المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيات (41 - 43) - تفسير العثيمين: غافر

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌مقدمة

- ‌(الآيات: 1 - 3)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (5)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (6)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌(الآية: 9)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (11)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (12)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (13)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (14)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (15)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (17)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (21)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (22)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (23، 24)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (32، 33)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (38، 39)

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيات (41 - 43)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (45، 46)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (47، 48)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآيتان (49، 50)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (52)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآيتان (53، 54)]

- ‌من فوائدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌[الآية (55)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌[الآية (56)]

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (57)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (61)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (62، 63)

- ‌من فوائِد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (64)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (66)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (67)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (68)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (69)

- ‌الآيات (70 - 72)

- ‌من فوائدِ الآياتِ الكريمة:

- ‌الآيتان (72، 74)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (75)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (76)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (78)

- ‌من فوائلِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (79، 80)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (81)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (82)

- ‌من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآية (83)

- ‌من فوائد الآيةِ الكريمةِ:

- ‌الآيتان (84، 85)

- ‌من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:

الفصل: ‌الآيات (41 - 43)

‌الآيات (41 - 43)

* * *

* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 41 - 43]

* * *

ثُم قال هذا الرجُلُ الذي آمَنَ: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)} .

هذا استِفْهام تَعجُّب وإنكار، كأنه يَقول: عجَبًا لكم أَدعوكم إلى الجنَّة وتَدْعونَني إلى النار! وهذا والله مَحَلُّ عجَب، مَحَلُّ العَجَب أن تَدعوَ رجُلًا إلى الجنَّة وهو يَدعوك إلى النار، فتَأتِي إلى رجُل تَقول: يا فُلانُ اترُكْ شُرْب الخمْر، شُرْب الخمْر حرام، ولا يَجوز، من شُرْبه في الدنيا لم يَشرَبْه في الآخرة، هو أُمُّ الخبائِث مِفتاح كلِّ شَرٍّ، فيقول لك: يا ولَدُ لذَّةٌ وطرَب وأُنس وسُرور، اشرَبْ حتى تَرَى، إذا شرِبْت كأنَّك ملِك الملوك، ثُم يُرغِّبك، ثُم يَقول له أيضًا يُمَنِّيه يَقول: اشرَبْ. وإذا شرِبْت وحصَلَت لك اللَّذَّة والطرب، فاستَغفِرِ الله، الباب مَفتوح، فالأَحَقُّ بالإجابة الأوَّل دون الثاني.

فهذا يَقول: {مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} وهذا الاستِفْهامُ

ص: 323

-كما قلْت لكم- استِفْهام تَعجُّب وإنكار، وهو مَحلُّ التَّعجُّب ومحَلُّ الإِنْكار أيضًا، والله أَعلَمُ.

وجُمْلة {وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} مَعطوفة على الجُمْلة التي قَبلَها، وليسَتِ استئنافية ولا حاليَّة كما قيل به، بل هي مَعطوفة على ما سبَقَ؛ لأن التَّعجُّب إنما يَكون مِنِ اجتِماع الأمرَيْن أنه يَدْعوهم إلى النَّجاة، وهُمْ يَدْعونه إلى النار.

وقوله: {إِلَى النَّجَاةِ} يَعنِي: النَّجاة إلى النار ولم يَقُل: إلى الجنَّة مع أنه قال: {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} ؛ لأنَّهم هم يَدْعونه إلى الهَلاك، يَدْعونه إلى النار، فقابَل دَعْوته بدَعْوتهم، فكأنه يَقول: أنا أَدعوكم إلى النَّجاة من النار وأنتم تَدْعونَني إلى النار، والدَّعْوة إلى النار ليس أن يَقول القائِل: هلُمُّوا إلى النار أيها الناسُ. لكنها الدَّعْوة إلى عمَل أهل النار، وليُعلَم أن النار حُفَّت بالشَّهَوات، وأن الجنَّة حُفَّت بالمَكارِم، وعمَل أهل النار مَبنيٌّ على الشَّهَوات أو على الشُّبَهات يَعنِي: إمَّا جَهالات وضَلالات كعمَل النَّصارَى، وإمَّا شَهَوات كعمَل اليَهود، وعلى هَذَيْن يَدور عمَل أهل النار الشُّبُهات والشَّهَوات، والشُّبُهات دواؤُها العِلْم، والشَّهَوات دَواؤُها الحَزْم والإرادة التامَّة لما يحبُّه الله ويَرْضاه.

{مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} ثُمَّ بيَّن بعد أن أَجمَل في قوله: {وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} بَيَّن الأعمال التي يَدْعونه إليها:

وقوله: {تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ} اللَّام هنا لبَيان المَدعوِّ إليه. يَعنِي: تَدْعونَني لهذا، وعلى هذا فـ {لِأَكْفُرَ} مَنصوبة بـ (أن) مُضمَرة بعد اللَّام على مَذهَب البَصْريِّين، أو باللَّام على مَذهَب الكوفِيِّين، {لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ} أي: أَجحَده وأُنكِره، والمُراد إنكار وَحْدانيَّته بدَليل قوله:{وَأُشْرِكَ بِهِ} وقد يُقال: إن المُراد إنكار وُجوده

ص: 324

بالكُلِّية، أو الإشراك به مع الإقرار به، فيَكونون يَدْعونه إلى شَيْئَيْن إمَّا إنكار الخالِق عز وجل، وهذا مُستَفاد من قوله:{وَأُشْرِكَ بِهِ} ؛ أي: أَجحَده، أو إثباته مع وُجود شَريك له، وهذا مُستَفاد من قوله:{وَأُشْرِكَ بِهِ} .

وقوله: {مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} هذا قَيْد مُبيِّن للواقِع، وأن كل مَن أَشرَك بالله فإنه مُشرِك بلا عِلْم، بل بما يُعلَم بالفِطْرة خِلافه، ولكن من المَعلوم أن الشَّيْء إذا كان بلا عِلْم فإنه لا ثُبوتَ له ولا أَصلَ له.

فالصِّلة في قوله: {مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} ؛ لبَيان الواقِع، وقد بيَّنَّا أن كل قَيْد لبَيان الواقِع أو الغالِب أو المُبالَغة؛ فإنه لا مَفهومَ له.

وقوله: {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} بدَأ هنا باسْمِ العَزيز؛ لأن المَقام يَقتَضيه؛ إذ إن هَؤلاءِ أَقْباط من آل فِرعونَ يَظُنُّون أن العِزَّة لهم، فقال:{أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ} ولم يَقُلْ: إلى الغَفور الرَّحيم. بل قال: {إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} يَعنِي: {الْعَزِيزِ} الغالِب، فيُهلِككم إذا أَنْتم أَشرَكْتم به أو كفَرْتُم به {الْغَفَّار} يَغفِر لكم ما سبَقَ إن أَنتُم آمَنْتم به، وهذا من تمَام فِقْه هذا الرجُلِ المُؤمِن، فإنه قد يَقول قائِل: إن المَقام يَقتَضِي: وأنا أَدعوكم إلى الغَفور الرَّحيم. لكن الأَمْر بالعَكْس المَقام يَقتَضِي ذِكْر اسمِه العَزيز؛ لأن هَؤلاءِ يَدَّعون أنهم فَوقَ الناس، وأن ربَّهم فِرعونُ، وأنه لا غالِبَ لهم.

وقوله: {الْعَزِيزِ} اسمٌ من أَسْماء الله، و {الْغَفَّارِ} اسم من أَسْماء الله، والغَفور اسمٌ من أسماء الله.

وليُعلَم أن أسماء الله سبحانه وتعالى تَنقَسِم إلى قِسْمين: الأوَّل ما كان مُشتَقًّا من وَصْف مُتعدِّد، فهذا لا يَتمُّ الإيمان به إلَّا بأُمور ثلاثة:

ص: 325

الأوَّل: إثباتُه اسمًا لله، والثاني: إثباتُ الصِّفة التي دلَّ عليها، والثالِث: إثبات الحكْم المُترَتّب على هذه الصِّفةِ.

والقِسْم الثاني غير مُتعَدٍّ، لا يَتمُّ الإيمان به إلَّا بإثبات اثنَيْن، إثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات الصِّفة التي دَلَّ عليها؛ لأن كلَّ اسمٍ من أسماء الله يَدُلُّ على صِفة ليس لله اسمٌ يَكون جامِدًا، خِلافًا لمَن قال: إن كلِمة (الله) اسمٌ جامِد غير مُشتَقٍّ، وهذا ليس بصحيح، ما من اسمٍ من أسماء الله إلَّا وهو مُشتَقٌّ؛ لأن الله وصَفَ أسماءَه بأنها حُسنَى، وما لا يَتَضمَّن من وَصْف ليس بحَسَن فضلًا عن أن يَكون أحسَنَ.

