الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه وجره]
قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا؛ فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا ولم يمتنع نصبه ولا جرّه بفي، خلافا للكوفيين، وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه).
ــ
الواحد، ولذلك جاز أنت رجل صالح، ولا يجوز أنت رجل؛ لأن هذا لا فائدة به.
الثالث: أن يكون الكلام مخرجا عن حده كقول القائل: في أيّ يوم نحن؟
وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن؟ وقولك في الجواب: نحن في يوم الجمعة، ونحن في شهر المحرّم، ونحن في عام كذا، فأنت بلا شكّ تعلم أن السؤال إنما وقع عن تعيين اليوم أو الشّهر أو العام. فأمّا كوننا في يوم أو في شهر أو في عام فمما لا يجهل؛ فكان الأصل أن يقال في السؤال: أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟
فتقول: يوم كذا أو شهر كذا أي يومنا يوم الجمعة وشهرنا شهر المحرّم.
ومنه أن يقال: زيد حين طرّ شاربه (1) لكن لمّا كان هذا الوصف لا يكون إلا في زمان تجوز واتّسع، وقيل: في زمان كذا ولم يرد أن يخبر عنه بأنّه، في زمان إنّما المراد الإخبار عنه بالصفة، قال:«وكان الأستاذ أبو علي يأخذ بهذه الثلاثة ويرتضيها» انتهى (2).
وعلى هذا الذي ذكره يخرج جميع ما قاله المصنف.
فقولهم: الرطب في شهر كذا يكون تقديره: حدوث الرطب في شهر كذا، وحدوث الكمأة في فصل الربيع، وكذا أكل يوم ثوب تلبسه تقديره: أكل يوم لبس ثوب، وأكلّ ليلة أمّ ضيف.
قال ناظر الجيش: الضمير في: ويغني عائد على ظرف الزمان أي: ويغني ظرف الزمان عن خبر اسم المعنى يعني أنه لا يتقيد الإخبار عن اسم المعنى بحال دون حال كما كان ذلك في الإخبار به عن اسم العين، وذلك لحصول الفائدة. -
(1) قوله: زيد حين طرّ شاربه فيه إخبار بالزمان عن الذات، وجاز ذلك لأن هناك قرينة تبين المراد، والمعنى: زيد كان رجلا حين طرّ شاربه.
(2)
شرح الإيضاح لابن أبي الربيع لقطة رقم: 36.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال المصنف (1): «اسم المعنى يغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في جميعه، والموقوع في بعضه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه كقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (2) وكقوله عز وجل (3): غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (4)، وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (5).
ولو جر هذا النوع بفي أو نصب على مقتضى الظرفية - لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم: إن في للتبعيض (6) حكاه السيرافي، وليس ذلك بصحيح (7). وإنما في حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها. فإن كان الواقع يستلزم استغراقا كالصوم بالنسبة إلى النهار فلا يمنع منه معنى في ولا لفظها. وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته أو لم تقارنه؛ ولذلك صح في الاستعمال أن يقال:
في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم؛ فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله تعالى أعلم. ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه [1/ 371] كقولك: الزّيارة يوم الجمعة. ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروي قول النابغة:
647 -
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا
…
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود (8)
-
(1) شرح التسهيل (1/ 320).
(2)
سورة الأحقاف: 15.
(3)
ما بين القوسين ساقط من نسخة الأصل.
(4)
سورةسبأ: 12.
(5)
سورة البقرة: 197.
(6)
انظر: شرح الكافية (1/ 95) وأسنده الرضي إلى الكوفيين.
(7)
ذكر صاحب المغني عشرة معان لفي ولم يذكر منها التبعيض. انظر المغني (1/ 168) وما بعدها.
وفي شرح الكافية (1/ 95) قال الرضي: «ولا يعلم إفادة في للتّبعيض» .
(8)
البيت من بحر الكامل من قصيدة للنابغة الذبياني كلها في الغزل (ديوان النابغة ص 144) مطلعها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتد
…
عجلان ذا زاد وغير مزوّد
وبيت الشاهد بهذه الرواية: فيه إقواء لأن القافية كلها مكسورةو بعده أيضا:
لا مرحبا بغد ولا أهلا به
…
إن كان تفريق الأحبّة في غد
ويروى أن النابغة أصلح بيت الشاهد وغيّره إلى قوله: وبذاك تنعاب الغراب الأسود.
والبوارح: جمع بارح وهو ما مر من الطير والوحش من يمينك إلى يسارك، والعرب تتطير به.
والشاهد في البيت قوله: أنّ رحلتنا غدا حيث رويت كلمة غد بالرفع على الخبرية وبالنصب على الظرفية، -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنصب غدا ورفعه، ذكر ذلك السيرافي (1).
والوجهان في هذا النوع جائزان بإجمال، إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه. انتهى (2). وإنما قيد الظرف الموقوع في جميعه أو
أكثره بكونه نكرة؛ لأنه إذا كان معرفة جاز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين، نحو: سيرك يوم الخميس وصومك اليوم، إلا أن النصب هو الأصل والغالب.
