الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اليعسوب:
اسم مشترك يقع على طائر نحو الجرادة، له أربعة أجنحة لا يقبض له جناحا أبدا ولا يرى أبدا يمشي إنما يرى واقفا على رأس عود، أو طائرا وقال الجوهري: هو أطول من الجرادة لا يضم جناحه، إذا وقع شبهت به الخيل المضمرة قال بشير:
أبو ظبية شعث تطيف بشخصه
…
كوالح أمثال اليعاسيب ضمرا
ثم قال: والياء فيه زائدة، لأنه ليس في الكلام فعلول غير صعفوق.
وذكر ابن خلكان، في ترجمة «1» الحسن بن عبد الله العسكري، قال: مرض صخر بن عمرو بن الشريد، وطال مرضه وكانت أمه وزوجته سليمى يمرضانه فسئلت زوجته يوما عن حاله، وكانت قد ضجرت منه، فقالت: لا هو حي فيرجى ولا ميت فيبكى، فسمعها صخر فأنشد «2» قائلا:
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتي
…
وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة
…
عليك ومن يغترّ بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائما
…
وأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرىء ساوى بأمّ حليلة
…
فلا عاش إلا في شقا وهوان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه
…
وقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنها
…
معرس يعسوب برأس سنان
وفي حديث مصعب: «لولا ظمأ الهواجر ما باليت أن أكون يعسوبا» . قال ابن الأثير: المراد ههنا فراشة مخضرة تطير في الربيع، وقيل: وهو طائر أعظم من الجرادة، ولو قيل: إنه النحل لجاز، واليعسوب اسم فرس للنبي صلى الله عليه وسلم وأخرى للزبير رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنها إحدى الأفراس الثلاثة التي كانت للمسلمين يوم بدر على اختلاف فيه. واليعسوب يطلق على الغرة المستطيلة في وجه الفرس، وعلى دائرة عند مربض الفرس، وعلى ضرب من الحجلان، حكاه الدمياطي، في كتاب الخيل. والمربض بكسر الميم وبالضاد المعجمة مكان الفرس.
وفي الحديث «3» : «صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل» . والمرابض المبارك، وربض الأسد أي رقد. وقال الجاحظ: اليعاسب هي كبار الذباب انتهى.
واليعسوب ملك النحل وأميرها الذي لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلا به، فهي مؤتمرة بأمره سامعة له مطيعة، وله عليها تكليف وأمر ونهي وهي منقادة لأمره، متبعة لرأيه، يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته، حتى إنها إذا أوت إلى بيوتها، وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم أخرى، ولا تتقدم عليها، في العبور بل تعبر بيوتها واحدة بعد واحدة بعد واحدة بغير تزاحم ولا تصادم، ولا تراكم كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره إلى معبر ضيق لا يجوزه إلا
واحد بعد واحد. وأعجب من ذلك أن أميرين منهما، لا يجتمعان في بيت، ولا يتأمران على جمع واحد، بل إذا اجتمع منها جندان وأميران قتلوا أحد الأميرين وقطعوه واتفقوا على الأمير الواحد من غير معاداة منهم، ولا أذى من بعضهم لبعض، بل يصيرون يدا واحدة.
روى ابن السني، في عمل اليوم والليلة، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد، تداعت جنود إبليس واجتمعت كما تجتمع النحل على يعسوبها، فإذا قام أحدكم على باب المسجد، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده، فإنه إذا قالها لم تضره» .
ومن لفظ اليعسوب، قيل للسيد يعسوب قومه. وقال علي رضي الله تعالى عنه، لما رأى عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد مقتولا، يوم الجمل: هذا يعسوب قريش، ثم قال: جدعت أنفي وشفيت نفسي. وكان عبد الرحمن يقاتل ذلك اليوم ويقول:
أنا ابن عتاب بسيف ولول
…
والموت دن الجمل المجلل
وقاتل قتالا شديدا في ذلك اليوم، وقطعت يده يومئذ، وكان فيها خاتم، فاختطفها نسر فطرحها باليمامة، فعرفت بخاتمه فصلوا عليه. وبالجملة، فقد اتفقوا على أن يده احتملها طائر في وقعة الجمل، فألقاها بالحجاز، فصلوا عليها ودفنوها.
واختلفوا في الطائر ما هو وفي أي مكان ألقاها؟ فقيل: حملها نسر وألقاها باليمامة في ذلك اليوم كما تقدم. وقال ابن قتيبة: حملتها عقاب، فألقتها في ذلك اليوم باليمامة. وقال الحافظ أبو موسى وغيره: ألقاها بالمدينة. وقال الشيخ، في شرح المهذب: ألقاها بمكة.
وفي صحيح «1» مسلم، من حديث النواس بن سمعان الطويل، أن الدجال تتبعه كنوز الأرض، كيعاسيب النحل أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعسوبها.
ولما مات أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، على باب البيت الذي هو مسجى فيه، فقال: كنت والله يعسوبا للمؤمنين، وكنت كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف. فمثله علي كرم الله وجهه باليعسوب في سبقه للإسلام غيره، لأن اليعسوب يتقدم النحل إذا طارت فتتبعه، والعواصف الريح المهلكة في البر، والقواصف الريح المهلكة في البحر. قال «2» الله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً
وقال «3» الله تعالى: فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ.
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة عبد الله بن واقد الواقفي، وفي ترجمة عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله تعالى عنه:
«أنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكفار» . وفي رواية: يعسوب الظلمة وفي رواية: يعسوب
المنافقين، أي يلوذ بك المؤمنون، ويلوذ الكفار والظلمة والمنافقون بالمال كما تلوذ النحل بيعسوبها.
ومن هنا قيل لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أمير النحل.
وهذا ما انتهى إليه الغرض، مما يحصل به في هذا الشأن الاكتفاء، وختم بملك النحل الذي استخرج الله من لعابه الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء وابتدىء بملك الوحش الذي منه الشجاعة تقتفى. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد المصطفى، ورضي الله عن آله وعترته وصحبه أهل الفضل والوفا، وحسبنا الله وكفى.
قال مؤلفه، فقير رحمة الله تعالى: وكان الفراغ من مسودته في شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة جعل الله ذلك خالصا لوجهه الكريم، وموجبا للفوز في دار النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.