؛ ولهذا كتَب العُلَماء رحمهم الله في أُصول الفِقْه، وفي أُصول الحديث، وفي قَواعِد الفِقْه، وفي قَواعِد التَّحديث، وغير ذلك من أَجْل الضَّبْط؛ حتى يَنضَبِط الناس وَيكونوا ماشِين على قَواعِدَ معلومةٍ.

فإن قال قائِل: حِفْظ المُتون فيه صُعوبة، بعض الناس يَقول: أنا أُكرِّر مَسائِلَ مرَّاتٍ، وأَفهَمها وأَكتَفِي بذلك عن حِفْظ المُتون، حِفْظ المُتون مِثْل الفِقْه مثَلًا يَقول: هذه إنما كَلام أُناس نحن نَأتِي بمِثْله، فما رأيُك؟

ص: 17

فالجوابُ: أنا رَأْيِ أنَّ حِفظ المُتون هو الأساس، وما انتَفَعْت بشيء من انتِفاعي بما حَفِظت من الكتُب؛ لأنَّ حِفْظ المَسائِل يُطيل إلَّا مَسائِلَ تَتكرَّر على الإنسان يَوميًّا فهو لا يَنساها من قِبَل العمَل، فحِفْظ المُتون هو العِلْم في الواقِع، وكونه صعبًا على بعض الناس هذا صَحيح، فبعضُ الناس يَصعُب عليه جدًّا أن يَحفَظ، تَجِده يُكرِّر المَتْن تَكرارًا كثيرًا، ولكِن لا يَحفَظه، لكِنِ احرِصْ على هذا، وكُلَّمَا تَقدَّمتِ السِّنُّ بالإنسان قوِيَ فَهمُه وضَعُف حِفْظه، يَعنِي: فَهمه يَقوَى وَيتفتَّح عليه من الفُهوم ما لم يَكُن يَعرِفه من قَبلُ، لكن يَقِلُّ حِفْظه؛ ولهذا نَنصَح الشابَّ إلى الحِفْظ، وأوَّل ما يَجِب أن يُحفَظ هو كِتاب الله، الذي هو أساس كلِّ شيء.

فإن قال قائِل: هل يُنصَح طالِب العِلْم أن يَسير في فنٍّ من الفُنون مثل فَنِّ الفِقْه، أو أنه يَتنقَّل في الفُنون من فَنِّ العَقيدة إلى فَنِّ الفِقه؟

فالجوابُ: العُلوم ليسَتْ سواءً، بعضُها أهمُّ من بعض؛ فأنت كَرِّس جُهودك على الأهَمِّ، ولا تَخلُ نَفسُك من العُلوم الأخرى المُسَانِدة للأهَمِّ، يَعنِي مثَلًا: رجُل قال: أَنا أَهوَى النَّحو، أُكرِّس جُهودي على النَّحو ولا أَتعرَّض لغير هذا. نَقول: غلَط، كَرِّس جُهودك على ما تَهواه نَفْسك؛ لئَلَّا يَضيع عليك الوَقْت؛ لأنَّ الإنسان إذا حاوَل أن يُرغِم نفْسَه في دِراسة شيء لا يَختاره سيَضيع عليه الوقتُ، لكن لا تَنْسَ العُلوم الأُخرى.

وكذلك أيضًا لا تُكثِر على نَفْسك من العُلوم؛ لأن كَثْرة العُلوم تُضعِف الإنسان في هِمَّته، وفي فَهْمه والَّذين درَسوا في المَدارِس النِّظامِية يَعرِفون هذا، تَجِد مثَلًا المَعاهِد أو المدارس الثانويَّة تَجِد فيها مثَلًا خمسَ عشْرَةَ مادَّةً تَضيع على الإنسان، لو أَرَدْت أن تَبحَث معه في شيء عَميق من المَوادِّ التي درَسها ما وجَدْت

ص: 18

عنده شيئًا، فإذا رَكَّز الإنسان على العُلوم واختَصَرها بقَدْر ما يَستَطيع، صار هذا أَجوَدَ له، وأكثَرَ استِفادةً.

ويُذكَر أنَّ بعض الناس يَقول: إن مَن أَتقَن عِلْمًا من العلوم إتقانًا جيِّدًا استَغنَى به عن سائِر العُلوم، وهذا لا شَكَّ أنه غلَط، لو أنك أَدرَكْت النَّحْو جيِّدًا، لا يُغنِيك عن مَعرِفة الفِقْه. وما يُذكَر عن أبي يُوسُفَ والكِسائيِّ أنَّهما تَناظَرا في حَضْرة الرشيد، وقال الكِسائيُّ: إن الإنسان إذا أَتقَن العِلْم - أي عِلْم أَتقَنه - يَستَغنِي به عن غيره، وأنَّ أبا يُوسُفَ أَورَدَ عليه الرجُل يَسهو في سُجود السَّهْو، فقال الكِسائيُّ: ليس عليه سُجود. قال: ومن أَيْن يُوجَد هذا في عِلْمك. لأنَّ الكِسائيَّ إمامٌ في النَّحوِ، قال: من قَواعِد عِلْمي أن المُصغَّر لا يُصغَّر

(1)

. هذا لا يَصِحُّ دليلًا في حُكْم شَرعيٍّ أبَدًا. وأنا أَظُنُّ أنَّ هذه القِصَّةَ مَصنوعة، ليسَتْ صَحيحة.

لكن الإنسان يَنبَغي له أن يُركِّز، وأنا في نظَري أن أَهَمَّ ما أُركِّز عليه هو القُرآن الكَريم، القُرآن كُنوز عَظيمة، كُلَّما أَخَذْت آية وصِرْت تَتَأمَّلها انفَتَح لك من العُلوم فيها ما لا يَعلَمه إلَّا الله، ثُم القُرآن سَنَد يَعنِي: ليس القُرآن ككِتاب أيِّ عالِم من العُلَماء، هو سَنَد يَحتَجُّ به الإنسان أمام الله عز وجل؛ لأنه كَلام الله سبحانه وتعالى؛ فلهذا أنا أَرَى أن نُركِّز على عِلْم التَّفسير، ثُم على مَعرِفة ما صَحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأَنتُمْ تَعرِفون أنَّ ما نُسِب للرسول صلى الله عليه وسلم يَحتاج إلى جُهْد قَبلَ أن يَكون دليلًا، الجُهْد هو أن نَعرِف صِحَّته إلى الرسول؛ لأنه ما أَكثَرَ الأحاديثَ التي رَواها ضِعَاف النَّاس رِوايةً! إمَّا لقِلَّة أمانَتِهم، أو لسُوء حِفْظهم، أو ما أَشبَه ذلك.

