الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{يَقُولُ لَهُ} على كلامِه. أي: يُريد أن يَكون فكان، ولا شَكَّ أن هذا تَحريف للكلِمِ عن مَواضِعه، نَسأَل الله تعالى أن يَعفُوَ عمَّن حرَّفه بحُسْن نِيَّة، والمفَسِّر لا نَعتَقِد فيه -إن شاءَ الله- إلَّا الخيرَ، لكنه أَخطَأ في هذا، والصواب أنه يَقول قولًا مَسموعًا يَسمَعه المُوجَّهُ إليه، فيَمتَثِل أَمْر الله عز وجل.
فإن قال قائِل: البعض يَقول: سُبحانَ مَن أَمْره بين الكاف والنون، فهل هذا صحيح؟ .
فالجوابُ: ليس بصحيح، فأَمْره بعد الكاف والنون {كُنْ} فهو يَكون بعد الكاف والنون. يَعنِي: أَمْره هنا بمعنى: مَأمور، فإن كان الأَمْر هو الفِعْل فهو قبل الكاف والنون، وإن كان الأَمْر هو مَأموره فهو بعد الكاف والنون.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يُحيِي ويُميت، وهذا من تمَام رُبوبيته.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإحياء والإماتة ليسَتْ صَعْبة عليه، لقوله:{وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على مُنكِري البَعْث الذين قالوا: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} وجهُه أنه إذا قَضَى البَعْث يَقول: {كُنْ فَيَكُونُ} ولهذا قال سبحانه وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا} [يس: 77 - 80]،
إلى أن قال: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
ولنَأتِ على بَيان الأدِلَّة الدالَّة على قُدْرة الله عز وجل على إحياء المَوْتى في هذه الآياتِ، لقَد ذكَر الله تعالى ثَمانية أَوْجُه على قُدْرته على إحياء المَوْتى:
الدليلُ الأوَّل: قوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} وجهُ الدَّلالة على قُدْرته على إِحياء المَوْتى من هذه الجُملةِ؛ لأن الذي قدَرَ على إِنْشائها أوَّلَ مرَّة قادِر على إعادتها؛ لأن الإعادة أَهوَنُ {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27].
الدليلُ الثاني: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} وجهُ الدَّلالة: الذي يَخلُق المَخلوقاتِ عالِمٌ بما خلَقَ. يَعنِي: هو لا يَخفَى عليه الخَلْق، فإذا كان لا يَخفَى عليه الخَلْق فما الذي يُعجِزه وهو على كل شيء قَديرٌ.
الدليل الثالث: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا} وجهُ دَلالة هذه الجُمْلةِ على قُدْرة الله على إِحياء الموتى أنه يُوجَد شجَر مَعروف في الحِجاز إذا ضرَبْته بالقَدَح هكذا اشتَعَل نارًا فخرَجَت النار من ضِدِّها، فالذي أَخرَج الضِّدَّ من ضِدِّه قادِر على أن يُحيِيَ الموتى، فالشجَر الأخضَر فيه الرُّطوبة والبُرودة، والنار فيها اليُبوسة والحرارة، فيُخرِج هذه المادَّةَ الحارَّة اليابِسة من مادة رَطْبة بارِدة، وهذا من تمَام القُدْرة، وقوله:{فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} هذا للتَّأْكيد، لتأكيد أنه خرج هذا وأَوْقَدْتُموه.
الدليل الرابع: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى} الذي خلَق السمَواتِ والأرضَ يَقدِر على إحياء المَوْتى، وجهُ الدَّلالة كما أنه خلَق السمواتِ والأرضَ على عظَمَتها فخَلْق الإنسانِ من بابِ أَوْلى أو إعادته؛
لأن خَلْق السمَواتِ والأرضِ أكبَرُ من خَلْق الناس، فالقادِر على الأكبَرَ قادِرٌ على ما دونَه.
الدليل الخامس: {وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} فإذا كان الخَلَّاق العليم فهو قادِرٌ على أن يَخلُق كلَّ شيء، ومنه إعادة الموتى.
الدليل السادس: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وجهُ الدَّلالة أن (شيئًا) نكِرَة في سِياق الشَّرْط فتَعُمُّ كل شيء حتَّى إحياء الموتى، أن يَقول له: كُنْ. فيَكون لا يَحتاج إلى أعوان، ولا إلى تَردُّد.
الدليل السابع: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} هذه الجُملةُ، وجهُ الدَّلالة منها:
الوجهُ الأوَّلُ: إذا كان مالِكًا لكل شيء -من عُموم {كُلِّ} -، فإنه إذا كان مالِكًا لكل شيء فالبَعْث يَدخُل ضِمْن العُموم.
الوجهُ الثاني: (سُبحان) تَنزيهُ الله عن النَّقائِص.
الوجهُ الثالِثُ: كون الله تعالى مالِك كل شيء هو خالِقه، خالِق كل شيء، وخالِق الشيءِ مالِكٌ له.
الدليل الثامن: قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وجهُ الدَّلالة فيه: لولا هذا الرُّجوعُ لكان الخَلْق عبَثًا، فكونُنا لا بُدَّ أن نَرجِع إلى الله، إِذَنْ فلا بُدَّ من الإحياء، وإلَّا لكانت الحياة كلُّها عبَثًا، فانظُرْ إلى تَقرير الله عز وجل الإحياءَ بعد الموت؛ لأنه يَنبَني عليه العمَل، لو أن أحَدًا لا يُؤمِن بيَوْم الحِساب لم يَعمَل، ما دام ليس في إلَّا الحياة الدنيا نَموت ونَحيا فلأيِّ شيءٍ يَعمَل، إِذَنْ إنسان يَعمَل في الدنيا يَنهَب، ويَسرِق، ويَزنِي،
ويَشرَب الخَمْر، ويَعمَل كل شيء؛ لأنه ليس وراءَ هذه الدُّنيا شيء.
فلا يُمكِن أن نَستَقيم إلَّا بالإيمان باليومِ الآخِر؛ ولهذا تَجِدون الله عز وجل يَقرُن الإيمان باليوم الآخِر بالإيمان به في مَواضِعَ كَثير، ربما لو أَحصَيْناها لوجَدْناها أكثَرَ من الإيمان به وبالرُّسُل؛ لأن الإيمان باليومِ الآخِرِ عليه أساس العمَل، ونحن لولا أننا نَعتَقِد ونُؤمِن بأن أعمالنا أمامَنا يوم القِيامة، ما حرَصْنا على العمَل الصالِح؛ لأنه يَذهَب هَباءً؛ فلهذا الإيمانُ باليوم الآخِر من أعظَمِ البواعِث على الاستِقْرار، أمَّا مَن لا يُؤمِن باليَوْم الآخِر -والعِياذ بالله- ولا بالبَعْث، فهذا سيَكون عمَله كلُّه هَباءً.