المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من فوائد الآية الكريمة: - تفسير العثيمين: غافر

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌مقدمة

- ‌(الآيات: 1 - 3)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (6)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌(الآية: 9)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (11)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (12)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (13)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (14)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (15)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (17)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (21)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (22)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (23، 24)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (32، 33)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (38، 39)

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيات (41 - 43)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (45، 46)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (47، 48)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (49، 50)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (52)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآيتان (53، 54)]

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌[الآية (55)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (56)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (57)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (61)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (62، 63)

- ‌من فوائِد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (64)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (66)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (67)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (68)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (69)

- ‌الآيات (70 - 72)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآيتان (72، 74)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (75)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (76)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (78)

- ‌من فوائلِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (79، 80)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (81)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (82)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (83)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (84، 85)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

الفصل: ‌من فوائد الآية الكريمة:

‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الله تعالى هو خالِق الأرض؛ لقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ} .

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: نِعْمة الله عز وجل علينا؛ لكون الأرض ذاتَ قَرار؛ أي: مُستَقِرَّة لا تَميد.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الأرض لا تَتحرَّك؛ لقوله: {قَرَارًا} ، هكذا قال بعضُ العُلَماء، ولكن إذا قارَنَّا هذه الآيةَ بقوله تعالى:{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] تَبيَّن أن الاستِدْلال بهذه الآيةِ على أن الأرض لا تَتَحرَّك فيه نظَر فيُقال: إِذَنْ من فَوائِد هذه الآيةِ أن نِعْمة الله عز وجل علينا بكَوْن الأرض لا تَميد بنا ولا تَضطَرِب بنا.

ومن ثَمَّ نَعرِف الحُكْم على اختِلاف الناس اليوم ما بين مُؤيِّد ومُفنِّد، هل الأرض تَتحرَّك أو لا تَتحرَّك، فمن المَعروف عند عُلَماء الفَلَك أنها تَتحرَّك، وهذا عِندهم بمَنزِلة الأمور البَدَهيات اليَقينِيَّات التي لا تَقبَل الجدَل، يَقولون: إن الأرض تَتَحرَّك وتَدور بذاتها دَوَرانًا يَختَلِف به الليل والنهار، وتَدور دَوَرانًا محِوَريًّا، به تَختَلِف الفُصول، وليس عندهم في ذلك شَكٌّ، ولا يُجادِلون في هذا، ومن العُلَماء مَن قال: لا، إنها لا تَدور، بل هي ساكِنة قارَّة، وإن اختِلاف الليل والنهار إنما يَكون بسبب دوران الشَّمْس على الأرض لا بسبَب دَوَران الأرض.

والذي يَظهَر لي أن القُرآن الكريم ليس فيه شيءٌ صَريح بأنها تَدور أو لا تَدور، وهو إلى كونها تَدور أقرَبُ من كونها لا تَدور؛ لأن نفَي الأخصَّ في قوله: {أَنْ

ص: 437

تَمِيدَ بِكُمْ} يَقتَضي وجود الأعَمِّ، كما قُلنا في قوله سبحانه وتعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} : إن هذه الآيةَ تَدُلُّ على ثُبوت رُؤية الله عز وجل؛ لأن نَفيَ الإدراك يَدُلُّ على ثُبوت أصل الرؤية، نَفي المَيَدان يَدُلُّ على وجود أصل الحرَكة.

لكن الأمر خَطير فيما أَرَى، هل الشمس هي التي تَدور على الأرض عند الطُّلوع والغُروب أو لا؟ نحن نَعتَقِد أنها هي التي تَدور، ولا مانِعَ من أن يَكون هُناك دَوَران للأرض ودَوَران للشمس؛ لأن ظواهِر الكِتاب والسُّنَّة كلها تَدُلُّ على أن الشمس هي التي تَطلُع وتَغرُب وتَميل وتَزول وتَزيغ، وما أَشبَهَ ذلك، فقد قال الله سبحانه وتعالى:{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: 17] فهذه أربعة أَفْعال كلُّها أُضيفَت إلى الشمس، والأصل أن ما أُضيف إلى الشيء فهو فِعْله، وقال الله تبارك وتعالى في سورة (ص):{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32]، وقال تعالى في سورة الكَهْف:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} [الكهف: 86]. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي ذَرٍّ حين غرَبت الشمس قال: "أَتَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتْ؟ " قال: الله ورسوله أعلَمُ

(1)

.

