الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (68)
* قَالَ اللهُ عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [غافر: 68].
ثُم قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} هذا كالأوَّلِ جُملة استِئْنافية تُبيِّن كَمال قُدْرة الله عز وجل {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ؛ أي: يَجعَل الحياة في الميت، والموت في الحيِّ، هو الذي يُحيِي وُيميت وحدَه، لا أحَدَ يُحيِى وُيميت؛ ولهذا قال إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام للَّذي حاجَّه في ربِّه:{قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258].
فلا يُمكِن أن يُحيِيَ أحَدٌ ميتًا، ولا أن يُميت حيًّا، فإن قيل: ألَيْس عِيسى ابنُ مَريمَ يُحيِي الموتى؟ قُلنا: بلى، ولكن بإِذْنِ الله بنَفْس الآية يُحيِي المَوْتى بإِذْن الله، فإن قيل: أَلَيْس الرجُل يَقتُل الآخَر وهو حيٌّ فيَموت؟ قلنا: بلى، لكن ما فعَله فهو سبَب الموت، وليس هو الإِماتة، وكثيرًا ما تُقطَع أوداجُ الإنسان ويُشَقُّ بَطْنه ثُم يَبقَى حيًّا ويَحيا.
فالحاصِلُ: أن الإِحياء والإماتة بيَدِ الله سبحانه وتعالى، فإذا قضَى أَمْرًا أَراد إيجاد شيء فيَقول له: كُنْ. فيَكونُ، أمرًا هنا بمَعنى: شَأْن؛ أي: فهو واحِد الأمور، وليس
واحِد الأَوامِر أي: إذا قضَى شَأْنًا من الشُّؤون فقَدَّره فإنه لا يُعجِزه أن يُوجِده.
ونُجيبُه بالكلِمة: {كُنْ فَيَكُونُ} {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ؛ ولهذا فعِيسى يُوصَف بأنه كلِمة الله؛ أي: كان بكَلِمَته.
فالحاصِلُ: أنه إذا أَراد شيئًا، إذا قضَى أمرًا وقدَّره قال له:{كُنْ فَيَكُونُ} ، وهل المُراد المَوْجوداتُ أو المَعْدوماتُ أو الكُلُّ؟
الجَوابُ: الكل حتى لو أَراد إعدامَ شيءٍ قال له: {كُنْ} فيَنعَدِم، فقول المفَسِّر رحمه الله:[إيجاد شَيْءٍ] لو زادها: "أو إعدامه" لكان خَيْرًا؛ لأنه إذا قضَى أمرًا من إيجاد أو إعدام قال له: {كُنْ فَيَكُونُ} .
أمَّا غَير الله عز وجل فلو أَرَدْت أن تَهدِم بيتًا تَبقَى أيامًا وأنت تَهدِمه، لكن الله إذا أَراد أن يُهدَم هذا البَيْتُ أو القَريةُ كلُّها بكامِلها ماذا يَقول: كُنْ. فيَكون تَنهَدِم، تَكون هَباءً.
فإِذَنْ نَقول: إذا قضَى أمرًا بإيجاد شيءٍ أو إِعْدامه، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، قال الله عز وجل:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] كلُّ شيء بقَدَر، الصغير والكبير، المُتعَلِّق بأفعاله وأفعال عِباده، كلُّ شيء خلَقه فهو بقَدَر {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ} ويَتأخَّر المأمور؟
الجواب: {كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} لمْح البَصَر ليس شيءٌ أسرَعَ منه واحِدة بدون تَكرار.
{كُنْ فَيَكُونُ} الفاء للتَّعقيب، وقال تعالى في بَعْث الناس: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ
وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 13 - 14] سُبحانَ الله! ما أَعظَمَ قُدرةَ الله! كلِمة واحِدة بها تَكون الأشياءُ كلُّها، كما أَراد الله عز وجل تَكون كما أَراد الله، وليُنتَبه للنُّقْطة الأخيرة:"تَكون كما أَراد الله" وإن كان هذا المَأمورُ لا يَعلَم به لكِن لا بُدَّ أن يَكون كما أَراد الله؛ فلمَّا قال القلَمُ: ربِّي ماذا أَكتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كائِنٌ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وماذا فعَل؟ كتَبَ ما هو كائِن إلى يوم القِيامة، لأنه لا يَعلَم، لكن أُمِر فلا بُدَّ أن يَمتَثِل، قال تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]، لا إكراهَ، بل طَوْع.
إِذَنْ نَقول: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} أي: بإيجاد شيء، أو إِعْدام شيء {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} الفاء في قول:{فَإِنَّمَا} رابِطة للجَواب -جَواب إذا- وهي تَدُلُّ على التَّعقيب، وقوله:{كُنْ فَيَكُونُ} بدون تَأْخير؛ لأن الفاء هنا للتَّعْقيب، قال المفَسِّر رحمه الله:[بضَمِّ النُّون وفَتْحها بتَقْدير (أَنْ)].
إِذَنْ فيها قِراءَتان: {كُنْ فَيَكُونُ} "كُن فَيَكُونَ" فعَلى القِراءة الأُولى تَكون الفاء للاستِئْناف، وعلى الثاني تَكون الفاء فاءَ السَّبَبية التي يَنتَصِب بعدها الفِعْل، وهي مَعروفة في عِلْم النَّحْو، قال المفَسِّر رحمه الله:[بتَقْدير (أن) أي: يُوجَد عَقِب الإرادة التي هي مَعنَى القَوْل المَذكور]، اللَّهُمَّ اعفُ عن هذا المفَسِّر، يَقول: عقِب الإرادة التي هي بمَعنَى القول المَذكور، يُريد أن يَنفيَ بذلك القولَ يَعنِي: أن قوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إِنَّما يُريد أن يَقول؛ لأنه عفا الله عنه. يُريد أن يَنفِيَ قول الله عز وجل فإن مَذهَبه مَذهَبُ الأشاعِرة الذين يَقولون: إن الكلام هو المَعنَى القائِم بالنَّفْس، وليس شيئًا يُسمَع، وليس تَوجيهًا يُصدَر إلى المُوجَّه إليه، مع أن الآية صَريحة {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} قول صَريح مَصدَر، نعَمْ {كُنْ فَيَكُونُ} نَقول: مَعنَى