الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الكُفَّار يُجادِلون في آيات الله، لقوله تعالى:{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِرْص الكُفَّار على إبطال الْحَقِّ بالمُجادَلة والمُجالَدة، فالمُجادَلة كما في الآية، والمُجالَدة: إذا عجَزوا عن إبطال الْحَقِّ بالجدَل أَبطَلوه بالقِتال، كما في آيات أُخرى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحذَر من مجُادَلة الكُفَّار، إذا كانَ ليسَ عِند الإنسانِ سِلاح، أي: لا تَدخُل مع الكُفَّار في جدَل إذا لم يَكُن لدَيْك سِلاح، لأنك سَوْف تُهزَم، وهَزيمتك ليسَتْ هَزيمة شَخْصية لكنها هَزيمة للإسلام.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَنبَغي لنا أن نَعرِف مَعايِب الكُفَّار وأقوالهم حتى يُمكِننا أن نُجادِلهم؛ لأنَّ الجَدَل كما قلنا فيما سبَق: المُنازَعة، كل واحد يُنازع الآخَر ليَفتِل كلامه أمامَه حتى يَشتَدَّ عليه، فلا بُدَّ أن تَعرِف ما هم عليه من الباطِل من أَجْل أن تُحاجَّهم فيه، يَعنِي: لا يَكفِي في مجُادَلة الكُفَّار أن تَعرِف الحقَّ الذي أَنْت عليه، بل لا بُدَّ أن تَعرِف الباطِل الذي هَمَّ عليه.
والله عز وجل يُجادِل الكُفَّار بمِثْل هذا يَقول: {آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، والآياتُ في هذا كثيرة، اعْرِفْ ما عند عَدوِّك من الباطِل من أَجْل أن تَدْحَض حُجَّته.
فإن قال قائِل: كَيفَ نَجمَع بين هذه الآية الكَريمةِ التي ذكَر الله فيها أنه لا يُجادِل في الآيات إلَّا الكُفَّار، وبيَّنَ قول الله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، فأَمَر بالجِدال مع أنه في هذه الآيَةِ ذَمَّ الجِدال، وقال: إنه لا يُجادِل إلَّا الكُفَّار؟
فالجوابُ على هذا سَهْل: أن المُجادَلة التي أُمِرنا بها هي المُجادَلة لإِبْطال الباطِل، وإحقاق الْحَقِّ، أمَّا الكُفَّار فإنَّهم يُجادِلون لإِبْطال الحقِّ وإحقاق الباطِل .. عَكْس ما أُمِرنا به.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الله تعالى يُمِلي للكُفَّار وُيمهِلهم، ويُمكِّنهم من التَّقلُّب في البلاد حيث شاؤُوا؛ لقوله:{تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحذيرُ المُؤمِن أن يَغتَرَّ بما أَنعَمَ الله به على هَؤلاء الكُفَّار من التَّقلُّب في الدُّنيا حيث شاؤُوا؛ لقوله: {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيانُ سفَه أُولئِك الذين أُغْروا واغتَرُّوا بالكُفَّار، بيان سفَهِهم في العُقول وضَلالهم في الدِّين، فإنَّ بعض المُسلِمين ضُعَفاء الإيمان انبَهَروا ممَّا عليه الكُفَّار، وظنُّوا أن ما هم عليه من تَحلُّل الأخلاق، وفَساد العقائِد والكُفْر، هو الذي أَوجَب أن يَكونوا على هذا المُستَوى من التَّقدُّم المادِّيِّ، فانبَهَروا بذلك، وانفَلَتوا من الدِّين، وضيَّعوا مِشْيتهم ومِشْية الحمامة .. صاروا كالغُراب، يَقولون: إن الغُراب أعجَبَه مِشْيةُ الحمامة - ومَعروف الفَرْق بين مِشْية الحَمامة ومِشية الغُراب -، فقال: سأَمشِي مثل مِشْية الحمامة. فأَراد أن يَفعَل ولم يُدرِك شَيْئًا، أَراد أن يَعود إلى مِشْيته الأُولى، فعجَز أن يَعرِفها، فضَيَّع المِشْية الأُولى والثانية! .