نَضِرب أمثِلة لهذا: (الحي) من اللازِم تُؤمِن به اسمًا من أسماء الله، وبالحياة التي دَلَّ عليها الاسمُ، و (السَّميع) مُتعَدٍّ تُؤمِن بالسميع اسمًا لله، وبالسَّمْع صِفة لله، وبأنه يَسمَع إثباتًا للحُكْم، وهو الأثَر المُترَتِّب على هذه الصِّفةِ.

ثُمَّ اعلَمْ أن الاسم يَتضَمَّن أحيانًا صِفة وأحيانًا صِفَتَيْن، وأحيانًا أَكثَرَ؛ لأن أنواع الدَّلالة ثلاثة: مُطابَقة، وتَضمُّن، والتِزامٌ.

فمَثلًا من أسماء الله تعالى الخلَّاق {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86)} [الحجر: 86] والخلَّاق والخالِق من أسماء الله، مثل الغَفور وغافِر الذَّنْب والغَفَّار؛ فتُؤمِن بالخلَّاق اسمًا من أسماء الله، وتُؤمِن بصِفة الخلْق التي تَضمَّنها اسمُ الخلَّاق، وإيمانك بالاسم والصِّفة هذا إيمان بدَلالة المُطابَقة، وإيمانك بالاسم وحدَه أو بالصفة وحدَها إيمان بدَلالة التَّضمُّن، ثُم إيمانك بأنه عَليم قَدير، إيمان بدَلالة الِالْتِزام؛ لأنه ما من خَلَّاق إلَّا وهو عَليم، وما من خَلَّاق إلَّا وهو قادِر، لأنه إن كان جاهِلًا فكيف يَخلُق، وإن كان عاجِزًا فكيف يَخلُق؟ ! فدَلالة الخلَّاق على العِلْم والقُدْرة دَلالة التِزام.

ص: 326

وهذه الدَّلالة -أَعنِي: دَلالة الِالْتِزام- يَتَفاوَت فيها الناس تَفاوُتًا كثيرًا، فمن الناس مَن يُعطيه الله تعالى فَهْمًا يُدرِك به اللَّوازِم التي تَلزَم على هذا الاسمِ، ومن الناس مَن هو دون ذلكَ، فتَجِد بعض الناس يَستَنبِط فَوائِدَ عِدَّة بدَلالة النُّزول، وآخَرُ لا يَقدِر، وفَضْل الله تعالى يُؤتِيه مَن يَشاءُ.

والعَزيز بمَعني: ذي العِزَّة {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ} [الصافات: 180]، والعِزَّة قالوا: إنها ثَلاثة أنواع: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتِناع، عِزَّة القَدْر بمَعنَى أنه سبحانه وتعالى عَزيز قَدْرًا؛ بحيث لا يَكون مِماثِل له، وعِزَّة الامتِناع يَعنِي: أنه عز وجل عَزيز، أي: يَمتَنِع أن يَنالَه السوء، والعَزيز يَأتي بمَعنَى الامتِناع في قوله تعالى:{وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)} [إبراهيم: 20]؛ أي: بمُمتَنِع، والثالث: عِزَّة القَهْر بمَعنى: أنه الغالِب، ومنه قوله تعالى:{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8]، فقال الله تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] العِزَّة يَعنِي: الغلَبة، إذا كان العَزيز بمَعنَى: الغالِب فهو من الأسماء، عَزَّ أي: غلَب فهو غالِب، ومُقابِله مَغلوب، وإذا كانَتْ عَزَّ بمَعنَى: امتَنَع أو بمَعنَى: كان ذا قَدْر عَظيم فهو لازِم.

إِذَنْ نَقول: العَزيز من جِهة تكون من الأسماء المُتعَدِّية إذا كانت بمَعنَى: الغالِب، ومن جِهة أُخرى تكون غير مُتعَدِّية إذا كانَت بمَعنَى: الامتِناع أو بمَعنَى: القَدْر.

وهنا جُملة مُعتَرِضة؛ قال الله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} هل الجَوابُ مُطابِق لقولهم، أو غير مُطابِق؟

الجَوابُ: {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} قال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} المُطابِق أن يَقول: والله أَعزُّ، والله أَعزُّ والمُؤمِنون، لكن لم يَذكرُ هذا، بل قال:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} إشارة إلى

ص: 327

أن المُنافِقين لا عِزَّةَ لهم أصلًا؛ لأنه لو قال: الله أَعزُّ. لأَثبَت للمُنافِقين عِزَّة، ولكنه ليس لهم عِزَّة، حصَر العِزَّة لله ورسوله والمُؤمِنين {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} وهذه من بَلاغة القُرآن، وإذا تَأمَّلت القُرآن -سُبْحانَ الله- تَبيَّن لك أمور تَبهَرك في دَلالاته وإشاراته وإيماءاته، فسُبْحانَ الله الذي أَنزَله عز وجل.

