الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات العَرْش، وقد تَكرَّر ذِكْره في القرآن الكَريم في آياتٍ عَديدة، ووَصْفه بأنه كَريم، وبأنه عَظيم، وبأنه مَجيد.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات أنَّ لهذا العَرْشِ حَمَلةً؛ لقوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} [غافر: 7]، وإثبات الحمَلة له مع قُدْرة الله سبحانه وتعالى على إِمْساكه بدون حمَلة إشعار بتَعْظيمه، وأنه عَظيم مُعتَنًى به؛ ولهذا نَجِد أن الله قال في السَّموات بغير عمَد، ولم يَذكُر لها حمَلة، والعَرْش ذكَر له حمَلة مع أن الذي أَمسَك السَّمواتِ والأرضَ أن تَزولا قادِر على إمساك العَرْش بلا حمَلةٍ، لكن هذا من باب التَّعظيم والتَّنويه بشَرَفه وعظَمته.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن حول هذا العَرْش مَلائِكةً، وأنهم كَثيرون، ربما نَستَفيد كَثْرتهم من قوله: (وَمَن حَوْلَهُ} [غافر: 7]، كأنَّ كل الذي حول العَرْش، ثُمَّ مَن الذي حَوْل العرش هل يُقدَّر بمَسافة عشَرة أمتار، أو عِشرين مترًا، أو مئة متر، أو أَلْف متر؟ يُقال: الحَوْل في كل مكان بحسَبه، فعِندنا مثَلًا الأرض صَغيرة بالنِّسبة للعَرْش، والذي حَوْل الإنسان فيها لا يَتَجاوَز عشَرة أمتار، ربما نَقول: مَن حَوْلك هو الذي يَسمَع كلامك المُعتاد، لكن مَن حول العَرْش، لا نَعلَم! قد تَكون مِساحاتٍ كبيرةً لا يَعلَمها إلَّا الله.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَعظيم هؤلاء الذين يَحمِلون العَرْش، والذين حول العَرْش، للربِّ عز وجل؛ لقوله:{يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَنزيهُ الله عز وجل عن كل نَقْص، وعن مُماثَلة المَخلوقين؛ فإن قيل: مُماثَلة المَخلوقين من النَّقْص، فلماذا نَقول: وعن مُماثَلة المَخلوقين؟ أفلا يَجدُر بنا أن نَقتَصِر على قولنا: تَنزيهُ الله عن النَّقْص؟
نَقول: لا، مُرادُنا بـ "التَّنزيه عن النَّقْص": أنَّ صِفاتِه الكامِلةَ مُنزَّهة عن النَّقْص، فقوَّتُه لا يَعتَريها نَقْص {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)} [ق: 38]، وعِلْمه لا يَعتَريه نَقْص {فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي} أي: لا يَجهَل {وَلَا يَنْسَى} [طه: 52]، فمُرادُنا بالنقص أن كَماله لا يَعتَريه النَّقْص، وأمَّا نفيُ المُماثَلة؛ فلأَنَّ الله نصَّ على نفيها، فيَنبَغي أن نَتَّبع في ذلك القُرآنِ أن نَقول: مُنزَّهٌ عن مُماثَلة المَخلوقين.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وَصْف الله عز وجل بالكَمال والإفضال؛ لقوله: {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ؛ لأن الحَمْد وَصْف المحمود بالكَمال والإفضال؛ لأن الله يُحمَد على كَماله، مثل قوله:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]، وكذلك مِثْل قوله:{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} [الإسراء: 111]، كل هذا حَمْد على الكَمال، ويُحمَد على إِفْضاله؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الله لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكلُ الْاكلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا"
(1)
هذا حمد على الإِفْضال.
