المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٢

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثامن باب الاسم العلم

- ‌[تعريف العلم]

- ‌[تقسيم العلم إلى منقول ومرتجل]

- ‌[تقسيم العلم إلى مفرد ومركب/ تقسيم المركب]

- ‌[تقسيم العلم إلى اسم وكنية ولقب]

- ‌[أحكام العلم ذي الغلبة]

- ‌[أحكام العلم ذي الأداة]

- ‌[تنكير العلم بالتثنية والجمع والإضافة وأحكام ذلك]

- ‌[مسميات الأعلام]

- ‌[حكم الصرف وعدمه لأنواع الأعلام]

- ‌[حكم أفعل وصفا للنكرة]

- ‌[حكم الأعداد من التعريف وغيره والصرف وغيره]

- ‌[حكم الكنايات من العلمية أو غيرها]

- ‌الباب التاسع باب الموصول

- ‌[تقسيم الموصول وتعريف كل قسم]

- ‌[الموصول من الأسماء وأنواعه - الموصولات الخاصة]

- ‌[جمع الذي والتي]

- ‌[الموصولات المشتركة ومعناها]

- ‌[حذف عائد الموصول بأنواعه]

- ‌[حكم أي الموصولة من البناء والإعراب]

- ‌[حكم أنت الذي فعل وفعلت]

- ‌[حكم وقوع شبه الجملة صلة للموصول]

- ‌[من وما ومراعاة اللفظ أو المعنى فيها]

- ‌[من وما: أنواعهما - معناهما]

- ‌[أنواع أيّ وأحكام كل نوع]

- ‌[الموصولات الحرفية - أن وكي وما ولو - وأحكامها]

- ‌[أحكام الموصول مع صلته]

- ‌الباب العاشر باب اسم الإشارة

- ‌[تعريفه - أنواعه]

- ‌[مرتبة المشار إليه]

- ‌[هاء التنبيه وأحكامها]

- ‌[فصل هاء التنبيه عن اسم الإشارة]

- ‌[إلحاق كاف الخطاب بأسماء الإشارة]

- ‌[إلحاق كاف الخطاب لبعض الكلمات الأخرى]

- ‌[تبادل أسماء الإشارة]

- ‌[الإشارة إلى المكان]

- ‌الباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداة

- ‌[اختلافهم في الأداة]

- ‌[أنواع أل]

- ‌[حكم أل التي للجنس]

- ‌[أل الزائدة ومواضع الزيادة]

- ‌[مدلول إعراب الاسم من رفع أو نصب أو جر]

- ‌الباب الثاني عشر باب المبتدأ

- ‌[تعريفه - نوعاه]

- ‌[عامل الرفع في المبتدأ والخبر]

- ‌[الوصف الرافع للاسم وأحكامه]

- ‌[حذف الخبر جوازا ووجوبا ومسائل ذلك]

- ‌[مسألة ضربي زيدا قائما وبقية الحديث فيها]

- ‌[رفع الحال المنصوبة على الخبرية]

- ‌[إعراب الاسم المرفوع بعد لولا]

- ‌[الحال السادة مسد الخبر ووقوعها جملة]

- ‌[حذف المبتدأ جوازا ووجوبا ومسائل ذلك]

- ‌[حكم قولهم: زيد والريح يباريها - وقولهم: راكب الناقة طليحان]

- ‌[المبتدأ والخبر من جهة التعريف والتنكير]

- ‌[مواضع الابتداء بالنكرة]

- ‌[إعراب قولهم: كم مالك؟ وقولهم: ما أنت وزيد

- ‌[بعض مسائل تقديم الخبر]

- ‌[حكم «في داره زيد» وأشباهه]

- ‌[بقية مسائل تقديم الخبر وجوبا]

- ‌[الخبر: تعريفه وأنواعه وحديث طويل عنه]

- ‌[الخبر المشتق وغيره، وحكمهما في تحمل ضمير المبتدأ]

- ‌[استكنان الضمير الرابط وبروزه]

- ‌[أنواع الخبر الجملة، وحكم بعض الجمل في وقوعها أخبارا]

- ‌[روابط الخبر الجملة - جمل لا تحتاج إلى رابط]

- ‌[حكم الضمير الرابط من جواز حذفه أو بقائه]

- ‌[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك]

- ‌[حكم وقوع ظرف الزمان خبرا عن اسم العين والمعنى]

- ‌[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه وجره]

- ‌[جواز رفع ظرف المكان الواقع خبرا ونصبه]

- ‌[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ووجوب نصبه]

- ‌[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه]

- ‌[جواز رفع المصدر الواقع خبرا ونصبه]

- ‌[تعدد الخبر وأنواعه]

- ‌[تعدد المبتدأ ونوعاه]

- ‌[اقتران الخبر بالفاء وجوبا وجوازا الأحكام وشروط ذلك]

- ‌[مسائل مختلفة في اقتران الخبر بالفاء]

الفصل: ‌[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك]

[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك]

قال ابن مالك: (ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ تامّ معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء، لا لفعله ولا للمبتدأ ولا للمخالفة؛ خلافا لزاعمي ذلك، وما يعزى للظرف من خبريّة وعمل فالأصحّ كونه لعامله، وربّما اجتمعا لفظا).

