الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، آمره بتقوى الله تعالى فى أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وآمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله تعالى. وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فى الدين، وأن ينهى الناس، فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين لهم فى الحق، ويشتد عليهم فى الظلم، فإن الله حرم الظلم ونهى عنه، فقال ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله، وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس بالنار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا فى الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله به، والحج الأكبر الجامع، والحج الأصغر، العمرة، وأن ينهى الناس أن يصلوا فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون واسعا
…
وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو العشائر والقبائل، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم، كما أمر الله عز وجل، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلس بالصبح. ثم يذكر بعد ذلك أحكام الخمس فى الغنائم، وأحكام الزكوات، ونصابها وما يؤخذ من مقاديرها أ. هـ.
وفى هذا يتبين أن أولى الأمر عليهم أن يجمعوها إذا كانت ظاهرة، وعلى الناس أن يؤدوها ظاهرة وباطنة، وإن كانت الثانية الأمر فيها إلى الضمائر، والله أعلم بالسرائر.
وفد نجران
672-
أخذ المشركون يسلمون تباعا لما عم سلطان الوحدانية البلاد، وما أسلموا رهبا من قوة فى أكثر الأحوال، بل أسلم الأكثرون رغبا فى الإسلام، وقد زالت عنهم غشاوة الوثنية وخرجوا من التقليد للآباء إلى الاستنارة بنور الإسلام، ورأوا أن آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. هذا ما كان من المشركين، كان الإسلام يدعو لنفسه فيهم بعد أن زالت عنهم عماية الجاهلية وغشاوة الوثنية- أما اليهود والنصارى- فقد علمت أمر اليهود منهم، ومغالبتهم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالخيانة والنفاق، وتأليب الناس عليه، بعد عهود أخذوها على أنفسهم، ومن كان منهم فى غير جوار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد أخذ عليهم ميثاق الأمان على أن يؤدوا الجزية، كما رأينا فى كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمراء الجنوب عندما ذكروا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن عندهم يهودا ومجوسا، يريدون أن يبقوا معهم من غير أن يغيروا دينهم الذى ارتضوا، فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤدوا الجزية، ولا يرد عليهم دينهم.
أما النصارى فإنهم لم يكونوا فى حرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يثيروا عليه أحدا، إلا ما كان من الروم، أما النصارى العرب، وخصوصا من كانوا فى الجنوب، فكانوا على مودة نسبية أو أقرب إلى المودة، ولذلك قال الله تعالى فى نصارى العرب الذين كانوا يوالون المسلمين:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (المائدة: 82) هذا وصف عام لوفد نجران الذى سنتحدث عنه، وهناك سبب خاص حركهم للمجيء، وهو كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال، وذلك نص كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
أرسل الكتاب إلى أسقفهم، فلما قرأه ذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من آل همذان اسمه شرحبيل بن وداعة وكان من همذان وكان مستشار الأسقف إذا حدثت معضلة.
فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: ما رأيك يا أبا مريم، فقال: قد علمت ما وعد الله إبراهيم فى ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن بأن يكون هذا هو الرجل ليس فى النبوة رأي، لو كان من أمر الدنيا أشرت عليك فيه برأى وجهدت لك فيه، فنحاه، واستشار غيره وتعدد المستشارون، وكلهم أجاب بمثل جوابه فلما اجتمع الرأى منهم على تلك المقالة، أمر الأسقف بالناقوس فضرب، ورفعت المسوح فى الوادى، أعلاه وأسفله فاجتمع حين ضرب بالناقوس بطول الوادى مسيرة الراكب السريع يوما.
وسألهم الرأى بعد أن قرأ عليهم الكتاب من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
فاجتمعوا على إرسال وفد منهم يأتيهم بخبر هذا الرجل، ولما وصلوا المدينة المنورة خلعوا ثياب السفر، ولبسوا حللا يجرونها من الحبرة، وخواتيم الذهب، ثم دخلوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتصدوا له ليلا ونهارا فلم يرد عليهم، وعليهم تلك الحلل والخواتيم فذهبوا إلى عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما إذ كانا يتجران ويخرجان العير لهما فى الجاهلية.
