الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} هَؤلاءِ القَوْمُ الأشِدَّاء الذين لهم من الآثار ما يُبهِر العُقول، أخَذَهم الله بذُنوبهم، أَهلَكَهم بسبب ذُنوبهم، وذُنوبهم مكَوَّنَةٌ من شَيْئين: التَّكذيب والتَّولِّي، فهُمْ مُكذِّبون للخبَر، مُتَولُّون عن الأمر، فكَذَّبوا الأخبار، وخَالَفُوا الأوامِر، وقَعوا فيما نُهوا عنه، وترَكوا ما أُمِروا به، وكذَّبوا ما يَلزَمهم تَصديقه {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} والباء هنا للسَّببية.
وقوله: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} (مَا) نافِية و (مِن) مُتعلِّقة بـ {وَاقٍ} ، و {وَاقٍ} اسمُ (كان) دخَلَت عليه (مِن) الزائِدة للتوكيد، وأصل (واقٍ): واقِي، فحُذِفت الياء للتَّخفيف؛ أي: ما كان لهم من أحَد يَقيهم من عَذاب الله.
حتى إنَّ ابنَ نُوحٍ عليه الصلاة والسلام لم يَقِهِ من عذاب الله قُربُه من نوح، ولا دُخوله في العُموم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكَر أنَّه مُنَجِّيه وأهلَه -أَعنِي: نوحًا- فلمَّا أَرسَل الله عليهم الغرَق، دعا ابنه أن يَركَب معه في السفينة، ولكنه أبى، وقال:{سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43] فغَرِقَ، وقال نوحٌ:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] وقَدْ وعَدَه الله أن يُنجِّيَه وأهلَه، فقال الله تعالى:{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] ، فلم يَقِ هذا الابنَ قُربُه من أبيه أحَدِ أُولِي العَزْم من الرُّسُل، ولكنه هلَك فيمَن هلَكَ، كما قال تعالى هنا:{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} .
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: الحَثُّ على السير في الأرض، لقوله:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا} بِناءً على أنَّ الاستِفْهام هنا للإنكار والتوبيخ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ السير في أرض المُكذِّبين، وبَيان ما أَحَلَّ الله بهِم من النَّكال،
إذا كان على سبيل العِبْرة فلا بأسَ به، على سَبيل العِبْرَة بما جَرَى لهم من الهلاك، لا العِبرة بما كان لهم من القُوَّة، وبِناءً على ذلك نَعرِفُ أنَّ الذين يَذْهَبُون الآنَ إلى ديار ثَمودَ للاطِّلاع على قُوَّتهم، والاعتِبار بصَنْعتهم على خطَأ عظيم؛ لأنهم لم يَسيروا في الأرض السير الذي أمَر الله به، بل ساروا في الأرض السير الذي نَهَى عنه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام:"لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبينَ، إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ"
(1)
.
فَمَن الذي يَذهَب الآنَ إلى دِيار ثمَودَ، يَقِفُ يُشَاهِدُ آثارَهم وهو يَبكِي؟
الجواب: لا أحَدَ، إلَّا مَن هَداه الله عز وجل وتَبيَّن له الحقُّ، وإلَّا فإنهم يَذهَبون يَتَفرَّجون، والعجَب أنَّ بعض الجُهَّال منا يَرَوْن أنَّ هذا من الآثار المُحتَرَمة، فيُقال: سُبحانَ الله! ! الآثار المُحتَرَمة! أيُّها الجُهَّال! بل هي الكِتاب والسُّنَّة، آثار الوَحْي، أمَّا آثار المُكذِّبين للرُّسُل فليسَتْ محُتَرَمة.
ثُم هل هي آثار آبائِكم وأجدادكم؟ ! آثار قوم فَنُوا وأَعقَبهم أناسٌ، ثم أناسٌ، ثُم قُرون كثيرة. لكن هذا من الجَهْل والتَّقليد الأعمى، الذي يَجعَل القوم يَتعَلَّقون بالآثار المادِّيَّة دون الآثار المَعنَوية.
