الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا هو الميدان الأول لجهاد النبى صلي الله تعالى عليه وسلم. أما الميدان الثاني فهو تربية المؤمنين وتعليمهم أحكام الدين، وبيان الشريعة الإسلامية، وتنظيم المجتمع على أساس العدل والفضيلة ومكارم الأخلاق، وهو ميدان الرسالة المحمدية، وهو غايتها ومقصدها، وما كان القتال إلا لحماية الدعوة الإسلامية، وتوصيلها للقلوب والمجتمعات، الآحاد والجماعات.
وإنه في أثناء اللقاآت الحربية كانت المبادئ الإسلامية تسري إلي النفوس وسط صليل السيوف، فكانت تصل إلي القلوب، والمقاتل متأثر بالمقاتل مأخوذ به، وخصوصا إذا رأوا من خوارق العادات، ما لا عهد لهم به، لقد كانت غزوة الأحزاب من قبائل متفرقة، ورأوا عيانا أن الهزيمة لم تكن بسيف ولا بقوة، ولكن بريح عاصف اقتلع أخبيتهم وألقي الفزع والذعر في نفوسهم، وأمامهم رجل يقول إنه رسول من عند الله سبحانه وتعالي، فهلا يفتح ذلك قلوبا مغلقة، وآذانا تستمع إلي صوت الحق، إنهم لا بد أن يعودوا إلي أقوامهم، ويذكروا لهم ما عاينوا أو شاهدوا، وما رأوا بعين البصر، وإن ذلك لا بد أن يصل شئ منه إلي البصيرة.
ولقد كانت غزوة الخندق آخر الغزوات التي غزتها قريش للمدينة المنورة، وقد استيأسوا من بعد ذلك وعلموا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم غير مخذول، وأن أحجارهم التى لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تغني عنهم، حتي أخذ بعض عقلائهم يدركون ما هم فيه من ضلال، وأنه لا بد لهم من أن يسمعوا صوت العقل والضمير، وقد بدا ذلك في بعض كبرائهم كما أشرنا.
الحديبية:
708-
كانت الحديبية خطوة للدعاية إلى الإسلام من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد ذهب إلي مكة المكرمة بجيش عدته نحو خمسمائة وألف أو يزيدون وما ذهب ليقتلع مكة المكرمة، كما كانوا يذهبون إلي المدينة المنورة، بل ذهب ليقيم شعائر الله تعالي، ولتعظيم البيت، وعلى ألا يسألوه خطة فيها تعظيم البيت إلا سلكها.
وقد تم عقد الاتفاق علي مدة عشر سنين، لا يقاتلهم، وعلي أن يعود من عامه هذا، وقد سمي الله تعالى ذلك فتحا مبينا.
وإنه حقا كان فتحا للإسلام، فقد لانت قلوب كانت مستعصية، وتفتحت آذان كان فيها وقر عن سماع الحق، فإذا كانت لم تفتح إلا آجلا، فقد فتحت القلوب نور هذه المدينة، وكان من قريش أنفسهم من يتجه إلي الإسلام ويتعرف غاياته، ومراميه، وأنه الحق والعقل، وملة إبراهيم عليه السلام والقبائل التى كانت ترى أمارات النبوة، ولكن تنتظر قريشا، ورأيها فى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم- أخذت
قلوبهم تصغي، وأفئدتهم تتجه نحوه، فأسلم الكثيرون، وتهيأت للإسلام قلوب كثيرين، ولما اتجه عليه الصلاة والسلام إلى خيبر لاقتلاع اليهود من بلاد العرب، كان العرب جميعا مناصرين.
وعندما اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلي الرومان أحسوا بعزة العرب تغالب سلطان بني الأصفر، وقد كان أمرهم مرهوبا مخوفا، قد استكان بعضهم له رهبا لا رغبا، فلما رأوا محمدا صلي الله تعالى عليه وسلم الهاشمي القرشي العربي يغزو بنى الأصفر، أحسوا بعزة عربية لا بد أن يكونوا معها، وإذا كانوا مع الروم في بؤسهم فقد هداهم التفكير فى عزتهم إلي ألا يكونوا معهم في تبوك، وإن ذلك بلا ريب يفتح قلوبهم لأن يدركوا الإسلام، ويتدبروا في أمره وغايته، ورأوا أنه السبيل الوحيد لعزتهم، ورفع نير الرومان ونفوذهم.