إِذَن: يُستَفاد كَمال الله عز وجل وإفضاله؛ لقوله: {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن كَمال الكَمال بنَفْي النَّقْص، أو بالجمع بين نَفْي النَّقْص وإثبات الكَمال، فكَمال الكَمال أن تَجمَع بين النَّفيِ والإثبات في الكَمال، يُؤخَذ من قوله:{يُسَبِّحُونَ} هذا نَفيُ النَّقائِص، {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} إثبات.
إِذَنْ: كَمال الكَمال بالجمْع بين النَّفيِ والإثبات.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، رقم (2734)، من حديث أنس رضي الله عنه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضيلة المَلائِكة الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حَولَه، تُؤخَذ من إضافة الرُّبوبية إليهم على وَجْه، فإن هذه من الرُّبوبية الخاصَّة {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} ، وإضافة الربوبية إليهم من عِدَّة وُجوهٍ: منها اختِصاص الله لهم بحَمْل العَرْش، تَسبيحهم بحَمْد الله.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ المَلائِكة مُكلَّفون؛ لقوله: {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ، ووَجهُ الدَّلالة أنَّهم لولا أنهم مُكلَّفون قاموا بما كُلِّفوا به لم يَكونوا مُستَحِقِّين للثَّناء بالإيمان، لو كان هذا من طَبيعتهم وسَجيَّتهم لم يَكُن للثَّناء عليهم بذلك كبير فائِدة، ويَدُلُّ على أنَّهم مُكلَّفون قوله تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34]، ولا شَكَّ أن كل عِباد الله الذين لهم فَهْم وعَقْل لا بُدَّ أن يَكونوا مُكلَّفين.
فائدة: نُزول المَلائِكة في بدرٍ تَثْبيت لقُلوب المُؤمنين، ومُشارَكة لهم في هذا، من باب التَّأييد للمُؤمِنين ونُصرة الحَقِّ؛ ولهذا قال الله تعالى:{ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]، ومن المعلوم أيضًا أنَّ الله لو قال لهَؤلاء الكُفَّار: كونوا أَمْواتًا. لماتوا. المَسأَلة ليس مَعناها من باب العَجْز أو القُدْرة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَسخير الله عز وجل للمُؤمِنين أن تَستَغفِر لهم المَلائِكة، وليس المَلائِكة مُطلَقًا، بلِ المَلائِكة المُقرَّبون؛ لقوله:{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7].
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَثُّ على الإيمان حتى تَدخُل في ضِمْن مَن تَستَغفِر لهم المَلائِكة، والإيمان كلُّه خير وسُرور ونعْمة في القلب، ونعمة في البدَن، حتى البلاء الذي يُصيب المُؤمِن هو له خَيْر؛ فلِهذا نقول: احْرِص على تَحقيق إيمانك بفِعْل الوسائِل التي تُنمِّي هذا الإيمانَ وتُغذِّيه وتُقوِّيه.
الْفَائِدَةُ الثَانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّوسُّل إلى الله سبحانه وتعالى بصِفاته، كما يُتوسَّل إليه بأسمائه، فهنا تَوسَّل المَلائِكة إلى الله بالرُّبوبية في قولهم: ({رَبَّنَا} وتَوسَّلوا إليه بسَعة الرحمة {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً} ، وبسَعة العِلْم {وَعِلْمًا} ، والتَّوسُّل إلى الله تعالى بصِفاته من أسباب إجابة الدُّعاء، كالتَّوسُّل إليه بأسمائه.
وهنا يَجدُر بنا أن نَتعَرَّض لمَعنى الوَسيلة وحُكْمها:
فالوَسيلة فِعْل ما يُوصِّل إلى المَقصود يُسمَّى وَسيلة، وربما نَقول: إنه تَناوَبَت فيه السين والصاد، وأن أَصْل الوَسيلة يَعنِي: الوَصيلة، وَصيلة بمعنى مُوصِلة، فهي فَعيل بمعنى مُفعِل.