وإن قال قائِل: هل العِبْرة الإنسان إذا دخَل في مَكان كل قَوْم أُهلِكوا، أم أن الكُفَّار الذين لم يَتِمَّ عَذابُهم كذلك؟
(1)
أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحِجر، رقم (4419)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، رقم (2980)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
فالجَوابُ: لا المُراد الذين أُهلِكوا.
والإنسان الذي ذهَب ليَأخُذ العِبْرة لا شَكَّ أنه سيَتَأثَّر، لكن أكثَر الناس - أو كثير من الناس- يَذهَبون ليَعتَبِروا بما عِندهم من القُوَّة، لا بأَخْذ الله لهم.
فإن قال قائِل: هل قُرَى قَوْم لُوط مِثل قُرى ثَمودَ وعادٍ في عدَم جَواز زِيارَتها؟
فالجوابُ: العُلَماء يَقولون: لا فَرْقَ، كل شيء تَذهَب ليَتبيَّن لك آثارُهم وقُوَّتُهم وتُعجَب بهذه القوَّةِ فهو لا يَجوز. أمَّا قول الله تعالى:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: 137 - 138] ، هذه حِكاية عن شيء واقِعٍ، كما قال الرَّسولُ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:"لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ"
(1)
هل مَعنى ذلك أنَّ الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُفسِح لنا المَجال؟ أَخبَر عنه أنه واقِع أو سيَأْتي، كما أَخبَر عن المَرأة تَذهَب من صَنْعاءَ إلى حَضرَموت لا تَخشَى إلَّا الله
(2)
.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ عاقِبة الذين كانوا من قَبْلهم عاقِبة سَيِّئة؛ لقوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ} إلى قوله: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هَؤلاءِ الذين كانوا من قَبْلهم كانوا أشَدَّ مِنهم قُوَّة في الأبدان، وقُوَّة في الصناعة، وقُوَّة في الآثار، ومع هذا لم تمَنَعْهم قُوَّتهم هذه من أَخْذ الله لهم.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم (3456)، ومسلم: كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، رقم (2669)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (3595)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، بلفظ:"لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله". وأخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (3612)، من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه ، بلفظ:"والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه".
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قُوَّة الله سبحانه وتعالى فوقَ كلِّ قوَّة، فإنه قال:{كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} ومع ذلك أخَذَهم الله عز وجل ذلك؛ لأن الله تعالى إذا أَراد شيئًا قال له: كُنْ. فيَكون، لا يَحتاج إلى أَحَد يُساعِده، ولا يَحتاج إلى صُنْع قَنابِلَ أو مَدافِعَ، بل: كُن فيَكون، انظُروا إلى عاد افتَخَروا بقُوَّتهم، فأَهلَكهمُ الله تعالى بأَلطَف الأشياء سخَّر عليهم الرِّيح، ولم يُسخِّرْها لهم، بل سخَّرَها عليهم، والرِّيح من أَلطَف الأشياء، فدَمَّرَتهم {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] ، حتى كانوا كأَعْجاز نَخْل خاوِية.
يَقولون: إن الرِّيح تَحمِل الواحد منهم حتَّى يَكون في عَنان السماء، ثُم تَرُدُّه إلى الأرض؛ فيَنقَلِبُ مُنحنيًا كأنَّه عَجُز نَخْل خاوِية، وأَعجاز النَّخيل إذا رأَيْتُموها تَجِدون النَّخْل قد تَقوَّست.
هؤلاء الذين كانوا أشِدَّاءَ أَقوياءَ يَقِفون على أقدامهم، أَصبَحوا كأنهم أَعجاز نَخْل خاوِية، والآية الثانية {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20].
وهذا فِرعونُ قال لقومه: {يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] أَهلَكه الله بأن أَخرَجه من مِصرَ التي كان يَفتَخِر بها باختِياره، خرَج مخُتارًا، بل خرَج وكأنه غانِم، كأنه رابِح في المَعرَكة، ثُم أَهلَكه الله بجِنْس ما يَفتَخِرُ به، أَهلَكه بالماء، ليَتبَيَّن أنَّ القُوَّة قُوَّة الله سبحانه وتعالى وأنَّ الله أشَدُّ من هَؤلاء قُوَّة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تعالى إذا أَراد بقَوْم سوءًا فلا مَرَدَّ له، لقوله:{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [غافر: 21]، وقد بَيَّن الله ذلك صَريحًا في قوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} [الرعد: 11] ، لا يَقِي
دون ما أَراد الله، لا قُصورٌ، ولا مَدافِعُ، ولا طائِراتٌ، ولا أيُّ شيء {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} .
