المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من فوائد الآية الكريمة: - تفسير العثيمين: غافر

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌مقدمة

- ‌(الآيات: 1 - 3)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (6)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌(الآية: 9)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (11)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (12)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (13)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (14)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (15)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (17)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (21)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (22)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (23، 24)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (32، 33)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (38، 39)

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيات (41 - 43)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (45، 46)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (47، 48)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (49، 50)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (52)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآيتان (53، 54)]

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌[الآية (55)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (56)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (57)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (61)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (62، 63)

- ‌من فوائِد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (64)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (66)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (67)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (68)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (69)

- ‌الآيات (70 - 72)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآيتان (72، 74)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (75)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (76)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (78)

- ‌من فوائلِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (79، 80)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (81)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (82)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (83)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (84، 85)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

الفصل: ‌من فوائد الآية الكريمة:

الله عز وجل وهُمُ الأصنام هنا، قال المفَسِّر رحمه الله:[وهُمُ الأصنام] وكان مُقتَضى اللُّغة العرَبية أن يَقول: وهي الأَصْنام؛ لأنَّ الجَمْع لغير ما يَعقِل لا يَعود عليه ضَمير ما يَعقِل، و (هم) للعُقَلاء، ولكن المفَسِّر عدَل عن الأصل، وهي الأَصْنام لمُراعاة قوله:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ} و (الذين) هذه للعاقِل، وذلك أن الله تعالى جعَل هذه المَعبوداتِ نزَّلها مَنزِلة العُقَلاء، ومع كونها مُنزَّلة مَنزِلة العُقَلاء لا تَقضِي بشيء.

قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر: 20]، ولم يُقابِل هذه الجُملةَ بالجُمْلة التي قَبلَها، بل جعَلَها أعَمَّ، في الجُمْلة الأُولى قال:{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} ، وهنا قال:{لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} ولم يَقُل: لا يَقضُون بالحقِّ، إشارة إلى أنها لا تَقضِي لا بحَقٍّ ولا بباطِل؛ فلَيْسَت أهلًا لأنَّ تُعبَد من دون الله عز وجل، لا يَقضون بشَيْء أبَدًا، لا شَرْعٍ، ولا قدَرٍ، ولا حقٍّ، ولا باطِلٍ.

قال المفَسِّر رحمه الله: [{لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} فكيف يَكونون شُرَكاءَ لله؟ ! ] هذا مَحَطُّ النَّفْي، يَعنِي: إذا كانت هذه الأصنامُ لا تَقضِي بشيء فكيف تُجعَل شَريكةً لله؟ ! وهذا يَعنِي: تَوْبيخ هؤلاءِ الذين يَعبُدون هذه الأصنامَ من دون الله.

قال المفَسِّر رحمه الله: [{إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ} لأَقْوالهم {الْبَصِيرُ} بأَفْعالهم]، و (هو) في قوله:{هُوَ السَّمِيعُ} ، يَجوز أن تَكون ضَميرَ فَصْل، ويَجوز أن تَكون مُبتَدَأ، والجُمْلة خبَر (إن)، لكن هي ضَمير فَصْل أحسَنُ منها مُبتَدَأ.

‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ أن قَضاء الله تعالى كلُّه حَقٌّ، لقوله:{يَقْضِي بِالْحَقِّ} سواءٌ كان القَضاء كونيًّا أم شَرْعيًّا.

ص: 188

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الثَّناء على الله عز وجل بهذه الصِّفةِ الكامِلة، وهي قَضاء الحَقِّ، وأنه لا يَفعَل شيئًا سُدًى أو عبَثًا، بل كلُّ ما يَقضيه فإنَّه حقٌّ.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّنديد بعُبَّاد الأَصْنام؛ حيث عبَدوا مع الله مَن ليس بشيء بالنِّسْبة لله عز وجل؛ لقوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ} .

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَذه الأصنامَ لا تَنفَع عابِديها إطلاقًا؛ لقوله: {لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} و (شيء) نكِرة في سِياق النَّفيِ؛ فتَعُمُّ كلَّ شيء.