ولما التقوا بهما قالوا لهما: إن نبيكما كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين، فسلمنا عليه، فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأى منكما، أنعود.
اتجه عثمان وابن عوف إلى على بن أبى طالب يسألانه: ما رأيك يا أبا الحسن فى هؤلاء القوم، فقال على رضى الله عنه. أرى أن يخلعوا حللهم، وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ففعل الوفد ذلك، ثم جاؤا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فسلموا عليه، فرد سلامهم.
وظهر من هذا أن السبب فى أنه لم يرد سلامهم أنهم جاؤا مختالين مفاخرين وأنهم يلبسون لباسا محرمة على الرجال.
وليعلمهم أنهم ليسوا داخلين على ملك فى أبهة، بل على نبى يعيش عيشة الفقراء، وأن شرفه ليس من مال وثياب، ولكن من رسالة الرحمن الرحيم، وفوق ذلك أن عدم رده يخفف من خيلائهم، ويجعلهم يعيشون كما يعيش.
وبعد أن رد سلامهم بش فى وجوههم كشأنه عند لقاء الناس، ودخلوا عليه مسجده بعد العصر، وقد صلوا متجهين إلى الشرق، فأراد بعض المسلمين منعهم، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم السمح الكريم قال للمانعين: دعوهم، فصلوا مطمئنين.
كان الوفد ستين راكبا منهم أربعة وعشرون من كبرائهم، فيهم ثلاثة لهم فضل رياسة أو شبه رياسة أولهم العاقب، وهو أميرهم، وذو الرأى فيهم، وصاحب مشورتهم لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح.
وثانيهم: السيد، وهو ممثلهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم.
وثالثهم: أبو حارثة بن علقمة أخو بنى بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم، وصاحب مدراسهم وإن أبا حارثة هذا قد صار ذا شرف فيهم، ودرس كتبهم وملوك الروم من النصارى قد أعلوه فيهم، أمدوه بالمال، وجعلوا له خدما، وبنوا له الكنائس، وكرموه لما بلغهم من علمه واجتهاده، ولعل ذلك ليجعلوا نجران تحت نفوذهم مع بعدهم.
وكان أبو حارثة يعظم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى جهره وغيبه، يروى أنه عندما اتجه أبو حارثة إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كان يركب بغلة، وبجواره أخ له يركب مثلها، فعثرت بغلة أبى حارثة فقال أخوه: تعس الأبعد، يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال له أبو حارثة:
تعست أنت، إنه والله النبى الأمى الذى كنا ننتظره، فقال له أخوه: فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا.
قال أبو حارثة: ما صنع بنا هؤلاء القوم (الرومان) شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها أخوه واسمه كرز بن علقمة، حتى أسلم بعد ذلك.
وقد روى ابن إسحاق عن عبد الله بن عباس أنه اجتمع نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى ما كان إبراهيم الا نصرانيا، فأنزل الله عز وجل: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ، وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا، وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
(آل عمران: 65: 68) .
وقال بعض أحبار اليهود: أتريد منا يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى بن مريم.
وقال رجل من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثنى الله، وأمرنى، فأنزل الله عز وجل: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران: 79: 80) .
ثم ذكرهم عليه الصلاة والسلام ما أخذ عليهم وآبائهم من الميثاق بتصديقه، وإقرارهم به على أنفسهم، فتلا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ
…
إلى آخر الآيات (آل عمران: 81) وآخر سأل عن عيسى بن مريم وآخر مثله فأجيبوا بأنه رسول من عند الله وتلا عليهم ما جاء بالنسبة لعيسى عليه السلام فى سورة آل عمران من أولها إلى ثمانين آية من السورة.
بعد ذلك أخذ النصارى يسألون أسئلتهم، قالوا: ما تقول فى عيسى فإنا نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه، فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (آل عمران: 59: 61) فأبوا أن يقروا بذلك.