قوله: {الْغَفَّارِ} اسمٌ من أسماء الله المُتعَدِّية؛ لأن الله قال: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} .

إِذَنْ: لا بُدَّ أن نُثبِت الغَفَّار اسما من أسماء الله، ولا بُدَّ أن نُثبِت الصِّفة وهي المَغفِرة {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]، ونُثبِت أنه يَغفِر ويُوصِل المَغفِرة مَن شاءَ.

قوله: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} وهو الكُفْر بالله، والإشراك به {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} ، أي: ليس له استِجابة دَعْوة {فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ} ولا جرَمَ أيضًا أن مَرَدَّنا إلى الله، وأن المُسرِفين هم أَصْحاب النار.

قال المفَسِّر رحمه الله: [{لَا جَرَمَ} حَقًّا]؛ يَعنِي: أن مَعنَى لا جرَمَ حَقٌّ، وعلى هذا فتكون (لا) زائِدة، و (جرَمَ) بمَعنى: حَقًّا، وهذا ما ذهَب إليه المفَسِّر، والمُعرِبون اختَلَفوا فيها، والصَّواب في إعرابها أن (لا) نافِية للجِنْس، و (جرَمَ) اسمُها، ومَعنَى (لا جَرَمَ): أي لا شَكَّ، أو لا بُدَّ، هذا هو الصواب والتَّرْكيب واضِح، ولا يَحتاج أن يُقدَّر أن (لا) زائِدة و (جرَمَ) بمَعنَى: قطع، وأن مَصير الجُملة إلى أن تَكون مَصدرًا لعامِل مَحذوف يَعنِي: أحق حقًّا أن ما تَدعونَني إليه، لا حاجةَ إلى هذا، إذا قُلْنا: لا شَكَّ أن ما تَدْعونني إليه إلى آخِره، ليس له دَعْوة في الدُّنيا ولا في الآخِرة زال الإشكال، وعلى هذا تكون (جرَمَ) اسم (لا)، وإنما دخَل في تَأْويل المَصدَر خبَر (لا)،

ص: 328

والمَعنَى يَقول: لا شَكَّ ولا ارْتياب أن الذي تَدْعونني إليه ليس له دَعْوة.

وقوله: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} (ما) مَربوطة بـ (أن)، والظاهِر وحسب القواعِد المَعروفة أن تكون مَفصولة، لأن المَعنَى: لا جَرَمَ أن الذي تَدْعونني إليه، وإذا كانت (ما) مَوْصولة فإنها تُفصَل عن (أن) كِتابة، لكن رَسْم المصحَف تَمشَّى فيه العُلَماء على الرَّسْم العُثمانيِّ؛ احتِرامًا للقُرآن أن يُغيَّر؛ ولهذا تَجِدون الصلاة في المُصحَف مَكتوبة بالواو، والزكاة بالواو، والرِّبا بالواو، {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] بالتاء المَفتوحة، كلُّ هذا اتِّباعًا للرَّسْم العُثمانيِّ؛ احتِرامًا لكِتاب الله أن يَدخُله التَّغيير.

وقدِ اختَلَف العُلَماء: هل يُكتَب القرآن حَسب القَواعِد وفي كل وَقْت بحَسبه، أو على الرسم العُثمانيِّ؛ فقيل: إنه يَجوز أن يُكتَب على القَواعِد في كل وَقْت بحَسبه؛ لأن المَقصود أن يُتلَى كتاب الله على حَسب ما نزَل لا على حَسب ما كُتِب، والقُرآن نزَل مَقروءًا؛ إِذَنِ الكِتابة ما هي إلَّا اصطِلاحات تَخضَع لأعراف الناس.

والقول الثاني: إنه لا يَجوز أن يُغيَّر أبدًا؛ سَدًّا للباب، ومَنْعًا للتغيير؛ حتى لا يَجرُؤ أحَد أن يُغيِّر في كتاب الله عز وجل، وهذا لا شَكَّ أنه يَرمِي إلى قُوَّة احتِرامنا للقُرآن الكريم، والأوَّل يَرمِي إلى قُوَّة إيصال القرآن إلى الناس على وَجْه لا إشكالَ فيه.