فإن قال قائِل: إن مِن القَوْم الَّذين يَدْعون مع الله إلهًا آخَر مَن إذا دَعَوْا هذه الأصنامَ أَجابَتْهم، فإذا دعَوْها بكَشْف الضُّرِّ انكَشَف الضُّرُّ عنهم، ومن الناس مَن إذا خالَف هذه الأصنامَ أُصيب ببَلاء، فما هو الجَوابُ؟ .

فالجَوابُ: أن يُقال: هذا الذي يَحصُل، يَحصُل من الله عز وجل، لا من هذه الأصنامِ، ابتِلاءً وامتِحانًا، ويُقال فيه: إنه حصَل عند ذلك لا به، يَعنِي: حصَل هذا القَضاءُ من الله عز وجل عند دُعاء هذه الأَصنامِ، لا بدُعاء هذه الأصنامِ.

فان قال قائِلٌ: لماذا تَعدِلون عن السبب الظاهِر إلى سبب آخَرَ لا يُعلَم؟

قلنا: عدَلْنا إلى ذلك؛ لقول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} [غافر: 20]؛ ولقوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، ولقوله تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5 - 6].

وإلَّا فإن العامِّيَّ قد يَأْتي إلى صاحِب القَبْر، ويَقول: يا سَيِّدي، يا وَلِيَّ الله،

ص: 189

يا مَوْلايَ، أَنقِذْني من هذه البَليَّةِ، أَنقِذْني من هذه الضائِقةِ، فيَذهَب إلى بيته ويَجِد أن الأَمْر قدِ انفَرَج، وسَوْف يُضيف هذا الانفِراجَ إلى السبب الظاهِر، الذي قام به، وهو دُعاء هذا القَبْر حتى انفَرَجت عنه الغُمَّة؛ فنَقول: هذه فِتْنة، ونَعلَم عِلْم اليَقين أنَّه - أي: صاحِب القَبْر - ليس هو الذي كشَف الضُّرَّ، وإنَّما الذي كشَفه الله عز وجل، لكن حصَل الكَشْف عند دُعاء صاحِب القَبْر، لا بدُعائه.

انتَبِهوا لهذا؛ لأنه دائِمًا يُورِد علينا أصحابُ القُبور هذه الشُّبْهةَ، يَقول: أنا دعَوْت السَّيِّد الفُلانيَّ فاستَجاب لي، وانكَشَفتِ الغُمَّة.

فإن قال قائِل: ما يَحصُل لعُبَّاد القبور من الابتِلاء والامتِحان، لو قلنا لهم: إنَّ الله عز وجل يَقول كذا، ويَقول كذا؛ لا يَقتَنِعون، والإنسان المُؤمِن بالقُرآن المُقِرُّ هذا يَقتَنِع بالآيات، لكن هؤلاء لا يَقتَنِعون بالقُرآن؟ .

فالجوابُ: غالِب أصحاب القُبور مُسلِمين، يَرَوْن أنَّهم على إسلام، ويُؤمِنون بالقُرآن.

المُهِمُّ: أن الله تعالى قد يَجعَل الشِّفاء عَقِب دُعاء صاحِب القَبْر ابتِلاءً وامتِحانًا؛ فيُصدِّق الإنسان بالحِسِّ، ويُكذِّب الشَّرْع، يُصدِّق بالحِسِّ وهو بِناء هذا الأَمْر على الشيء الظاهِر، ويُكذِّب بالشَّرْع.

فإن قال قائل: بعض الناس يدعو ويقول: هذا حصَل بدُعاء الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فالجواب: أبَدًا لم يَحصُل، الرسول لا يَملِك هذا أبَدًا في حَياته، ربما يُريهم الله آيةً من آيات الرسول فيَحصُل مثل هذا، كما حصَل في عَيْن أبي قَتادةَ أن أُصيبَت فنُدِرت حتى صارَت على خَدِّه؛ فأَدخَلها النبيُّ عليه الصلاة والسلام في مَكانها، والْتَأَمَت في الحال. وهذه آيَة من آيات الله، لكن هذه في حَياته، أمَّا بعدَ مَماته فلا.