فكُلُّ هذه الأفعالِ مُضافة إلى الشمس نَفْسها، فكيف نَعدِل عن ظاهِر هذا اللَّفْظ إلى مَعنًى آخَرَ بدون أَمْر قَطعيٍّ يَكون لنا حُجَّة عند الله عز وجل أن نُخالِف ظاهِر كلامه.

لكن مَن تَبيَّن له الأمر تَبيُّنًا واضِحًا ورأَى أنه أَمْر قَطعيٌّ يَقينيٌّ بدَهيٌّ كما يَقولون؛ فإنه يُمكِن أن تُؤوَّل الآيات بأن نِسبة الطلوع إلى الشمس والغُروب

(1)

أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم (3199)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، رقم (159).

ص: 438

والذَّهاب باعتِبار رَأْي العَيْن، لا باعتِبار الواقِع، لكنِّي إلى الآنَ لم يَتبَيَّن لي أن اختِلاف الليل والنهار يَكون بدوَران الأرض، بل هو يَكون بدوَران الشَّمْس، والله على كل شيء قَديرٌ.

فإن قال قائِل: ما الجَمْع بين قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "بِأَنَّ الشَّمْسَ تَسْجُدُ كُلَّ غُرُوبٍ عِنْدَ الْعَرْشِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا فِي أَنْ تُشْرِقَ فَيَأْذَنَ لهَا"

(1)

، ومِمَّا قرَّره العِلْم الحديث أن الشمس لا يُمكِن أن تَغرُب أبَدًا، فهي كل لحظة إمَّا أن تُشرِق على ناس، أو تَغرُب على آخَرين، وأن في شَمال الكُرَة الأرضية الشمس سِتة أَشهُر كامِلة لا تَغرُب، وسِتة أَشهُر كامِلة غير مَوْجودة.

فالجَوابُ: نحن ذكَرْنا قاعِدة، أن الأمور الغَيْبية التي لا يُدرِكها الحِسُّ تَبقَى على ظاهِرها، ولا يُقال: كيف نَجمَع؛ لأن هذا أمر لا نُدرِكه حتى نَجمَع، فنَقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أَنّهَا إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ"، ولم يَقُل الرسول كلَّما غرَبَت في أي مَكان، قد يَكون سُجودها إذا غرَبَت عن هذا الوجهِ -وجهِ الأَرْض- الذي فيه الحِرمان، بخِلاف ما إذا غابت على وَجْهٍ آخَرَ، لا نَدرِي، فنحن نَقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ونُقيِّد الزمَن بما قيَّده الرسول، يَعنِي: إذا غابَت عن المَدينة حصَل هذا، وهذا أَمْر مُمكِن محُتَمَل؛ لأن أَفضَلَ وجه الأرض هو هذا الوَجهُ الذي فيه المَسجِد الحرام، والمَسجِد النبويُّ، والمَسجِد الأقصى.

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن السماء مَبنيّة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} وهو كذلك قال الله عز وجل: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} [النازعات: 27]، وقال: {وَالسَّمَاءَ

(1)

أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم (3199)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، رقم (159)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

ص: 439

بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47] إِذَنْ فهِي أَجرامٌ، ولا شكَّ في هذا، وهي أجرام مَحفوظة لا يُمكِن الوُلوج إليها إلَّا بعد إِذْن، وَيدُلُّ لهذا أن أَفضَل الرُّسُل البشَرية محُمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وأَفضَلَ الرُّسُل الملَكية جِبريلَ؛ كِلاهُما لم يَدخُل السماء الدنيا وما بعدَها إلَّا بعد استِئْذان، مِمَّا يَدُلُّ على كَمال حِفْظها.

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: مِنَّة الله تعالى علينا نحن البَشَر أن صوَّرنا هذا التَّصويرَ البَديع الذي هو أحسَن الصُّوَر فقال: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3].

