الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سباع بن ثابت عن أم كرز، قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول «1» : «أقروا الطير على مكناتها» وفي رواية في وكناتها. وهذا بعض حديث، رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان، قال: فالتفت سفيان إلى الشافعي وقال: يا أبا عبد الله ما معنى هذا؟ فقال الشافعي: إن علم العرب كان في زجر الطير، فكان الرجل منهم إذا أراد سفرا خرج من بيته، فيمر على الطير في مكانه فيطيره، فإذا أخذ يمينا مر في حاجته، وإن أخذ يسارا رجع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أقروا الطير على مكناتها» . قال: فكان ابن عيينة يسأل بعد ذلك عن تفسير هذا الحديث فيفسره على نحو ما فسره الشافعي. قال أحمد بن مهاجر: وسألت الأصمعي عن تفسير هذا الحديث، فقال مثل ما قال الشافعي. قال: وسألت وكيعا فقال: إنما هو عندنا على صيد الليل، فذكرت له قول الشافعي فاستحسنه وقال: ما ظننته إلا على صيد الليل.
وروى البيهقي، في سننه، أن إنسانا سأل يونس بن عبد الأعلى عن معنى «أقروا الطير في مكناتها» فقال: إن الله تعالى يحب الحق، إن الشافعي قال في تفسيره كذا، وذكر ما تقدم عنه. قال:
وكان الشافعي، رحمه الله نسيج وحده في هذه المعاني.
قوله: «نسيج وحده» هو بالإضافة، ووحده مكسور الدال. قال ابن قتيبة: وأصله أن الثوب الرقيق النفيس لا ينسج على منواله غيره، وإن لم يكن نفيسا عمل على منواله عدة أثواب.
فاستعير ذلك لكل كريم من الرجال، انتهى.
قال الصيدلاني، في شرح المختصر: المكنة بكسر الكاف موضع القرار والتمكن. قال:
وفي معنى هذا الحديث أقوال: أحدها النهي عن الصيد ليلا، ثانيهما ما تقدم عن الشافعي، ثالثها قال أبو عبيدة القاسم بن سلام: أقروها على بيضتها التي احتضنتها، وأصل المكن بيض الضب قال الصيدلاني: فعلى هذا يجب أن يكون المفرد المكنة بتسكين الكاف، كتمرة وتمرات انتهى.
الفائدة الأخرى
: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء المثناة تحت، التشاؤم بالشيء. قال «2» تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي شؤمهم جاء من قبل الله تعالى، وهو الذي قضى عليهم بذلك وقدره. ويقال تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما. انتهى. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله بقول: لا طيرة وخيرها الفأل. قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» «3» وفي رواية قال: «يعجبني الفأل وأحب الفأل الصالح» . وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في أسفارهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك. وفي حديث «4» آخر «الطيرة شرك» أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، وإنما اشتقوا الطيرة من الطير لسرعة لحوق البلاء على اعتقادهم كما يسرع الطير في الطيران. وأما الفأل فمهموز، ويجوز ترك همزه، وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة
والحسنة، والغالب أن يكون فيما يسر، وقد يكون فيما يسوء. وأما الطيرة، فإنها لا تكون إلا فيما يسوء.
قال العلماء: إنما أحب الفأل، لأن الإنسان إذا أمل فضل الله تعالى كان على خير، وإذا قطع رجاءه من الله تعالى كان على سوء. والطيرة فيها سوء ظن وتوقع البلاء، وفي الحديث قالوا:
يا رسول الله لا يسلم منا أحد من الطيرة والحسد والظن فما نصنع؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تتحقق» . رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الطيرة في باب اللام، في اللقحة أيضا.
قال في مفتاح دار السعادة: واعلم أن التطير، إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به، فلا يضره البتة لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيآت إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. وأما من كان معتنيا بها فهي أسرع إليه من السيل إلى منحدره، وقد فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة، ما يفسد عليه دينه وينكد عليه معيشته انتهى.
وقال ابن عبد الحكم: لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة، قال رجل من لخم: نظرت فإذا القمر في الدبران، فكرهت أن أقول له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو في الدبران، فقال: كأنك أردت أن تعلمني بأنه في الدبران، أنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار. وقال ابن خلكان: ومن قبيح ما وقع لأبي نواس أن جعفر بن يحيى البرمكي بنى دارا استفرغ فيها جهده، فلما كملت وانتقل إليها صنع فيها أبو نواس قصيدة «1» امتدحه بها أولها:
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى
…
عليك وإني لم أخنك ودادي
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم
…
بني برمك من رائحين وغادي
فتطير منها بنو برمك، وقالوا: نعيت لنا أنفسنا يا أبو نواس، فما كانت إلا مديدة، حتى أوقع بهم الرشيد وصحّت الطّيرة. وذكر الطبري والخطيب البغدادي وابن خلكان وغيرهم، أن جعفر بن يحيى البرمكي، لما بنى قصره، وتناهى بنيانه، وكمل حسنه، وعزم على الانتقال إليه، جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتا في الليل، فخرج في ذلك الوقت والطرق خالية، والناس هادئون فرأى رجلا قائما يقول:
تدبر بالنجوم ولست تدري
…
وربّ النجم يفعل ما يشاء
فتطير ووقف، ودعا بالرجل وقال له: أعد ما قلت فأعاده، فقال: ما أردت بهذا؟ قال: ما أردت به معنى من المعاني، ولكنه شيء عرض لي وجاء على لساني، فأمر له بدينار ومضى لوجهه، وقد تنغص سروره وتكدر عيشه فلم يكن إلا قليل حتى أوقع بهم الرشيد. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر قتله في باب العين المهملة، في العقاب. وفي التمهيد لابن عبد البر، من حديث المقبري عن