الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغراب كله الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة، ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك لقلة وفائه.
والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها، لأنها تخرج قبيحة المنظر جدا، إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرؤوس والمناقير، جرداء اللون، متفاوتة الأعضاء، فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه، فيجعل الله قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه، فيعود إليه أبواه. وعلى الأنثى أن تحضن وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم.
وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصيد، بل إن وجد جيفة، أكل منها وإلا مات جوعا، ويتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير، وفيه حذر شديد وتنافر. والغداف يقاتل البوم ويخطف بيضها ويأكله، ومن عجيب أمره أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه، يحمل الذكر والأنثى في أرجلهما حجارة، ويتحلقان الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه.
قال الجاحظ: قال صاحب منطق الطير: الغراب من لئام الطير، وليس من كرامها، ولا من أحرارها ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو إما حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله في الناس الزنج فإنهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا، كمن بردت بلاده ولم تنضجه الأرحام، أو ثخنت بلاده فأحرقته الأرحام، وإنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول، وكمالهم فوق الكمال، لأجل ما فيها من الاعتدال. فالغراب الشديد السواد، ليس له معرفة ولا كمال، والغراب الأبقع كثير المعرفة، وهو الأم من الأسود انتهى. والعرب تتشاءم بالغراب، ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب.
فائدة أجنبية
: اسم الغربة مجموع من أسماء دالة على محصول اسم الغربة فالغين من غدر وغرور وغيبة وغم وغلة، وهي حرارة الحزن، وغرة وغول وهي كل مهلكة، والراء من رزء وردع وردى وهو الهلاك، والباء من بلوى وبؤس وبرح وهو الداهية، وبوار وهو الهلاك، والهاء من هوان وهول وهم وهلك، قاله محمد بن ظفر، في السلوان. وغراب البين الأبقع. قال الجوهري:
هو الذي فيه سواد وبياض. وقال صاحب المجالسة: سمي غراب البين لأنه بان عن نوح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، لما وجهه لينظر إلى الماء، فذهب ولم يرجع. ولذلك تشاءموا به. وذكر ابن قتيبة أنه سمي فاسقا، فيما أرى، لتخلفه حين أرسله نوح عليه السلام، ليأتيه بخبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة. قال عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقع
…
وجرى ببينهم الغراب الأبقع
وقال صاحب منطق الطير: الغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحل والحرام، من الفواسق، اشتق لها ذلك الاسم من اسم إبليس، لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس، واشتق ذلك أيضا لكل شيء اشتد أذاه. وأصل الفسق الخروج عن الشيء، وفي الشرع الخروج عن الطاعة انتهى.
قال الجاحظ: غراب البين نوعان، أحدهما غراب صغير معروف باللؤم والضعف، وأما الآخر فإنه ينزل في دور الناس، ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها، وبانوا منها. قال:
وكل غراب غراب البين، إذا أرادوا به الشؤم لا غراب البين نفسه الذي هو غراب صغير أبقع.
وإنما قيل: لكل غراب غراب البين، لأنه يسقط في منازلهم إذا ساروا منها وبانوا عنها، فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلا عند بينونتهم عن منازلهم، اشتقوا له هذا الاسم من البينونة.
وقال المقدسي، في كشف الأسرار، في حكم الطيور والأزهار، في صفة غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب، وينعق بين الخلان والأحباب، إذا رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته، وإن شاهد ربعا عامرا بشر بخرابه، ودروس عرصاته، يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن، ويحذر الآكل غصة المآكل، ويبشر الراحل بقرب المراحل، ينعق بصوت فيه تحزين، كما يصيح المعلن بالتأذين وأنشد على لسان حاله:
أنوح على ذهاب العمر مني
…
وحقّ أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ركبا
…
حدا بهمو لو شك البين حادي
يعنفني الجهول إذا رآني
…
وقد ألبست أثواب الحداد
فقلت له: اتعظ بلسان حالي
…
فإني قد نصحتك باجتهاد
وها أنا كالخطيب وليس بدعا
…
على الخطباء أثواب السواد
ألم ترني إذا عاينت ركبا
…
أنادي بالنوى في كل ناد
أنوح على الطلول فلم يجبني
…
بساحتها سوى خرس الجماد
فأكثر في نواحيها نواحي
…
من البين المفتت للفؤاد
تيقظ يا ثقيل السمع وافهم
…
إشارة من تسير به العوادي
فما من شاهد في الكون إلا
…
عليه من شهود الغيب بادي
وكم من رائح فيها وغاد «1»
…
ينادي من دنو أو بعاد
لقد أسمعت لو ناديت حيا
…
ولكن لا حياة لمن تنادي
فدل قوله: وقد ألبست أثواب الحداد، وليس بدعا على الخطباء أثواب السواد، أنه أسود. وقوله:
فلم يجبني بساحتها سوى خرس الجماد، أنه يوجد عند مفارقة أهل المواضع لها، وأما قوله: وينغق بين الخلان والأحباب، فهو بالغين المعجمة، عند جمهور أهل اللغة، وهو الذي قاله ابن قتيبة، وجعل غيره خطأ.
ونقل البطليوسي، عن صاحب المنطق، أنه قال: نعق الغراب ونغق. قال: وهو بالغين المعجمة أحسن. وحكى ابن جني مثل ذلك. وقد أحسن الصاحب بهاء الدين زهير وزير الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بقوله في البين من أبيات:
لقد ظلمتني واستطالت يد النوى
…
وقد طمعت في جانبي كل مطمع «2»
إلى كم أقاسي فرقة بعد فرقة
…
وحتى متى يا بين أنت معي معي
وقالت علمنا ما جرى منك بعدنا
…
فلا تظلميني ما جرى غير أدمعي