الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال قائلهم المتحدث عنهم: «يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمر نأخذ به، ونأمر به من وراءنا، وندخل الجنة»
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع، عن الربا والحنتم والنقير والمزفت، وهى أسماء أنواع من الخمور تختلف أسماؤها باختلاف آنيتها «1» .
ولقد كان فى وفد عبد القيس الجارود بن بشر بن المعلى، وكان نصرانيا، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كلمه ودعاه إلى الإسلام وعرضه عليه ورغبه فيه. فقال: يا محمد، إنى قد كنت على دينى، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنا ضامن أن هداك الله إلى ما هو خير منه. فأسلم وأسلم من معه من أصحابه.
عاد الجارود إلى قومه، وكان حسنا شديدا فى دينه حتى مات.
ولما قامت الردة بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كان من قومه من ارتد، فوقف فيهم يقول بشهادة الحق، ودعا قومه أن يتوبوا ويعودوا إلى الإسلام، وهو يقول: أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأكفر من لم يشهد هذه الشهادة.
وهكذا كانت الوفود تجيء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا تخرج من بين يديه إلا وقد خالطت بشاشة الإسلام قلوبهم، فيعودوا إلى أقوامهم، ليعلموهم ما تعلموا.
وإن ذلك تطبيق واستجابة لقوله تعالي: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122) .
وفد بنى حنيفة
662-
كان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يستقبل الوفود، ويدعوهم إلى الإسلام، سواء منهم من اهتدى، ومن ضل وغوى، والناس قسمان قسم يطلب الحق ويبتغيه، ويجانب الشر، ولا يريد إلا الحق، ولم تدنس نفسه بدرن الهوى والباطل، ولم تركس فى مهاوى الهوى، وما يسول به الشيطان فى الأنفس، وقسم سيطرت عليه الأهواء فلا يتجه إلى الحق يبتغيه، ولكن يتجه إلى ما تهوى الأنفس، وما تضل به الأفهام، وتسيطر الأوهام.
(1) بل هى أسماء آنية (المراجع) .
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستقبل الفريقين، فمن طلب الحق واستقامت نفسه استجاب للحق، وأسلم، ومن ركبته الأهواء، حاول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إزالة الغشاوة التى تنسجها الأوهام، ومن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يريد الهداية للجميع، ولكن الله تعالى يقول: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (القصص: 56) .
ومن هذا الصنف الثانى قوم مسيلمة الكذاب، وهو وفد بنى حنيفة.
جاء وفد بنى حنيفة، وفيهم مسيلمة، وقد ستروه بثياب والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى يده عسيب من سعف النخل، وقد سأله مسيلمة بعض ما تحت سلطانه، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لو سألتنى هذا العسيب الذى بيدى ما أعطيتكه، وإن الشر لا يظهر إلا فى أشرار، فقومه هم الذين شجعوه على ذلك، وكذلك قال لقومه: أما إنه ليس بشركم.
وكان مسيلمة قبل أن يحضر قومه كتب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا قال فيه:
من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله:
«أما بعد فإنى أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصفه، وليس قريش قوما يعدلون» .
قدم رسوله على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا الكتاب.
فكتب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
وقدم من عند مسيلمة هذا رسولان قيل إنهما قدما بالكتاب الذى ذكرناه عنه، فقال لهما محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:«تشهدان أنى رسول الله، فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» .
أتى بنو حنيفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم على هذه الحالة النفسية، وعلى هذا الضلال العقلى، ولكن منهم من أسلم، ومع ذلك ارتدوا من بعد، ولقد استهواهم ضلال مسيلمة الكذاب عن الحق، وذلك بسبب العصبية الجاهلية، حتى كان قائلهم يقول: كاذب ربيعة خير من صادق مضر.