لكن مِن رحمة الله عز وجل أن أَرسَل إلينا رسولًا علَّمَنا كيف نَتوَضَّأ، وكيف نُصلِّي، ثُم يَترَتَّب على هذا الوضوءِ والصلاة مَغْفِرَةُ الذُّنوب، إذا تَوضَّأ الإنسان فإنَّ خطاياه تَخرُج مع آخِر قَطْرة من قَطْر الماء، وإذا صلَّى؛ فالصَّلواتُ الخمْسُ مُكَفِّرَاتٌ لمِا بَيْنَهُنَّ، وإِذا تَوَضَّأ في بَيْتِهِ وأَسْبَغَ الوُضُوءَ، وخَرَج إِلى المَسجِد لا يُخرِجه إلَّا الصَّلاة، لم يَخُطَّ خُطوةً واحِدةً إِلَّا رَفَعَ الله لَهُ بِها درَجَةً، وَحَطَّ عَنْه بِهَا خَطِيئةً، أَحْصِ خُطواتِك من بيتك إلى المَسجِد في اليوم والليلة خمس مرَّات، كل هذا مِن فَضْل الله عز وجل ولولا أنَّ الله هَدانا هِداية إرشاد -ونَسأَل الله تعالى أن يُتمِّمَها بهِداية التَّوْفيق- لولا ذلِك لَهلَكنا، ولم نَعرِف كيف نَعبُد الله، وهذا من رحمة الله، أَرسَل الرسُل للناس ليُبيِّنوا لهم.
فإن قال قائِل: هل الإنسانُ مَأْجور على خُطواته إذا جاء إلى المَسجِد، وإذا عاد منه؟
فالجَوابُ: أي نعَمْ، أمَّا إذا جاء إلى المَسجِد، فقَدْ تقدَّم، وأمَّا إذَا رَجَع ففِي قِصَّةِ صَاحِبِ الحَمَّار الذي كان بَعيدًا من المَسجِد، فقيل له: أَلا تَشتَرِي حِمارًا تَركَبه؟ ! فقال: يا رَسولَ الله، إني أَحتَسِب مَمْشايَ إلى المَسجِد ورُجوعِي مِنْه. فقال:"لَكَ مَا احْتَسَبْتَ"
(1)
. فإِذا احتَسَب الإنسان هذا، فله ما احتَسَب.
لكن أَقول: إنه يَفوتنا كثيرًا الاحتِساب، فنُصَلِّي ونُريد أن نُؤدِّيَ الصلاة التي علَيْنا فقَطْ، لكن لا نَشعُر بأننا نَحتَسِب أَجْرها، وأننا سنَجِد أَجْر هذه الصلاةِ،
(1)
أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب فضل كثرة الخُطا إلى المساجد، رقم (663)، من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
أو أَجْر هذا الوُضوءِ، أو أَجْر هذه الخَطَأ، هذه تَفوتنا كثيرًا والاحتِساب له أثَرُه، لا من جهة الثواب، ولا من جهة أنه يحُثُّ المَرءَ على العمَل؛ لأنَّ الإنسان إذا عمِل فجُوزِيَ يَزداد عمَلًا؛ لكن إذا عمِل على أنه فَرْض عليه يُؤدِّيه فقَطْ صار كالذي يَقضي الدِّين عن نفسه، فيُعطِيه الدَّائِن؛ فلِذلِك أنا أَحُثُّ نَفْسي وإيَّاكم على هذه المَسأَلةِ، مَسأَلة الاحتِساب.
ومَعنَى الاحتِساب أن يُريد بعمَله الأجر والثواب، قال الله تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] ، احتَسِبِ الأَجْر من الله عز وجل، ونَسأَل الله أن يُذكِّرنا ذلك ويُعينَنا عليه.