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحريم التصوير، نَقول: إن مَن صوَّر فقد نازَع الله تعالى فيما هو من اختِصاصه وهو الخَلْق، ولهذا جاء في الحديثِ:"يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ"

(1)

وهذا هو الصحيح أن التَّصوير حرام، بل هو من كَبائِر الذُّنوب؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعَنَ فاعِله

(2)

.

ولكن هنا ثلاثة أُمور:

الأمر الأول: الصُّورة التِّمثالية بمَعنى أن يَخلُق الإنسان من الطين، أو الخشَب، أو الحديد شيئًا على شَكْل صورة، هذه لا شَكَّ في تَحريمها، ولهذا قال في حديث عليِّ بنِ أبي طالب الذي رواه مُسلِم أنه قال: لأبي الهياجِ: "أَلَا أَبعَثُكَ على ما بعَثَني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تَدَع قَبْرًا مُشرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ، ولا تِمْثالًا إلَّا طَمَسْتَه"

(3)

(1)

أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، رقم (2105)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107/ 96) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)

أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب من لعن المصور، رقم (5962)، من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه.

(3)

أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر، رقم (969).

ص: 440

ولا أَعلَمُ نِزاعًا بين العلماء في تحريم ذلك.

الثاني: ما كان بالرقْم -أي: التصوير بالرقْم- بمَعنى أن الإنسان يُصوِّر بيَدِه صُورة، فهذه اختَلَف فيها السلَف والخلَف، فمِنهم مَن قال: إنها لا تَحرُم؛ لقوله في الحديث الصحيح الذي رواه البُخاريُّ: "إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ"

(1)

وهذا رقْم في ثوب، فلا يَحرُم؛ ولأن هذا ليس شَيْئًا مجُسَّمًا حتى يُطابِق ما خلَق الله عز وجل، إنَّما هو شَكْل فقَطْ، والصورة التي صوَّرها الله هي جِسْم مَحسوس مَلموس يُشاهَد بالعين، وأمَّا هذا فهو مجُرَّد تَلوين، فلا يَدخُل في الحديث، ولكن الجُمهور على أنه داخِل في الحديث، بدليل حَديث النُّمرُقة حديث عائِشةَ رضي الله عنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءَ إلى بَيْتِه فلم يَدخُل من أَجْل صورة كانت في نُمرَقة جعَلَتها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وهذا هو الصَّحيح أن التَّصوير برَسْم اليد حرام، وداخِل في اللَّعْن، ولا يَحِلُّ لأحَد أن يَقوم به.

الثالث: ما كان تَصويرًا بالالتِقاط، وليس باليد، وذلك ما يُعرَف بالتصوير الفُوتوغرافيِّ الذي ليس للإنسان فيه أي عمَل، بل هو شيء يَتمثَّل أمام هذا الضوءِ المُعيَّن فيَنطَبع، وليس للإنسان فيه أيُّ عمَل سِوى تحريك الآلة التي تَقوم بالْتِقاط هذه الصُّورةِ، فهذا مُختَلَف فيه اختِلافًا كبيرًا بين المُتأخِّرين؛ لأنه لم يَظهَر إلَّا أخيرًا، فاختَلَفوا فيه، والذي يَتبيَّن لي أنه لا يَدخُل في التصوير؛ لأن هذا لم يَخلُق بيَده كما

(1)

أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصورة، رقم (5958)، ومسلم: كتاب اللباس، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2106)، من حديث أبي طلحة رضي الله عنه.

(2)

أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، رقم (2105)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107/ 96) من حديث عائشة رضي الله عنها.

ص: 441

خلَق الله عز وجل لم يُشكِّل العَيْن، ولا الأَنْف، ولا الَفمَ، ولا الشَّفَة، ولا أي شيء، غاية ما هنالك أن هذا الضوءَ انعكَس على هذه الصورةِ، فانطَبَعت فهو بمَنزِلة ما لو شاهَدْت المِرآة فرأَيْت صورتَك فيها، إلَّا أن الفَرْق أن هذا يَثبُت، وما في المِرآة يَزول بزوالِكَ، ولهذا نُسمِّي صورة الناظِر في المِرآة نُسمِّيها صورة، وهي بالاتِّفاق لا تَدخُل في التصوير المَنهيِّ عنه، لكن يَبقَى النَّظَر لماذا صوَّر هذه الصورةَ؟

إِذَنِ الآنَ: تَقرَّر عندي هذا التَّصويرُ مُباح.