(1)

ذكرها الجويني في نهاية المطلب (2/ 275)، وابن مفلح في النكت على المحرر (1/ 82)، وانظر: الموافقات للشاطبي (1/ 118).

ص: 19

بل ما أَكثَرَ الأحاديثَ المَوْضوعةَ المَكْذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام لأنَّ الأهواءَ كثُرَت، فصار مَن لا يَخاف الله يَضَع ما شاء من الأحاديث، وَينسُبها للرسول صلى الله عليه وسلم، تَحتاج السُّنَّة إلى عِناية كَبيرة في ثُبوت صِحَّتها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

أمَّا القُرآن فلا يَحتاج إلى هذا؛ لأنه ثابِت بالنَّقْل المُتواتِر الذي يَنقُله الأصاغِر عن الأكابِر؛ فالعِناية بالكِتاب والسُّنَّة هو أهمُّ شيء، لكن لا يَعنِي ذلك الإعراضَ عمَّا كتبَه العُلَماء، لا بُدَّ من الاستِعانة بآراء العُلَماء، وكيفية استِنْباطهم للأحكام من القُرآنِ والسُّنَّة.

ويَنبَغي أن نُلِمَّ بشَيْء من قَواعِد التَّفسير، فنَقولُ:

أوَّلًا: التَّفْسير مَأْخوذ من الفَسْر، فسَرَتِ الثَّمَرَةُ عن قِشْرِها، أيِ: اتَّضَحت وبانَت، وهو عِبارة عن تَوضيح كلام الله عز وجل، والتَّفسير يُراد به التَّفْسير اللّفْظيُّ، يَعنِي: أن تُفسِّر اللَّفْظة بقَطْع النَّظَر عن سِياقها، ويُراد به التَّفْسير المَعنَويُّ، بأن تُفسَّر اللَّفْظة بحَسب سِياقها، فمثَلًا قول الله تبارك وتعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، إذا فسَّرنا القُوَّة التَّفسير اللفظيَّ، صار مَعناها ضِدَّ الضَّعْف، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ"

(1)

، وعلى هذا فنَقول: مَعنَى القُوَّة ضِدُّ الضَّعْف، هذا باعتِبار اللَّفْظ، والمُراد بها الرَّميُ، هذا باعتِبار المَعنَى المُراد.

ومثله أيضًا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، الزِّيادة مَعناها: الفَضْل، زِيادة الشيء على الشيء، هذا من حيثُ اللَّفْظ؛ لكن المُراد النَّظَر إلى وَجْه الله عز وجل كما فسَّره النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم.

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب فضل الرمي، رقم (1917)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.

ص: 20

إِذَنِ: التَّفْسير اللَّفْظيُّ غير المُراد، المُراد يُعيِّنه السِّياق، أو يُبيِّنه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أو ما أَشبَه ذلك، وأمَّا اللَّفْظ فأن تُفسَّر الكلِمة باعتِبار مَعناها، مُنْفرِدَة دون النَّظَر إلى سِياقها، والقُرآن الكَريم يُفسَّر بالمعنى الثاني، أي: بما أَراد الله به.

ثانيًا: هل المُراد يُخالِف الظاهِر أو هو الظاهِر إلَّا بدَليل؟ المُراد هو الظاهِر، يَعنِي: أنَّ الله يُريد بكَلامه ظاهِره، ولا بُدَّ، ولا يُمكِن أن نَعدِل عن الظاهِر إلَّا بدليل، فمَن عَدَل عن الظاهِر إلى غيره بدون دَليل، كان مِمَّن يحرِّفُون الكَلِمَ عن مَواضِعه.

مثال هذه القاعِدةِ: قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، فظاهِر قوله:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ؛ أي: عَلا عليه، علُوًّا يَليقُ بجلاله وعظَمته، وهو عُلوٌّ خَاصٌّ بِالعَرْش، وليس هو العُلوَّ العامَّ على جميع المَخلوقات، فإذا جاء الإنسان، وقال:{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يَعنِي: استَوْلى عليه، فإننا لا نَقبَل منه؛ لأنَّ هذا خِلاف الظَّاهِر بلا دليلٍ، فإذا كَانَ خِلافُ الظَّاهِر بلا دليلٍ؛ فإنه من باب تَحريف الكلِم عن مَواضِعه، وإن تَسَمَّى أهْلُه بأنَّهم مُؤَوِّلة، فإِنَّما يُسمُّون أنفسهم بذلك من أَجْل قَبول قولهم، وتَسهيل خطَئِهم على الناس؛ لأنه فَرْق بين أن تَقول: هذا مُؤَوِّل، أو هذا محُرِّف. وإلَّا فالحقيقة أنهم محُرِّفون.

ولهذا تَجِد شيخ الإسلام ابنَ تَيميَّةَ رحمه الله عبَّر بالعَقيدة الواسِطية بقوله: من غير تَحْريف

(1)

. ولم يَقُل: من غَيْر تَأوِيل؛ لأن التَّحريف مَذموم بكُلِّ حال، والتَّأوِيل منه صَحيح ومنه فاسِد.

(1)

العقيدة الواسطية (ص: 57).

ص: 21

فإن دَلَّ دليل على أن المُراد خِلاف الظاهِر، فَسَّرناه بالمُراد، مِثْل قوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98]، مَعنى قرَأْت، يَعنِي: أرَدْت أن تَقرَأ، وليس المعنى: إذا فرَغْت، لو أننا فَسَّرْنا اللَّفْظ بظاهِره، لقُلنا: إذا قرَأْت. يَعنِي إذا انتَهَيْت من القِراءة فاستَعِذْ بالله، ولكنَّ هذا غيرُ مُراد، والذي يُبيِّن أن هذا غيرُ مُراد فِعْلُ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام فإنه كان يَستَعيذ قبل أن يَبدَأ القِراءة. هاتان قاعِدتان.

القاعِدة الثالِثة: إلى مَن يُرجَع في تَفسير القُرآن؟ هل يُرجَع إلى اللُّغة والحَقيقة اللُّغَوية، أو يُرجَع إلى الحَقيقة الشرعية، أو ماذا؛ نَقولُ: أوَّلا يُرجَع في التفسير إلى تَفسير مَن تَكلَّم به، وهو الله عز وجل فيُرجَع في التَّفسير:

أوَّلًا: إلى كلام الله، فإذا كانت الكلِمة مجُمَلة في مَوْضِع من القُرآن ومُفصَّلة في مَوْضِع؛ فإنه يُرجَع إلى ما فُصِّل بالقُرآن نفسه، إذا كانت مُبهَمة في مَوضِع لكنها مُبيَّنة في مَوْضِع آخرَ نَرجِع إلى المَوْضِع الآخَر.