ص: 190

فإن قال قائِل: هل لهذا نَظائِرُ؟

قلنا: نعَمْ، قد يَبتَلِي الله الإنسانَ بتَيْسير أَسباب المَعْصية، ابتِلاءً؛ ليَعلَم الله مَن يَخافُه بالغيب، كما ابتَلى بني إِسرائيلَ بالحِيتان؛ حرَّم الله عليهم صَيْد الحوت في يوم السَّبْت، وابتَلاهم، فكانَتِ الحِيتان في يوم السَّبْت تَأتِي شُرَّعًا على الماء بكَثْرة، وفي غير يوم السَّبْت لا تَأتِي، فطال عليهم الأمَدُ، وقالوا: لا بُدَّ أن نَصطاد هذا السمَكَ، ولكن يوم السَّبْت محُرَّم علينا، فماذا العمَلُ؟ قالوا: هناك حِيلة - واليَهود أصحاب حِيَل - ضَعوا شبَكة يوم الجُمُعة، وتَأتِي الحِيتان يوم السَّبْت تَدخُل، وخُذوا الحِيتانَ يوم الأحَد، وقولوا لله: إنَّنا لم نَصطَد يوم السَّبْت؛ فماذا عُومِلوا به؟ {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، قلَبَهم الله عز وجل إلى شيء يُشبِه الإنسان وليس بإنسان؛ كما صنَعوا شيئًا يُشبِه الحِلَّ وليس بحِلٍّ، جَزاءً وِفاقًا.

هذه الأُمَّةُ حرَّم الله عليهم الصيد في حال الإحرام؛ فابتَلاهُمُ الله، بدَأَت الصُّيود تَأتِي بكَثْرة، الصيد الطائِر يَناله الرُّمْح، والصيد الزاحِف تَناله اليَدُ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: 94] فصارَتِ الصُّيود الطائِر يَنالُه الإنسان برُمْحه، مع أنَّه لا يُنال الطائِرُ إلَّا بالسَّهْم، والزاحِف باليَدِ؛ فالصحابة رضي الله عنهم تَجنَّبوا هذا، لا أَمسَكوا باليَدِ، ولا صادوا بالرُّمْح.

فأَنْت احْذَرْ يا أيُّها المُسلِم، واحذَرْ أن تَنخَدِع، إذا تَيسَّرَت لك أسباب المَعْصية؛ فان الله تعالى قد يَبتَليك، ربَّما يَبتَلي الله الإنسانَ بوَظيفة، يَستَطيع أن يَسرِق فيها من بيت المال، إمَّا سرِقة حَقيقية - يَعنِي: يَأخُذ دَراهِمَ - وإمَّا سرِقة غير مُباشِرة، بأن

ص: 191

يَتأخَّر عن الدوام، أو يَتعَجَّل في الخُروج؛ لأنَّ مَن فعَل ذلك فهو سارِق.

وإذا قدَّرنا أنَّه يَتأخَّر عن الدوام بمِقدار السُّدُس، أو يَتعَجَّل بمِقدار السُّدُس، فقد سرَق سُدُسًا؛ لأنه إذا تَأخَّر السُّدُس لا يَستَحِقُّ من الراتِبة إلَّا خمسة أَسداس فقَطْ، والباقِي يَأخُذه بغَيْر حقٍّ، هو مُطمَئِنٌّ لأنه ليس فَوقَه أحَد، هو المُدير مثَلًا، أو مُطمَئِنٌّ؛ لأنَّ مُديرُه يَتأخَّر، ومَعلوم أن المُدير إذا كان يَتَأخَّر وتَأخَّر مَن تَحتَه أنَّه لا يَقول لهم شَيئًا؛ لأنه لو قال لهم شَيئًا فضَحَ نَفْسه.