لكن لماذا صوَّر؟ نَقول: نُجرِي على هذا ما نُجرِيه على سائِر المُباحات، وهو أنه إذا كان لغرَض مَقصود فهو مُباح، وإذا كان لغرَض محُرَّم فهو حرام، فلو أن إنسانًا صوَّر صورة امرَأة أَجنَبِيَّة من أَجْل أن يَتلَذَّذ برؤيتها كلَّما سنَحَت له الفُرصة؛ لقُلنا: هذا حرام لا شَكَّ. ولو أَراد أن يُصوِّر صورة عَظيم ليُعلِّقها في بيته؛ قلنا: هذا حرام. ولو أَراد أن يُصوِّر صورة أبيه أو أخيه أو عمِّه أو صديقه من أَجْل أن يَتَسلَّى به عند المَصائِب؛ قلنا: هذا حرام. فيَكون هذا المُباحُ حُكْمُه حُكْم الغرَض الذي من أَجْله صُوِّر، هذا ما يَظهَر لي حول هذه المَسأَلةِ، والناس فيها بين مُتهاوِن وبين مُتَشدِّد، والذي يَظهَر -والله أَعلَمُ- هو هذا.

فإن قال قائِل: أحيانًا لا يَتمكَّن الخاطِب من رُؤْية مَخطوبته، وفي الغالِب صورة لها فهل تقوم مقام النظر؟

فالجَوابُ: من السُّنَّة أن يَنظُر الخاطِب إلى مخَطوبته بالشُّروط المَرعيَّة المَعروفة عند العُلَماء، والصورة لا تَقوم مَقام النظَر، ولا فائِدةَ منها؛ أوَّلًا لأنك كثيرًا ما ترَى صورة شخص ما في مجَلَّة أو صَحيفة، ثُم إذا رأَيْت الرجُل نفسه وجَدْته يَختلِف، وهذا شيء مجُرَّب ومُشاهَد، هذه واحِدة.

ص: 442

الشيء الثاني: ربما تَكون هذه المَرأةُ عند التِقاط الصُّورة لها على أحسَن تَجميل بمكياج وكُحْل، وما أَشبَه ذلك، فتُصوَّر على هذا الوجهِ وتُعطَى الخاطِب، فإذا نظَرها على الطبيعة -كما يَقولون- وجَد خِلاف ذلك، وجَد أن لا عينَ ولا وجهَ، وحينَئِذٍ يَحصُل البَلاء، فالذي نرى أنه يَحرُم أن يَتَبادَل الخَطيبان الصوَر، ثُم إن هذه الصورةَ قد تَبقَى عند الخاطِب أو عند المخطوبة أيضًا، ولو بعد إطلاق الخِطبة، يَتمتَّع بالنظَر إليها متى شاء، وهي أيضًا تَتَمتَّع بالنظَر إليه متى شاءَتْ.

مسألة: بالنسبة لحَبْس الضوء في الكاميرا، هناك عمَلية تُسمَّى بالرتوش، وهذه العمَلية يَدخُل فيها المُصوِّر بقلَم رَصاص يُغيِّر في الصورة إذا أَراد؛ فما حكمها؟

فالجَوابُ: الظاهِر أن هذه تَدخُل في التَّحريم؛ لأن له عمَلًا في شَكْل الصورة.

فإن قال قائِل: بعض صِغار السِّنِّ يَعنِي: غير المُكلَّفين يَرسُمون رُسوماتٍ للناس، هل لنا أن نُحرِّم هذا عليهم كما يَحرُم على الكِبار، على القاعِدة المُطَّرِدة؟

فالجوابُ: أي نعَمْ، فما يَحرُم على الكِبار يَحرُم على الصِّغار، لكن الصغير لا يُؤاخَذ عليه، وإنما يُؤاخَذ عليه وليُّه؛ حيث لم يَمنَعه منه، ثُم هناك أشياءُ يُمكِن أن يَتَسلَّى بها الإنسان غير صوَر الحيوان: شجَر، جِبال، نُجوم، شمس، أنهار، بِناء، مُمكِن، لكن الشَّيْطان زَيَّن للناس سوء العمَل، أمَرَهم أن يَصنَعوا هذا الشيءَ المُشتَبِه، أو الذي هو محُرَّم بالاشتِباه، وَيعدِلوا عن شيء مُباح.

