الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غيره سلم إليه، وإن تنازعوا فإن وجدنا كلابا وأمكنت القسمة عددا قسم، وإلا أقرع بينهم.
وهذا هو المذهب، وههنا المعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة ويعتبر منافعها، كما في الوصية من الروضة.
تتمة
: قوله تعالى: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ
«1» أي من العلم الذي كان علمكم الله دل على أن للعالم فضيلة ليست للجاهل، لأن الكلب إذا علم تحصل له فضيلة على غير المعلم، والإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على غيره كالجاهل، لا سيما إذا عمل بما علم. كما قال علي رضي الله تعالى عنه: لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه. وقال لقمان لابنه، واسمه ثاران: وقيل: أنعم يا بني لكل قوم كلب، فلا تكن كلب قومك. وروى الإمام أحمد، في مسنده، والبزار والطبراني، من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «2» : «ضاف رجل رجلا من بني إسرائيل، وفي داره كلبة مجح، فقالت الكلبة: لا والله لا أنبح ضيف أهلي! قال:
فعوت جراؤها في بطنها فقيل: ما هذا؟ فأوحى الله إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون من بعد يقهر سفاؤها حلماءها» . والمجح بالجيم المكسورة قبل الحاء المهملة. قيل: هي الحامل التي قرب ولادتها.
وفي صحيح «3» مسلم وسنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لعله يريد أن يلم بها» . فقالوا: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له» .
الأمثال
: قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
«4» قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضي الله تعالى عنهم أجمعين: هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم بن باعوراء، وقيل بلعام بن باعر، وقال عطية عن ابن عباس: أصله من بني إسرائيل ولكنه كان مع الجبارين.
وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء، وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس والسدي وغيرهما أن موسى صلى الله عليه وسلم لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتي قوم بلعم وكانوا كفارا، وكان بلعم عنده اسم الله الأعظم، وكان مجاب الدعوة، فقالوا له: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء ليخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج وادع الله أن يردهم عنا.
فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي!؟ فراجعوه وألحوا عليه، فقال: حتى أؤامر ربي
وكان لا يدعو بشيء، حتى ينظر ما يؤمر به في المنام، فوامر بالدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم. فقال لهم: إني قد آمرت ربي وإني نهيت. فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال:
حتى أؤامر ربي فآمره، فلم يجز إليه بشيء. فقال: قد وامرت فلم يجز إلي بشيء. فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم، لنهاك كما نهاك المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، وركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلع منه على عسكر بني إسرائيل، يقال له حسان، فما سار عليها غير كثير حتى ربضت به فنزل عنها، وضربها حتى إذا أذلقها الضرب، قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، فأذن الله تعالى لها بالكلام، فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي يردوني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين، تدعو عليهم؟ فلم ينزع فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت على جبل حسان، جعل يدعو عليهم بالاسم الأعظم الذي كان عنده، فاستجيب له ووقع موسى عليه السلام وبنو إسرائيل في التيه.
فقال موسى: يا رب بأي ذنب أوقعتنا في التيه؟ قال تعالى: بدعاء بلعام. قال موسى عليه السلام: يا رب فكما سمعت دعاءه علينا فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى عليه أن ينزع الله تعالى منه الاسم الأعظم. فنزع الله منه المعرفة وسلخه منها، فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. قاله مقاتل.
وقال ابن عباس والسدي: لما دعا بلعام على موسى وقومه، قلب الله لسانه، فجعل لا يدعو عليهم بشيء من الشر إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو بشيء من الخير، إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وعلينا! فقال:
هذا ما أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، فنسي الاسم الأعظم واندلع لسانه على صدره. فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال عليهم، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبتعنها فيه، ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى واحد منهم كفيتموهم. ففعلوا.
فلما أتى النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل، يقال له زمري بن شلوم، رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف على موسى عليه السلام، فقال: إني أظنك ستقول هذا حرام علي! فقال موسى: أجل هي حرام عليك لا تقربنها. قال: فو الله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبة، فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت.
وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى عليه السلام، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق، وقوة في البطش وكان غائبا، حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء الطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى الحيية وكان بكر العيزار، فجعل يقول:
اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل بالطاعون فيما
بين أصاب زمري المرأة إلى أن قتلهما فنحاص، فوجد قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها: القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى الحيية، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار. ويقال: إنه لما انتظمهما بالحربة وخرج بهما كانا في الحربة كحالهما في حالة الزنا. فكان ذلك آية.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، أن هذه الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ التوراة والإنجيل، وكان يعلم أن الله تعالى يرسل رسولا من العرب، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض الملوك، فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم من قتلهم؟ فقيل قتلهم محمد صلى الله عليه وسلم. فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه. وسيأتي إن شاء الله تعالى له ذكر في الوعل أيضا.
وقالت فرقة: إنها نزلت في رجل من بني إسرائيل، كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها. فكانت كذلك. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج، ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، وقد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله لها فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها. والقولان الأولان أظهر.
وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعرفون أبناءهم. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله تعالى لكل من عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله. قال الله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
«1» أي وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته في الدنيا والآخرة. ولكنه أخلد إلى الأرض، أي ركن إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها.
قال الزجاج: خلد وأخلد واحد، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام. يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا أقام به. والأرض هنا عبارة عن الدنيا لأن ما فيها من العقار والرباع كلها أرض وسائر متاعها مستخرج من الأرض. واتبع هواه انقاد إلى ما دعاه إليه الهوى، فعوقب في الدنيا بأنه كان يلهث كما يلهث الكلب، فشبه به صورة وهيئة. قال القتبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال التعب وحال الراحة، وفي حال الري وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذّب بآيات الله. فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب، إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث انتهى.
واللهث تنفس بسرعة، وتحرك أعضاء الفم معه، وامتداد اللسان وخلقة الكلب أنه يلهث على كل حال. قال الواحدي وغيره: وهذه الآية من أشد الآي على ذوي العلم، وذلك أن الله
تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم، والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه، والانسلاخ عنها. ومن الذي يسلم من هاتين الحالتين إلا من عصمه الله تعالى! نسأل الله التوفيق والهداية بمنه وكرمه. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : «الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» . وفي رواية: «كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله» .
قال عمر رضي الله تعالى عنه: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أن يبيعه برخص فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:«لا تشتره ولو باعكه بدرهم، ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته، كالعائد في قيئه» . وقال الجاحظ: لكل جيفة كلب، ولكل قدر طالب، ولكل نحو راغب، ولكل وسخ حامل، ولكل صم جارع، ولكل طعام آكل، ولكل ساقط لاقط، ولكل ثوب لابس، ولكل فرج ناكح انتهى.
وقالت العرب: «آلف «2» من كلب» و «أبصر «3» وأبخل «4» وأطوع «5» وأفحش «6» وألأم «7» وأبول «8» » فيجوز أن يراد به البول نفسه ويجوز أن يراد به كثرة الجراء، فإن البول في كلام العرب يكنى به عن الولد. وبذلك عبر ابن سيرين رحمه الله تعالى عليه، رؤيا عبد الملك بن مروان لما رأى أنه بال في محراب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات، فكتب إليه: إن صدقت رؤياك، فسيقوم من أولادك أربعة في المحراب، ويتقلدون الخلافة بعدك فوليها أربعة خلفاء من صلبه: الوليد وسليمان وهشام ويزيد.
وقالوا: «سمن كلبك يأكلك» «9» ، وهو قريب من قولهم:«اتق إساءة من أحسنت إليه» ، وقالوا:«جوع «10» كلبك يتبعك» ، يضرب في معاشرة اللئام، وقالوا:«الكلاب على البقر» «11» ، برفعها ونصبها، فالنصب على إضمار فعل تقديره خل كلاب الصيد، أودع الكلاب على بقر الوحش لتصطادها، والرفع على الابتداء، وما بعده خبره. ومعنى المثل:«إذا أمكنتك الفرصة فاغتنمها» . ويقال: معناه خل بين الناس خيرهم وشريرهم، واغتنم أنت طريق السلامة. وقد سئلت عن قول «12» الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم
…
قالوا لأمّهم بولي على النار
فتمسك البول بخلا أو تجود به
…
وما تبول لهم إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الوردي عندهم
…
والقمح سبعون أردبا بدينار «13»