الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للإضلال أَضَلَّه -والعِياذُ بالله- وإلَّا فإن الله سبحانه وتعالى لا يَحرِم فَضْله مَن أَراده، إنما يَحرِم فَضْله مَن لم يُرِده، ودليلُ هذا قوله تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، فجعَل إزاغة الله لقُلوبهم مُترتِّبًا على زَيْغهم، أمَّا مَن أَراد الهُدَى بجِدٍّ، فإن الله سبحانه وتعالى يُيسِّره له:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 - 7].
إِذَنْ: قوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} مُقيَّد بمَن فعَل ما يَقتَضِي إضلاله؛ لأن الله لا يُضِلُّ أحَدًا إلَّا لحِكْمة.
من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ هذا المُحذِّر كان مُؤمِنًا باليَوْم الآخِر.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ ما يَحدُث في اليوم الآخِر كان مَعلومًا للناس من قبل أن يَنزِل القُرآن؛ لقوله: {يَوْمَ التَّنَادِ} وذلك لأن هذا أَمْر لا بُدَّ منه، أي: لا بُدَّ أن يَعلَم العِباد ما يَحدُث في اليوم الآخِر، ليَكونوا على بَصيرة من أمرهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن يوم القِيامة له أحوال، فقد قال الله تعالى في سورة طه:{وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108]، وهنا يُذكَر أنه يوم تَنادٍ، والنِّداء هو الصوت الرفيع، وعلى هذا فيَكون الجَمْع بين هذه الآيةِ، وبين قوله:{وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} هو أن يوم القِيامة له أحوال؛ لأن يوم القِيامة مِقدارُه خَمْسون ألفَ سَنَةٍ، فلا بُدَّ أن تَتَغيَّر أحوال الناس.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: نُصْح هذا الرجُلِ لقَوْمه، حيث يُناديهم بهذا النِّداءِ اللَّطيف {وَيَاقَوْمِ} ثُم قال الله تبارك وتعالى: مُكمِّلًا لما ذكَره هذا المُحذِّرُ: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} هذه مَعروف أنَّ إعرابها بدَل مِمَّا سبَق، ففيها إثبات أنَّ آل
فِرعونَ يُولُّون مُدْبِرين يوم القِيامة إذا لم يُؤمِنوا، وقد بيَّن الله في آية أخرى أنهم يُعرِضون على النار غُدُوًّا وعشِيًّا، وأنهم يوم القِيامة يُقال لهم:{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، فهُمْ -والعِياذُ بالله- سيُولُّون مُدبِرين مُعذَّبين في نار جَهنَّمَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا أحَدَ يَعصِم من عَذاب الله؛ لقوله: {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} وهذا كقَوْل نُوحٍ لابنه؛ لمَّا قال: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه يَجِب على الإنسان إذا أَراد أن يَسأَل الهِداية أن لا يَسأَلها إلَّا من الله، الذي بيَدِه الإضلالُ والهِداية؛ فلا تَسأَل الهِداية من غَيْره، بل اسأَلْها من الله عز وجل؛ فيُستَفاد مِنها: تَفويضُ الأَمْر إلى الله تبارك وتعالى.