الآنَ في بعض المَصنوعات ما هو جميل، والإنسان يَتَمتَّع بالنظَر إليه وهو مَصنوع: سيَّارة، قلَم، ساعة، وغير ذلك، فلماذا نَعدِل إلى الشيء الذي فيه اشتِباهٌ، أو إلى شَيءٍ محُرَّم لا اشتِباهَ فيه عن شيء مُباح؟ !

ص: 443

تنبيه: نحن نَتكلَّم عن التصوير من حيثُ هو تَصويرٌ، لا عن المُصوِّر، المُصوِّر هو ونِيَّته، إذا كانت نِيَّته سَيِّئة فهو حرام وإذا كانت غير سَيِّئة فهو حلال.

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مِنَّة الله عز وجل علَيْنا برِزْقه إيَّانا من الطَّيِّبات؛ لقوله: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ذكَرْنا أن المُراد بـ {الطَّيِّبَاتِ} هنا اللَّذائِذ؛ ليَشمَل الرِّزْق العامَّ والخاصَّ، وليُعلَم أن الرِّزق يَنقَسِم إلى قِسْمين: رِزْق عامٍّ، ورِزْق خاصٍّ. فالعامُّ كل ما يَنتَفِع به الإنسان فهو رِزْق، كما قال السَّفَّارينيُّ رحمه الله:

والرِّزْق ما يَنفَع من حَلال

أَوْ ضِده. . .

(1)

وهو الحَرام، هذا رِزْق عامٌّ يَستَوي فيه المُؤمِن والكافِر، والبَرُّ والفاجِر، والمُكتَسَب عن طريق حلال والمُكتَسَب عن طريق الحَرام، كل هذا رِزْق، وعلى هذا فالمَسروق بالنِّسبة للسارِق رِزْق، لكنه رِزْق، وإن تَمتَّع به في الدنيا فسيَكون عليه وَبالًا في الآخِرة.

أمَّا النوع الثاني من الرِّزْق فهو الرِّزْق الطَّيِّب الحَلال، وهذا هو الرِّزْق الخاصُّ، وهو الطَّيِّب الحلال، وهو خاصٌّ بالمُؤمِن، وعلى هذا فالكافِر ليس له رِزْق خاصٌّ إطلاقًا حتى لو اكتَسَبه عن طريق الحلال، فليس رِزْقًا خاصًّا، بل هو داخِل في العُموم؛ لقول الله تبارك وتعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32]، ولغير الَّذين آمَنوا ليسَتْ لهم؛ ولهذا نَقول: الكافِرُ يُحاسَب على كل لُقْمة وكل شَرْبة، كل لُقْمة أَكَلها وكل شَرْبة شَرِبها يُحاسَب عليه يوم القِيامة، بل إن مِن الخطَر أن يُحاسَب

(1)

العقيدة السفارينية (ص: 64).

ص: 444

المُؤمِن على الطَّيِّبات إلَّا بالشُّروط التي ذكَرَ الله {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} [المائدة: 93]، شُروط ثَقيلة بِحِلِّ الرِّزْق، مع أنه طَيِّبٌ، نَسأَل الله أن يُعينَنا على تَحقيق هذه الشُّروطِ.

إِذَنِ: الكافِرُ لا يُمكِن أن يَكون في حَقِّه رِزْق خاصٌّ، كل الرِّزْق وإن كان طيِّبًا فهو عامٌّ بالنِّسبة له؛ لأنه يُحاسَب عليه، أمَّا المُؤمِن فيَنقَسِم الرِّزْق في حَقِّه إلى خاصٍّ وعامٍّ، فما أَثِمَ به فهو من العامِّ، وما لم يَأثَم به فهو من الخاصِّ.

الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: بَيان أن رُبوبية الله عز وجل مَبنيَّة على الرحمة؛ لقوله: {ذَلِكُمُ} ؛ أي: الذي أَعطاكُم هذه الأشياءَ الأَرْبعة {اللَّهُ رَبُّكُمْ} فرُبوبية الله عز وجل مَبنيَّة على الرحمة، وَيدُلُّ على ذلك قولُه في سورة الفاتِحة:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2 - 3]، فرُبوبية الله عز وجل مَبنيَّة على الرحمة والرَّأْفة.