فيُفسَّر القُرآن أوَّلا بالقُرآن؛ لأن المُتكلِّم به أَعلَمُ به من غيره، ففي قوله تعالى:{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 1 - 3]، ما هي القارِعة؟

نَقول: بيَّنها الله بقوله: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4]، وقال تعالى:{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17 - 18] فسَّرَها بقوله: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]، وكذلك قوله تعالى:{لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15]، أيُّ ناصِية هي؟ كلُّ ناصِية يَسفَع الله بها؟ لا {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)} [العلق: 16]، وعلى هذا فقِسْ.

ص: 22

فنَرجِع أوَّلًا إلى تَفسير مَن تَكلَّم به وهو الله؛ أي: إلى تَفسير القُرآن بالقُرآن؛ ثُم بعد هذا نَرجِع إلى:

ثانيًا: تَفسير القُرآن بالسُّنَّة؛ لأنَّ أَعلَمُ الناس بكلام الله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فنَرجِعُ إلى تَفْسيره، ولا نَقبَل تفسير غيره.

مِثال ذلك قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، فقد فسَّرَها صلى الله عليه وسلم بأنَّها النظَر إلى وجه الله؛ فلو جاءَنا جاءٍ وقال: وزِيادة؛ أي: زِيادة في الحُسْن، قُلنا له: لا نَقبَل قولَك. وإن كانت الكلِمة من حيثُ مَعناها اللَّفْظى تَحتَمِل ما قلت لكنَّنا لا نَقبَل؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فسَّرها بأنها النظَر إلى وجهِ الله، وهو أَعلَم الناس بمُراد ربِّه، فلا نَقبَل قوله.

ثالثًا: نَرجِع إلى تَفْسير الصحابة، يَعنِي: إذا لم نَجِد في القُرآن ولا في السُّنَّة، رجَعْنا إلى تَفسير الصحابة؛ لأن الصحابة أَعلَمُ النَّاس بمُراد الله ورسوله؛ حيث إنَّهم في عَصْر التَّنزيل، وشاهَدوا الأحوال والقرائِن الدالَّة على المُراد، ولا شَكَّ أن المُشاهِد للشيء ليس كالغائِب عنه؛ فالآنَ رُبَّما أَتكلَّم أنا بكلام، مُنفعِل فيه، وأَقول: أَتَفْعَلون كذا؟ ولمَ كَذا؟ وتَجِدونَني مُنفَعِلًا والذي يَسمَع كلامي ولم يُشاهِدْني يَظُنُّه كلامًا عادِيًّا، ولا يَعرِف؛ لأنه ليس عنده قَرينة.

ولهذا نَقول: الصحابة أَعلَمُ الناس بتَفسير كَلام الله ورسوله؛ لأنهم قد شاهَدوا الأحوال، وعرَفوا القَرائِن؛ فيُرجَع إلى تَفسيرهم.

مثال ذلك: قولُه تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12]، فهُنا فسَّر أبو بَكْر رضي الله عنه الكَلالة

ص: 23

بأنه مَن لَيْس له ولَد ولا والِد

(1)

، بأنه الميت يَموت ليس له ولَد ولا والِد، يَعنِي: لا أُصولٌ ولا فُروعٌ. هنا نَأخُذ بتَفسير أبي بَكْر؛ لأنه من الصَّحابة، والصَّحابة أَعلَم النَّاس بتَفسير كلام الله عز وجل.

ومَعنَى قولنا هذا: أنه لو جاء أحَدٌ من المُتأخِّرين، وفسَّر القُرآن بخِلاف ما فسَّرَت به الصحابة، فإننا لا نَرجِع إلى قوله أبَدًا.

رابِعًا: إذا لم نَجِد في القُرآن ولا في السُّنَّة، ولا في كلام الصحابة، نَرجِع إلى أقوال التابِعين، ولا سيَّما مَن عُرِف مِنهم بالتَّلقِّي عن الصحابة، مثل مجُاهِد بنِ جَبْر رحمه الله، فإنه قال: عرَضْتُ المُصحَف على ابن عبَّاس مرَّتَيْن أو أكثَرَ أَقِف عند كل آية وأَسأَله عن مَعناها

(2)

. فمِثْل هذا يُؤخَذ بقوله؛ لأنه أخَذ عن الصحابة، وإن كان بعض التابِعين قد لا يَنال هذه المَرتَبة، لعدَم أَخْذه عن الصَّحابة، لكن التابِعون أَقرَبُ إلى المعنى الصَّحيح ممَّن بَعدَهم إلَّا أنهم - كما عرَفْتم - يَقِلُّون مَرْتَبةً عن الصحابة.

خامِسًا: نَرجِع إلى المعنى الحَقيقيِّ للكلِمة، وهو المعنى اللُّغويُّ، يَعنِي: نَرجِع إلى مَعنَى الكلِمة في اللُّغة العرَبية، ودليلُ ذلك قوله تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)} [الزخرف: 3]، يَعنِي: تَفهَمون المَعنَى، وهذا إحالة من الله عز وجل إلى اللُّغة العرَبية، وأنَّ عَقْل القُرآن يَكون بمُقتَضى اللُّغة العرَبية، ولنا حُجَّة.

فإذا قال قائِل: ما دَليلُك على أن معنى هذه الكلِمةِ هو كذا؟

(1)

أخرجه عبد الرزاق (10/ 304)، وسعيد بن منصور في التفسير من السنن رقم (591)، وابن أبي شيبة (16/ 370).

(2)

أخرجه الطبري في تفسيره (1/ 85)، والطبراني في المعجم الكبير (11/ 77، رقم 11097).

ص: 24

قلنا: هذا مَعناها في اللُّغة، والقُرآن نزَل باللُّغة العرَبية، وقد أَشار الله إلى ذلك في قوله:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58)} [الدخان: 58]، إلى غير ذلك من الآيات الواضِحة.

