الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيتان (32، 33)
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 32 - 33].
ثُم قال الله تبارك وتعالى: {وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} رضي الله عن هذا الرجُلِ، خوَّفهم أوَّلًا بالعُقوبة الدُّنيوية؛ حين قال:{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} ثُم خوَّفَهم من العُقوبة الأُخْروية، فقال:{وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} قال المفَسِّر رحمه الله: [بحَذْف الياء وإثباتِها]"التَّنادِى" هذا إثباتُها، (التّنادِ) هذا حَذْفها، أمَّا إثباتها فعلى الأَصْل، وأمَّا حَذْفها فللتَّخفيف، والياء دائِمًا تُحذَف للتَّخفيف قِراءةً، مثل قول الله تعالى:{فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] أَصلُها: تَستَعجلونِي، وليسَت النُّون هنا نونَ الرَّفْع؛ لأنَّها مَكسورة فهي نون الوِقاية، وحُذِفت الياء تَخفيفًا.
وقوله: {وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} كلِمة {يَوْمَ} هنا هل هي ظَرْف مَنصوبة على الظَّرْفية، والتَّقدير: إني أَخاف عليكم العَذاب يومَ التَّنادِ، أو أنَّ الفِعْل مُسَلَّطٌ عليها فهي مَفعولٌ به؟ الثاني؛ لقوله تعالى:{يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37].
فجعَل الخَوْف مُسلَّطًا على {يَوْمَ} ؛ لأن يوم تَصْلُح أن تكون مَفعولًا فيه، وأن تَكون مَفعولًا به، وأن تَكون مُبتَدَأ، وأن تَكون خَبَرَ مُبتَدَأ تَتَصرَّف.
قال المفَسِّر رحمه الله: {يَوْمَ التَّنَادِ} بحَذْف الياء وإثباتها، أي: يَوْم القِيامة]، هذا هو المُراد به، وأَنا أَشَرْتُ في كَلامي على قَواعِد في التَّفسير، أنَّ هُناك تَفسيرًا لفظيًّا، والثاني: مَعنَويًّا، اللَّفظيُّ يُفسِّر اللَّفْظ، والمَعنَويُّ يُفسِّر المُراد
(1)
، فهنا {يَوْمَ التَّنَادِ} تَفسيرُها اللَّفظيُّ: أي: يوم يَتنادَى الناس بعضُهم مع بعض، والمُراد بها: يوم القِيامة؛ فإذا قلنا: يومَ التَّنادِ؛ أي: يوم القِيامة، فهذا ليس تَفسيرًا لفظيًّا، بل هو تَفسير مَعنَويٌّ للمُراد بالآية.
يَقول: {يَوْمَ التَّنَادِ} [أي: يوم القِيامة، يَكثُر فيه نِداء أصحاب الجنَّة أصحاب النار وبالعَكْس، والنِّداء بالسَّعادة لأهلها والشَّقاوة لأهلها، وغير ذلك]. التَّنادِي يوم القيامة يَكثُر، فيُنادِي الله الناسَ، والناسُ يُنادِي بعضُهم بعضًا، وأهل النار يَنادُون أهلَ الجَنَّة، وأهل الجَنَّة يُنادون أهل النار، والتَّنادِي الحاصِل يوم القِيامة ليس كالتَّنادِي الحاصِل في الدنيا، لأنه بأصوات مُزعِجة، وحَزينة إذا كان أهل النار يُنادون أهل الجنَّة، وما أَشبَه ذلك.
فهذا اليومُ ذَكَّر هذا المُؤمِنُ قومَه به؛ ليَحذَروا من عذاب يوم القِيامة، ثُم بيَّن ذلك بقوله رحمه الله:{يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} عن مَوقِف الحِساب إلى النار {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ} أي: من عَذابه {مِنْ عَاصِمٍ} مانِع، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ].
وَصَف هذا اليومَ بأَوْصاف:
أوَّلًا: أنه يوم التَّنادِ، يُنادِي الناسُ بعضُهم بعضًا، والله تعالى يُنادِيهم أيضًا، وَيتَنادَوْن بنِداءات قد يَكون بعضُها مَجهولًا لنا الآنَ.
(1)
انظر: (ص: 20 - 21).