والقَول الثالِثُ: إنك إن كتَبْته للدارِسين المُبتَدِئين، فلا بأسَ أن تكتُبه حسب القَواعِد المَعروفة؛ لأن الدارِسين المُبتَدِئين لا يَعرِفونه، وأمَّا إذا كُنت تُريد أن تَكتَبه ليقرَأ فهذا يُكتَب على حَسب الرسم العُثمانيِّ.

والظاهِر أن هذا القولَ المُفصَّل أَرجَحُ الأقوال الثلاثة.

ص: 329

قوله: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} (أنَّ) حَرْف تَوْكيد يَنصِب المُبتَدَأ ويَرفَع الخبَر، و (ما) اسمُها، و {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} خبَرُها الجُملة.

قال المفَسِّر رحمه الله: [{أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} لأَعبُدَه]، ولكِنَّ هذا التَّفسيرَ قاصِر، فالذي دعَوْه إليه أن يَكفُر بالله ويُشرِك به، فهُم دَعَوْه إلى أمرين، والمفَسِّر قصَره على أَمْر واحِد، وهو عِبادة غير الله، وهذا إِشْراك.

وقوله: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} أي: ليس له استِجابة دَعْوة، والصواب أنه ليس له دَعْوة يُدعَى بها، ولا دَعوةٌ يُجيبها، فمَعنى {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ}: لا يَستَحِقُّ أن يُدعَى، وهو أيضًا لا يَستَجيب إذا دُعِيَ، كما قال الله تعالى:{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر: 14].

زِدْ على ذلك أنكم تُريدون أن يَنفَعوكم في الآخِرة، والأمر ليس كذلك؛ قال تعالى:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} ، وهذه الآيةُ كقَوْله تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5]، هذا الذي تَدْعوه لا يُمكِن أن يَستَجيب لك إلى يوم القِيامة أبدًا، {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} (هُم) يَجوز أن يَكون المَدْعوُّون، ويَجوز أن يَكون الداعُون، والهاء في {دُعَائِهِمْ} يَجوز عَوْدها لهذا، وهذا حَسب الضَّمير السابِق.

ثم قال تعالى: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ} وهو الوَقْت الذي يُريد الداعون أن يَنتَفِعوا بالمَدْعوِّين {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)} [الأحقاف: 6]؛ لأن الله يَقول: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)} [البقرة: 166] أي: المَودَّة والمَحبَّة التي كانوا يُضمِرونها لهم في الدُّنيا {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا

ص: 330

لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة: 167].

فقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} يقول المفَسِّر: [ليس له دَعْوة مُستَجابة] يَعنِي: لا يَستَجيب الدَّعْوة، والصواب أن لها مَعنيَيْن: لا يَستَجيب، ولا يَستَحِقُّ، فهو لا يَستَحِقُّ أن يُدعَى، ولو دُعِيَ لم يَستَجِبْ.

وقوله: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ} لا يَستَطيع هذا لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالأصنام لا تَنفَع عابِديها لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وقوله: {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ} ذكَّرهم بالحِساب رحمه الله وجَزاه الله خيرًا، قال المفَسِّر رحمه الله:[{وَأَنَّ مَرَدَّنَا}؛ أي: مَرجِعنا] إلى الله عز وجل في الدُّنيا والآخِرة {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، فالمَرَدُّ هو الله في الدنيا والآخِرة.

وقوله: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} يَعنِي: ولا جرَمَ أيضًا أن المُسرِفين هُمْ أصحاب النار. يَعنِي: هذه ثَلاثة أشياءَ كلُّها جُزِم بها جَزْمًا.

أوَّلًا: {أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ} .

والثاني: {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ} .

والثالِث: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} .

والمُسرِف اسمُ فاعِل من الإسراف، وهو تَجاوُز الحَدِّ ويَكون كُفْرًا، وَيكون دون الكُفْر، فالإنسان الذي يَملَأ بطنَه من الطَّعام والشراب مُسرِف، لكنه ليس بكافِر؛ لأن الله عز وجل قال:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} ، وكذلك الإسرافُ في اللِّباس وغيره لا يُؤدِّي إلى الكُفْر، لكن الإسراف في عِبادة الله بأن تَتَجاوَز عِبادة الله إلى عِبادة غيره، هذا هو الكُفْر، وهذا هو مُراد هذا الرجُلِ المُؤمِن.

ص: 331