والوسائِل لا بُدَّ أن تَكون مَعلومة: إمَّا بالشَرْع، وإمَّا بالحِسِّ، وإنَّما قُلتُ ذلك لدَفْع الوسائل المَوْهومة؛ كالذين يُعلِّقون على صدورهم أَشياءَ لم يَثبُت شَرْعًا ولا حِسًّا أنها مُفيدة، لكن على سبيل الوَهْم، أو الذين يُعلِّقون نُحاسًا أو خُيوطًا، أو ما أَشبَه ذلك، هذه وَسائِلُ للشِّفاء ادعوها، ولكنها حقيقة ليست وَسيلةً؛ لانتِفاء ثُبوت ذلك شَرْعًا وحِسًّا.
وإذا كانت الوَسيلة هي فِعْلَ ما يُوصِل إلى الشيء فالعِلْم بإيصال هذا إلى المَقصود - العِلْم بكونه مُوصِلًا - يَأتِي عن طريق الشرع، أو عن طريق الحِسِّ، فكون العسَل شِفاء وتَناوُله وَسيلة للشِّفاء، هذا علِمناه بطريق شَرعي، وربما حِسِّيٍّ أيضًا بعد التَّجرِبة، وكون السَّنَا محُرِّكًا للبطن مُسهِلًا له هذه وَسيلة حِسِّية، والسَّنَا باللغة العامِّية يُسمَّى السَّناوين، وهو أوراق شجَر مَعروف يُخمَّر بالاء ثُم يُشرَب على الرِّيق، فإذا شرِبه الإنسان على الرِّيق فإنه يُسهِله ويُنظِّف بَطْنه، وكان الناس يَستَعمِلونه كثيرًا قبل أن تَأتِيَ هذه الأَدْويةُ، يُسمَّى سنا مَكَّةَ، وله أسماءٌ مُخْتَلِفة.
فالوَسيلة إِذَن هي فِعْل ما يُوصِل إلى المقصود، والعِلْم بإيصاله إلى المَقْصود، يَأتِي عن طريق الشَّرْع وعن طريق الحِسِّ.
والوَسائِل هي التَّوسُّل إلى الله تعالى بإجابة الدُّعاء، أن تَفعَل شيئًا يُوصِل إلى الإِجابة، ولا طريقَ لنا إلى العِلْم بإيصاله الإجابة إلَّا عن طَريق الشرع.
إِذَنْ: نَنظُر التَّوسُّل إلى الله تعالى بأسمائه، هذا القِسْمُ الأوَّلُ، ودَليله قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، فتَقول: اللهُمَّ يا غَفورُ يا رحيمُ اغفِرْ لي وارْحَمْني. هذا تَوسُّل إلى الله بأسمائه.
الثاني: التَّوسُّل إلى الله بصِفاته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَيكَ عَلَى الخَلْقِ أَحْيِني إِذَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي"
(1)
تَوسُّل بـ "عِلْمِكَ الْغَيْبَ" والعِلْم صفة "وَقُدْرَتكَ عَلَى الخَلْقِ" والقُدرة صِفة، فتَقول: "اللهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ وقُدْرَتك عَلَى الخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي
…
" إلى آخرَه.
القِسْم الثالِث: التَّوسُّل إلى الله بأَفْعاله، ومنه قوله تعالى عن مُوسى عليه الصلاة والسلام:{رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17]، إن جعَلنا قوله:{فَلَنْ أَكُونَ} من باب الدُّعاء، وإن جعَلْناها من باب الالتِزام لم تَكُن من هذا البابِ.
ولكن من هذا البابِ قولُه عليه الصلاة والسلام وهو يُعلِّمنا كيف نُصلِّي عليه: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ"
(2)
فالكاف هنا ليسَت للتَّشبيه، الكاف للتَّعليل، يَعنِي: صلِّ على محُمَّد وآل محُمَّد؛
(1)
أخرجه الإمام أحمد (4/ 264)، والنسائي (1305) من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (6357)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد، رقم (406)، من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
لأنك صلَّيْت على إبراهيمَ، فتَوسَّل إلى الله بفِعْله، يَعنِي: كما منَنْت أوَّلًا على إبراهيمَ وآله فامنُنْ ثانيًا على محُمَّد وآله.