الوَصْف الثاني: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} يومَ هذه بدَل من قوله: {يَوْمَ التَّنَادِ} أو عَطْف بَيان، {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} مُدْبِرين هذه حال، حال مُؤكِّدة لعامِلها، لأن التَّولِّيَ هو الإدبار، وعلى هذا فهي حال مُؤكِّدة لعامِلها، يَعنِي: تُولُّون يوم القِيامة حال كَونِكم مُدبِرين، يُولُّون إلى النار -والعِياذُ بالله- قال تعالى:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم: 85 - 86]، فهُمْ -والعِياذ بالله- يُولُّون مُدبِرين.
وقوله: {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} الجُمْلة هذه جُمْلة خَبَرية مَبدوءة بـ (ما) النافِية، والمُبتَدَأ فيها قوله:{مِنْ عَاصِمٍ} لكن دخَلَت عليه (مِن) الزائِدة للتَّوكِيد، وتقدير الكلام: لولا مِن ما لَكُم من الله عاصِمٍ. وهنا نَسأَل: هل هي تمَيمِيَّة أو حِجازِّية؟
والجَوابُ: تَتَّفِق فيها اللُّغَتان، لأنَّها لا تَكون حِجازِية إلَّا بالتَّرتيب، كما قال ابنُ مالِكٍ:
........... . . مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
(1)
وهنا لا تَرتيبَ، لأن الخبَر مُقدَّم، وعلى هذا فنَقول:(ما) هنا اتَّفَقت فيها اللُّغَتان، التَّميمية والحِجازِية؛ {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [غافر: 33]؛ أي: من مانِع.
وقوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} هذه الجُمْلةُ؛ قد تُشْكِل كيف ختَمَ بها الدَّعوة إلى الله عز وجل؛ لأن مُقتَضى الحال أن يَقول: وأَسأَل الله لكم الهِداية. فيُقال: هل قوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} من كلام الرجُل أو من كلام الله؟ لا بُدَّ أن نَبحَث قبل كل شيء، هل هِيَ من كلام الله عز وجل ليُبيِّن أنَّ هؤلاءِ القومَ مع قُوَّة الدَّعْوة
(1)
الألفية (ص: 20).
لم يَستَفيدوا، أو هي من كَلام المُؤمِن؟ إن كانت من كَلام الله فلا إشكالَ، إلَّا أنَّها حالَت بين الكلام أوَّله وآخِره، وهذا لا يَضُرُّ لأنَّ الجُملة الاعتِراضِية تَأتِي كثيرًا، وإن كانت من كلام الرَّجُل فهنا مَحَلُّ الإشكال.
وقوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (مَنْ) هذه شَرْطية، وفِعْلُ الشَّرْط يُضلِل، وحُرِّك بالكَسْر؛ لالتِقاء الساكِنَيْن، وجواب الشَّرْط جُملة:{فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} وقُرِن بالفاء؛ لأنه لا يَصلُح أن يَكون فِعْلًا للشَّرْط، وكلُّ جَواب لا يَصلُح أن يَكون فِعْلًا للشَّرْط فإنه يَجِبُ أن يَقتَرِن بالفاء، كما قال ابنُ مالِكٍ:
وَاقْرُنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ
…
شَرْطًا لإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ
(1)
وذكَروا له سِتَّة ضَوابِطَ مَجموعةً في قوله:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ
…
وَبِما وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
(2)
فهذه الجُمَلُ السِّتُّ إذا وقَعَت جوابًا للشَّرْط فإنه يَجِب أن يَقتَرِن بالفاء، وهنا الجُملة هي مُصَدَّرة بـ (ما)، وإن شِئْت فقُلْ: إنها جُمْلة اسمِية، ولا مانِعَ من أن يُوجَد سبَبان لحُكْم واحِد.
وقوله: {مِنْ هَادٍ} أَصلُها: من هادِي؛ بالياء، فحُذِفَت الياء للتَّخفيف.
يَقول الله عز وجل: إن مَن يُضلِل الله أي: مَن كتَبَ الله إضلالَه فإنه لا أحَدَ يَهديه؛ لأن الذي يَهدِي ويُضِلُّ هو الله، بيَدِه الأمرُ كلُّه، ولكن ليُعْلَم أنَّه لا يَهدِي أحَدًا إلَّا لحِكْمة، ولا يَضِلُّ أحَدًا إلَّا لحِكْمة، فمَن كان أهلًا للهِداية هَداه، ومَن كان أهلًا
(1)
الألفية (ص: 58).
(2)
غير منسوب، وانظر النحو الوافي (4/ 463).