وهؤلاء المَساكينُ الذين انبَهَروا بما عليه الكُفَّار من القوة المادِّيَّة، وما زُخرِف لهم من الدُّنيا، ضيَّعوا دِينَهم ولم يَصِلوا إلى ما عليه هؤلاءِ من الدنيا، وقد قال الله
تعالى لنَبيِّه: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)} [طه: 131].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّه مَهما طال الأمَدُ بهَؤلاء الكُفَّار، فإن مَآلَهم الهَلاك والبَوار، وانظُروا الآنَ: كلُّ الكُفَّار السابِقين ذهَبوا إلى النار؛ لأنَّنا نَشهَد بالله أنَّ كلَّ كافِر في النار، فهَؤلاءِ الذين ماتوا على الكُفْر انتَقَلوا من الدنيا التي جُعِلت لهم جَنَّة إلى النار، والعِياذُ بالله.
وقد كان ابن حجَرٍ العَسقلانيِّ كان قاضِيَ القُضاة في مِصرَ - يَعنِي: كبير القُضاة - وكان إذا مشَى يَمْشِي على عرَبة تجرُّها الخُيول أو البِغال في مَوكِب، فمَرَّ ذات يوم بيَهودي سمَّان - يَعنِي: يَصنَع السَّمْن - أو زَيَّات - ومعلومٌ أنَّ الزَيَّات والسَّمَّان تَكون ثِيابُه مُلوَّثة بالزيت وأحواله سيِّئة - فأَشار إلى المَوكِب فوقَف، فقال لابن حجَرٍ: إنَّ نَبيَّكم يَقول: "إِن الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ"
(1)
، وكيف يَتَّفِق هذا القولُ مع حالي وحالِك، فأنت الآنَ مُسلِم وفي هذه الرَّفاهية، وفي هذا المَوكِبِ العَظيم، وهو يَهودِيٌّ وتَعِسٌ، في زيت أو سَمْن يُلوِّث ثِيابه ويَدَيْه وكل شيء، فقال له ابنُ حجَرٍ رحمه الله تعالى:"نعَمْ، لكن ما أَنتَ فيه من البُؤْس هو جَنَّة بالنِّسبة لما ستَؤُول إليه إذا مِتَّ". لأنه إذا مات يَكون في النار، فهذا جَنَّة بالنِّسبة للنار، "وأمَّا أنا فنَعيمي هذا بالنِّسْبة للجَنَّة يُعتَبر سِجْنًا"؛ لأن نَعيم الجنَّة أعلى بكثير من هذا، فقال اليَهوديُّ: أَشهَد أن لا إلَهَ إلَّا الله، وأن محُمَّدًا رسول الله
(2)
، سُبحانَ الله! تَبيَّن له الأمر بكلِمة بَسيطة.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الزهد والرقائق، رقم (2956)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ذكر هذه القصة المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير (3/ 546).
فأَقول: إن هَؤلاءِ الكُفَّارَ مَهما زُّينَت لهم الدُّنيا، فإنهم - والعِياذ بالله - سيَؤُولون إلى عَذاب، وكما نَعلَم جميعًا أنَّ الإنسان إذا آلَ إلى عَذاب بعد النَّعيم صار العَذاب عليه أشَدَّ، لكن لوِ انتَقَل من عَذاب إلى عَذاب صار أَهوَنَ، أمَّا من نعيم إلى عَذاب فصَعْبٌ جِدًّا، {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} .
إِذَنْ: هؤلاءِ الكُفَّارُ الذين يَذهَبون ويَجيئُون كل هؤلاءِ لا يَغُرَّنكم، لا سِيَّما إذا كان تَردُّدهم في البلاد استِكْبارًا في الأرض ومَكْر السَّيِّئ، وعُلوًّا على الخَلْق، وزعمًا منهم أنهم سيُدبِّرون الناس، وسيَسُنُّون نِظامًا عالَمِيًّا كما يَقولون، فإننا نَعلَم أن مَآلَهم الفَشَل إذا نحن صدَّقنا الله، إذا نحن صدَّقْنا الله فإن كَيْدَهم لا يَضُرُّنا:{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15، 16]، يَعني: كيدًا أعظَمَ، ومَعلوم أنَّ الكَيْد الواقِع من الله أشَدُّ من الكَيْد الواقِع من البَشَر.