القِسْم الرابع: التَّوسُّل إلى الله تعالى بالإيمان بالله، وهذا من فِعْلك أنت، ومنه قوله تعالى:{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} هذه الوَسيلةُ {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا} ؛ أي: بسبَب ذلك اغفِرْ لنا {ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]، هذا تَوسُّل إلى الله بالإيمان به.
القِسْم الخامِس: التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح، لأنَّ العمَل الصالِح سبَب للمَثوبة، ومن المَثوبة حُصول ما دعَوْت به، ودليلُه: قِصَّة أصحاب الغار التي حدَّثَنا بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
(1)
، أصحاب الغار ثلاثة، آواهُمُ المَبيت الليل، فلَجَؤُوا إلى غار فدخَلوا به، فتَدحْرَجت عليهم صَخْرة عظيمة من الجَبَل فسَدَّت عليهم بابَ الغار، ولم يَستَطيعوا أن يُزَحْزِحوها ولا مُغيثَ لهم إلَّا الله، ليس حولهم بشَر، فتَوسَّلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحِة، أحدُهم تَوسَّل إلى الله ببِرِّ والِدَيْه، والثاني تَوسَّل إلى الله بالعِفَّة التامَّة، والثالِث تَوسَّل إلى الله بالأمانة التامَّة، فبِرُّ الوالدين عمَل صالِح، والعِفَّة عمَل صالِح، والأمانة وأداء الأمانة عمَل صالِح، فلمَّا تَوسَّل الأوَّل منهم انفَرَجَت الصَّخْرة، لكن لا يَستَطيعون الخُروج، تَوسَّل الثاني فانفَرَجَت الصخرة، ولكن لا يَستَطيعون الخُروج، تَوسَّل الثالِث فانفَرَجَت الصخرة مرَّة واحِدة، فخرَجوا يَمشون.
هذا التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرًا فترك الأجير أجره، رقم (2272)، ومسلم: كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، رقم (2743)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
السادِس: التَّوسُّل إلى الله بحال الشخص، تَتَوسَّل إلى الله تعالى بذِكْر حالِكَ، أنك فَقير، محُتاج إلى الله، مَريض، وما أَشبَهَ ذلك، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام دليله - وإن شِئْت قلتَ: مثل؛ لأن هذا يَصلُح دليلًا وتمَثيلًا -: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، لمَّا سقَى للمَرْأَتين تَولَّى إلى الظِّلِّ؛ ليَستَظِلَّ به فقال:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} لم يَقُل: أَعطِني، لكن تَوسَّل إلى الله بحاله؛ لأنَّ قول القائِل: أنا فَقير، أنا محُتاج، أنا مَسَّنِي الضُّرُّ. وما أَشبَه ذلك يَعنِي: فأَعطِني، اشفِنِي، وقد جمَع أَيُّوبُ عليه الصلاة والسلام بين ذِكْر الحال والتَّوسُّل بالأسماء فقال:{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، الأوَّلُ:{مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ذِكْر الحال، والثاني بالأَسْماء.
السابِع من التَّوسُّل الجائِز: التَّوسُّل إلى الله بدُعاء مَن تُرجَى إجابتُه، ومنه تَوسُّل الصحابة رضي الله عنه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يَدعوَ الله لهم، مثل: الاستِسْقاء، والاستِصْحاء، وغير ذلك كثير.
ومن ذلك تَوسُّل الناس عمومًا يوم القِيامة بشفاعة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الله أن يَقْضِيَ بينهم. هذه سَبْعة.