ثم ها هنا بحثان:
الأول:
مقتضى كلام المصنف مما استشهد به من الآيات الشريفة أن المرفوع الواقع خبرا خبر عن اسم المعنى نفسه، فيكون أشهر معلومات خبرا عن الحج، وشهر خبرا عن غدوها ورواحها، وثلاثون شهرا خبرا عن حمله وفصاله، وفي ذلك نظر: فإن الخبر المفرد غير الظرف إذا لم يقصد التشبيه كان نفس المبتدأ في المعنى. ولا شك أن الخبر في هذه الآيات الشريفة نفس المبتدأ الذي قبله في المعنى.
أما قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (3) فلا بد فيه من تقدير مبتدأ محذوف، وهو وقت أو زمن، وإذا كان كذلك فأشهر معلومات خبر عن ذلك -
- وكله جائز؛ لأن غدا ظرف زمان وقع الحدث في بعضه.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 321) وفي التذييل والتكميل (4/ 65) وفي معجم الشواهد (ص 107).
(1)
قال السيرافي في شرحه على كتاب سيبويه: (3/ 225):
«أجمع البصريون والكوفيون أن الوقت يرفع وينصب إذا كان خبرا لمرفوع ابتداء في حال تعريف الوقت وتنكيره، فالتعريف نحو قولك: القتال يوم الجمعة واليوم، وإن شئت قلت: يوم الجمعة واليوم، والتنكير كقولك: رحيلنا غدا وغد كما قال النابغة:
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا
…
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
ويروى: غد.
فإذا رفعت الخبر صار التّقدير في الأولّ أن يكون الوقت مضافا إليه ومحذوفا منه كأنك قلت: وقت القتال اليوم، وإذا نصبت فبإضمار فعل كأنك قلت: القتال يقع اليوم أو وقع». (شرح كتاب سيبويه للسيرافي، جـ 3، رسالة دكتوراه بكلية اللغة رقم: 1665) تحقيق محمد حسن محمد سنة (1978 م).
(2)
شرح التسهيل (1/ 321).
(3)
سورة البقرة: 197.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المقدر الذي حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، وكذا قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (1) التقدير: زمن
حمله وفصاله، وإذا كان كذلك فلم يقع الإخبار في الآيتين الشريفتين بظرف إنما وقع باسم ليس بظرف. وفي الحقيقة أن الإخبار في قوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (2) وفي: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً بزمان عن زمان، فيكون ذلك نظير الإخبار بقائم عن زيد في قولنا: زيد قائم؛ إذ الخبر في ذلك كله هو نفس المبتدأ لا غيره (3). ومقتضى كلام المصنف أن الحج واقع في الأشهر، وأن الحمل والفصال واقعان في ثلاثين شهرا، ولا يظهر أن هذا هو المراد، بل الظاهر أن المراد الإخبار بأن زمن الحج هو هذه الأشهر، وأن زمن الحمل والفصال هو هذه المدة المذكورة.
وأما قوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (4) فالظاهر أنه ليس من هذا الباب؛ لأن الغدوّ والرواح ليسا واقعين في الشهر المذكور كما يقع الحج في الأشهر ولا كما يقع الحمل والفصال في الثلاثين شهرا، بل المعنى أنها تقطع في غدوها مسافة شهر وكذا في رواحها، وإذا كان كذلك فيكون التقدير: مسافة مسير غدوها قدر مسافة مسير شهر، وكذا مسافة مسير رواحها قدر مسافة مسير شهر، ثم حصل الحذف وإقامة ما أضيف إليه المحذوف مقامه.
البحث الثاني:
قال الشيخ - كالمستدرك على المصنف -: «إنّ ظرف الزمان كما يقع خبرا عن الجثة وعن [1/ 372] المصدر يقع خبرا لزمان أيضا» قال: «فإن كان على قدر المبتدأ فالرفع فقط تقول: زمان خروجك السّاعة، وإن كان أعمّ جاز الرفع والنصب، تقول:
زمان خروجك يوم الجمعة، فيوم الجمعة بالنصب حقيقة ويوم بالرفع مجاز يجعل الخروج طويلا قد استغرق اليوم أجمع، هذا في غير أيام الأسبوع» انتهى (5). -
(1) سورة الأحقاف: 15.
(2)
سورة البقرة: 197.
(3)
حمل ناظر الجيش على ابن مالك في هذا، وليس له الحق فيه، وذلك لأن المجاز بالحذف كثير في اللغة العربية، وبخاصة في مثل هذا الكلام البليغ، ولو لم يقدره ناظر الجيش ويشر إليه لفهم. وبعد أن كتبت هذا الكلام وجدت على هامش نسخة الأصل ما يأتي:«قد يقال: إنه مجاز علاقته الحالية والمحلية، ولكونه مسموعا شائعا ألحق بالحقيقة فاستغني عن التأويل والتّقدير» .
(4)
سورةسبأ: 12.
(5)
التذييل والتكميل (4/ 62، 63) وهو بنصه.