إِذَنِ: احذَرْ أن تَغتَرَّ إذا يسَّر الله لك أسباب المَعْصية، فإن الله يَعلَم خائِنة الأعيُن وما تُخفِي الصُّدور، لا تَغتَرُّ بهذا الشيءِ.

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: النِّداء الصارِخ على سَفاهة هَؤلاءِ القَوْمِ الذين يَعبُدون من دون الله؛ لكونهم عدَلوا عن عِبادة مَن يَقضِي بالحَقِّ إلى عِبادة مَن لا يَقضِي بشَيْء، وهذا في غاية السَّفَه.

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات اسمَيْن من أسماء الله، هُما السميع والبصير، وإثبات ما دَلَّا عليه من صِفة، وإثبات ما دَلَّا عليه من أثَرٍ، أو من حُكْم؛ وذلك أن أسماءَ الله عز وجل لا يَتِمُّ الإيمان بها إلَّا بالإيمان بأمور ثَلاثة، إذا كانت مُتعدِّية، الأوَّل: إثبات الاسم، والثاني: إثبات ما دَلَّ عليه من الصِّفة. والثالث: إثبات ما دَلَّ عليه من أثَرٍ، أو من حُكْم. هذا إذا كان مُتَعدِّيًا، أمَّا إذا كان لازِمًا، فلا يَتِمُّ الإيمان به إلَّا بأَمْرين: إثبات الاسم، وإثبات ما دَلَّ عليه من صِفة.

فقوله: {السَّمِيعُ} مُتَعَدٍّ، قال الله تعالى:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ} [المجادلة: 1]، ثمَّ قال تعالى:{وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 1] مُتَعدٍّ.

إِذَنْ: لا بُدَّ أن تُؤمِن بالسَّميع اسمًا من أسماء الله.

ص: 192

فإن قال قائِل: ما الفَرْق بين اللازِم والمُتعدِّي؟

فالجَوابُ: اللازِمُ ما لا يَنصِب المَفعول به، والمُتعدِّي ما يَنصِبُ المَفعول به. فـ (سَمِع) تَنصِب المَفعول، مثل:"عَظُمَ" لا يُمكِن أن تَتَسلَّط عظُم على شيء، عَظُمَ هو بنفسه، أمَّا "عَظَّمَ" صَحيح مُتعدٍّ، لكن "عَظُمَ" لازِمة لا شَكَّ، "جَلَّ" لازِمة، فـ"العظيم" من أسماء الله اللازِمة، و"العَليُّ" من أسماء الله اللازِمة، و"الجَليل" من أسماء الله اللازِمة.

فإن قال قائِل: ما هو الفَرْق بين الأفعال اللازِمة التي تَتَعدَّى بحرف الجَرِّ والتي تَتَعدَّى بنفسها؟

فالجَوابُ: يَقولون: ما تَعدَّى بنفسه فهو مُتعَدٍّ، وما لم يَتعَدَّ إلَّا بحَرْف جرٍّ فهو لازِمٌ؛ يَعنِي: الذي يَنصِب المَفعول به هو المُتعَدِّي. وبعضُهم أيضًا قال: هناك علامة ثانية. فهو له عَلامات منها هذه، ومنها أنَّه يَصِحُّ منه صَوْغ اسم المَفعول المُتعدِّي، وهذا لا يَصِحُّ منه صَوْغ اسم المَفعول إلَّا بمُتعلَّق.

فإن قال قائِل: هل السَّميع صِفة ذاتٍ أو صِفة فِعْل؟

فالجَوابُ: السَّميع صِفة ذاتٍ، لكن الذي يَحدُث المَسموع، أمَّا السَّمْع فلَمْ يَزَل الله ولا يَزال سَميعًا، لا يَتَعلَّق بمَشيئته، وإذا أَرَدْت أن تَعرِف الفَرْق؛ فإن كان يُمكِن أن يَتَخلَّى الله عن هذه الصِّفةِ فهي صِفة فِعْل، وإذا كان لا يُمكِن فهي صِفة ذات، ومَعلوم أنَّه لا يُمكِن أن يَتخلَّى الله عز وجل عن صِفة السَّمْع؛ فيَكون أصمَّ، فإنَّ الله مُنزَّهٌ عن ذلك، لكن الذي يَحدُث هو المَسموع.