وقولنا: "التَّوسُّل إلى الله بمَن تُرجَى إجابتُه" يُستَفاد منه أن التَّوسُّل إلى الله تعالى بمَن لا تُرجَى إجابته لا يَجوز؛ لأنَّ هذا استِهْزاء بالله، لو أَنَّك أَتَيْت بصاحب رِبًا يَأكُل الرِّبا، وَيأكُل المال بالظُّلْم والغِشِّ والكذِب وقلت: ادْعُ الله لي. فإن هذا لا يَجوز؛ لأَنَّك تَوسَّلْت إلى الله بمَن تَبعُد إجابتُه، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكَر الرجُل يُطيل السفَر أشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يديه إلى السماء يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَلبَسُه حرام، ومَطعَمه حرام،
وغُذِّيَ بالحَرام قال: "فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ"
(1)
وهو سُخرية، لو أنك أَتَيْت بشَخْص - ولله المثل الأعلى - ليَتوجَّه لك إلى ملِك كان الملِك يُبغِض هذا الشَّخْص ويُبعِده، يَكون هذا استِهْزاء بالمَلِك واستِهْتارًا به، كلُّنا يَعرِف هذا، فلا يَجوز أن تَتوَسَّل إلى الله تعالى بدُعاء مَن لا تُرجَى إجابتُه، لأن هذا من باب السُّخرية بالله عز وجل، هذه سَبْعة أقسام من التَّوسُّل الجائِز.
فائدة: الوَسائِل ليسَت هي الوَسائِطَ، الوسائِلُ ليس فيها وسائِطُ إلَّا السابِعة، وهي التَّوسُّل إلى الله بدُعاء مَن تُرجَى إجابتُه.
وإن قيل: لماذا أَخرَج العُلَماء التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح عن التَّوسُّل بالإيمان؟
فالجوابُ: لأن الإيمان بالقَلْب، والعمَل الصالِح بالجَوارِح، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 6]، فالإيمان بالقَلْب، والعمَل الصالِح بالجوارِح، ولكن العمَل الصالِح من الإيمان.
فإن قال قائِل: أيَجوز أن أَتوَسَّل بمَحبَّة الرسول، فأَقول: اللَّهُمَّ بمَحبَّتي لرَسولِك؟
فالجواب: يَجوز، لأن محَبَّة الرَّسول لا شَكَّ أنه عمَل صالِح، فإن من أَفضَل الأعمال محَبَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لا يُؤمِن الإنسان حتى يَكون رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحَبَّ إليه من نَفْسه وولَده ووالِده والناس أَجْمعين.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم (1015) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فإن قال قائِل: ما حُكْم التَّوسُّل إلى الله بمَحبَّة الصالحِين والعُلَماء؟
فالجوابُ: مَحبَّة الصالحِين والعُلماء هي عِبادة تُقرِّب إلى الله.
إِذَنْ: هي عمَل صالِح تَدخُل في التَّوسُّل إلى الله بالعمَل الصالِح.
فإن قال قائِل: ما حُكْم تَخصيص العالِم بعَيْنه؟
فالجوابُ: الأحسَنُ ألَّا تُخصِّص؛ لأن العالِم بعَيْنه - نَسأَل الله تعالى أن يَحمِيَنا وإيَّاكم، ويَجعَل ظواهِرنا كبواطِننا، أو بواطِننا خيرًا منها - لا تَدرِي حقيقته، قد تَغتَرُّ بإنسان، ولكن لا يَكون على ما تَظُنُّ، لكن عمِّمِ: اللَّهُمَّ بحُبِّي لعلماء الشَّرْع احشُرْني معهم، بحُبِّي للصالحِين اجعَلْني معَهم. وما أَشبَه ذلك.
أمَّا التَّوسُّل المَمنوع: كأن يَتوَسَّل إلى الله بما ليس بوَسيلة، مثل: تَوسُّل المُشرِكين بأَصْنامهم، حيث يَقولون:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فهذا لا يَنفَع.
