الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لحظة لحظها إلىّ ببرّه، فضلا عن رأيه الذى جلّ عن قدرى، وعجز عن احتماله شكرى.
وقد تبيّن للأمير- أعزه الله- أمرى، وتحقيق شأنى، فإن كان ما أنا فيه للهفوة التى كانت منى، والجناية التى جنيتها على نفسى بالجهل بصباى، فقد وضع الله عن الصبىّ فرائضه علما بحاله، وكانت حالى فى الصّبا قريبة من حاله، والأمير- أعزه الله- أولى من عطف فى ذات الله عن زلّتى، واحتسب الأجر فى إقالة عثرتى وهفوتى، فإن رأى الأمير أبقاه الله أن يأمر بالدعاء بى، والاستماع منى، فعل منعما، إن شاء الله». (كتاب بغداد 6: 125)
295 - عهد طاهر بن الحسين لابنه عبد الله
وكتب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله (1) لما ولّاه المأمون الرّقّة ومصر وما بينهما (سنة 206 هـ).
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل فى ذلك كله بما يعصمك الله، وينجيك يوم القيامة من عذابه، وأليم عقابه، فإن الله قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبّ عنهم (2)، والدفع عن حريمهم وبيضتهم (3) والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم (4)، وإدخال الراحة عليهم فى معايشهم، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموفّقك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت
(1) توفى سنة 230 هـ- انظر ترجمته فى وفيات الأعيان 1: 26.
(2)
الدفع.
(3)
البيضة: حوزة كل شىء.
(4)
وفى مقدمة ابن خلدون: لسربهم، والسرب: النفس.
وأخرت، ففرّغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك، ولا يذهلك (1) عنه ذاهل، ولا يشغلك (2) عنه شاغل، فإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله به لرشدك.
وليكن أول ما تلزم به نفسك، وتنسب إليه فعالك، المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك فى مواقيتها على سننها فى إسباغ (3) الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها، وترتّل (4) فى قراءتك، وتمكّن فى ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك.
وادأب عليها فإنها كما قال الله تأمر بالمعروف، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة (5) الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله فى كتابه من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم، ثم قم فيه بما يحق لله عليك، ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت، لقريب من الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله والعاملين به، فإن أفضل ما تزيّن به المرء الفقه فى دين الله والطلب له والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهى عن المعاصى والموبقات كلها، وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عز وجل، وإجلالا له، ودركا للدرجات العلا فى المعاد، مع ما فى ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك، والثقة بعدلك.
(1) ذهلت عن الشىء (كفتح): غفلت، وقد يتعدى بنفسه فيقال ذهلته، والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أذهلنى فلان عن الشىء.
(2)
شغله من باب فتح، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة.
(3)
أسبغ الوضوء: وفى كل عضو حقه.
(4)
تمهل ولا تعجل.
(5)
استخار الله: طلب منه الخيرة.
وعليك بالاقتصاد فى الأمور كلها، فليس شىء أبين نفعا، ولا أحضر أمنا، ولا أجمع فضلا من القصد، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين، والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره فى دنياك كلها ولا تقصّر فى طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، فلا غاية للاستكثار من البرّ والسعى له، إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه فى دار كرامته. واعلم أن القصد فى شأن الدنيا يورث العز، ويحصّن من الذنوب، وإنك لن تحوط (1) نفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به نتمّ أمورك، وتزد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك، وأحسن الظن بالله عز وجل تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه فى الأمور كلها تستدم به النعمة عليك.
ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبرآء والظنون السيئة بهم ما ثم، واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم، يعنك ذلك على اصطناعهم (2) ورياضتهم، ولا يجدن عدو الله الشيطان فى أمرك مفخرا، فإنه إنما يكتفى بالقليل من وهنك (3)، فيدخل عليك من الغم فى سوء الظن ما ينغّصك لذاذة عيشك. واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكفى يه ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك، والاستقامة فى الأمور كلها، ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة، والبحث عن أمورك، والمباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، بل لتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية، والنظر فى حوائجهم وحمل مئوناتهم، آثر عندك مما سوى ذلك،
(1) تصون.