ولكن هل هُناك أحَدٌ أَنكَر الأسماء؟

ص: 193

الجوابُ: نعَمْ، هناك من المُعطِّلة المُنتَسِبين للمِلَّة الإِسلامية مَن يُنكِر أسماء الله تعالى.

الأمر الثاني: أن تُؤمِن بما دَلَّ عليه من صِفة وهي السَّمْع، فليس الله تعالى سَميعًا بلا سَمْع، بل هو سَميع بسَمْع، وهل أحَدٌ أَثبَتَ الاسم دون الصِّفة؟

الجوابُ: نعَمِ، المُعتَزِلة، وقاعِدتُهم: إثباتُ الأسماء وإنكارُ الصِّفات التي دلَّتْ عليها هذه الأسماءُ؛ فيَقولون: إن الله سَميع بلا سَمْع، بَصير بلا بصَر. سُبحانَ الله! كيف بَصيرٌ بلا بصَرٍ؟ ! قال: نعَمْ بَصير بلا بصَرٍ، لأنك إذا أَثبَتَّ البصَر فالبصَرُ صِفة زائِدة على الذات. أي: نعَمِ الصِّفة غيرُ المَوْصوف زائِدة على الذات.

فإن قلت: إنها قَديمة. أَثبَتَّ تَعدُّد القُدَماء، وصِرْت أَكفَرَ من النَّصارى، فالنصارى أَثبَتوا ثلاثة آلهِة، أنتَ الآنَ تُريد أن تُثبِت خَمسين إِلهًا أو أكثَرَ، بقَدْر الأَسماء التي أَثبَتَّ لها الصِّفة، وهذا كُفْر، فإذا كفَّرْنا النَّصرانيَّ بثَلاثة وقُلنا: كافِر. نَقول: أنت كافِر، كافِر، كافِر. اضرِب ثلاثة حتى تَصِل إلى الأسماء، أنت أَكفَرُ من النَّصْراني إذا أَثبَتَّ صِفة قديمة، وإن أَثبَتَّها حادِثة لزِم من ذلك قيام الحَوادِث بالله، والحَوادث لا تَقوم إلَّا بحادِث، فتَكون أنت أَثبَتَّ أن الله مَخلوق، وأنه حادِث.

فما بالُكم إذا صِيغ هذا الكَلامُ بكلام أفصَحَ من كلامِي وأَبلَغَ؛ أفلا يَنخَدِع به الجُهَّال؟ يَنخَدِعون به لا شَكَّ، لكننا نَقول: إن الله تعالى سَميع بسَمْع، ولا يُعقَل أن يَكون مُشتَقٌّ بدون ما اشتُقَّ منه أبَدًا، إذ لا يَصِحُّ أن تَقول للأصَمِّ: إنه سَميع. ولا للأَعْمى: إنه بَصير. لا يُمكِن أن يُوجَد اسم مُشتَقٌّ في جميع لُغات العالَم إلَّا والأصل المُشتَقُّ منه سابِق عليه.

ص: 194

وأمَّا قولكم: إن الصِّفة غير المَوْصوف، فإننا نَقول: إن الله تعالى لم يَزَل ولا يَزال بصِفاته، ولا يُوجَد ذاتٌ بلا صِفاتٍ إطلاقًا، مَن ادَّعَى أنَّه يُوجَد ذاتٌ بلا صِفةٍ، فقَدِ ادَّعى المُحال، ما من مَوْجود إلَّا وله صِفة، لو لم يَكُن من صِفاته إلَّا صِفة الوُجود، والقِيام بالذات، وما أَشبَه ذلك، فما من مَوْصوف إلَّا وله صِفة، لكن المَوْصوف صِفاته ليسَت شيئًا بائِنًا منه؛ ولهذا لا نَقول: إن صِفاتِ الله هي الله، ولا نَقول: إنها غيرُ الله. بل نَقول: إن الله بصِفاته. لأنَّك إذا قلتَ: إن الصِّفاتِ هي الله، صار مَعناه: أنَّه لا صِفةَ له، وإذا قلتَ: إنها غيرُه. أَبَنْتَ الصِّفة عن المَوْصوف، وهذا مُستَحيل.