ــ

قلت: قد استدل ابن مالك على جواز ذلك بما تقدم ذكره، ومن حفظ كلامه حجة على من لم يحفظ (1).

قال ناظر الجيش: قد عرف أن الخبر قسمان (2) وهذا هو المعمول عليه، وهو قول الجمهور؛ فعلى هذا لا يعد الظرف المخبر به قسما ثالثا، بل يحكم بأنه داخل في أحد القسمين: إما المفرد إن قدرت عامله اسما، وإما الجملة إن قدرت عامله فعلا.

ونقل عن ابن السراج أنه يجعله قسما برأسه (3) ليس من قبيل المفرد، ولا من قبيل الجملة.

ولا يعلق الظرف بشيء محذوف، واستدل على ذلك بقول المعرب: إنّ أمامك بكرا وإنّ في الدّار زيدا، قال: فلو كان الظّرف بمنزلة مستقرّا واستقر لم يجز تقديمه على اسم إن، كما لم يجز تقديم مستقر أو استقر عليه. -

- وما تقدم ذكره هو بيت من الشعر أيضا هو قوله: سبل المعالي بنو الأعلين سالكة. ولم يأت ابن مالك بشيء من النثر يدل على جواز الحذف، ولذا فإن نقد أبي حيان لابن مالك يظل قائما، ويبقى دفاع ناظر الجيش عن صاحبه ناقصا.

والحق أن ذلك جائز، قال السيوطي في الهمع (1/ 97): يجوز حذف المجرور إذا كان أصله النصب بأن كان المضاف اسم فاعل نحو: زيد أنا ضارب أي ضاربه، بخلاف غيره.

(1)

انظر مسائل أخرى في هذا الموضع عابها أبو حيان على ابن مالك (التذييل والتكميل: 4/ 47).

منها: أنه ذكر أن ما أشبه كلّا في العموم والافتقار يجوز حذف الضمير من الخبر معه، ومثل بأيهم الموصولة، ولا أعلم له سلفا في ذلك، بل ذلك إن وجد عند أصحابنا ففي الشعر.

ومنها: أنه ذكر أنه فصل بين زيد ضربت وبين كل ضربت، فالرفع في كل جائز عنده بالإجماع، والرفع في زيد ضربت ضعيف، ولا فصل بينهما عند أصحابنا. وأرى أن أبا حيان على حق في هذين النقدين.

(2)

هما الخبر المفرد والخبر الجملة كما ذكره وسيذكره.

(3)

انظر: همع الهوامع للسيوطي (1/ 99).

ص: 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقد رد هذا الاستدلال بأن العامل في الظرف وشبهه لا يقدر متقدما عليهما، بل يقدر بعد الاسم. قالوا: ولذلك لم يجز في الدّار نفسه زيد، ولا فيها أجمعون قومك (1)؛ لأن التوكيد لا يقدم على المؤكد (2).

وجاز إن في الدار زيدا؛ لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة، إنما هو متعلق الخبر، والخبر مقدر في موضعه، ولذلك عدل سيبويه (3) في نحو:

639 -

لميّة موحشا طلل

[يلوح كأنّه خلل](4)

-

(1) أي يجعل نفسه وأجمعون توكيدين للضمير المستتر في مستقر ومستقرون المحذوف الذي تعلق به الظرف.

(2)

العجيب أن ابن السراج لم يقل ما نسب إليه من جعل الظرف قسما برأسه في كتابه المشهور له، وهو الأصول في النحو، وإنما قال عكس ما نسب إليه تماما، وكما يقول النحاة.

يقول: «وخبر المبتدأ الذي هو الأول في المعنى على ضربين: ضرب يظهر فيه الاسم الذي هو الخبر نحو ما ذكرنا من قولك: زيد أخوك وزيد قائم، وضرب يحذف منه الخبر ويقوم مقامه ظرف له، وذلك الظّرف على ضربين:

إما أن يكون من ظروف المكان، وإمّا أن يكون من ظروف الزّمان.

أمّا الظروف من المكان فنحو قولك: زيد خلفك وعمرو في الدّار، والمحذوف معنى الاستقرار والخلود وما أشبههما، كأنك قلت: زيد مستقر خلفك وعمرو مستقر في الدار، ولكن هذا المحذوف لا يظهر لدلالة الظرف عليه».

ومثل لظرف الزمان وشرحه كما سبق، ثم قال: فإن لم ترد هذا المعنى فالكلام محال (الأصول في النحو: 1/ 68).

وختم الحديث عن الخبر خاصة بقوله: «فقد بان من جميع ما ذكرنا أنه قد يقع في خبر المبتدأ أحد أربعة أشياء: الاسم أو الفعل أو الظرف أو الجملة» . (الأصول في النحو لابن السراج: 1/ 71).

وقال ابن يعيش في شرح المفصل: (1/ 90): «وقال قوم منهم ابن السراج: إن المحذوف المقدر اسم وإن الإخبار بالظّرف من قبيل المفردات؛ إذ كان يتعلّق بمفرد، فتقديره مستقر أو كائن أو نحوهما.

(3)

انظر: الكتاب (2/ 122) وما بعدها.

(4)

البيت كما أثبتناه من الوافر المجزوء، وروته بعض مراجعه هكذا:

لميّة موحشا طلل قديم

عفاه كلّ أسجم مستديم

وعليه فهو من الوافر التام، وانظر الروايتين في التصريح:(1/ 375).