فإن اختَلَفَتِ الحَقيقة اللُّغَوية والحَقيقة الشَّرْعية، رجَعْنا إلى الحَقيقة الشَّرْعية، يَعنِي: الحقيقة الشرعية واللُّغَوية لا شكَّ أنها تَتَّفِق في أشياءَ كَثيرةٍ؛ فالسَّماء سَماء لُغة وشرعًا، والأرض أرض لُغة وشَرْعًا، والإبِل إِبِل لُغة وشَرعًا، وما أَشبَه ذلك، فإن تَعارَضت الحقيقة الشرعية والحَقيقة اللُّغَوية فنُقدِّم الحَقيقة الشَّرْعية؛ لأن هُناك كلماتٍ نقَلها الشَّرْع من المعنى الأصليِّ اللُّغَويِّ إلى المَعنَى الشَّرعيِّ.

مِثال ذلك: "الإيمان" الإيمان في اللُّغة هو: الإقرار والاعتِراف، أو التَّصديق، على خِلاف بين العُلَماء في التَّفسير. لكنه في الشَّرْع غير ذلك، الإيمان في الشَّرْع أَوسَع من هذا، يَشمَل المَعنى اللُّغَويَّ، ويَشمَل ما سِواه، مثل: الأعمال، الأقوال، الأفعال، التُّروك. كلُّ هذه من الإيمان شرعًا، ومِثل: الصلاة، وجَدْنا في القُرآن:{أَقِيمُواْ الصَّلَاةَ} على أيِّ شيء نَحمِل الصلاة، على المَعنَى اللُّغَويِّ الذي هو الدُّعاء أو على المَعنَى الشَّرْعيِّ؟ على المعنى الشَّرعيِّ؛ لأنَّ الشَّرْع نَقَل بعض الألفاظ العرَبية إلى مَعنًى جَديدٍ، ليس مُستَعمَلًا في اللُّغة العرَبية فنَأخُذ بما أَقرَّه الشَّرْع.

إِذَنْ: نَرجِع في التَّفْسير إلى القُرآن، السُّنَّة، الصَّحابة، التابِعين، مَعنَى الكلِمة، وإذا تَعارَض اللّغة والشَّرْع، قَدَّمنا المَعنَى الشَّرْعيَّ، وهذا هو المَبحَث الثالِث.

المَبحَث الرابع: هل يَجوزُ لنا أن نُفسِّر القُرآن دون الرُّجوع إلى كلام العُلَماء المَكتوب أو المَسموع؟ هذا يُنظَر إذا كانَتِ الكلِمة لها مَعنًى لُغويٍّ، ولم نَعلَم أن

ص: 25

لها مَعنًى شرعيًّا يُعارِضه؛ فلنا أن نُفسِّر القُرآن بمُقتَضى اللغة، إذا لم نَعلَم أن لها مَعنًى شرعيًّا نُقِلت إليه؛ لأن القُرآن - كما قُلْنا واستَدْلَلنا - نزَل باللُّغة العرَبية، فإذا فسَّرته بمُقتَضى اللُّغة العرَبية فلا بأسَ، لكن بشَرْط أن يَكون لي عِلْمٌ باللُّغة العرَبية، ليس أيُّ عامِّيٍّ يَجيء يُفسِّر القرآن.

أمَّا إذا فَسَّرتُ القُرآن بما يُوافِق رَأْيِ مع مُخالَفته للقَواعِد السابِقة، فهذا جاءت الأَحاديث بالوعيد فيه، وأن "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"

(1)

ولهذا أَمثِلة كثيرة عقَدية وفِقْهية.

كثير من العُلَماء فسَّروا القُرآن بآرائهم؛ أي: بما يُناسِب مَذاهِبهم، وهذا في العَقائِد مَشهور مَعروف، مثل يُفسَّر قول الله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]؛ أي: جاءَ أَمْر رَبِّك، يُفسَّر قوله تعالى:{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ {[التوبة: 6]؛ بأنه الكَلام المَخلوق، يُفسَّر قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يَعنِي: استَوْلى عليه، يُفسَّر قوله تعالى:{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ؛ أي: بقُدْرتي، وما أَشبَه ذلك، هذا قارِئٌ في القُرآن برَأْيه لا شكَّ؛ لأنه لا فسَّره بمُقتَضى اللُّغة، ولا بمُقتَضى الشَّرْع، وإنَّما بمُقتَضى رَأْيه، الَّذي يُطابِق ما هو عليه من المَذهَب أو من الطَّريقة.

فالتَّفسير بالرَّأْي إِذَن محُرَّم ومن كبائر الذُّنوب، وهو داخِل في قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21]؛ لأن هذا المفَسِّر يَقول: إنَّ الله أَراد بهذا هذا. فيَكون كاذِبًا؛ فيَكون ممَّن افتَرى على الله كذِبًا حيث قال: إن الله أَراد كذا.

(1)

أخرجه الإمام أحمد (1/ 233)، والترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، رقم (2951)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 26

ثُم هو مِمَّنِ اعتَدَى في حقِّ الله؛ حيث قال: لم يُرِد كذا. انظُرِ الخطَر، إذا قال:{وَجَاءَ رَبُّكَ} قال: أَراد الله: وجاء أَمْر رَبِّك، فيَكون كذَب على الله. قال: ولم يُرِد أنه جاء بنَفْسه، يَكون اعتَدَى على كلام الله، وتَجاوَز حَدَّه، مَن قال لكَ: إنَّ الله لم يُرِد هذا، وهذا ظاهِر كلامه؛ فيَكون هذا مُعتَدِيًا محُرِّفًا، والعِياذ بالله.

وكذلك أيضًا في المَسائِل الفِقْهية، مثلًا:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ} [المائدة: 6]، قال الرافِضة: يَعنِي أنَّ الله أَمَرنا أن نَمسَح الأرجُل بدَل الغَسْل؛ فيقال: هَؤلاء قالوا برَأْيِهم؛ لأنهم أَهمَلوا قِراءة النَّصْب {وَأَرْجُلَكُمْ} ولم يَعمَلوا بها، ثُم خالَفوا المُراد بقِراءة الجرِّ، وهي أنها تمُسَح الرِّجْل على الوَجْه الذي بيَّنَتْه السُّنَّة، والذي بيَّنَته السُّنَّة أنَّ الرِّجْل تُمْسَح إذا كان عليها خُفَّان، أو جَوْربان، أو ما أَشبَه ذلك؛ فتَبيَّن الآنَ أنَّ التَّفسير بالرَّأْي من كبائِر الذُّنوب؛ لأنه يَتَضمَّن مَفسَدَتين عَظيمتين: إحداهما: تَحريف الكلِم عن مَواضعه، والثاني: الكذِب على الله، والتَّعدِّي في حَقِّه؛ حيث قالوا: إنه لم يُرِد كذا، وأَراد كذا.