إِذَنِ: الإيمان بالاسم لا بُدَّ أن تُؤمِن بما تَضمَّنه من صِفة، وتَضمَّنه للصِّفة قد يَكون تَضمُّنًا وقد يَكون التِزامًا، فنُؤمِن بالصِّفة التي دلَّ علَيْها تَضمُّنًا والتِزامًا، فمثَلًا: الخالِق اسمٌ دلَّ على صِفة الخَلْق، فدَلالته على صِفة الخَلْق بطَريق التَّضمُّن، ودَلالته على العِلْم التِزام؛ لأنه لا خَلْقَ إلَّا بعِلْم، ودَلالته على القُدرة التِزام أيضًا؛ لأنَّه لا خَلقَ إلَّا بقُدْرة.

إِذَنْ: تُؤمِن بما دلَّ عليه الاسم من صِفة سواء كانَت تَضمُّنًا أو التِزامًا.

الأمر الثالِث: إذا كان الاسمُ مُتَعدِّيًا الأثَر أو الحُكْم، فمِثْل السَّميع ذو السَّمع، الذي يَسمَع، لا بُدَّ أن تُؤمِن بسَمْع يَتَعدَّى للغير، فيَسمَع كلَّ قول، البَصير كذلك مُتَعدٍّ، تُؤمِن بالبَصير اسمًا وبالبصَر صِفةً، وبأنه يُبصِر حُكْمًا أو أثَرًا، أمَّا إذا كان الاسم لازِمًا؛ فإنه يُؤمِن بأمرين: الأوَّل الاسم، والثاني: الصِّفة.

الحيُّ: وَصْف لازِم، والحَياة وَصْف لازِم لا يَتَعدَّى لغير الله؛ فالحيُّ إِذَنِ اسمٌ من الأسماء اللازِمة، فتُؤمِن بالحَيِّ اسمًا من أسماء الله، وتُؤمِن بالصِّفة التي دَلَّ عليها الحيُّ وهي الحياة.

ص: 195

إذا آمَنَّا بهذا خالَفْنا كل أهل التَّعْطيل، خالَفْنا مَن لا يُسمِّي الله باسْمٍ، ولا يَصِفه بصِفة، وهؤلاء غُلاةُ الجَهْمية، وخالَفْنا مَن يُؤمِن بأن لله أسماءً ولكن لا صِفاتِ له، مثل: المُعتَزِلة، وخالَفْنا مَن يقول: له أسماءٌ وصِفاتٌ، لكن ليس لها حُكْم، لا يَتَعدَّى؛ لأنه لو تَعدَّى إلى الغير لزِم قِيام الحوادِث به، إِذْ إنَّ المَسموع حادِث، فإذا تَعلَّق السَّمْع بحادِث صار السَّمْع حادِثًا حُدوث المَسموع، فلزِم قِيام الحوادِث به، إِذَنْ قُلْ: هو سَميع له سَمْع، لكن لا يَسمَع به، لئَلَّا تَقوم به الحَوادِث؛ فإذا أَتَيْنا على هذه الشروطِ الثَّلاثة:

1 -

الإيمان بالاسْمِ.

2 -

بما تَضمَّنه من صِفة.

3 -

بالأَثَر أو الحُكْم.

صحَّ إيمانُنا بالأسماء.

