الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه]
قال ابن مالك: (ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها ممّا يتضمّن عملا - جائز لا إن ذكر مع الأحد ونحوه ممّا لا يتضمّن عملا؛ خلافا للفراء وهشام، وفي الخلف مخبرا به عن الظّهر رفع ونصب وما أشبههما كذلك، فإن لم يتصرف كالفوق والتّحت لزم نصبه).
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن ظرف الزمان يقع خبرا عن الزمان، لكن الزمان المخبر عنه قد يكون غير أيام الأسبوع، ولم يتعرض المصنف إلى ذكره لوضوحه، وقد تقدم الكلام عليه. وقد يكون المخبر عنه أيام الأسبوع، وها هو قد شرع في ذكر ذلك. وإنما ذكر المصنف هذا القسم دون الأول لينبه على أن النصب جائز في بعض هذه الصور بتأويل، فلو كان الرفع على الخبرية لازما في الصور كلها لم يحتج إلى ذكره، كما أنه لم يحتج إلى ذكر القسم الأول.
قال المصنف (1): إذا قلت: اليوم الجمعة واليوم السّبت جاز نصب اليوم؛ لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة، وكذا اليوم العيد واليوم الفطر واليوم النيروز كلّ هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف؛ لأن ذكرها منبه على عمل يقع في اليوم بخلاف قولك: اليوم الأحد واليوم الاثنان واليوم الثلاثاء واليوم الأربعاء واليوم الخميس، فإنها بمنزلة اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث واليوم الرابع واليوم الخامس؛ فلذلك لا يجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما؛ فإنهما أجازا النصب على معنى الآن الأحد والآن الاثنان (2) ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين، فيجعل الأحد والاثنان واقعا في الآن كما تقول: في هذا الوقت هذا اليوم. وقد قال سيبويه ما يقوي ذلك؛ لأنه قد أجاز: اليوم يومك بنصب اليوم بمعنى الآن، وقال: لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل ذلك ولا يريد يوما بعينه (3) فهذا مما يقوي قول الفراء.
وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك بمعنى اليوم شأنك وأمرك -
(1) انظر: شرح التسهيل (1/ 323).
(2)
همع الهوامع (1/ 100) والتذييل والتكميل (4/ 75).
(3)
كتاب سيبويه: (1/ 419) ونصه يقول: «ومن العرب من يقول: اليوم يومك، فيجعل اليوم الأول بمنزلة الآن؛ لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل كذا ولا يريد يوما بعينه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي تذكر به، فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه بخلاف: اليوم الأحد، انتهى (1).
والتأويل الذي أول المصنف به كلام سيبويه تأويل حسن غير بعيد عن الصواب، والذي ينبغي مراجعة الكتاب واعتبار ما ساق سيبويه هذا الكلام لأجله وحمله على ما يقتضيه السياق.
وأما قول المصنف: وفي الخلف مخبرا به إلى آخره فقد ذكر (2) شرحه بأن قال (3): وتقول: ظهرك خلفك بنصب الخلف على الظرفية، ويجوز رفعه لأنه الظهر في المعنى مع أنه متصرف، ومثله في جواز الوجهين: رجلاك أو نعلاك أسفلك وأسفلك، وقرئ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ (4) وأسفل منكم [1/ 376]. فلو كان الظرف غير متصرف تعين نصبه، وإن كان هو الأول في المعنى؛ ولذلك قال أبو الحسن (5) الأخفش:«اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلّا ظرفا، والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس، وهو جائز؛ غير أن العرب لم تقله، قال: تقول: تحتك رجلاك لا يختلفون في نصب التّحت» (6) انتهى.
ثم قال: قال خطّاب المارديّ (9): إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر -
(1) شرح التسهيل (1/ 323).
(2)
كلمة: ذكر ساقطة من الأصل، ويستوي وجودها وسقوطها.
(3)
شرح التسهيل (1/ 324).
(4)
سورة الأنفال: 42، وانظر القراءة في معاني القرآن للفراء:(2/ 411).
وفي البحر المحيط: (4/ 500) يقول أبو حيان: وأسفل ظرف في موضع الخبر، وقرأ زيد بن علي أسفل بالرفع، اتسع في الظرف فجعله نفس المبتدأ مجازا.