المَبحَث الخامِس: أهمِّيَّة التَّفسير: التَّفْسير من أجَلِّ العُلوم وأَعلاها قَدْرًا؛ لأن الإنسان يُحاوِل أن يَفهَم به مَعنَى كلام الله عز وجل والعُلوم تَشْرُف بحَسب مَوْضوعها، ولا أَشرَف من مَوضوع تَفْسير كلام الله عز وجل، فيَكون التَّفْسير من أجَلِّ العُلوم إن لم نَقُل: هو أجَلُّ العُلوم وأَعظَمها قَدْرًا؛ لأنه عِناية بكَلام الله عز وجل؛ ولأنَّه اتِّباعٌ لطَريق السَّلَف الذين لا يَتَجاوَزن عَشْر آيات حتى يَتعَلَّموها وما فيها من العِلْم والعمَل، ولأن الإنسان إذا فهِمَ كلام الله ذاقَ له طَعْمًا، وصار يَقرَؤُه وهو يَجِد حَلاوة مَعناه، والأُنسْ به، أكثَرُ من إنسان أُمِّيٍّ لا يَعلَم الكِتاب إلَا أَمانيَ.

ص: 27

ففي عِلْم التَّفْسير يَطمئِنُّ القَلْب، وفي عِلْم التَّفْسير يَعرِف الإنسان قَدْر هذا القُرآنِ العظيم، الذي وصَفه الله بعِدَّة أَوْصاف عَظيمة:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)} [الحجر: 87]، وأَكثَرُنا - عفا الله عنَّا - لا يَعتَنِي بالتَّفسير، ولا يَهتَمُّ به، رُبَّما يَستَشرِق كِتابَ عَالِمٍ منَ العُلَماء، يُخطِئ ويُصيب، ويَتأمَّل هذا الكِتابَ مَنطوقًا ومَفهومًا وإشارةً وإيماءً، وغير ذلك من أنواع الدَّلالة، لكن كَلام الله لا يَعتَني به، ولولا أنه يَتبرَّك به في أَجْره لما عَرَّج عليه أصلًا إلَّا أن يَشاءَ الله. وهذا غلَط، حتى في طلَبة العِلْم الآنَ مَن لا يَهتَمُّ بالتَّفْسير، تَجِده يَهتَمُّ بكُتُب الفِقْه، يَهتَمُّ في كتُب الحديث، يَهتَمُّ في كتُب الرِّجال؛ ويُعرِض عن هذا الذي هو أَصْل الأصول، الذي يَجِب علينا أن نَعرِفه، والَّذي سنُحَاسب عليه. "الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ".

استَوقِفْ شخصًا من أكبَر طلَبة العِلْم عند آية من القُرآن؛ قل له: ما مَعناها؟ ماذا يَقول؛ إمَّا أن يَكون جَريئًا فيَقول: أَراد الله بهذا كذا وكذا. وهو لم يُرِد ذلك، أو أنه يَكون ورِعًا، ويَقول: لا أَدرِي.

لكن لو أنَّ طلَبة العِلْم أخَذوا القُرآن من أوَّله يَقرَؤُونه ويَتَدبَّرونه ويَتَأمَّلونه، لوجَدوا خيرًا كثيرًا، وانفَتَح لهم من أبواب المَعرِفة ما لا يَخطُر على البال، والله عز وجل يَقول في القُرآن الكريم:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17]، ليس هو صَعْبًا، القُرآن إذا أَقبَلْت عليه حَقيقةً بقَلْب ونِيَّة جازِمة؛ فهو سَهْل، أَسهَلُ من جميع الكُتُب؛ لأن الله يَقول:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17].

هده نبد تَكلَّمتُ بها - أَسأَل الله تعالى أن يَنفَع بها - في مُقدِّمة التَّفْسير، ومِثْل هذه القَواعِدِ سوف تُفيدُ، إن شاء الله تعالى.

ص: 28

فإن قال قائِلٌ: يَقول بعضُهم: إنَّه هُناك شَيْئان ليس لهما سنَد: التَّفْسير والتاريخ، فما صِحَّة هذا القولِ؟

فالجوابُ: نعَمْ، هذا يُذكَر عن الإمامِ أَحمدَ رحمه الله وقال فيه ثلاثة: المَغازِي، والسِّيَر، والتَّفْسير

(1)

. ومُراده بأنها ليس لها سنَد، أنَّ الناس يَتَناقَلونها بدون إسناد، فمثَلًا يَقول: قال مجُاهِد كذا، قال ابنُ عباس كذا، بدون إسناد هذا المَعنَى.

كذلك التَّواريخُ تَجِد مثلًا الناس يَتكلَّمون بهذا في غَزوة أحُدٍ، لكن لا تَجِد الرجُل يَقول؛ حدَّثَني فُلان عن فُلان حتَّى يَصِل إلى الغَزْوة، وكذلك يُقال في السِّيَر، هذا مُراد الإمامِ أَحمَدَ رحمه الله، قَصْده بذلك أَنَّك إذا سَمِعت مثل هذا الذي اشتُهِر ونُقِل أن تَتَأكَّد منه.

فإن قال قائِل: لو أنَّ شيخًا أو مُدرِّسًا عرَض على طلابه تَفسير آية، وقال: ما تَقولون في هذه الآيةِ؟ وهو عالِم بها فجلَسَ التلاميذ يَقولون، هذا بقوله، وهذا بقوله، هل يَدخُلون في ضِمْن مَن يُفسِّر القُرآن برَأْيه؟

فالجَوابُ: لا، هذا لا يَدخُل في ضِمْنه؛ لأن هذا الذي قال: مَعنَى الآية كذا. لا يُريد أنَّ هذا المَعنَى مُستَقِرٌّ، لكن يَعرِضه على شيخ أَعلَمَ منه، فكأنه حينما يَقولُ: أَراد الله كذا. كأَنَّه يَقولُ بلِسان الحال: هل أَراد الله بهذا كذا؟ فهذا لا يُعتَبر تَفسيرًا للقُرآن بالرَّأْي ولا محُرَّمًا.

فإن قال قائِل: بعض الناس يَترُكون التَّفسير ويَتَّبعون السُّنَّة وآثار الرِّجال، وما أَشبَه ذلك، ويُعلِّلون وَيقولون: إن أَهْل البِدَع يَستَدِلُّوَن بالعُمومات من القُرآن،

(1)

أخرجه عنه ابن عدي في الكامل (1/ 212)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (2/ 162).

