الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم من آمن، وإن لم يعرف إيمانه.
يروى أن هرقل عندما جاءه كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعطاه لكبير الأساقفة الذى كان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ الكتاب قال: هو والله الذى بشرنا به موسى وعيسى الذى كنا ننتظره، قال هرقل فما تأمرنى، قال الأسقف أما أنا فمصدقه ومتبعه، فقال قيصر إنه كذلك، ولكنى لا أستطيع، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم، لم يذهب إذن الكتاب صرخة فى واد، بل كان له صدى، وظهر فيما بعد.
كتابه إلي كسري ملك الفرس
580-
عندما أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرسل إلى الملوك وقف فى الصحابة خطيبا وبعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله قال:
أما بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا على كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى بن مريم.
فقال المهاجرون: إنا لا نختلف عليك فى شيء أبدا، فمرنا وابعثنا.
فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى.
وظاهر هذا الكتاب أنه أرسل إلى كسرى عقب هذا البيان النبوى، وربما يوميء إلى أن الكتاب إلى كسرى كان قبل الإرسال إلى ملك الروم، ولكنا نرجح أن الإرسال للملوك جميعا كان فى وقت واحد، وربما كان وصول الرسول إلى هرقل قبل وصوله إلى كسرى.
ومهما يكن الأمر من ناحية السابق واللاحق، فإنه ثبت أنه أرسل للملكين ولغيرهما من الملوك والرؤساء.
بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى فمضى بالكتاب إليه، ووقف أمام بابه مستأذنا مع عظاماء الفرس، وقد أذن لعظماء الفرس، ثم أذن له من بعدهم، فلما دخل أراد أن يدفعه لغيره، فأبى إلا أن يدفعه إليه بشخصه، وقال له لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال كسرى ادن، فدنا وناوله الكتاب ثم دعا كاتبا من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم الفرس.
«سلام على من اتبع الهدى، وشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله تعالى، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإن تسلم تسلم، وإلا فإن عليك إثم المجوس.
فلما قرأه مزقه فدعا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يمزق ملكه.
ولم يكتف بأن مزق الكتاب، بل أراد قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل إلى بازام، وهو نائبه على اليمنى، أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتيانى به، وحسب أن الإتيان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم مكبلا بالحديد، أمر سهل، ونسى أن العرب فى واقعة (ذى قار) قد أذاقوه من الحرب بؤسا، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى جنده لا يقل عن قوة العرب فى ذى قار، ولكنه غرور السطوة الذى يدلى بصاحبه حتى يجعله عبرة للمعتبرين.
استجاب نائبه إلى طلبه غير المعقول فى غايته، فبعث بازام قهرمانه، وكان كاتبا حاسبا، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له حرحورة، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى.
ويظهر أن نائبه باليمن لم يكن يريد إيذاء، ولكن يريد أن يتعرف خبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فكتب الكتاب إطاعة لكسرى، وأراد أن يتصرف لنفسه، فأراد التعرف، وهكذا يغتر الطغاة، فيحسبون أن الناس قلوبهم طوع أيديهم، مع أن قلوبهم لإلههم ولا لأنفسهم.
قال نائب كسرى لمن أرسله بالكتاب إيت بلاد هذا الرجل وكلمه ائتنى بخبره، وهذا يدل على أنه لن يجيب كسرى، فغاية كسرى ليست غايته، وأنه هو يريد أن يعرف الإسلام.
خرج الرجلان إلى الطائف حتى قدما عليه: فسألا عنه فقيل هو بالمدينة المنوره، واستبشر أهل الطائف بها، وقال بعضهم لبعض أبشروا، فقد نصب له كسرى ملك الملوك.. كفيتم الرجل.
خرج الرجلان حتى قدما على المدينة المنورة، فقالا: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك بازام (نائبه باليمن) يأمره بأن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثنا إليك لتنطلق، فإن فعلت كتب (نائب اليمن) إلى ملك الملوك يمنعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك. وظنا أن ذلك يرهب الرسول، إذ مثله يرهبهما، ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يلتفت إلى كلامهما، لأن الله يعصمه، بل اتجه إليهما، وقد حلقا لحاهما،
وأعفيا شاربهما، فكرر النظر إليهما. وقال لهما: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ولكن ربى أمرنى باعفاء لحيتى وقص شاربى.
ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتيانى غدا، وقد أعلم الله رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن كسرى قد قتله ابنه شيرويه، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، عنده ذلك العلم من الله تعالى، دعاهما فأخبرهما.
فقالا: هل تدرى ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا، ونخبر الملك بازام (نائب كسرى) .
قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أخبراه ذلك عنى وقولا له إن دينى سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهى إلى الخف والحافر، وقولا إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى حرحورة الفارسى أحد الرسولين منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك.
خرجا من عنده حتى قدما على بازام (نائب كسرى) فى اليمن.
فقال هذا الملك النائب عن ملك الملوك. كسرى: ما هذا بكلام ملك، وإنى لأرى الرجل نبيا، كما يقول: وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبى مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا.
علم الجميع أن كسرى قد قتل بيد ابنه. وقد أعلمهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، والرسولان عنده، والأخبار عنه منقطعة عن طريق البرد وغيرها.
وبينا نائب كسرى باليمن على الأمر الذى لم يصل إليه نبؤه، وهو فى تردد فى قبوله، جاءه كتاب شيرويه الابن، وجاء فى هذا الكتاب.
أما بعد: فإنى قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان قد استحل دم من قتل من أشرافهم، ونحرهم فى ثغورهم، فإذا جاءك كتابى هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك وانطلق إلى الرجل الذى كان كسرى قد كتب إليه، فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه.
إنه بلا شك لم يكن الابن على عزيمة أبيه فيما يتعلق بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل تردد، وكل ما أمر به ألا يهيجه فلا يطلب إليه الحضور حتى يكون أمر جديد.
تلك أمارات متتالية تدل على صدق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يدعو إليه من وحدانية وصدقه فى دعوى الرسالة الإلهية.