فلما أصبح الغد أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعدما أخبرهم بالمباهلة. مشتملا على الحسن والحسين رضى الله عنهما فى خميل له، وفاطمة تمشى وراءه وله يومئذ عدة نسوة ولم يختر واحدة منهن، وكان الوفد غير الثلاثة الذين ذكرناهم كما أشرنا فى صدر كلامنا عن نجران، مع رئيسه شرحبيل لا تصدر نجران إلا عن رأيه. وعندما طلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المباهلة قال:
«إن الوادى إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يصدر إلا عن رأيى، وإنى والله أرى أمرا مقبلا وأرى والله إن كان هذا الرجل ملكا، كنا أول العرب طعن فى عينه، ويرد عليه أمر لا يذهب من صدره، ولا من صدور قومه، حتى يصيبونا بجانحة.
وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا، فلاعناه، فلا يبقى على وجه الأرض ساحرة، ولا ظفر إلا هلك، ثم ذكر رأيه فقال: إنى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا.
لقى شرحبيل الذى لا يصدرون إلا عن رأيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له: «إنى رأيت خيرا من ملاعنتك، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما هو؟ قال شرحبيل:
أحكمك اليوم إلى الليل وليلته إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستوثقا من نفاذ حكمه عليه وعلى من وراءه: لعل وراءك أحدا يثرب عليكم. فقال: صاحبى (صاحبان له كانا فى مجلس القول) قالا: ما يريد الوادى ولا يصدر إلا عن رأيه. حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكان الحكم هو هذا الكتاب الذى أعطاهم إياه.
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتبه محمد النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) لنجران، إن كان عليهم حكمه، فى كل ثمرة، وفى كل صفراء وبيضاء وسوداء، ورقيق، فأفضل عليهم، وترك ذلك كله، على ألفى حلة، فى كل رجب ألف حلة. وفى كل صفر ألف حلة، وكل حلة أوقية ما زادت على الخراج أو نقصت على الأواقى فبحساب، وما قضوا على دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم ليحاسبه.. وعلى نجران مثواه رسلى بها عشرين فدونه، ولا يحبس رسول فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وإذا كان كبير باليمن وما هلك مما أعاروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من دروع أو خيل أو ركاب، فهو ضمان على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى يؤديها عليهم.
ولنجران جوار الله تعالى وذمة محمد النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وتبعهم، ألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا
ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته.. وكل ما تحت أيديهم من مال، وليس عليهم ريبة، ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا من ذى قبل فذمتى منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم يظلم آخر
…
وعلى ما فى هذه الصحيفة جوار الله، وذمة محمد النبى رسول الله، حتى يأتى الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بحرب» .
وقد شهد هذه الوثيقة من حضر مجلس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلى، والمغيرة بن شعبة.
هذا كتاب ذمة إذا بقوا على نصرانيتهم، أما إذا اختاروا أو بعضهم الإسلام دينا فإنه من يختار الإسلام يأخذ حكم المسلمين، ولا يكون ثمة فرق بينه وبين المسلمين.
وإن من أساقفة نجران ورهبانهم من دخل فى الإسلام معترفا بأنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المنتظر من أولاد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام له ذلك.
ومن الرهبان من مال إلى الإسلام، وأراد الذهاب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذهب إليه وأهداه بردا، وكانت رغبته فى الحضور للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرى كيف ينزل الوحى. وأن يعلم الفرائض والحدود والسنن، ومع ذلك أبى الإسلام، واستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرجع إلى قومه. وقال إن لى حاجة ومعادا إن شاء الله تعالى، ولكنه لم يرجع حتى قبض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن ذلك كان فى السنة العاشرة.
هذا وإن السيد، والعاقب، وأبا الحارث الذين ذكرناهم فى أول البحث فى وفد نجران، قد مكثوا عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستمعون إليه ويتعرفون حاله، وهم غير وفد شرحبيل، وكأنه وفد من نجران وفدان لتعدد أقاليم نجران، وكنائسهم، واختلاف أساقفهم.
ومهما يكن فإن وفد أبى الحارث الذى فيه السيد والعاقب قد غادر المدينة المنورة ومعهما كتاب من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبى إلى الأسقف أبى الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم ورهبانهم، وأهل بيتهم، ورقيقهم وملتهم، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا