الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات (70 - 72)
قَالَ اللهُ عز وجل: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 70 - 72].
ثُم قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} هذا بدَل من قوله: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ} أو عَطْف بَيان، والفَرْق بينهما أن عَطْف البَيان يُشبِه الصِّفة في بَيان المُبدَل منه، وأمَّا البدَل فقد يَكون بدَلًا مجُرَّدًا عن الصِّفة، فمثَلًا إذا قُلْت: جاء زَيْد أَخوك. أخوك هنا بدَل لم يَستَفِد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عَطْف البيان مِثْل هذه الآيةِ:{الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ} فقَدِ استَفَدْنا منها مَعنًى هو إلى الصِّفة أَقرَبُ منه إلى البدَلية؛ فلهذا يُسمُّونه عطْفَ بَيان {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ} ؛ أي: قالوا إنَّه كذِبٌ. والكِتاب هنا محُلًّى بـ (أل)، فهل هي للعَهْد، أو للاستِقْرار، أو للجِنْس؟ أَقرَبُ شيء أنها للجِنْس، والمفَسِّر رحمه الله جعَلها للعَهْد فقال:[القُرآن] ولا شَكَّ أنه لا يَجوز العُدول عن الجِنْس أو بَيان الحَقيقة، لا يَجوز العُدول عن ذلك إلَّا بدَليل.
فما هو الأصل في (أل) أن تَكون لبَيان الحَقيقة أو لبيان الجِنْس أو للعَهْد؟
الجواب: لبَيان الجِنْس؛ لأن بيان الجِنْس يَعنِي: الاستِغْراق، وهذا هو الأصل،
فإذا جعَلْتها للعهد فقَدْ عدَلْت بمَعناها العامِّ إلى مَعنًى خاصٍّ، وكذلك إذا جعَلْتها للحَقيقة، ونحن نَضرِب ثلاثة أمثِلة؛ ليَتبيَّن الأمر، إذا قلت: الرجُل خَيْر من المرأة. فهي ليسَتْ للعُموم؛ لأن من النِّساء من هو خَيْر من الرِّجال؛ إِذَنْ: هذا لبَيان الحَقيقة.
فإذا أَورَد عليك مُورِد {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} أيِّ شيءٍ هذا؟ للجِنْس -يَعنِي: للعُموم، يَعنِي: خُلِق كلُّ إنسان ضَعيفًا-.
وإذا أَورَد عليك قولَ الله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15 - 16] فهي للعَهْد الذِّكريِّ.
قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} هذا أيضًا للعَهْد؛ أي: العَهْد الذِّهنيِّ.
هنا قال المفَسِّر رحمه الله: حمَل قولَه: "الكِتاب" على العَهْد الذِّهنيِّ، وقال: إنَّه [القُرآن]، والصَّواب أنه عامٌّ، وأن المُراد به جِنْس الكِتاب، وذلك لأن التَّوراة كَذَّبت بها أُناسٌ، والإِنْجيل كذَّب به أُناس، وكذلك الزَّبور وبَقيَّة الكُتُب، وآخِرُها القُرآن.
{الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} قل المفَسِّر رحمه الله: [مِن التَّوْحيد والبَعْث وهُمْ كُفَّارُ مكَّةَ {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}].
قوله عز وجل: {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} عَطَفها على قوله: {بِالْكِتَابِ} بإِعادة العامِل؛ لأن العَطْف يَكون بإعادة العامِل وبغَيْر إعادة العامِل، فتَقول: مرَرْت بزَيدٍ وعَمرٍو. هذا عَطْف بدون إعادة العامِل، مرَرْت بزَيْد وبعَمْرٍو هذا عَطْف
بإعادة العامِل، ويُفيد إعادة العامِل استِقْلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابِعًا له من كل وَجْه بدليل إعادة العامِل، فقوله:{وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} يَدُلُّ على أن ما أُرسِلَت به الرُّسُل كأنه مُستَقِلٌّ عن الكِتاب؛ ولهذا كانَتِ السُّنَّة بمَثابة الكِتاب في الدَّلالة بوُجوب العَمَل بها.