وهو كما أثبتناه في الشرح في ديوان كثير عزة (ص 506) وهو بيت مفرد هناك. وقيل: هو لذي الرمة، بسبب ذكر اسم مية محبوبة ذي الرمة فيه.

المفردات: الطّلل: ما شخص من آثار الديار. الخلل: بكسر الخاء جمع خلة بالكسر أيضا، وهي: بطانة يغشى بها أجفان السيوف. -

ص: 994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إلى أن جعل موحشا حالا من النكرة، ولم يجعلها حالا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخر في النية وهو العامل في الحال وهو معنوي، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي. هكذا قرروا هذا البحث في: لمية موحشا طلل، وهو حسن؛ إلا أنه ينخدش بشيء: وهو أن العمل هل ينسب إلى الظرف أو إلى [1/ 361] ما يتعلق به الظرف؟.

إن قلنا: إن العمل لذلك المحذوف تم البحث المذكور، وإن قلنا: إن العمل صار ينسب إلى الظرف نفسه؛ فلا يتم لأن الحال لم يتقدم حينئذ على العامل المعنوي.

واعلم أن النحاة يطلقون الظرف على الجار والمجرور؛ لأنه يجري مجرى الظرف في تعلقه بالاستقرار، وحكم مجروره حكم الظرف إن كان مكانا جاز أن يكون الجار والمجرور خبرا عن الجثة، وإن كان المجرور زمانا لم يقع خبرا إلا عن الحدث إلا ما استثني، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

فلا جرم أننا نستغني بذكر الظرف عن الجار والمجرور.

وإذ قد تقرر هذا فأنا أورد كلام المصنف برمته في شرح هذا الموضع أولا، ثم أتبعه بما يتعلق به من المباحث.

قال رحمه الله تعالى (1): ذهب الكوفيون إلى أن الظرف من نحو: زيد خلفك منصوب بمخالفته، حكاه ابن كيسان والسيرافيّ (2)، وهذا القول فاسد من أربعة أوجه: -

- الشاهد فيه: نصب موحشا على الحال، وكان أصله أن يكون صفة لطلل، فلما قدم على الموصوف صار حالا، وعلى ذلك استشهد سيبويه بالبيت (الكتاب: 2/ 122، 123) والبيت في معجم الشواهد (ص 296).

(1)

انظر: شرح التسهيل (1/ 313).

(2)

انظر المسألة التاسعة والعشرين من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين في كتاب الإنصاف (1/ 245)(القول في عامل النصب في الظرف الواقع خبرا).

قال كمال الدين أبو البركات الأنباري: «ذهب الكوفيّون إلى أن الظرف ينتصب على الخلاف إذا وقع خبرا للمبتدأ نحو: زيد أمامك وعمرو وراءك، وما أشبه ذلك، وذهب أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب من الكوفيين إلى أنه ينتصب؛ لأن الأصل في قولك: أمامك زيد حل أمامك، فحذف الفعل وهو غير مطلوب، واكتفي بالظرف منه فبقي منصوبا على ما كان عليه من الفعل» .

«وذهب البصريون إلى أنه ينتصب بفعل مقدّر، والتقدير فيه: زيد استقر أمامك، وعمرو استقرّ وراءك، وذهب بعضهم إلى أنه ينتصب بتقدير اسم فاعل، والتقدير: زيد مستقر أمامك، وعمرو مستقر وراءك» .

ص: 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أحدها: أن تخالف المتباينين في معنى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح

من غير مرجح.

الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم يعمل فيها بإجماع نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، وهُمْ دَرَجاتٌ (1) فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها؛ لتحقق المخالفة فيها.

الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص. هذا إذا كان العامل لفظا مع أنه أقوى من المعنى؛ فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.

الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم؛ فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق، فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون.

وذهب ابن خروف (2) إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت (3):«فانتصبت لأنّها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها كما أنّ العلم إذا قلت: أنت الرّجل علما - عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدّرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما» .

ثم قال سيبويه: فالمكان هو خلفك. ثم أردفه بنظائر، وقال: «فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل في ما بعده نحو العشرين، وهو خير منك عملا، فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والّذي هو في موضع خبره، كما أنّك إذا قلت: عبد الله -

(1) سورةآل عمران: 163.

(2)

شرح التسهيل (1/ 314) والتذييل والتكميل (4/ 50) والهمع (1/ 98).

(3)

انظر الكتاب (1/ 403).

ص: 996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أخوك، فالآخر رفع الأول وعمل فيه، وبه استغنى الكلام وهو منفصل منه». هذا نصه (1) [1/ 362] وهو يحتمل أربعة أوجه (2):

أحدها: كون الظّرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه لقوله:

فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل، فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه، وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به.

ولأن الحصول لو عمل في الظرف الصرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي (3)، كالكيس والكوز، فكان يقال: المال الكيس والماء الكوز بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل؛ لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى فغيره بعدم العمل أولى.

والوجه الثاني: كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبويه بقوله في الباب المذكور: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة؛ لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: زيد خلفك فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول فسيبويه بريء ممن عول عليه وجنح إليه؛ لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت:

وعمل فيها ما قبلها. وهذه العبارة لا يصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرفية، والمخالفة بخلاف ذلك، فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين.

والوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى (4). ولو قصد ذلك سيبويه نصّا لم يعول عليه؛ لأنه يبطل من سبعة أوجه (5): -

(1) كتاب سيبويه (1/ 406).

(2)

شرح التسهيل.

(3)

في نسخة الأصل: لعمل في الظرف المعنوي، وما أثبتناه أولى، وهو من نسخة (ب).

(4)

أي فيما يورده من كلام الآن ومن إبطال هذا الرأي بالأوجه السبعة الآتية.

(5)

انظر: شرح التسهيل (1/ 315).

ص: 997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أحدها: أنه قول مخالف لأقوال البصريين والكوفيين مع عدم دليل فوجب اطّراحه.

الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.

الثالث: من مبطلات قول ابن خروف أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.

الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثم لم يكن كلام نحو: زيد قام عمرو حتى يقال إليه أو نحو ذلك.

الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عند تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر (1).

السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك - نظير المصدر نحو: ما أنت إلا سيرا في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقا للنظير بالنظير.

السابع: أن عامل [1/ 363] النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنّا لا يكون إلا فعلا أو شبهه، أو يشبه شبهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به (2).

الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه، وهو الصحيح: أنه ينتصب الظرف المذكور بمستقر أو استقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه؛ لأنه قال: قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله.

فما قبلها: يحتمل أنه يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير، وهو مستقر أو استقر أو شبههما؛ إلا أن الاحتمال الأول -

(1) في هذا الوجه اضطراب في النسخ أصلحته من التذييل والتكميل.

(2)

انظر إبطال أبي حيان لهذه الأوجه السبعة في شرحه المشهور للتسهيل (4/ 51، 52).

ص: 998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها.

والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ؛ فإن ذلك أليق بالنظير وأوفق بالتقدير.

وكذلك قوله: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ ويحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه، وهو الأولى لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السابقة.

ويؤيد ذلك أيضا قوله: وهو غيره أي ما هو عامل في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين المبتدأ والظرف مقدرا وهو خبر المبتدأ وعامل في الظرف، وأنه غير المبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ والهاء من غيره إلى الظرف؛ لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف؛ فإن الحاجة داعية إليه، ويتأيد ذلك أيضا بقوله: وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو خير منك عملا؛ فإن في صار ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعلت نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عمل، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ، بل الخبر المقدر؛ لأن خيرا من قوله: خير عملا خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظير الخبر أولى من جعله نظير المبتدأ.

ثم قال: فصار زيد خلفك بمنزلة ذاك، أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر؛ لأنه يدل عليه ويجعله في الذهن مشارا إليه (1).

ثم قال (2): والعامل في خلف الّذي هو في موضعه أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين؛ فإنه الخبر في الحقيقة، والظرف في موضعه؛ لأنه عمدة والظرف فضلة.

ثم قال: والّذي هو في موضع خبره يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق؛ فإن الظرف إذا علق بفعل، فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي وهو -

(1) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (1/ 316).

(2)

القائل ليس ابن مالك وإنما هو سيبويه، انظر الكتاب (1/ 406).

ص: 999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف [1/ 364] باسم فاعل وبفعل. ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو؛ حيث لا تصلح الجمعية كقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ * (1).

ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية كقول الشاعر:

640 -

[قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم]

ما بين ملجم مهره أو سافع (2)

ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أمور (3):

أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد كقول الشاعر:

641 -

لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن

فأنت لدى بحبوحة الهون كائن (4)

ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه (5) أشرت بقولي: وربّما اجتمعا لفظا. -

(1) سورة النساء: 3، وسورةفاطر:1.

(2)

البيت من بحر الكامل، وهو بيت مفرد منسوب إلى حميد بن ثور الهلالي (ديوان حميد: ص 111).

اللغة: الصريخ: المستغيث. ملجم مهره: واضع في فمه اللجام. سافع: آخذ بناصية مهره ليلجمه.

والشاهد في البيت قوله: أو سافع حيث جاءت أو فيه بمعنى الواو؛ لأنه لا بد من جمع النوعين المذكورين لما ذكر من لفظ بين، وهي لا تكون إلا مع اثنين مجتمعين.

والبيت في معجم الشواهد (ص 232) وليس في شرح ابن مالك ولا أبي حيان.

(3)

انظر: شرح التسهيل (1/ 317).

(4)

البيت من بحر الطويل قائله مجهول.

اللغة: العزّ: الهناء والسعادة. يهن: من هان أي ضعف وذل. بحبوحة الهون: بضم الباءين وسطه، وفي معناه بحبوحة الدار أي وسطها، وبحبوحة كل شيء: وسطه واختياره. الهون: بالضم مصدر هان يهون إذا ذل وخزي.

ومعنى البيت: أنت عزيز إن كان سيدك عزيزا، وإن هان سيدك صرت هينا.

والشاهد فيه قوله: فأنت لدى بحبوحة الهون كائن، حيث اجتمع الظرف وعامله الواجب الحذف، وقد ظهر العامل اسم فاعل، فدل على أن تقديره حين يستتر اسم فاعل أولى من تقديره فعلا.