ص: 29

فنَقرَأ السُّنَّة لكي نُبيِّنَ هذه العُموماتِ من السُّنَّة، فما رَأْيُكم في هذا؟

فالجَوابُ: رأيُنا: صَحيح أننا لا نُزهِّد في السُّنَّة، ولا في مَعرِفة الرِّجال، ولا في مَعرِفة المُصطَلَح، لكِنَّنا نَرَى أنَّ هُناك أَوْلوياتٍ، وهُناك أَهمِّيات قبل المَهَمَّات. وأمَّا ما ادَّعاه من أنَّ القُرآن لم يُبيِّن الرَّدَّ على أهل البِدَع، والسُّنَّة بَيَّنته، فهذا غير صَحيح، القُرآن ليس فيه دليلٌ واحِد لأيِّ بِدْعة من البِدَع أَبَدًا، بل إنَّ شيخ الإسلام رحمه الله قال في كِتابه دَرْء تَعارُض العَقْل والنَّقْل قال:"أي دَليل يَستَدِلُّ به شَخْص على بِدْعة، فأنا أَجعَل هذا الدَّليلَ دَليلًا عليه"

(1)

، وصَدَق، أَضرِب مثَلًا لكم:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} استدَلَّ بهذه الآيةِ مَن يَرَى أنَّ الله لا يُرَى، والحَقيقة أنَّها تَدُلُّ على أنَّ الله يُرَى، انظُرِ استَدَلَّ بها وهي دَليل عليه؛ لأن نَفيَ الأخَصِّ يَستَلزِمُ وجودَ الأعَمِّ، {لَا تُدْرِكُهُ} إِذَنْ تَراه، ولو كانَت لا تَراه لقال: لا تَراه الأبصار، أمَّا أن يُعبِّر بِـ: لا تُدرِكه. عن: لا تَراه، فهذا لا شَكَّ أنه تَعمية وإلغاز، ولا يُمكِن أن يَكون هذا في كلام الله، الذي جَعَله الله تِبيانًا لكل شيء.

استَدَلُّوا بقول موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، قالوا: هذا يَدُلُّ على أن الله لا يُرَى، نَقول: هذا دَليل عليكم. فمُوسى سأَل الرُّؤْية في الدُّنيا، فكَيْف تَنقُلونها أنتُم إلى الآخِرة؟ ! ولهذا قال الله:{لَن تَرَانِي} يَعنِي: الآنَ ليس بكَ قُدْرة على أن تَتَحمَّل رُؤيتي، ورُؤْية الله مُستَحيلة في الدُّنيا، لا لأَمْر يَتَعلَّق بالرُّؤْية، لكن لأَمْر يَتَعلَّق بالرَّائِي، فالرائِي لا يَتحَمَّل.

ولهذا ضرَب الله مثَلًا لمُوسى فقال: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} جلَّ وعَلَا، ماذا صَار؟ {جَعَلَهُ دَكًّا}

(1)

انظر: درء التعارض (1/ 374)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (1/ 104 - 105).

ص: 30

[الأعراف: 143] هذا الجبَلُ العَظيمُ الذي لا تَدُكُّه القنابل صار دَكًّا بمُجَرَّد أنَّ الله تَجلَّى له، ولهذا خَرَّ موسى صَعِقًا، عجَز أن يَتحَمَّل المَوْقِف فَضْلًا عن رُؤْية الرَّبِّ عز وجل.

فالمُهِمُّ: أنَّ الآية الآنَ فيها دليلٌ عليهم؛ لأن مُوسى إنما سأَل الرُّؤية في الدنيا لا في الآخِرة، ثُم إنَّ مُوسى سأَل الرُّؤْية وأنتُم تَقولون: رُؤْية الله مُستَحيلة، إِذَنْ أَنتُم أَعلَمُ بالله من موسى، يَعنِي: إمَّا أن تَكونوا أعلَمَ بالله من موسى؛ لأن موسى سأَل شيئًا مُستَحيلًا، يَرَى أن الله يُرَى، لكن البَشَر لا يَتحَمَّلون ذلك؛ فإمَّا أن يَكون جاهِلًا بقَدْر الله، وأنتم عَالمُون به، وإمَّا أن يَكون مُعتَدِيًا على الله؛ حيث سأَل ما لا يَحِلُّ له سُؤاله.

فأَقول لكم يا إخواني: مَن قال: إن البِدَع لا تُدفَع إلَّا بالسُّنَّة، أو لا يَتِمُّ دَفْعها إلَّا بالسُّنَّة، فقد أَخطَأ، وهذا يَدُلُّ على قُصور فَهْمه للقُرآن، أو على تَقصير في تَفهُّم القُرآن، وإلَّا فالقُرآن نفسه لا يُمكِن أن يُوجَد بِدْعة إلَّا رَدَّ عليها أبَدًا، ولو لم يَكُن من ذلك إلَّا قوله:{شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، هذه الآيةُ قاضِية على كل بِدْعة، فكلُّ بِدْعة تَبطُل بهذه الآية، سواء كانت عَقَدية أو قَوْلية أو فِعْلية.

مسألةٌ: التَّقلِيد في التَّفسير يَعنِي: أن يُمسِك بتَفْسير ابن كثير، أو غيره من العُلَماء، هذا تَقْليد؛ لكن أنا أُريد التَّفْسير المُجتَهِد، أمَّا مَن لم يَجِد إلَّا مَيْتة فيَأكُل مَيْتة للضَّرورة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله:"يَنبَغي أن نَعلَم أن التَّقليد بمَنزِلة أَكْل المَيْتة إن اضْطُرِرْتَ إليها فقَلِّدْ"

(1)

. وإلَّا فاجتَهِد أَدْلِ إلى البِئْر بمِثْل ما أَدلى به الناس، أَدْلِ بِدَلْوك.

(1)

انظر: مجموع الفتاوى (20/ 203 - 204)، وإعلام الموقعين لابن القيم (2/ 185).

ص: 31

والحَقيقة أنَّ التَّقليد لا يَجوز إلَّا عِند الضَّرورة وعِند العَجْز، وإلَّا مَن أَمكَنه أن يَأخُذ الأحكام أو العقائِد من كِتاب الله وسُنَّة رسوله فلْيَفعَل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يَقول:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] هذه تَحتاج إلى جَوابٍ، ولولا قول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، لقُلْنا: يَجِب على كل إنسان أن يَجتَهِد، وأن يَأخُذ الحُكْم من القُرآن والسُّنَّة، لكن الحَمد لله وَسَّع الله علينا، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وإلَّا لقُلْنا: كُلُّ واحِد يَجِبُ أن يَأخُذ من الكِتاب والسُّنَّة؛ لأننا سنُسأَل عن القُرآن والسُّنَّة.