ومن ذلك التَّوسُّلُ إلى الله بجاهِ الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يَجوز، لأَنَّه تَوسُّل بما ليس بوَسيلة، فلا تَستَفيد من جاهِ الرَّسول عند الله شيئًا، لأن جاهَ الرسول عند الله إنَّما يَنفَع الرَّسول فقَطْ لا عَلاقةَ لي به، فلِذلك يَكون التَّوسُّل بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم ممنوعًا محُرَّمًا، أوَّلًا: لأنه لم يَرِد، والثاني: لأنه ليس بوَسيلة، إذ إن الوَسيلة هي فِعْل ما يُوصِّل إلى المَقصود، وأي ارتباط بين جاه الرَّسول عند الله وبين مَطلوبك؟ !
فصار التَّوسُّل المَمنوع شيئين:
الأوَّل: التَّوسُّل الشِّرْكيُّ: تَوسُّل المُشرِكين بآلهِتَهم لتَقرُّبهم إلى الله، فإن هذا لا شَكَّ أنه وَسيلة غيرُ صحيحة، وأنها باطِلة، على أن تَسميتنا إيَّاها وَسيلة إنما نُريد
مَن لا يَعبُد الأصنام، أمَّا مَن يَعبُد الأصنام فإنه مُشرِك ولم يَتوَسَّل إلى الله تعالى بشيء.
والثاني: التَّوسُّل إلى الله تعالى بجاهِ الرَّسول.
فإن قال قائِل: ما هو الضابِط في الفرق بين الوَسيلة الشِّرْكية والوَسيلة البِدْعية؟
فالجوابُ: الوَسيلة البِدْعية هي التي لم تَرِد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، والشِّرْكية هي ما تَتَضمَّن إشراك غير الله مع الله، مع أنَّ البِدْعة تُسمَّى شِرْكًا بالمَعنى العامِّ؛ لأن المُبتَدِع شرَع شرعًا لم يَشرَعه الله، وقد سمَّى الله ذلك شِرْكًا، فقال:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، لكن ما كان مَظهَرُه مَظهَرَ الشِّرْك غلِّب عليه اسمَ الشِّرْك، وما كان مَظهَره سِوى ذلك فيُسمَّى بالاسم الذي يَختَصُّ به؛ ولهذا قال بعضُ العُلَماء: إن جميع المَعاصِي شِرْك؛ لأنَّ الإنسان أَشرَك فيها مع الله هَواه، كما قال تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23].
فإن قال قائِل: هل يَجوز تَصنيف الشِّرْك يَعنِي: مثَلًا من الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} ، نُسجِّل هذا شِرْك الطاعة أو شِرْك الاتِّباع؟
فالجَوابُ: هو شِرْك اتِّباع، أمَّا شِرْك الطاعة هذا شِرْك عِبادة؛ ولهذا من أَحسَن حدود الطاغوت ما قاله ابن القيِّم رحمه الله: ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه من مَعبود، أو مَتبوع، أو مُطاع
(1)
؛ فالمَعبود: الأصنام، والمَتبوع: العلماء، والمُطاع: الأُمَراء.
وهذا أحسَنُ ما يُقال في حد الطاغوت، لكن باعتِبار الطاغِي، أمَّا باعتِبار المَعبود أو المَتبوع أو المُطاع؛ هؤلاءِ ليسوا طواغيتَ باعتِبار ذواتِهم؛ لأنَّ العالم قد لا يَرضَى بهذا الشيءِ والأمير كذلك، والمَعبود كذلك، لكن باعتِبار الفاعِل هي
(1)
إعلام الموقعين (1/ 40).