والبيت في شرح التسهيل: (1/ 317) وفي التذييل والتكميل: (4/ 58) وفي معجم الشواهد (ص 391).

(5)

يقصد بنحوه ما خرج عليه بعض النحويين هذه الآية: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ [النمل: 40] حيث ذكر متعلق الظرف فيها.

ص: 1000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقدير، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني.

الثالث: أن كل موضع يقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل نحو:

أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد؛ لأن أما وإذا المفاجئة لا يليهما فعل.

الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل وقد أمكن، فلا عدول عنه.

فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: معمولا في الأجود لاسم فاعل كون مطلق؛ وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء. وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة (1).

ورجح بعضهم تقدير الفعل (2) بأنه متعين في وصل الموصول، وهذا ليس بشيء؛ لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني عنه المفرد؛ بل إذا وقع فيه مفرد تؤول بجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تؤولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر.

ونبهت بقولي: لاسم فاعل كون مطلق على أن اسم فاعل كون مقيد كمعتكف وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان.

والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، والظاهر من قول السيرافي (3). وتسميته خبرا في الحقيقة (4) غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز، وللكلام في هذا مواضع يأتي -

(1) قال الزمخشري: (المفصل ص 24): فصل:

«والخبر على نوعين: مفرد وجملة، فالمفرد على ضربين: خال من الضّمير ومتضمّن له، وذلك زيد غلامك وعمرو منطلق، والجملة على أربعة أضرب: فعلية واسمية وشرطية وظرفية، وذلك زيد ذهب أخوه، وعمرو أبوه منطلق، وبكر إن تعطه يشكرك، وخالد في الدار.

(2)

قال السيوطي (الهمع: 1/ 98): ورجح ابن الحاجب تبعا للزمخشري والفارسي تقدير الفعل؛ لأنه الأصل في العمل ولتعينه في الصلة.

(3)

التذييل والتكميل (4/ 54) والهمع (1/ 99).

(4)

في شرح التسهيل: على الحقيقة.

ص: 1001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها من بعض.

والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف.

وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو: زيد عنك وعمرو بك، فلا بد نحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق؛ فإن فهم المراد

بدليل جاز الحذف نحو قولك: أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخاله أي بخاله مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه.

وحرف الجر التام ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره نحو: الْحَمْدُ لِلَّهِ (1)، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ (2)[1/ 365] ومَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ (3) انتهى (4) كلام المصنف رحمه الله تعالى.

ويتعلق في هذا الموضع أبحاث:

الأول:

قد عرف أن الظرف الواقع خبرا معمول لشيء، وإن العامل فيه إما المبتدأ نفسه، وإما المخالفة، وإما شيء مقدر هو الخبر في الحقيقة، ثم منهم من يقول: المقدر اسم، ومنهم من يقول: المقدر فعل. فأما القول الأول (5) فهو لابن خروف وادعى أنه مذهب سيبويه، وقد رد قول ابن خروف في هذه المسألة، وأول الناس كلام سيبويه رحمه الله تعالى.

فأما المصنف فقد عرفت ما ذكره وما أول به كلام سيبويه. وأما غيره فقال السيرافي: لا أعلم خلافا بين البصريين أنك إذا قلت: زيد خلفك، وكذلك سائر ما يجعل الظرف خبرا له أنه منصوب بتقدير فعل هو استقر أو وقع أو حدث أو كان أو نحو ذلك، فوجب تأويل كلام سيبويه.

قال ابن عمرون: «والذي يدفع عن سيبويه ما توهّمه ابن خروف قول سيبويه في بعض أبواب الكتاب (6): وإنما ينتصب خلفك بالذي فيه، قال: ومعلوم أن الّذي -

(1) سورة الفاتحة: 2.

(2)

سورة النمل: 33.

(3)

سورة النور: 35.

(4)

شرح التسهيل (1/ 318).

(5)

أي القائل: إن العامل في الظرف هو المبتدأ نفسه.

(6)

الكتاب: (1/ 406).

ص: 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فيه هو استقر أو مستقر ثم قال: والعجب منه - يعني من ابن خروف - وهو يرفع الظّاهر بالظرف إذا كان عامل الظرف المبتدأ، فمن أين للظرف أن يرفع ولم ينب عن عامل، وفي هذا خرم للقاعدة، فوجب الكفّ عنه» انتهى.

وأما القول الثاني (1) وهو قول الكوفيين، فقد تقدم ذكر الأوجه الدالة على بطلانه.

وأما القول الثالث بأن العامل شيء مقدر، وأن ذلك المقدر فعل - فقد تقدم أنه رأي أبي علي الفارسي والزمخشري.

وأما القول الرابع بأن العامل مقدر كما تقدم، لكن المقدر اسم - فقد ذكر المصنف أنه مذهب الأخفش، وأن كلام سيبويه يعطي ذلك، ويومئ إليه وتقدم استدلال المصنف على أن تقدير اسم الفاعل أولى.