مسألة: ما هي أَفضَلُ كتُب التَّفْسير التي تمَشِي على القَواعِد التي ذكَرت، حتَّى يَتبَيَّن للطالِب ويَتمَرَّن عليها؟

الجَوابُ: أحسَنُ شيء فيما أَرَى من التَّفاسير التي تَعتَني بالأثَر، تَفسير ابن كَثير، من أَحسَن ما يَكون من الكتُب التي تَعتَمِد على التَّفْسير بالأثَر، لكن القُرآن - سُبْحان الله - واسِع، لوِ اجتَمَع الناس كلُّهم على أن يُدرِكوا مَعناه ما استَطاعوا، تَجِد مثَلًا هذا يَبحَث في القُرآن من النَّاحِية اللُّغَوية، وهذا من الناحِية العَقَدية، وهذا من الناحِية الفِقْهية، وهذا من ناحِية البَلاغة، فهناك عُلوم شَتَّى كَثيرة في القُرآن الكَريم، ابنُ كثير مثَلًا في الأَثَر لا شكَّ أنه جيِّد، لكن في كثير من أُمور اللُّغة يَكون قاصِرًا، أيضًا في استِنْباط الأحكام قَليل جِدًّا أن يَتكَلَّم في الأَحْكام، نَجِد مثَلًا القُرطبيَّ يَعتَني بالأحكام، ويُفرِّع الآية وما أَشبَه ذلك.

المُهِمُّ: كل عالمٍ له مَنهَج في تَفْسير كلام الله عز وجل.

فإن قال قائِل: إذا كان القُرآن الكَريم تَفسيره مَبنيٌّ على اللُّغة، هل نَقول:

ص: 32

إن وجهَ تَفسير القُرآن باللُّغة هو الوَجهُ الصحيح؟

فالجَوابُ: إذا وجَدْنا كلِمة لم تُفسَّر بالقُرآن ولا بالسُّنَّة، ولا بأَقْوال الصَّحابة، فنَرجع إلى اللغة؛ لأن القُرآن - كما قال الله عز وجل:{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195]، {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} [الزُّخرُف: 3] أي: صيَّرْناه {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي: باللُّغة العرَبية {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} انظُرِ الآياتِ الثانية {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ} [الشعراء: 198، 199]، أَكمِل {مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} ؛ لأَنَّهم لا يَفهَمون مَعناه.

فإن قال قائِل: قُلتُ: إن مَن فسَّر القُرآن برَأْيه، ولو كان من العُلَماء كيف نَجمَع بين هذا وحديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد فأَصاب

" إلخ

(1)

.

فالجَوابُ: إذا اجتَهَد، والذي يُفسِّر القُرآن برَأْيه لم يَجتَهِد، وأنا ضرَبْت لكم عِدَّة أمثِلة من التَّفْسير بالرأي، ليس مَعنَى التفسير بالرَّأْي أنْ تُفسِّر القُرآن حَسب ما تَقتَضيه اللُّغة العرَبية، التَّفسير بالرَّأي أَنْ تَحمِل مَعنى القُرآن على رَأْيِك، وهذا إنما يَكون في المُتعَصِّبين لمَذاهِبهم، الذين يُحاوِلون أن يَلْووا أعناق النُّصوص إلى ما كانوا عليه.

* * *

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم (7352)، ومسلم: كتاب الحدود، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم (1716)، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

ص: 33

سورةُ غافر

* * *

سورة غافِر هي مَكِّيَّة، وكل السّوَر المُبتَدَأَة بحروف الهِجاء مَكِّية إلَّا البقَرةَ وآلَ عِمران.

والمَكِّيُّ ما نزَل قبل الِهجرة، وما نزَل بعدها فهو مدَنيٌّ، هذا هو أَرجَحُ الأقوال حتى وإن نزَل بمكَّةَ.

قال الله تبارك وتعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} البَسْملة: آية من كِتاب الله عز وجل مُستَقِلَّة، ليست من السّورة التي قبلَها، ولا من السورة التي بعدَها، ولكن يُؤتَى بها في ابتِداء السور، إلَّا سورة واحِدة وهي سورة بَراءة، فإنه لم يَرِد عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه جعَل فيها بَسْملة، ولهذا ترَكها الصحابة رضي الله عنهم بدون بَسمَلة؛ لعدَم ثُبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

وأمَّا ما قيل: إنها تُرِكَت بلا بَسمَلة؛ لأنها نزَلَت بالسيف؛ فإنه قول باطِل، ليس هذا هو السبَبَ، والسَّيْف إذا كان رحمة فإنه غَنيمة، ومعلوم أن السَّيْف على الكُفَّار رحمة، يُقصَد به إعلاء كلِمة الله عز وجل.

ثُمَّ البَسمَلة جُمْلة ليس فيها فِعْل ولا اسم فاعِل، لكنها جارٌّ ومجَرور، ومُضاف، ومُضاف إليه، وصِفة ومَوْصوف.

الجارُّ: هو الباء، والمَجرور اسم، والمُضاف اسم، والمُضاف إليه لفظ الجَلالة، ومَوْصوف وهو الله، وصِفة وهو الرحمن الرحيم، فأين المُتعلَّق؛ لأنه لا بُدَّ لكل جارٍّ

ص: 34

ومجَرور، أو ظَرْف، لا بُدَّ له من مُتعلَّق، كما قال ناظِم الجمل

(1)

:

لَابُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ

بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوَ مُرْتَقِي

وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ

كَالْبَاءِ وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَلْ

فأين مُتعلَّق البَسمَلة؟

أحسَنُ ما يُقال: إن مُتعلَّقها فِعْل مُتأخِّر مُناسِب لما ابتُدِئ بالبَسمَلة من أَجْله، فنحن الآنَ نُريد أن نَقرَأ فنَقول: المُتعلَّق تَقديره: باسم الله أَقرَأ، نُريد أن نَتوضَّأ نَقول: التقدير، باسم الله أَتوضَّأ، نُريد أن نَذبَح نَقول: التَّقدير، باسم الله أَذبَحُ، وإنما قدَّرناه فِعْلا لا اسم فاعِل؛ لأنَّ الأصل في العمَل هو الفِعْل، وإنَّما قدَّرناه مُتأخِّرًا لوجهين:

الوَجْه الأوَّل: التَّيمُّن بالبَداءة باسم الله.

