الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وخطبة أبى بكر التى هى أطول مما ذكرنا ابتداء، قال فيها:
ليس ما يقول ابن الخطاب شيئا، توفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال باكيا، والذى نفسى بيده، رحمة الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيا وميتا، ثم غشاه بالثوب، ثم ذهب إلى المسجد سريعا، وقال: إن الله عز وجل نعى نبيه إلى نفسه، وهو حى بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، وهو الموت حتى لا يبقى منكم أحد إلا الله عز وجل قال تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران) وقال تعالى لمحمد إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (الرحمن) وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران) .
إن الله عمر محمدا وأبقاه حتى أقام دين الله، وأظهر أمر الله، وبلغ رسالة الله، وجاهد فى سبيل الله، ثم توفاه الله على ذلك، وقد ترككم على الطريقة، فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء، فمن كان يعبد الله ربه، فإن الله حى لا يموت فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله تعالى قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من ينصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله تعالى بين أظهرنا، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله تعالى محمدا، وفيه حلال الله تعالى وحرامه، والله لا يبالى من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله تعالى لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا، كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا يبغين أحد إلا على نفسه.
هاتان خطبتان للصديق رضى الله تعالى عنه، فى يوم الفزع الأكبر، ولعله كان يكرر قوله كلما رأى هلعا، وجزعا، ليرد إليها شارد لبها، وقد طاشت أحلام، وهلعت قلوب، فكان يكرر التثبيت.
غسل الجثمان الطاهر ودفنه:
723-
اتجه المؤمنون إلى إقامة خليفة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يغسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويوارى جثمانه الطاهر، فقد اجتمع الأنصار، وعلى رأسهم سعد ابن عبادة ليفكروا فى هذا، فأسرع إليهم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما خشية أن يتفرق أمر المؤمنين، فى سقيفة بنى ساعدة، وأنهوا أمر الخلافة باختيار أبى بكر رضى الله تعالى عنه خليفة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يحضر الاجتماع أحد من بنى هاشم أو أقرباء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم
الأدنون، العباس وعلى وغيرهما من بنى هاشم، ولعل ذلك كان لانشغالهم بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد انتقل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ضحى يوم الاثنين، فمكث بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء، حتى إذا تمهدت الأمور وتمت كما ذكر الحافظ بن كثير شرعوا فى تجهيز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول ابن إسحاق: لما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد كانت وفاته يوم الاثنين، وغسله ودفنه ليلة الأربعاء.
اجتمع الناس لغسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليس فى البيت إلا أهله، وعمه العباس ابن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد بن حارثة، ودخل من بعد أوس بن خولى الأنصارى البدرى الخزرجى نادى عليا، فقال: يا على ننشدك الله، وحظنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له على: ادخل فحضر الغسل.
وغسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعليه قميصه، وتولى الغسل على كرم الله وجهه فأسنده إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع على، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه يصبان الماء، وجعل على يغسله، ولم ير منه شيئا، وهو يقول بأبى أنت وأمى ما أطيبك حيا وميتا، وكانوا يغسلونه صلى الله تعالى عليه وسلم بالماء، والسدر، جففوه، ثم صنع به مما اختلط بالماء.
وقد كفنوه صلى الله تعالى عليه وسلم فى ثلاثة أثواب اثنان أبيضان وثالث حبرة.
ودفن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى بيت عائشة حيث مات، لخبر نسب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون.
وقد تولى دفنه عليه الصلاة والسلام أربعة من أهله ومواليه العباس وعلى، والفضل ابن عباس، وصالح مولاه، لحدوا له لحدا، ونصبوا اللبن نصبا.
هكذا انتهت الحياة الدنيوية لأكرم خلق الله على الله، وأكرم إنسان للإنسانية، عاش حياته مجاهدا منذ خلقه الله تعالى إلى أن قبضه سبحانه وتعالى إليه، جاهد الرذيلة غلاما، فكان الفاضل فى صباه، وكان الأمين فى شبابه لم تكن الحياة أمامه رخاء سهلا، بل ذاق اليتم، وإن لم يقهر، كما يقهر اليتامى، وذاق طعم الفقر، وإن لم يترب نفسه، حتى إذا كلف أداء الرسالة حمله، حمل عبئها، وذاق مرارة الأذى فى