فإن قال قائِلٌ: يَنتَقِض عليكم هذا بما يَحصُل في الحياة الدنيا من المُنغِّصات التي تُؤذِي الإنسان، وربَّما تَضُرُّه؟ !

قلنا: هذه بالنِّسْبة للمُؤمِن رَحمة؛ لأنها مُكفِّرة للذُّنوب، لَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ شَيْءٌ مِنْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ أَذًى إِلَّا كَفَّرَ الله بِهِ عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِذَنْ هي رحمة؛ لأنها تُكفِّر السَّيِّئات، ومع احتِساب الأَجْر مع الله سبحانه وتعالى تَكون حسَنات؛ لأن تَرقُّب ثواب الله، واحتِساب الأَجْر على الله عمَل صالِح يُثاب عليه المَرْء، وهذا الأذى، أو هذا الضرَرُ الذي يَنال العَبد عرَض يَزول، ولهذا لو رجَعْت إلى الوَراء في تَفكيرك لوَجَدْت أنه مَرَّ بك أشياءُ كَثيرة من الأَذى، وأَشياءُ كثيرة من الضرَر، فزالَت وكأنها لم تَكُن.

ص: 445

إِذَنِ: الثَّواب الذي حصَل وتَكفير السَّيِّئات الذي حصَل هو خَيْر من هذه الأَذايا وهذه الأَضرارِ، فتكون بذلك رَحْمة، فلا تَخرُج عن نِطاق الرَّحمة والرُّبوبية.

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بيان عظَمة الله سبحانه وتعالى في قوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، وقدِ استَنْبط بعض العُلَماء من هذا أن اسمَ الله عز وجل تُنال به البرَكة واستَشهَد لذلك بقوله:"كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِبِاسْمِ الله فَهُوَ أَبْتَرُ"

(1)

وهذا ليس ببَعيد، وإن كان فيه شَيءٌ من الرَّكاكة.

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عُموم رُبوبية الله عز وجل؛ لقوله: {رَبُّ الْعَالَمِينَ} .

ويَتَفرَّع على ذلك: أنه يَجِب أن يَقوَى اعتِماد الإنسان على الله في جَلْب المَنافِع، ودَفْع المَضارِّ؛ لأنه إذا كان ربَّ العالمَين عز وجل، فهو مُسيطِر على كل العالمَين، وله السُّلْطان على كل العالمَين.

ويَتَفرَّع على ذلك أيضًا مَسأَلة أُخرى، وهي: اللُّجوء إلى الله سبحانه وتعالى عند حُصول المُضايَقات من بني آدَمَ أو غير بني آدَمَ؛ لأنه سبحانه رب العالمَين بيَدِه الأَمْر، فهو القادِر على أن يَعصم الإنسان من الأسَد الضارِي المُهاجِم، وإن كان الإنسان لا يَستَطيع بمُجرَّد قُدْرته، لكن الله تعالى قد يَصرِفه عنه.

الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات رُبوبية العامة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، وهناك رُبوبية خاصَّة، ورُبوبية أخصُّ، وقدِ اجتَمَع النوعان في قوله تعالى عن سحَرة آل فِرعونَ:{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 121 - 122].

(1)

أخرجه الإمام أحمد (2/ 359)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ:"بذكر الله".

ص: 446

إِذَنْ: رُبوبية الله العامَّة شامِلة للمُؤمِن والكافِر، والبَرِّ والفاجِر، الرُّبوبية الخاصَّة للمُؤمِنين، الرُّبوبية التي هي أخصُّ للرُّسُل وللأَنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا نَعرِف أن من صِفات الله سبحانه وتعالى ما يَكون عامًّا، وخاصًّا، وأخصَّ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن كل المَخلوقات آيَة على الله؛ لقوله: {الْعَالَمِينَ} وقد قُلْنا: إنهم سُمُّوا بذلك لأنهم علَمٌ على خالِقهم جَلَّ وَعَلَا، والله أَعلَمُ.

ص: 447