والثاني: إفادة الحَصْر، لأَنَّك إذا أَخَّرت العامِل وقدَّمت المَعمول كان ذلك دَليلًا على الحصر، إذ إنَّ القاعِدة المَعروفة في البلاغة هي أن تَقديم ما حقُّه التَّأخير يُفيد الحصْر، وإنما قدَّرناه مُناسِبًا لما ابتُدِئ به؛ لاصَنه أدلُّ على المَقصود، فمثَلًا لو قلت: إنَّ التقدير باسم الله أَبتَدِئ. صحَّ، لكن أَبتَدِئ بأي شيء؟ فإذا قلنا: نُقدِّره فعلًا خاصًّا مُناسِبًا لما ابتُدِئ به، صار ذلك أدلَّ على المَقصود، ومعلوم أنَّ ما كان أدَلَّ على المقصود كان أبينَ في المُراد.

فيه أيضًا وجه آخرُ تَبيَّن لنا، وهو أنك إذا قلت: باسم الله أَبتَدِئ صارت البَسملة على الابتِداء فقَطْ، إذا قلت: باسم الله أَقرَأ، صارت البسملة على كل الفِعْل، وهذه فائِدة أَكبَرُ بكثير من مُناسَبة التَّعيين، إذا قلت: باسم الله أَبتَدِئ صارت البَسمَلة على

(1)

انظر: كشف النقاب على نظم قواعد الإعراب للسعدي (ص: 57).

ص: 35

الابتِداء فقَطْ، إذا قلت: باسم الله أَقرَأُ، صارَت البَسمَلة على كل الفعل، وكذلِك باسم الله أتوضَّأ صارَت البَسملة على كُل الفِعل من أوله إلى آخره، بخِلاف ما إذا قُلت: باسم الله أَبتَدِئ. فإن البَسملة تَكُون على الابتِداء فقَطْ.

هذا هو إعرابُ هذه البَسْملة.

أمَّا مَعناها: فإن (اسم) مُفرَد مُضاف، وكلُّ مُفرَد مُضاف فإنه للعُموم، أَرأَيْتم قول الله تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]؟ فإنَّ {نِعْمَةَ} مُفرَد مُضاف لكن ليست نِعمة واحِدة؛ لأنَّ النِّعمة الواحِدة تُحصَى، لكنَّها نِعَمٌ كَثيرة، فتَشمَل كلَّ ما أَنعَم الله به على العَبْد، إذا كان المُفرَد المُضاف يُفيد العُموم فما مَعنى قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم؛ مَعناها: بكلِّ اسمٍ من أسماء الله أَفعَل كذا وكذا، بكلِّ اسمٍ، فتكون أنت الآنَ مُستَعينًا بكل اسمٍ من أسماء الله على هذا الفِعْلِ الذي بَسْمَلت من أَجْله.

وأمَّا (اسم) فقيل: إنه مُشتَقٌّ من السُّموِّ، وهو الارتفاع؛ وذلك لأن الاسم يَرفَع المُسمَّى ويُبيِّنه، وقيل: إنه مُشتَقٌّ من السِّمة، وهي العَلامة، قال الله تعالى:{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} ؛ أي: عَلامتهم في وجوههم، وأيًّا كان فالاسمُ يُعيِّن مُسمَّاه، ويُميِّزه من غيره.

وأسماء الله سبحانه وتعالى غيرُ محَصورة بعدَد، كما جاء في الحديث الصَّحيح:"أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ"

(1)

.

(1)

أخرجه الإمام أحمد (1/ 391) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

ص: 36

وأمَّا (الله) فهو علَمٌ على الذات المُقدَّسة العَليَّة، وهو الله سبحانه وتعالى، قال النَّحويُّون:"وهو أَعرَف المَعارِف" أَعرَف المَعارِف هو هذا العَلَمُ، وقد رتَّبوا المَعارِف بأن أَعرَفَها: الضميرُ، ثُمَّ الأَعلامُ، لكن هذا العَلَم هو أَعرَفها، إذ لا تُحتَمَل المشاركة فيه، وغيره من المَعارِف يُمكِن المُشارَكة فيه.

وأمَّا قوله: {الرَّحْمَنِ} فهو اسمٌ من أسماء الله دالّ على الرحمة الواسِعة؛ و {الرَّحِيمِ} اسمٌ من أسماء الله دالّ على الرحمة التي تَقَع بالفِعْل، فالرحمن للوَصْف، والرحيم للفِعْل، يَعنِي: أنه رَحْمن يَرحَم، وبذلك تَبيَّن فائِدة الجمع بينهما، فإن فائِدة الجمْع بينهما هو الدَّلالة على أن رحمة الله واسِعة، وذلك في قوله:{الرَّحْمَنِ} ؛ لأنَّ فَعْلان يَدُلُّ على الامتِلاء والسَّعة، كما تَقول: شَبْعان، ورَيَّان، وما أَشبَهَها، وأمَّا {الرَّحِيمِ} فهو باعتِبار الفِعْل، أي: إيصال الرَّحْمة إلى مَن قدَّر الله أن يَرحَمه.

والبَسْملة لها أَحْكام:

منها أنَّها تَكون أحيانًا شرْطًا في الحِلِّ؛ كالتَّسمية على الذبيحة، فإنَّ التَّسمية على الذبيحة شرْط لحِلِّها، حتى إنه لو ترَك التَّسمية ولو نِسيانًا لم تَحِلَّ الذَّبيحة.

وقد تَكُون واجِبةً لا شرْطًا كما في الوُضوء عند بعض العُلَماء، فإنَ التَّسمية في الوُضوء واجِبة، ولكنها ليسَتْ شرْطًا للصِّحة، إذ لو ترَكها نِسيانًا صحَّ وُضوؤُه، وقد تَكون مُستحَبَّة في كل أَمْر ذي شأن، كما جاء في الحديث:"كُلُّ أَمْرٍ ذِي شَاْنٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ الله فَهُوَ أَبْتَرُ" أو: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ - يَعنِي: ذي شَأْن مُهِمٍّ - لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ الله فَهُوَ أَبْتَرُ"

(1)

، أي: مَنزوع البرَكة.

(1)

أخرجه الإمام أحمد (2/ 359)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"بذكر الله".

ص: 37

ولهذا كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَبتَدِئ بها في المُكاتَبات إلى المُلوك وغيرهم، وكذلك الأَنْبياء من قَبله، كما جاء في القُرآن الكريم:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 30، 31].

* * *

ص: 38