أمَّا السَّميع والبَصير فقد سبَقَ لنا مَعناهُما، وذكَرْنا أنَّ السَّميع يَدُلُّ على السَّمْع،

وأنَّ سَمْع الله تعالى نوعان:

الأوّل: سَمْع بمَعنَى: الإجابة، مثل قوله تعالى:{إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39]، والسَّمْع يَأتِي بمَعنَى الاستِجابة في اللُّغة العرَبية، والدليلُ:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} أي: لا يَستَجيبون. ومنه قولُ المُصلِّي - وأنتُمْ كل يَوْم تُصلُّون على الأقَلِّ سبعَ عشْرَةَ رَكعةً، وتَقولون -: سمِعَ الله لمَن حَمِدَه. ومَعناها: استَجاب. ليس المعنى مجُرَّد سَماعه لمَن حَمِده، لأنَّ هذا لا يُفيد شَيْئًا، لكن مَعناها استَجاب، هذا سَمْع بمَعنى الاستِجابة.

ص: 196

الثاني: سَمْع بمَعنى إدراك المَسموع، وهذا يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: ما يُراد به التَّهديد، والثاني: ما يُراد به التَّأييد، والثالث: ما يُراد به بَيانُ شمول سَمْع الله؛ يَعنِي: سَمْع الإحاطة.

مِثال الأوَّل الذي يُراد به التَّهديد: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]؛ ولهذا قال: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} .

ومِثال سَمْع التَّأْييد: قولُه تعالى لموسى وهارُونَ: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].

ومثال ما يُراد به سَمْع الإحاطة، مِثْل قوله تعالى:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 1].

فإن قال قائِل: ألَا يَشمَل قوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} سَمْع إحاطة؟

فالجوابُ: السَّمْع هنا سَمْع إحاطة، لكنه يُراد به النَّصْر والتَّأييد، لأنَّ مُجرَّد الإحاطة حتى فِرعونُ يَسمَعه الله عز وجل.

فصار يُقسِّم السَّمْع إلى قِسْمين: سَمْع إجابة وسَمْع إدراك؛ والإدراك ثلاثة أقسام، وإن شِئْت فقُلْ: ثلاثة أنواع؛ لئَلَّا تَتَداخَل الأقسام: سَمْعٌ يَقتَضي التَّهديد، وسَمْع يَقتَضي التَّأييد، وسَمْع لبيان الإحاطة. وكلُّ هذا ثابِت لله عز وجل.

فإن قال قائِل: ما الذي يُعيِّن أنَّ هذا السَّمعَ للتَّأييد أو للتَّهديد أو للإِحاطة؟

قُلنا: سِياق الكلام وقرائِن الأحوال؛ ولهذا يُمكِن أن يُقال في قول الله تعالى لموسى وهارونَ: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} يُمكِن أن يُقال: إن هذا

ص: 197

السَّمعَ للتَّأييد والتَّهديد؛ تَأييد موسى وهارونَ، وتَهديد فِرعونَ، لكن يَمنَع من القول بأنّه من تَهديد فِرعونَ، أنَّ فِرعونَ لم يَكُن يَسمَع هذا الكلامَ من الله، فكيف يُهدَّد مَن لا يَسمَع التَّهديد؟ ! ولهذا قال العُلَماء: إن السَّمْع في هذه الآيةِ للتَّأييد، ولم أَرَهُم قالوا: إنه للتَّهديد، ولا لتَهديد فِرعونَ، ووَجهُ ذلك أن فِرعونَ الآنَ ليس يَسمَع ما يَقول الله عز وجل، فكيف يُهَدَّد مَن لا يَسمَع التَّهديد؟ ! .

أمَّا البَصير فهو بمَعنى: ذو البَصَر الثاقِب، الذي لا يَغيبُ عن نظَره شيءٌ عز وجل أيُّ حرَكة وأيُّ فِعْل فإن الله تعالى يُبصِره.

