الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(تاريخ الطبرى 10: 135)
196 - كتاب المامون إلى على بن عيسى بن ماهان
وكان علىّ بن عيسى بن ماهان ممن مالأ على خلع المأمون من البيعة، فكتب إليه المأمون لما بلغه ما عزم عليه:
(1) فى الأصل «أمير المؤمنين» وهو تحريف.
(2)
من سفرت المرأة كضرب: كشفت عن وجهها.
(3)
أزمع الأمر وعليه: أجمع وثبت عليه.
(4)
أذن إليه وله كفرح: استمع.
(5)
أى عند الله.
(6)
معنى ذلك أن من نهض لنصرتنا حظى بالنصيبين: ثواب الله ومكافأتنا له، أو بالنصيب الأول على الأقل إن لم يقدر لنا النجاح والظفر لأنه يدفع عن الحق ويعين فى ذات الله، وذلك أفضل له وأولى به من الميل مع الأمين، فإنه حينئذ يستشرف مكافأة الأمين له فحسب- ويفوته ثواب الله- وقد تكون والدبرة على الأمين، فيفقد ناصره الحظين جميعا (ذلك إلى أنه يفقد مكافأة المأمون أيضا لا نحرافه عنه قعوده عن نصرته، بل ويتعرض لعقوبته ونكاله).
«أما بعد: فإنك فى ظلّ دعوة لم تزل أنت وسلفك بمكان ذبّ (1) عن حريمها، وعلى عناية بحفظها، ورعاية لحقّها، توجبون ذلك لأئمتكم، وتعتصمون بحبل جماعتكم، وتعطون بالطاعة من أنفسكم، وتكونون يدا على أهل مخالفتكم، وحزبا وإخوانا لأهل موافقتكم، تؤثرونهم على الآباء والأبناء، وتتصرّفون فيما تصرّفوا فيه من منزلة شديدة ورخاء، لا ترون شيئا أبلغ فى صلاحكم من الأمر الجامع لألفتكم، ولا أجرى لبواركم (2) مما دعا بشتات كلمتكم، ترون من رغب عن ذلك جائرا عن القصد (3)، وعن أمّه على منهاج الحق، ثم كنتم على منهاج الحق، ثم كنتم على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله، فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة (4)، وجزرا جامدة، قد سفت الرّياح فى وجهه، وتداعت السّباع إلى مصرعه، غير ممهّد ولا موسّد، قد صار إلى أمّة ...... (5) وغير عاجل حظّه ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك بحيث أنزلتم أنفسكم، من الثّقة بكم فى أمورها، والتقدمة فى آثارها، وأنت مستشعر (6) دون كثير من ثقاتها وخاصّتها، حتى بلغ الله بك فى نفسك أن كنت قريع (7) أهل دعوتك، والعلم القائم بمعظم أمر أمّتك، إن قلت ادنوا دنوا، وإن أشرت أقبلوا أقبلوا، وإن أمسكت وقّفوا وقرّوا، وئاما (8) لك واستنصاحا، وتزداد نعمة مع الزيادة فى نفسك، ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك، حتى حللت المحلّ الذى قربت به من يومك، وانقرض فيما دونه أكثر مدتك، لا تنتظر بعدها إلّا ما يكون ختام عملك: من خير فيرضى ما تقدّم من صالح فعلك، أو خلاف فيضلّ له متقدّم
(1) الذب: الدفع. والحريم: ما تحميه وتقاتل عنه.
(2)
البوار: الهلاك.
(3)
القصد: استقامة الطريق. وأمه: قصده. والمنهاج: الطريق الواضح.
(4)
أرض مسبعة: كثيرة السباع. وتركوهم جزرا للسباع: أى قطعا. وجامدة: أى ليس بها حركة ولا حياة.
(5)
بياض بالأصل، ولعله «إلى أمة الكفر»:
(6)
استشعر الشعار: لبسه (والشعار ككتاب: الثوب الذى يلى شعر الجسد) والمعنى: وأنت مقرب مؤثر لدى الأئمة.
(7)
القريع: السيد.
(8)
الوئام والمواءمة: الموافقة.
سعيك، وقد ترى يا أبا يحيى حالا عليها جلوت (1) أهل نعمتك والولاة القائمة بحق إمامتك، من طعن فى عقدة كنت القائم بشدّها، وبعهود توليت معاقد أخذها، يبدأ فيها بالأخصّين، حتى أفضى الأمر إلى العامّة من المسلمين، بالأيمان المحرّجة (2)، والمواثيق المؤكّدة، وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة، وتفريق أمّة، وشتّ جماعة، وتتعرّض به لتبديل نعمة، وزوال ما وطّأت الأسلاف من الأئمة، ومتى زالت نعمة من ولاة أمركم وصل زوالها إليكم فى خواصّ أنفسكم، ولن يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وليس الساعى فى نشرها بساع فيها على نفسه، دون السعى على حملتها القائمين بحرمتها، قد عرّضوهم أن يكونوا جزرا لأعدائهم، وطعمة قوم تتظفّر مخالبهم فى دمائهم، ومكانك المكان الذى إن قلت رجع إلى قولك، وإن أشرت لم تتّهم فى نصيحتك، ولك مع إيثار الحقّ الحظوة عند أهل الحقّ، ولا سواء من حظى بعاجل مع فراق الحق فأوبق (3) نفسه فى عاقبته، ومن أعان الحقّ فأدرك به صلاح العاقبة مع وفور الحظ فى عاجلته.
وليس لك ما تستدعى، ولا عليه ما تستعطف، ولكنه حق من حقّ أحسابك، يجب ثوابه على ربك، ثم على من قمت بالحق فيه من أهل إمامتك، فإن أعجزك قول أو فعل فصر إلى الدار التى تأمن فيها على نفسك، وتحكم فيها برأيك، وتجاوز إلى من يحسن تقبّلا لصالح فعلك، ويكون مرجعك إلى عقدك وأموالك، ولك بذلك الله، وكفى بالله وكيلا، وإن تعذّر ذلك بقية على نفسك، فإمساكا بيدك وقولا بحق ما لم نخف وقوعه بكرهك، فلعلّ مقتديا بك ومغتبطا بنهيك، ثم أعلمنى رأيك أعرفه إن شاء الله». (تاريخ الطبرى 10: 143)
فأتى علىّ بالكتاب إلى الأمين.
(1) أى كشف.
(2)
من التحريج وهو التضييق: أى التى لا يجد فيها من أخذت عليه سبيلا إلى النكث.
(3)
أى أهلك.