الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالصور فمحيت كلها، ثم أغلق الباب على نفسه، وعلى أسامة وبلال فاستقبل الجدار الذى يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع، وقف وصلى.
ثم دار فى البيت وكبر فى نواحيه، وفتح الباب.
وقد خرج من باب الكعبة الشريفة، وكانت قريش قد ملأت المسجد ينتظرونه، فخرج إليهم من محراب الله وكأنه مقبل عليهم من عند رب البيت، الذى جعله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حولهم.
وقد دهشوا، يتعرفون ماذا يصنع.
فأخذ بعضادتى الباب وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهى تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت. وسقاية الحاج.
قال: وقتل العمد. وشبه السوط والعصا، فيه الدية مغلظة، فإنه من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها.
يا معشر قريش إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية. وتعظمها بالآباء.. الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات- 13)
العفو الكريم الشامل:
600-
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف- 199) بهذا الأمر الربانى أخذ نبى الرحمة وأعظم عفو رآه الوجود الإنسانى هو عفو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أهل مكة المكرمة، لقد اضطهدوه منذ البعثة وهو فى الأربعين واستمر أذاهم غير مقطوع، حتى ذرف فى الستين، لا ينون عن إيذائه، ثم قتاله، ثم الدس الخبيث له ولرجاله فلما غلب وتغلب بعد أكثر من عشرين سنة، لم يقل ويل للمغلوب، كما يقول ساسة هذا الزمان بل قال: مرحبا بالأخوة، وعفوا عما مضي، وإن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف.
قال صلى الله تعالى عليه وسلم لقريش وهم صفوف ينتظرون كلمته فيهم فقال لهم: يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم.
قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
قال فإنى أقول لكم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وكان عثمان بن طلحة فى يده مفتاح الكعبة الشريفة قبل أن يسلم، وقد أراده على مع السقاية فرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة وقال له: اليوم يوم بر ووفاء.
وذكر ابن سعد فى طبقاته عن عثمان بن طلحة. قال: كنا نفتح الكعبة الشريفة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما (أى قبل الفتح) يريد أن يدخل الكعبة الشريفة، مع الناس، فأغلظت له فنلت منه فحلم عني، ثم قال: يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت.
ولعل ذلك أيام الأذى الذى كان ينزل بالمؤمنين من قريش قبل الهجرة حتى إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يؤذى فيما يستحقه كل الناس، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، مستبشر لا يرجو إلا ما عند الله، مطرح ما عند الناس.
قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان إبان ذلك إن المفتاح سيكون بيده يضعه حيث يشاء، فقال متطاولا فى الأذى بالقول: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت.
فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بل عمرت وعزت يومئذ.
يقول عثمان فوقعت كلمته منى موقعا أى أنه توقع صدقها وهم فى الجاهلية الغافلة، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد تحقق ما توقع، وصدق قول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد آل إليه المفتاح يضعه حيث يشاء، فوضعه فى يد عثمان بن طلحة، الذى أغلظ له فى القول من قبل، ونال منه.
ويقول عثمان فى حكايته: قال لى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا عثمان ائتنى بالمفتاح، فأتيته فأخذ منى المفتاح، ثم دفعه إلي، وقال: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان:
إن الله تعالى استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.
فلما وليت ناداني، فرجعت إليه. فقال ألم يكن الذى قلت لك، قال فذكرت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لى قبل الهجرة، سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شئت. قلت: بلى، أشهد أنك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومع السماحة التى تدنى أشد القلوب جفاء، ومع هذا العفو الكريم الذى يجمع الشارد، ويدنى القاصي، كانت قلوب بعض القرشيين ما زال يسكنها الضعف فى الإيمان والبغض الجاهلى.