ولقد ذكر كتاب السيرة أنه دخل فى الإسلام ما بين فتح مكة المكرمة وغزوة الحديبية ناس كثيرون بلغوا أضعاف ما دخلوا من وقت البعث المحمدي، إلي الحديبية، أي بلغ فى سنتين أضعاف أضعاف من دخل فيه في مدي تسع عشرة سنة.
ولما كان فتح مكة المكرمة، ودخلت قريش في الإسلام، دخل فيه الذين يترددون وقد لانت قلوبهم، لأنهم رأوا أهل مكة المكرمة، الذين كان لهم مكان المتبوع يدخلون فدخلوا.
ولذلك جاءت الوفود تتري في العام التاسع، بعد أن فتحت في رمضان من العام الثامن، ولقد جاءت تلك الوفود مسلمة معلنة إسلامها، تريد معرفة أحكام دينها وما يجب أن يقوم به المسلم، وما يجوز له وما لا يجوز.
وكان النبي صلي الله تعالي عليه وسلم يرسل البعوث لتعليمهم، ولتأديب الذين يحاولون إيذاء المؤمنين أو العبث بالمقومات الدينية، فكان أحيانا يرسل السرايا، وأحيانا يرسل فقهاء الصحابة، كما أرسل أبا موسي الأشعري ومعاذ بن جبل ولما أرسل خالد بن الوليد، وهو القائد المحارب كان مكلفا أن يدعو إلى الإسلام، لا أن يجرد سيف القتال، ثم أرسل علي بن أبي طالب عالم الصحابة، فتولي تعليمهم، وأخذهم بأحكام الإسلام، ثم ولاه القضاء، فانفتق ذهنه بدعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ونطق لسانه بالحكمة وفك عقدا من مشكلات القضاء وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وهكذا نري أن البلاد العربية- أهل الوبر وأهل المدر- قد دخلها الإسلام، وتقبله قلوب مؤمنة مذعنة، وعلم أمره بعض الناس، ولكن لم يدخل قلوبهم فأطاعوا وخضعوا، ولكن لم تؤمن قلوبهم، وإن علم الإسلام، كان الإسلام كالغيث يصيب أرضا نقية فيمدها بالزرع وتأتي بأطيب الثمرات، وكان
يصيب أرضا تحفظ الماء ولا تنتفع به، ولكنها تكون موردا لطالبه، وكان يصيب أرضا مجدبة لا تحفظه ليكون مصدر سقي ورعي، ولا تنتفع به.
ولقد كان الناس بعد أن علموا الإسلام علي هذه الأنواع الثلاثة، فكان منهم الذين آمنوا وأخلصوا دينهم لله تعالي، وأولئك الذين كانوا في المدينة المنورة، وبعض مدائن البلاد العربية، ورجال كانوا في البادية.
ومنهم من علموا الإسلام وحفظوه، ولكن لم يعملوا به، وأطاعوا، ولكن لم تذعن قلوبهم، ومنهم الذين مر عليهم الإسلام فعرفوا أن هناك دينا يحارب الوثنية، ويدعو إلي الوحدانية، وإحياء ديانة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولكن التدين لم يكن موضع اهتمامهم، فمر عليهم علم الإسلام كما يمر الماء فى الميزاب يتحدر ولا يبقي منه شئ، وأكثر هؤلاء كان فى أعراب البادية، ولهذا قال الله تعالي: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (التوبة) ومهما تكن حال الذين علموا الإسلام، ووصلتهم الدعوة الإسلامية كاملة، فإن التبليغ قد تم وكمل العلم. وما علي النبي صلى الله تعالي عليه وسلم أن يدخل الهداية في القلوب، ولكن عليه أن يبلغ، وينذر ويبشر كما قال تعالي:
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ إن عليه أن يبين المورد العذب وعلي الناس أن يردوه، فمن ورده استقي، ومن لم يرده شقي، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أكمل رسالته في أمرين:
أولهما: أن الشريعة نزلت عليه كاملة، فأصولها كلها قد نزلت عليه، وعلمها أصحابه ليحملوا العبء كاملا من بعده، فبين أحكام العبادات، والزواجر الاجتماعية والعلاقات الإنسانية فى معاملات بين الناس وعلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها، وأحكام الحروب الفاضلة، وغير ذلك مما يسير بالإنسانية في طريق السلام والكمال.
وثانيهما: أبلغ الدعوة كاملة لقومه العرب، ليكونوا المبلغين للناس كافة، أو حماة هذا التبليغ، ويتولي علماؤهم الدعوة، ويتولي سائرهم حماية هذه الدعوة، والله بكل شئ عليم، وإنه لم يبق بعد الكمال إلا الوداع.