(2)
اصطنعتك لنفسى: اخترتك لخاصة أمر أستكفيك إياه.
(3)
الوهن بسكون الهاء وفتحها: الضعف.
فإنه أفوم للدّين، وأحيا للسنة. وأخلص نيّتك فى جميع هذا، وتفرّد بتقويم نفسك تفرّد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزىّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله جعل الدين حرزا وعزّا، ورفع من اتبعه وعزّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى. وأقم حدود الله فى أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطّل ذلك ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن فى تفريطك فى ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك، واعزم على أمرك فى ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشّبه والبدعات يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فف به، وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذى عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقص أهل النميمة، فإن أوّل فساد أمرك فى عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر. وأحبّ أهل الصدق والصلاح، وأعزّ الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل فى سياستهم، وقم بالحق فيهم، والمعرفة التى تنتهى بك إلى سبيل الهدى، واملك نفسك عند الغضب وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول:
إنى مسلّط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأى، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له، وأخلص لله النية فيه واليقين به. واعلم أن الملك لله، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. ولن تجد تغيّر النعمة وحلول النقمة إلى حد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم فى الدولة، إذ كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله، ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك
التى تدّخر وتكنز البرّ والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقّد لأمورهم، والحفظ لدهمائهم (1) والإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت فى الخزائن لا تثمر، وإذا كانت فى إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المئونة عنهم، نمت وربت وصلحت به العامة، وتزينت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال فى عمارة الإسلام وأهله ووفّر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهّد ما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرّت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتهم، وأطيب نفسا لكل ما أردت فاجهد نفسك فيما حددت لك فى هذا الباب، ولتعظم حسبتك فيه، فإنما يبقى من المال ما أنفق فى سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه. وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى، وارج الثواب، فإن الله قد أسبغ عليك نعمته فى الدنيا، وأظهر لدينك فضله، فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيرا وإحسانا، فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين، وسيرة المحسنين، وقضى الحقّ فيما حمّل من النعم، وألبس من العافية والكرامة، ولا تحقرن ذنبا، ولا تمالئن حاسدا، ولا ترحمن قاجرا، ولا تصلنّ كفورا، ولا تداهننّ عدوا، ولا تصدّقن نمّاما، ولا تأمنن غدّارا، ولا توالينّ فاسقا، ولا تتبعن غاويا، ولا تحمدن مرائيا، ولا تحقرن إنسانا، ولا تردّن سائلا فقيرا، ولا تجيبنّ (2) باطلا، ولا تلاحظن مضحكا، ولا تخلفن وعدا، ولا تزهونّ فخرا، ولا تظهرن غضبا، ولا تأتين بذخا (3)، ولا
(1) الدهماء: جماعة الناس «وفى المقدمة: والحفظ لدمائهم» .
(2)
وفى المقدمة «ولا تحسنن باطلا» .
(3)
البذخ: الكبر.
تمشين مرحا، ولا تركبن سفها (1)، ولا تفرّطن فى طلب الآخرة، ولا ترفع للنّمام عينا ولا تغمضنّ عن الظالم رهبة منه أو مخافة، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا، وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب، وذوى العقل والرأى والحكمة، ولا تدخلن فى مشورتك أهل الدقة (2) والبخل ولا تسمعن لهم قولا، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شىء أسرع فسادا لما استقبلت فى أمر رعيتك من الشح. واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك، بالكفّ عن أموالهم، وترك الجور عنهم. ويدوم صفاء أوليائك لك، بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم، فاجتنب الشح، واعلم أنه أوّل ما عصى به الإنسان ربه، وأن المعاصى بمنزلة خزى، وهو قول الله عز وجل:«وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» * فسهّل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فأعدده لنفسك خلقا، وارض به عملا ومذهبا.
وتفقد أمور الجند فى دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسّع عليهم فى معايشهم، ليذهب بذلك الله فاقتهم، ويقوّم لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم فى طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا، وحسب ذى سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة فى عدله وحيطته (3) وإنصافه وعنايته وشفقته وبرّه وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به، تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا.
واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شىء من الأمور، لأنه ميزان الله الذى يعتدل عليه الأحوال فى الأرض، وبإقامة العدل فى القضاء والعمل تصلح الرعية، وتأمن السبل،
وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجرى السنن والشرائع، وعلى مجاريها يتنجّز الحق والعدل فى القضاء، واشتد فى أمر الله، وتورع عن النّطف (1)، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد من الضجر والقلق، واقنع بالقسم، ولتسكن ريحك، ويقرّ حدك، وانتفع بتجربتك، وانتبه فى صمتك، واسدد (2) فى منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشّبهة، وأبلغ فى الحجة، ولا يأخذك فى أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة (3) ولا لوم لائم، وتثبت وتأنّ وراقب، وانظر وتدبر، وتفكر واعتبر، وتواضع لربك، وارأف (4) بجميع الرعية، وسلّط الحق على نفسك، ولا تسرعنّ إلى سفك دم- فإن الدماء من الله بمكان عظيم- انتهاكا لها بغير حقها.
وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزّا ورفعة، ولأهله سعة ومنعة، ولعدوّه وعدوهم كبتا (5) وغيظا، ولأهل الكفر من معاديهم ذلّا وصغارا، فوزّعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه، ولا عن غنىّ لغناه، ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلّفن أمرا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مرّ الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم، وألزم لرضا العامة. واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمّى أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيّمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه فى قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم فى كور عملك ذوى الرأى والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسّع عليهم فى الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت
(1) النطف: العيب والشر والفساد.
(2)
سد يسد كضرب: صار سديدا.
(3)
فى المقدمة «ولا مجاملة» .
(4)
من باب كرم وقطع وطرب.
(5)
كبه. صرعه وأخزاه ورد العدو بغيظه وأذله.
وأسند إليك، ولا يشغلنّك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة فى عملك، واحترزت النصحة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، فدرّت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب فى كورك، فكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم عن نفسك، وكنت محمود السياسة، مرضىّ العدل فى ذلك عند عدوك، وكنت فى أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة، فنافس فى هذا ولا تقدّم عليه شيئا، تحمد مغبّة أمرك إن شاء الله.
واجعل فى كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل فى عمله، معاين لأمره كله، وإن أردت أن تأمره بأمر، فانظر فى عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصّنع، فأمضه، وإلّا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل فى أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى، فقوّاه (1) ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر فى عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم فى كل ما أردت، وباشره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك فى جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت.
واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه. فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك.
وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم، ثم استيقن صفاء طويّتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم،
(1) فى المقدمة «وقد أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك» .
وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤنتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لخلّتهم (1) مسّا، وأفرد نفسك بالنظر فى أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك، والمحتقر الذى لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكّل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال، اقتداء بأمير المؤمنين- أعزه الله- فى العطف عليهم والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضرّاء من بيت المال، وقدّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره فى الجراية (2) على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقوّاما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم، ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف فى بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيتهم، لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعا فى نيل الزيادة وفضل الرفق منهم، وربما برم (3) المتصفح لأمور الناس، لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة.
وليس من يرغب فى العدل ويعرف محاسن أموره فى العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذى يستقبل ما يقرّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به، وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكّن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم فى المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدّر ولا منّان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله، واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة فى القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم فى أحوالك كلها
(1) الخلة: الحاجة.
(2)
فى المقدمة «فى الجرائد» .
(3)
ضجر ومل.
بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله، واعرف ما تجمع عمّالك من الأموال وما ينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم. وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها. وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك، من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك فى سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك، وانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتّابك، فوقّت لكل رجل منهم فى كل يوم وقتا يدخل عليك فيه، بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمّالك، وأمر كورك ورعيتك، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرّر النظر إليه والتدبّر له، فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه، واستخر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون فى أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك، وتفهّم كتابى إليك وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك، ما كان لله رضا، ولدينه نظاما، ولأهله عزا وتمكينا، وللذمة والملة عدلا وصلاحا. وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا، وأوفرهم حظّا، وأسناهم ذكرا وأمرا، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك ووساوسه، حتى يستعلى أمرك بالعزّ والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب».
وذكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد، تنازعه الناس وكتبوه