وقد ذكر ابن عمرون ما ذكره المصنف عن بعضهم من أن تقدير الفعل متعين في صلة الموصول إذا كانت ظرفا، وأجاب بمعنى ما أجاب به المصنف من الفرق بين بابي الصلة والخبر، ثم قال:

«هذا الفرق ملغي بوقوع الظّرف صفة، ويصح أن يوصف بالمفرد والجملة، والمفرد هو الأصل. وإلا لم يكن للجملة إذا كانت صفة موضع من الإعراب، ومع ذلك قدّرنا الفعل بدليل جواز دخول الفاء إذا كان المبتدأ نكرة موصوفة بالظرف أو شبهه نحو: كل رجل عندك أو في الدّار فله درهم، ولا يصح دخول الفاء إذا كانت الصفة مفردة على الأصح» .

ثم أجاب عن ذلك بأن قال: «ما ذكرت وإن دلّ فهو معارض بصحّة وقوع الظّرف وشبهه بين أمّا وفائها نحو: أما في الدار فزيد، ولا يفصل بينهما بجملة، فوجب تقدير المفرد» .

البحث الثاني:

قيد المصنف حرف الجر الواقع مع مجروره خبرا بكونه تامّا، فأفهم ذلك أن الناقص لا يغني، والناقص: ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو:

زيد عنك وعمرو بك. والتام: ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره كما تقدم، -

(1) أي القائل: إن عامل النصب في الظرف هو المخالفة.

ص: 1003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

والضابط [1/ 366] في ذلك كما ذكره ابن عصفور (1): «وهو أن حرف الجرّ إذا كان له معنى خاصّ يغلب استعماله فيه كان تامّا؛ لأنه بمجرّد ذكره وإدراك معناه يفهم ما تعلق به من الحدث، وإذا كان له معنى عام صالح مع كل شيء على السواء، وليس هو في أحد المعاني أظهر من الآخر كان ناقصا.

فالتّامّ: نحو زيد في الدار، التقدير: زيد مستقر: في الدار؛ لأن في للوعاء، فمعناها موافق للاستقرار، ومن ثم اشترط أن يكون ما تعلّق به حرف الجر المذكور كونا مطلقا كالاستقرار والحصول والكون ونحوها. فلو كان كونا

خاصّا بأن تريد بقولك: زيد في الدّار، زيد ضاحك، أو جالس في الدّار - لم يجز الحذف بل لا بدّ من ذكره؛ لأنه لا يعلم من في أنّ المحذوف ضاحك مثلا كما يعلم منها الاستقرار، ولذلك جاز أن تقول: زيد لك إذا أردت أنه مملوك لك أو مستحق لك؛ لأن الملك والاستحقاق مفهوم من اللام. ولو قلت: زيد لك وأردت أنه محب لك لم يجز؛ لأنّ ذلك لا يفهم من اللّام. ولما كان كل ظرف على تقدير في لزم أن متعلق الظرف أبدا الاستقرار، فلذلك يجوز أن تقول: زيد خلفك إذا أردت أنه يستقر خلفك، ولو أردت أنه ضاحك أو كاتب لم يجز إلا أن تأتي بذلك الحدث».

«وأما الناقص: فنحو زيد بك، وهذا لا يجوز أن يكون خبرا؛ لأنه لا يعلم هل المراد زيد واثق بك، أو مسرور بك أو غير ذلك؛ لأن الباء معناها الإلصاق فهي صالحة مع كلّ محذوف؛ لأنها تلصقه بالمجرور، ومن ثم امتنع الإخبار بالزمان عن العين، فلا يقال: زيد اليوم؛ لأن التقدير مستقر اليوم، وليس في الإخبار بذلك فائدة، فإن كلّ موجود يكون اليوم زمنا له» (2).

البحث الثالث:

قد أفاد المصنف بقوله: ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ أن الذي تعلق به الظرف أو حرف الجر لا يجوز ذكره، ولهذا يقول المعربون: إذا وقع الخبر ظرفا أو مجرورا تعلق بمحذوف لا يجوز ذكره. وكأن الموجب لذلك طلب الاختصار -

(1) انظر شرح الجمل لابن عصفور: (1/ 330) بتحقيق فواز الشغار وإميل يعقوب.

(2)

هذا آخر كلام ابن عصفور بتلخيص يسير من الشارح.

انظر شرح الجمل له: (1/ 330).

ص: 1004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وسهولة الكلام بحذف ما لا فائدة لذكره مع وجود ما دل عليه وسد مسده؛ إذ من المعلوم ضرورة إذا قلت: زيد خلفك، أو زيد في الدار أن نفس الخلف ونفس في الدار ليس شيء منهما صادقا على المبتدأ، والمبتدأ لا بد له من الخبر، وحرف الجر المذكور والحرف المقدر مع الظرف دالان على الاستقرار والحصول كما عرفت، فكان ذكر الظرف والمجرور اللذين هما متعلقا الخبر دالين على الخبر المحذوف دلالة قطعية مغنيين عنه من حيث أن الذي تعلقا به كون عام، ولهذا إذا كان المتعلق به كونا خاصّا وجب ذكره، قال أبو علي:«إظهار عامل الظّرف شريعة منسوخة» (1). ثم ليس هذا الحكم مختصّا بالظرف والمجرور الواقعين خبرين، بل حكم كل منهما [1/ 367] إذا وقع حالا أو صلة أو صفة فيما ذكر حكمه إذا وقع خبرا.

