الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجلوسك مع بعض حرمي؟ أما خفت نقمتي؟ أما خشيت سطوتي؟ أخبرني يا ويلك، ما الذي حملك على ذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، حملني على ذلك حلمك. فقال له معاوية: أرأيت إن عفوت عنك تسترها علي، فلا تخبر بها أحدا؟ قال: نعم. فعفا عنه ووهب له الجارية، وما في حجرتها وكان شيئا له قيمة عظيمة. قال الطرطوشي: فانظر إلى هذا الدهاء العظيم والحلم الواسع كيف طلب الستر من الجاني انتهى.
فائدة
: لما كان أول المحرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ حملا في بطن أمه، حضر أبرهة الأشرم ملك الحبشة يريد هدم الكعبة، وكان قد بنى كنيسة بصنعاء، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة، فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك، وحلف ليهدمن الكعبة، فخرج ومعه جيش عظيم، ومعه فيله محمود، وكان قويا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية. فلما بلغ المغمس، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، مات دليلة أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره. والناس يرجمونه إلى الآن. وروى أبو علي بن السكن، في سننه الصحاح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان بمكة، وأراد أن يقضي حاجة الإنسان، خرج إلى المغمس.
ثم إن أبرهة بعث خيلا له إلى مكة، فأخذت مائتي بعير لعبد المطلب، فهم أهل الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه. وبعث أبرهة إلى أهل مكة يقول لهم: إني لم آت لحربكم وإنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم! فقال عبد المطلب لرسوله: والله لا نريد حربه، وما لنا من حاجة، هذا بيت الله وبيت خليله ابراهيم صلى الله عليه وسلم فهو يحميه ممن يريد هدمه.
ثم خرج عبد المطلب إلى أبرهة، وكان عبد المطلب جسيما وسيما ما رآه أحد إلا أحبه، وكان مجاب الدعوة، فقيل لأبرهة: هذا سيد قريش الذي يطعم الناس في السهل، ويطعم الوحش والطير في رؤوس الجبال، فلما رآه أجله وأجلسه معه على سريره. ثم قال لترجمانه: قل له:
سل حاجتك. فقال: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها لي. فلما قال ذلك، قال له أبرهة: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني! أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه فلم تكلمني فيه؟ فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه منك. قال أبرهة: ما كان ليمتنع مني. فقال عبد المطلب: أنت وذاك. فرد أبرهة على عبد المطلب إبله، ثم انصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعا الله تعالى ثم قال «1» :
لا همّ أن المرء يمنع
…
رحله فامنع حلالك
وانصر على آل الصليب
…
وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم
…
ومحالهم أبدا محالك
ثم أرسل حلقة الباب، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال، ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها، فحينئذ جاءت قدرة الواحد الأحد القادر المقتدر، فأصبح أبرهة متهيئا لدخول مكة وهدم البيت، وقدم فيله محمودا أمام جيشه، فلما وجه الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب، كذا في سيرة ابن هشام.
وقال السهيلي: نفيل بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك، فأخذ بأذن الفيل وقال: ابرك محمودا وارجع راشدا فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل فضربوه بالحديد حتى أدموه ليقوم فأبى! فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى مكة فبرك. فعند ذلك أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فتساقطوا بكل طريق، وهلكوا على كل منهل، وأصيب أبرهة حتى تساقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره، وانفلت وزيره وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر، فخر ميتا بين يديه. وإلى هذه القصة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث «1» الصحيح:«إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين» .
وفي صحيح «2» البخاري وسنن أبي داود والنسائي، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله تعالى عنهما، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل» . الخلاء في الإبل كالحران في الخيل، والمعنى في التمثيل بحبس الفيل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم، وأريق فيه دماء وكان منه الفساد ولعل الله سبحانه وتعالى قد سبق في علمه، ومضى في قضائه، أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار، وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون، فلو استبيحت مكة لانقطع ذلك النسل وتعطلت تلك العواقب والله أعلم.
قيل: كان أبرهة المذكور جد النجاشي الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، بعد هلاك أصحاب الفيل بخمسين يوما، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة.
وروي أن عبد الملك بن مروان، قال لقباث بن أشيم الكناني: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل وهو أخضر، وأنا أعقله. قال السهيلي: قوله فبرك الفيل، فيه نظر، لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن يكون فعل فعل البارك، الذي يلزم موضعه، ولا يبرح، فعبر بالبروك عن ذلك. ويحتمل أن يكون بروكه سقوطه إلى الأرض، لما دهمه من أمر الله سبحانه وتعالى.
قال: وقد سمعت من يقول: إن في الفيلة صنفا يبرك كما يبرك الجمل، فإن صح، وإلا فتأويله كما قدمناه. قال: وقول عبد المطلب: لا هم
…
الخ. إن العرب تحذف الألف واللام من اللهم وتكتفي بما بقي. والحلال متاع البيت، وأراد به سكان الحرم. ومعنى محالك كيدك وقوتك.
والكنيسة التي بناها أبرهة بصنعاء تسمى القليس، مثل القبيط سميت بذلك لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس، يقال: تقلس الرجل وتقلنس إذا لبس القلنسوة، وتقلس طعاما إذا ارتفع من معدته إلى فيه.
وكان أبرهة قد استذل أهل اليمن في بنائها، وكلفهم فيها أنواعا من السخر وكان ينقل إليها الرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب والفضة، من قصر بلقيس صاحبة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، ونصب فيها صلبانا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والآبنوس، وكان يشرف منها على عدن.
وكان حكمه في العامل فيها إذا طلعت عليه الشمس، قبل أن يعمل قطع يده، فنام رجل من العمال ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت أمه معه، وهي امرأة عجوز، فتضرعت إليه تستشفع لابنها، فأبى إلا قطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك وغدا لغيرك! فقال: ويحك ما قلت؟ قالت: نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك، فهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك! فأخذته موعظتها، وعفا عن ولدها وأعفى الناس من السخر فيها.
فلما هلك ومزقت الحبشة كل ممزق، أقفر ما حول هذه الكنيسة، وكثر حولها السباع والحيات، وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن، فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد والخشب المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير مقنطرة من الأموال إلى زمن أبي العباس السفاح. فذكروا له أمرها وما يتهيب من جنها، فلم يرعه ذلك، وبعث إليها أبا العباس بن الربيع عامله على اليمن، ومعه أهل الحزم والجلادة، فخربها واستأصلها، وحصل منها مالا كثيرا، وباع منها ما أمكن بيعه من رخامها وآلاتها. فخفي بعد ذلك رسمها وانقطع خبرها ودرست آثارها. وكان الذي يصيبهم من الجن، ينسبونه إلى كعيب وامرأته وهما صنمان كانت الكنيسة بنيت عليهما، فلما كسر كعيب وامرأته، أصيب الذي كسرهما بالجذام، فافتتن بذلك رعاع اليمن وطغامهم، وذكر أبو الوليد الأزرقي أن كعيبا كان من خشب وكان طوله ستين ذراعا.
وإلى قصة أبرهة أشرت بقولي في المنظومة في أول كتاب السير:
فجاءهم أبرهة بالفيله
…
وبجيوش أقبلت محتلفه
وأمهم في عسكر كالليل
…
مستظهرا برجله والخيل
وقد أتى الأسود نحو الحرم
…
واستاق ما كان به من نعم
فأم ذاك الوقت عبد المطلب
…
أبرهة والسعي في الخير طلب
فمذ رأى أبرهة وجها سما
…
مهابة عظمه ربّ السما
انحطّ عن سريره منهبطا
…
وقعدا على بساط بسطا
وقال: سل ما شئت من أمور
…
فقال رد مائتي بعير