وإذا كان يُبصِر كلَّ شيء، فكَيْف مَوقِفنا في مثل قوله:"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ"

(1)

قال: "وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ" فنَفى النظَر إليهم، نَقول: النظَر المُثبَت غير النظَر المَنفيِّ، المَنفيُّ هو نظَر الرَّحمة، والمُثبَت نظَر الإحاطة؛ فالله تعالى يَنظُر كلَّ شيء نظَر إحاطة، حتى المَغضوب عليهم، مَنْظُورون أمام الله عز وجل، لكن نظَر إحاطة، وأمَّا المَنفيُّ فهو نظَر الرَّحمة، "لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ" وبهذا تَلتَئِم الأدِلَّة، ويَتبيَّن أنَّه لا تَعارُضَ بينها.

وهناك بصَر بمَعنَى العِلْم، لكن المُتبادِر منه الرؤية كما سبَق.

فإن قال قائِل: نظَر الرَّحمة هل هو نَفْس رحمة الله عز وجل، وما المَقْصود بالنظَر؟

فالجَوابُ: المَقصود أنَّ الله يَنظُر إليه نظَرًا يَرحَمه به، ليس هو بنَفْس الرَّحمة، ولهذا تُفرِّق الآنَ بين النَّظَر إلى ولَدِك الذي أَرضاك، والنظَر إلى ولَدِك الذي أَغضَبك، ولَدُك الذي أَرضاك تَنظُر إليه نظَرًا بارِدًا، وهو يَشْعُر بأنَّ عينَك قد قرَّت به - قرَّتْ

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، رقم (107)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 198

من القَرِّ، وليس من القَرار، من القَرِّ وهو البُرودة؛ ولهذا: أقَرَّ الله عينَك. أي: برَّدها ليسَت من أَقرَّها سكَّنها حتى لا تَتَحرَّك -؛ والولَد الذي غضِبْت عليه إذا نظَرْت إليه تَكون عينُك حارَّة حَمراءَ، يَظهَر منها الشرَر، يَكاد يُعمِي الولَد.

وإن قيل: ألَا يَجوز التَّعبير إذا قلنا: إن هذا العمَلَ أقرَبُ إلى نظَر رحمة الله.

فالجَوابُ: لا يَصِحُّ "نظَر رحمة الله"، الرحمة لا تُنظَر، والصوابُ:"أَقرَبُ إلى رحمة الله".

فإن قال قائِل: هل نَفيُ الصِّفات كُفْر؟

فالجَوابُ: لا، نَفيُ الصِّفات يَنقَسِم إلى قِسْمين:

نَفي جُحود، وهذا كُفْر، ونَفْي تَأويل، وهذا منه ما هو كُفْر، ومنه ما هو دون ذلك.

فإذا قال القائِل: إن الله لم يَستَوِ على العَرْش فهذا كُفْر جُحود، جحَد كذَّب الخبَر، وإذا قال: إن الله استَوَى على العَرْش، ولكن مَعنى استَوَى استَوْلى، فهذا جَحْد التَّأْويل، قد يَكون كُفْرًا مُخرِجًا عن المِلَّة، وقد يَكون دون ذلك، حسب ما تَقتَضيه القواعِدُ الشَّرْعية.

مسألَةٌ: ما هي أسماء الكُتُب التي تَتَحدَّث عن الأسماء والصِّفات؟

فالجَوابُ: الكُتُب مُتعدِّدة ومُختَلِفة في المَنهَج، فمثَلًا مُجرَّد الإثبات - إثبات العَقيدة - من أَحسَن ما يَكون (العَقيدة الواسِطية)؛ لأنها كلها مَبنيَّة على آيات وأَحادِيثَ، أمَّا من جهة المُناقَشة والمُحاجَّة فمن أَحسَن ما رأَيْت (الصواعِق المُرسَلة) لابن القَيِّم، ومُختَصَره، هذا من أَحسَن ما يَكون لطالِب العِلْم في المُناقَشة، فهذا مُفيد

ص: 199

لأنه يَذكُر رحمه الله أُمَّهاتِ المَسائِل التي فيها الخِلاف، ثُم يُجادِل هؤلاء حتى يَتبيَّن الحَقُّ، و (مُختَصَر الصواعِق المُرسَلة) بهذا الاسم، للمَوْصِليِّ.

* * *

ص: 200