وأما قول المصنف: وربّما اجتمعا لفظا فأشار به إلى البيت الذي أنشده، وهو:

641 م - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن

فأنت لدى بحبوحة الهون كائن (2)

وقد جعلوا من هذا الباب وذكره الشيخ قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ (3)، قالوا: فمستقرّا حال، ولو لم يكن لكان عنده حالا والعامل فيها محذوف، قالوا: وقد ظهر العامل في هذا، وهو اسم فاعل لا فعل كما ظهر اسم فاعل في البيت المتقدم الإنشاد.

ونقل ابن يعيش شارح المفصل عن ابن جني جواز إظهاره (4)، ثم قال: «والقول -

(1) قال في الهمع: (1/ 99): ذهب الفارسي وابن جني إلى أن الظرف حقيقة وأن العامل صار نسيا منسيّا.

(2)

سبق ذكره قريبا.

(3)

سورة النمل: 40، وانظر ما ذكره في التذييل والتكميل (4/ 58) وفي البحر المحيط:(7/ 77) قال أبو حيان: «انتصب مستقرّا على الحال وعنده معمول له، والظّرف إذا وقع في موضع الحال كان العامل فيه واجب الحذف، قال ابن عطيّة: وظهر العامل في الظّرف من قوله مُسْتَقِرًّا وهذا المقدّر أبدا في كل ظرف وقع في موضع الحال، وقال أبو البقاء: مستقرّا أي ثابتا غير متقلقل، وليس بمعنى الحضور المطلق؛ إذ لو كان كذلك لم يذكر» انتهى.

قال أبو حيان: «فأحدث في مستقرّا أمرا زائدا على الاستقرار المطلق وهو كونه غير متقلقل حتى يكون مدلوله غير مدلول الضّدية، وهو توجيه حسن لذكر العامل في الظرف الواقع حالا» .

وفي شرح الكافية للرضي: (1/ 93): «وأما قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ فمعناه ساكنا غير متحرّك وليس بمعنى كائنا» وسيذكره الشارح بعد.

(4)

انظر: شرح المفصل لابن يعيش (1/ 90).

ص: 1005

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عندي أنه بعد حذف استقرّ ونقل الضّمير إلى الظّرف لا يجوز إظهار المحذوف؛ لأنه قد صار أصلا مرفوضا؛ فإن ذكرته قبل نقل الضمير لم يمنع منه مانع» (1).

وكأنه يقول: إن الظرف قبل نقل الضمير إليه فضلة محضة؛ لأنه معمول الخبر، وإذا كان كذلك فلا مانع من ذكر الخبر مع معموله، بل ينبغي أن يتعين ذكره، أما بعد نقل الضمير إليه فإنه يقوم مقام الخبر، وإذا قام مقام الخبر سد سده، فيمتنع حينئذ ذكره، وهذا الذي لحظه حسن، لكنهم لم يذكروه.

ولك أن تدعي في مستقرّا من الآية الشريفة أنه كون مقيد لا كون مطلق؛ لأن المراد بالاستقرار هنا الثبوت وعدم

الانتقال لا مجرد الحصول والكون، وعلى هذا يكون ذكره واجبا، فلا يكون مما نحن فيه.

ولابن الدهان في الآية الشريفة إعراب آخر (2):

وهو أن مستقرّا ليس عاملا في الظرف، وإنما عنده ظرف للرؤية، ومستقرّا حال من الهاء، وأما قول الشاعر: لدى بحبوحة الهون كائن، فيمكن أن يقال في كائن: إن المراد به الكون المقيد، وهو الثبوت والديمومة لا الكون المطلق وهو مجرد الحصول، وإذا كان كذلك كان ذكره واجبا.

البحث الرابع (3):

قد عرفت من كلام المصنف أن الأصح عنده أن الخبرية والعمل لا ينسبان إلى الظرف، إنما ينسبان إلى العامل فيه يعني إلى المحذوف الذي تعلق به الظرف، لكنه لم يستدل على ذلك بشيء، واقتضى هذا الكلام منه أن الضمير العائد إلى المبتدأ لم ينقل إلى الظرف، بل الخبرية والعمل وتحمل الضمير إنما يتصف بها ذلك المحذوف.

وقد اختلف في نقل الضمير إلى الظرف: فذهب بعضهم إلى أنه لم ينقل قبل، وهو مذهب السيرافي (4)، ونسبه المصنف إلى ابن كيسان أيضا (5). -

(1) المرجع السابق.

(2)

انظر: التذييل والتكميل (4/ 58).

(3)

هذا الترقيم من البحث الأول إلى الرابع ساقط من نسخة الأصل، ومكانه فيها خال.

(4)

انظر شرح الكافية للرضي: (1/ 93) ونصه قال الرضي:

«ذهب السيرافي إلى أنّ الضّمير حذف مع المتعلق»

(5)

انظر: شرح التسهيل لابن مالك (1/ 318).