مسألة: بعض الناس يَقول: لا يَجوز للإنسان أن يَقول: إن الكُفَّار كلهم في النار، نَقول: الذي بلَغَته الدَّعوةُ نَشهَد أنه في النار، والذي لم تَبلُغه الدَّعوةُ لا نَشهَد له؟
فالجوابُ: لا، بل نَقول: كلُّ كافِر في النار، لكن مَن لم تَبلُغه الدَّعوةُ فلا نَجزِم له بجَنَّة ولا نار؛ لأنه لم يَصدُق عليه أنه كافِر إلى الآنَ، ونَقول: أَمْره إلى الله يوم القِيامة، وهذا بخِلاف الذي يَنتَسِب للإسلام، وفعَل ما يُكفِّر جاهِلًا فقد سبَقَ لنا القول في هذه المَسأَلةِ، وذكَرْنا لكم أن شَيْخ الإسلام رحمه الله لمَّا ناظَر الجَهْمية وبيَّن لهم الْحَقَّ، وأَصَرُّوا على ما هم عليه قال:"أَنَا أَعْلَمُ لَو أَنَّنِي لو قلتُ بما تَقولون لكنتُ كافِرًا، وأمَّا أنتُم فلَسْتُم كفَّارًا عندي لأَنَّكم مُتأَوِّلون"
(1)
هذا وهو يُناظِر الجَهْمية ويُبيِّن لهمُ الخقَّ، ذكَر هذا في كِتاب الاستِغاثة.
(1)
انظر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 10).
وهذا يَدُلُّ على مَسألة يَشتَدُّ فيها بعض الناس اليوم في مَسأَلة فِعْل ما يُكفِّر، حيث يُكفِّرون الناس مُطلَقًا بلا بَيِّنةٍ، والمَسأَلة هذه كما قُلْنا فيما سبَق خَطيرة، فالآنَ شيخ الإسلام رحمه الله يَقول: أنا أَعلَم أنني لو قلتُ بقَوْلكم لكُنْت كافِرًا؛ لأني أَعلَمُ أن هذا خِلاف الحَقِّ، أمَّا أنتم فلَسْتم تَكفُرون عِندي لأَنَّكُم مُتأَوِّلون؛ وهُمْ جَهمية، مع أن إطلاق الكُفْر على الجهْمية عُمومًا جاء ذلك عن الإمام أحمدَ وغيرِه، وكما نقَلْتُ لكم أيضًا عن الشيخِ محُمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّاب رحمه الله أنه قال:"إِنَّنا لا نُكَفِّر الذين اتَّخَذوا صنمًا على قَبْر البَدَويِّ وعبد القادِر؛ لجهْلهم وعدَم مَن يُنبِّههم"
(1)
.
وقد كان كثيرٌ من الناس أو من طلَبة العِلْم يُفرِّقون بين الأصل والفَرْع، فيَقولون: الفَرْع يُعذَر فيه بالجهْل، والأَصْل لا يُعذَر، فهذا ليس بصحيح، أوَّلًا أن تَقسيم الدِّين إلى أصل وفَرْع يَقول شيخ الإسلام
(2)
: هذا بِدْعة، ليس في القُرآن ولا في السُّنَّة تَقسيم الدِّين إلى أَصْل وفَرْع، هانما حَدَث هذا من كلام المُتكلِّمين بعد القُرون المُفضَّلة، قسَّموا الدِّين إلى أَصْل وفَرْع، وقال: إن هذا التَّقسيم يَنتَقِض بأن الصلاة عندهم فَرْع، وهي من أصل الأصول، وبأن بعض المَسائِل التي فيها الخِلاف فيما يُسمُّونه أصولًا لا يُكفَّر المُخالِف فيه، كما تقدم في الصِّراط، وفي المِيزان، وفي عذاب القَبْر، وفي رُؤْية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ربَّه، كل هذه مِمَّا يُسمُّونه أصولًا، ومع ذلك ففيها الخِلاف، وإن كان الخِلاف في الأصل لم يَرِد، لكن فُروع الأصول فيها الخِلاف، فهذه المَسائِلُ يَنبَغي لطالِب العِلْم أن يُحرِّر فيها القول قبل أن يَحكُم على عِباد الله بما لم يَجعَله الله له.
* * *
(1)
انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 104).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (23/ 346).