طَواغيتُ - باعتِبار الفاعِل يَعنِي: أنه طغَى فيها هي مَحَلُّ طُغيانه - ومَعنى كونِها طواغيتَ أنها مَحلُّ طُغيانه، وليسَت هي طاغِيةً. فعِيسى ابنُ مَريمَ عليه الصلاة والسلام مَعبودٌ، لا نَقول: إنه طاغوت، لكنه مَحَلُّ طُغيان الذين عبَدوه، انتَبِهوا لهذه النُّقطةِ؛ لأن بعض الناس استَشكَل كلام ابن القَيِّم، وقال: كيف نَقول هذا الكَلامَ؟ إذن عِيسى طاغوتٌ؛ لأنه مَعبود، فممال: مُرادُه رحمه الله أن مَحلَّ الطُّغيان يَكون في المَعبود والمَتْبوع والمُطاع.
فإن قال قائِل: الله عز وجل يَقول: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] كيف عُبِد سيِّدُنا عيسى وغيرُه من الصالحِين؟
فالجَوابُ: قال الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 98 - 101].
وعيسى مِمَّن سبَقتْ لهُمُ الحُسنى؛ ولهذا ضرَب الكُفَّار عِيسى مثلًا وقالوا لمَّا نزَلَتِ الآية: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قالوا: إِذَن عِيسى في النار جدَلًا، فأَنزَل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} مثل قوله: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} [الزخرف: 58]، قال الله تعالى:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]، وأَبغَضُ الرِّجالِ إِلَى الله الأَلدُّ الخَصِمُ.
فائدة: الفَترةُ وهي امتِداد بين عِيسى ومحُمَّد عليه الصلاة والسلام لحِكْمة؛ وذلك حتى يَعرِف الناس شِدَّة ضَرورتهم إلى الرِّسالة.
مسألةٌ: ذكَر بعض أهل العِلْم أنه من تمَام حُسْن أدَب الإنسان مع الله عز وجل، ومع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع صَحابته ومع العُلَماء إذا ذُكِر الله تعالى قال: عز وجل. والنبيُّ يُصلِّي عليه، والعُلماء يَتَرحَّم عليهم، والصحابة يَترضَّى عليهم، هل هذا على إطلاقه؟ وهل مَن ترَكَه فإنه خَيْر عَظيم؟
الجَوابُ: أمَّا من جهة الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فإنه لا شَكَّ أنه إذا ذُكِر فإن الإنسان مَأمور بالصلاة عليه، إمَّا وجوبًا، وإمَّا استِحْبابًا، فمِن العُلَماء مَن أَوجَب عليك إذا ذُكِر عندك اسمُ الرسول أن تُصلِّيَ عليه لحديث:"رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ قُلْ: آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ"
(1)
.
وأمَّا الله عز وجل فليس بشَرْط الثَّناء عليه عند ذِكْره، ولهذا دائمًا يَقول الرسول صلى الله عليه وسلم قَوْلًا يُسنِده إلى الله ولا يَذكُر وَصْفًا بالعِزَّة، أو الجَلال، أو التَّعالِي، أو التَّبارُك، أحيانًا يَقول وأَحيانًا لا يَقول، فكونُك أحيانًا تَقول وأحيانًا لا تَقول فهذا أحسَنُ.
وكذلك بالنِّسْبة للتَّرَضِّي عن الصحابة، أو التَّرحُّم على مَن بَعدهم، كل هذا لا يُتَّخَذ سُنَّة راتِبة، ولكن إن ذُكِر أحيانًا فهو حسَن، أمَّا اتِّخاذه سُنَّة راتِبة فهو يَحتاج إلى دَليل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيان الصِّيغة التي تَقولها المَلائِكة في استِغْفارهم للمُؤمِنين، أنَّهم يَتوسَّلون أوَّلًا، ثُم يَطلُبون ثانيًا {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ
(1)
أخرجه البزار في مسنده (10/ 192 رقم 4277)، من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (646)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (1888)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وليس فيه قوله:"قل: آمين). وأخرجه أبو يعلى في مسنده رقم (5922)، وابن حبان في صحيحه رقم (907)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ: "ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين".