ص: 1006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وذهب الأكثرون (1) إلى أن الضمير نقل من المحذوف إلى الموجود، وأن الظرف في موضع الخبر، وقد استدل على نقله بتأكيده في قول كثير:

642 -

فإن يك جثماني بأرض سواكم

فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع

إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها

فظلّت لها روحي تتوق وتنزع (2)

ووجه الدليل: أن أجمع يلي العوامل، والتأكيد لا يكون لمحذوف. قالوا: ولولا نقله لما امتنع: قائما في الدار زيد؛ لأن الحال حينئذ تكون من فاعل ذلك المقدر، وهو متصرف؛ لأنه إما فعل أو اسم فاعل، فوجب ألا يمتنع [1/ 368] وفي

امتناعه دليل على المقصود، وأيضا لو لم ينقل لما عطف عليه في قوله:

643 -

[ألا يا نخلة من ذات عرق]

عليك ورحمة الله السّلام (3)

ولا يمكن دعوى أن رحمة الله معطوف على السّلام، وقدم لأنه يلزم منه تقديم -

(1) في شرح الكافية للرضي قال: «وذهب أبو علي ومن تابعه إلى أنّ الضّمير انتقل إلى الظّرف؛ لأنه يؤكّد ويعطف عليه، وينتصب عنه الحال» . ثم ذكر أمثلة الشارح (شرح الكافية: 1/ 93).

(2)

البيتان من بحر الطويل وهما في الغزل الرقيق العفيف، واختلف في قائلهما؛ لأنهما في ديوانين:

فقيل: لكثير عزة، وانظر البيتين في ديوانه (ص 404) وقيل: لجميل بثينة، وانظر البيتين في ديوانه أيضا (ص 118) إلا أن الثاني يروى في ديوان جميل هكذا:

إذا قلت هذا حين أسلو وأجتري

على هجرها ظلّت لها النّفس تشفع

الإعراب: بأرض سواكم: يروى بلا تنوين فيكون على الإضافة ويروى بالتنوين، فيكون على الوصف، وأصله: بأرض سوى أرضكم، فحذف المضاف إلى ضمير المخاطبين. عندك: ظرف مكان يتعلق بمحذوف خبر إن. الدّهر: ظرف زمان منصوب. أجمع: توكيد للضمير المستتر الذي انتقل من الخبر إلى الظرف بعد حذفه، ولا يصح أن يظل الضمير في العامل المحذوف؛ لأن الحذف والتوكيد يتنافيان، وهذا هو الشاهد.

والشاهد في التذييل والتكميل (4/ 55) وفي معجم الشواهد (ص 217).

(3)

البيت من بحر الوافر وهو للأحوص - وهي نسبة مشكوك فيها - في حواشي ديوانه (ص 190) قيل: إنه مطلع القصيدة التي منها هذا البيت المشهور:

سلام الله يا مطر عليها

وليس عليك يا مطر السّلام

وسبب إنشائه هذه القصيدة: أن مطرا هذا كان متزوجا بامرأة وكانت تبغضه، وكان الأحوص يهواها، والمقصود بقوله: يا نخلة هنا هي المرأة التي يتغزل فيها. وذات عرق: موضع بالحجاز.

والشاهد في قوله: عليك ورحمة الله: حيث عطف على الضمير المستتر المستكن في الظرف الذي انتقل إليه بعد حذف عامله، وفي البيت شواهد أخرى وكلام آخر غير ذلك. انظر: الهمع (1/ 173، 220) - (2/ 130، 140) والبيت في معجم الشواهد (ص 350).

ص: 1007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المعطوف على العامل في المعطوف عليه؛ لأنه قدم على المبتدأ والعامل فيه الابتداء، وتقديم المعطوف على عامل المعطوف عليه لا يجوز.

ولكن يشكل على ذلك مسألة (1) وهي: أن يقال: إذا قدرتم الظرف في موضع، وقدرتم فيه ضميرا يعود على المبتدأ وجب أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد.

وقد أجيب عن ذلك بأنه إنما قبح توكيد الضمير؛ لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال: إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ والمجرور المقدم قبل المبتدأ دال عليه.

والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح: فيها أجمعون الزيدون؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد.

قال الشيخ: «والمنقول عن البصريين أنّ الظرف يتحمّل ضمير المبتدأ سواء تقدّم على المبتدأ أم تأخّر، وأنّه يرفع ذلك المضمر ويرفع الظّاهر أيضا إذا خلف المضمر نحو: زيد خلفك أبوه، ويجوز أن يكون خلفك أبوه مبتدأ وخبرا، والجملة خبر عن زيد، والوجه الأول أولى؛ لأنه إخبار بمفرد، وقال: هكذا تلقّينا هذا الإعراب من شيوخنا» انتهى (2).

ومنع السهيلي ارتفاع الظاهر الواقع بعد الظرف بالظرف، وأوجب رفعه بالابتداء، وفرق بين الظرف واسم الفاعل بأن اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل موجود، والظرف لا لفظ للفعل فيه (3).

وقال ابن عمرون: «وإذا ثبت رفعه الضمير فهو غير رافع للظّاهر في صورة؛ خلافا لمدعيه مطلقا، وإذا جرى صفة أو خبرا أو حالا أو صلة لأنه أضعف في العمل من أفعل من، وأفعل من لا يرفع الظّاهر، فالظّرف أولى» . -

(1) انظر: التذييل والتكميل (4/ 57).

(2)

انظر: التذييل والتكميل (4/ 55).

(3)

قال السهيلي في كتابه نتائج الفكر (ص 358): فصل: «إذا أثبت هذا (تعلق الظرف وأخيه باسم الفاعل فقط) فلا يصح ارتفاع اسم بهذا الظّرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل، وإن كان في موضع خبر أو نعت، وإنّما يرتفع بالابتداء كما يرتفع في قولك: قائم زيد بالابتداء لا بقائم

إلخ».

ص: 1008