(5)
التذييل والتكميل (4/ 76).
(6)
شرح التسهيل (1/ 324).
(7)
التذييل والتكميل (4/ 77).
(8)
المرجع السابق.
(9)
هو خطاب بن يوسف بن هلال القرطبي أبو بكر الماردي. من جلة النحاة ومحققيهم والمتقدمين في المعرفة بعلوم اللسان على الإطلاق، تصدر لإقراء العربية طويلا وصنف بها، اختصر الزاهر لابن الأنباري، وله حظ من قرض الشعر، قال السيوطي عنه:
«هو صاحب كتاب التّوشيح الّذي ينقل عنه أبو حيّان وابن هشام كثيرا، مات بعد سنة (450 هـ)» .
ترجمته في: بغية الوعاة (1/ 553).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رفعته بالابتداء، وكانت أسماء لا تتضمّن شيئا كسائر الأسماء، فنقول: خلفك واسع وأمامك ضيّق كما تقول: زيد قائم انتهى (1).
وهذا الذي ذكره عن بعض النحويين وعن خطاب لا يبعد عن الصواب، فإن الذي يلتزم فيه النصب كالفوق والتحت مثلا إنما هو إذا كان ظرفا. أما إذا كان اسما غير ظرف فهذا يمنعه من التصرف.
وهنا مسائل ذكرها الشيخ في شرحه (2):
الأولى (3):
أجاز يونس وهشام: زيد وحده، ومنعه الجمهور، أجراه يونس وهشام مجرى عنده، وتقديره: زيد موضع التفرد، وعلى هذا يجوز تقديمه، فيقال: وحده زيد كما يقال: في داره زيد، وقد أوله هشام تأويلا آخر، وهو أن الأصل: زيد وحد وحده، فنصب وحده بفعل مضمر محذوف إقامة لمعموله وهو وحده مقامه كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا، أي يقبل إقبالا ويدبر إدبارا. وعلى هذا لا يجوز تقديمه، فلا يقال: وحده زيد كما لا يقدم إقبالا في زيد إقبالا وإدبارا، وحجة الجمهور أن وحده اسم جرى مجرى المصدر، وهو منصوب على الحال، وإذا كان كذلك فلا يصح وقوعه خبرا عن زيد، ولكن قد نقل عن العرب أنهم يقولون: زيد وحده، وذلك فيه رد لقول الجمهور وتقوية ليونس وهشام (4).
الثانية:
قال الكسائي: «العرب تقول: القوم (5) خمستهم وخمستهم، وكذلك عشرتهم، من رفع رفع بالقوم ومن نصب ذهب بها مذهب وحدهم» .
وقال سيبويه (6): «مررت بالقوم خمستهم وخمستهم؛ فالأول على معنى:
مررت بالقوم كلّهم لم أدع فيهم أحدا إلّا مررت به، والثاني على معنى: مررت بهم وحدهم أي إفرادا، التقدير: أفردتهم بالمرور دون غيرهم». -
(1) التذييل والتكميل (4/ 77).
(2)
المرجع السابق (ص 227) وما بعدها.
(3)
كلمة الأولى والثانية ساقطة من نسخة الأصل.
(4)
التذييل والتكميل (4/ 79).
(5)
كلمة القوم محذوفة من نسخة (ب).
(6)
الكتاب (1/ 373، 384).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالثة:
لا يجوز: زيد [1/ 377] دونك بالرفع عند سيبويه وأنت تريد المكان وأجازه غيره.
قال ابن إصبع (2): وقال الفرّاء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة، فإذا قالوا: قاموا سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا ولم يرفعوا على اختيار وربّما رفعوا (3)».
وقال سيبويه (4): «أما دونك فلا يرفع أبدا؛ لأنّه مثل، وإن قيل: هو دونك في السّنّ والنّسب؛ لأن هذا مثل كما أن قولهم: هذا مكان هذا في البدل ذكر مثلا» .