لِلَّذِينَ تَابُوا} [غافر: 7].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَعة رحمة الله؛ لقوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً} .
فإن قال قائِل: كيف يَصِحُّ ذلك وأكثَرُ بني آدَمَ كُفَّار، فأين الرحمة؟
فالجوابُ: هم مَرحومون بالرَّحْمة العامة، فمَن يُخرِج لهم النَّبات، مَن يُنزِل لهم المطَر، مَن يَجعَلهم أصِحَّاءَ، مَن يُمتِّعهم بالسَّمْع والبصَر إلَّا الله، وهذه رحمة، فرَحْمة الله وسِعَت كلَّ شيء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: سَعة عِلْم الله؛ لقوله: {وَعِلَمًا} .
ويَترتَّب على هاتين الفائِدَتَيْن: أنَّ الإنسان مَتى علِمَ ذلك تَعرَّض لرحمة الله؛ لعله يَكون من الداخِلين فيها، وإذا آمَن بسَعة عِلْم الله استَحْيَى من الله أن يَفقِده حيث أمَرَه، أو يَجِده حيث نَهاه، فلو قال لك أَبوك: يا بُنَيَّ لا تَفعَل كذا. فأنت إذا غاب أبوك ولكَ هَوًى فيه تَفعَله لا شكَّ؛ لأنه لا يَعلَم بك، فإذا كان يُشاهِدك لا تَفعَله. فالله عز وجل لا يَغيب عنك، إِذَنْ لا تَفعَله لا في السِّرِّ ولا في الجهر إذا كان فيما نَهَى الله عنه، ولا تَتْرُكه إذا كان فيما أمَر به، ولهذا نَقول: لا يَفقِدُك الله حيث أمَرَك، ولا يَجِدك حيث نَهاك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة التَّوْبة؛ حيث علقت المَلائِكَة بطلَب المَغفِرة بها فقالوا: {لِلَّذِينَ تَابُوا} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ من تَحقيق التوبة اتِّباعَ سبيل الله؛ لقوله: {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} ؛ ولهذا نَجِد أنَّ الله تعالى يَقرُن دائِمًا مع التوبة ذِكْر العمَل الصالِح: {إِلَّا مَنْ
تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان: 70].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: فضيلة الإسلام؛ لإِضافته إلى الله عز وجل.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كمال الإسلام بإضافته إلى الله، ففيه الفَضيلة بإضافته إلى الله باعتِباره مُوصِلًا إليه، وفيه الكَمال بإضافته إلى الله باعتِباره واضِعًا له، أنه هو الذي شرَعَه، وهو كامِل، والكامل لا يَشرَع إلَّا كامِلًا.
الْفَائِدَةُ العِشْرُونَ: أنَّ المَلائِكة أكَّدوا المَغفِرة بحصول أثَرِها، وهي قولهم:{وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} ، وذلك أنَّ التَّوْبة لا تَكون إلَّا بالوِقاية من الجَحيم، ولكنهم أكَّدوا ذلك لعِظَم هذا العَذابِ - عذاب الجحيم - فنَصُّوا عليه لهذا السبَبِ، وإِلَّا فإنَّ التَّوْبة في الحقيقة والمَغفِرة تُوجِب الوِقاية من عَذاب الجَحيم، ولكن النَّص عليه يَكون في ذلك زيادة على ما يَتَضمَّنه المَعنَى العامُّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُونَ: الرَّدُّ على الجَبْرية، تؤخذ من قوله:{وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} فأَضاف الاتِّباع إليهم ولو كانوا مجُبَرين على ذلك لم يَصِحَّ أن يُضاف الفِعْل إليهم، ولهذا إذا أُكرِه الإنسان على الكُفْر لا يَكفُر؛ لأن الفِعْل لا يُنسَب إليه حقيقةً فهو مُكرَه عليه، والله أَعلَمُ.
* * *