وقوله: {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} قال المفَسِّر رحمه الله: [من التَّوْحيد والبَعْث وهُمْ كُفَّار مكَّةَ] التَّوْحيد يَعنِي: تَوْحيد الله عز وجل بما يَستَحِقُّ من الأسماء والصِّفات والعِبادة والربوبية، وأمَّا البَعْث فهو إخراج الناس من قُبورهم يومَ القِيامة.
وقوله: [وهُمْ كُفَّارُ مكَّةَ] هذا لا وَجهَ له؛ لأن هذا الوَصفَ التَّكذيب بالكِتاب، وبما أُرسِل به الرُّسُل لا يَختَصُّ بأَهْل مكَّةَ هم وغيرهم، فالأَوْلى أن يُجعَل هذا عامًّا في كل مَن كذَّب بمُحمَّد صلى الله عليه وسلم، بل قُلْ: عامًّا لكل مَن كذَّب الرُّسُل انتَبِهْ.
لكن إذا قال قائِلٌ: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أَلَا تَدُلُّ بذلك على أن المُراد بذلِكَ الكُفَّار الذين كذَّبوا محُمَّدًا صلى الله عليه وسلم؟
الجَوابُ: لا؛ لأن قوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تَهديد بما سيَكون في الدُّنيا، وما سيَكون في الآخِرة بدليل قوله:{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} والأغلال لا تَكون في الأَعْناق إلَّا يوم القِيامة.
قال المفَسِّر: [{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عُقوبةَ تَكذيبِهم {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} {إِذِ} بمَعنَى: إذا، {وَالسَّلَاسِلُ} عَطْف على {الْأَغْلَالُ} فتكون في الأَعْناق، أو مُبتَدَأ خبَرُه مَحذوف؛ أي: في أَرجُلِهم، أو خبَرُه {يُسْحَبُونَ} أي: يُجَرُّون بها].
قوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} هو تَهديد بلا شَكٍّ؛ كقوله سبحانه وتعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} ، فقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ
أَعْنَاقِهِمْ} فيَقول المفَسِّر رحمه الله: إن [{إِذِ} بمَعنَى: إذا]، ومن المعلوم أن (إِذْ) تَأتِي للحاضِر وتَأتِي للماضِي، و (إذا) تَكون للمُستَقبَل، فما الذي جعَل المفَسِّر رحمه الله يَصرِف مَعناها إلى المُستَقبَل؟
الذي جعَله يَصرِف ذلك إلى المُستَقبَل أن الأَغلال لا تَكون إلَّا يوم القِيامة، وهو مُستَقبَل.
ولكنَّنا نَقول: لا حاجةَ إلى ذلك، بل هي (إِذْ) على بابها، ولكنَّها حِكاية حال، وحِكاية الحال هي التي تَجعَل المُستَقبَل كأنه حاضِر، وهذا أَبلَغُ في التَّهديد. يَعنِي: كأن الأَغْلال الآنَ حاضِرة؛ لأنها أمر مُؤكَّد، ولا بُدَّ أن تَكون الأَغْلال في الأَيْدي، كما قال الله تعالى:{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} [المائدة: 64]، والسلاسل تَكون في الأَرجُل، كما قال الله تبارك وتعالى:{مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 49 - 50]، لكن هنا يَقول:{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ} تَقتَفِي أن يَكون {وَالسَّلَاسِلُ} في الأعناق في محَلِّ الأَغْلال، ولكن في احتِمال آخَرَ بيَّنه رحمه الله بقَوْله:[عَطْف على {الْأَغْلَالُ} تَكون في الأعناقِ] أي: مُبتَدَأ خبَرُه مَحذوف؛ أي: في أَرجُلهم، وإذا كانت مُبتَدَأ نَقول: الواو للاستِئْناف، و (السلاسل): مُبتَدَأ وخبَرُه مَحذوف؛ أي: في أَرجُلهم، أو خبره {يُسْحَبُونَ} ويَكون العائِد مَحذوفًا، والتَّقديرُ: يُسحَبون بها {وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} بها، فهُنا صار في إعراب (السَّلاسِل) ثَلاثةُ أَوْجُهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنها مَعطوفة على {الْأَغْلَالُ} فتكون والسلاسِل في الأعناق يَعنِي: مَعناه: تُغَلُّ أيديهم إلى أَعْناقهم بسَلاسِلَ.
والثاني: أن تَكون السلاسِل بالأَرْجُل، والخبَر مَحذوف؛ أي: في أَرجُلهم.