الرابعة:
لا يجوز: زيد مثل عمرو بالنصب عند أحد من البصريين، وأجازه الكوفيون (5)، وذلك أن مثلك عندهم من القسم الثاني من قسمة الحال، وهو قرنك وسنّك وشبهك ولدتك ومثلك إذا وقع طلبا أو نعتا جاز أن يعرب إعراب الأسماء، وجاز أن ينصب، تقول: زيد سنّك وسنّك، ومررت برجل مثلك ومثلك؛ فإذا وقع فاعلا رفع ولم ينصب نحو: قام مثلك وسنك؛ ولتجويزهم أن مثلك يكون محلّا أجازوا أن يقع صلة لموصول، ولا ينصب شيء من ذلك عند البصريين إلا إذا كان تابعا لمنصوب أو معمولا لناصب، وليس نصبه نصب الظرف. -
(1) التذييل والتكميل (4/ 79).
(2)
هو أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن محمد بن أصبغ القرطبي الأزدي المعروف بابن المناصف شيخ العربية وواحد زمانه بإفريقية، ولي قضاء دانية وغيرها، روى عنه القاضي أبو القاسم بن ربيع. قال السيوطي: أملى علي قول سيبويه «هذا باب علم ما الكلم من العربية» عشرين
كراسة. توفي سنة (627 هـ) وقيل: سنة (621 هـ)(ترجمته في بغية الوعاة: 1/ 421).
(3)
التذييل والتكميل (4/ 80) ولم أجد هذا النص المنسوب للفراء في معاني القرآن له.
(4)
الكتاب (1/ 409) وهو بنصه تقريبا.
(5)
التذييل والتكميل (4/ 80).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والخامسة:
الظرف المقتطع نحو قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف به، ولا يوصل به، ولا يكون حالا، ولم يعتلوا لذلك إلّا بضعفها (1) حسب، وشبهها سيبويه بالأصوات (2).
قال ابن الدهان (3): والصّحيح عندي أنّهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمد الفائدة.
فأما قول القائل:
648 -
فأمست زهير في السّنين الّتي خلت
…
وما بعد لا يدعون إلّا الأشائما (4)
فما زائدة وبعد منصوب الموضع عطفا على موضع الجار والمجرور.
قال الشيخ (5): «ووهم الزّمخشري في جعل ما فَرَّطْتُمْ (6) مبتدأ وما مصدرية، و (من قبل) في موضع الخبر تقديره: ومن قبل تفريطكم في يوسف (7).
(1) المرجع السابق، وحسب هنا بمعنى فقط.
(2)
في التذييل والتكميل (4/ 81): وشبهها سيبويه والفارسي بالأصوات.
وانظر كتاب سيبويه: (3/ 285) يقول سيبويه: «هذا باب الظّروف المبهمة غير المتمكنة، وذلك لأنّها لا تضاف ولا تتصرّف تصرف غيرها، ولا تكون نكرة، وذاك أين ومتى وكيف وحيث وإذ وإذا وقبل وبعد، فهذه الحروف وأشباهها لمّا كانت مبهمة غير متمكنة شبّهت بالأصوات وبما ليس باسم ولا ظرف» .
(3)
لم أجد هذا النص في شرح اللمع لابن الدهان (مخطوط تحت رقم: 171 بدار الكتب نحو تيمور) والموجود منه الجزء الثاني فقط، وانظره في التذييل والتكميل (2/ 231).
(4)
البيت من بحر الطويل وهو في شرح ديوان الحماسة للتبريزي: (2/ 29)، وقد نسب لشاعر يدعى كفلان بن مروان بن الحكم بن زنباع.
اللغة: الأشائم: في القاموس (شأم): الشؤم ضد اليمين، ورحل مشؤوم ومشوم، والأشائم ضد الأيامن.
والشاهد في البيت قوله: وما بعد: حيث جاء بعد مبنيّا على الضم؛ لأنه ظرف مقتطع لا يقع صلة أو غيرها، وهو في محل نصب عطفا على موضع الجار والمجرور قبله وهو قوله: في السنين.
والبيت في التذييل والتكميل: (4/ 81) وليس في معجم الشواهد.
(5)
التذييل والتكميل: (4/ 82).
(6)
سورةيوسف: 80، وأولها قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ.
(7)
في تفسير الزمخشري المسمى بالكشاف: (2/ 337) خرج الزمخشري الآية على عدة أوجه:
منها: الوجه الذي رواه عنه أبو حيان، قال الزمخشري: ومعناه: ووقع من قبل تفريطكم في يوسف.
ومنها: أن تكون ما صلة أي، ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف، ولم تحفظوا عهد أبيكم.