المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعث الصديق ليكون أمير الحج - خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم - جـ ٣

[محمد أبو زهرة]

فهرس الكتاب

- ‌ الجزء الثالث

- ‌رسائله صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌إلى خيبر

- ‌القائد حامل الراية:

- ‌الصلح والغنائم

- ‌خيانة وجزاؤها:

- ‌الأرض والنخيل:

- ‌فدك

- ‌حوادث ذات مغزى في خيبر

- ‌منها أمر الأسود الراعى:

- ‌ومنها قصة أعرابى يجاهد ويرد المغنم:

- ‌مؤمن يتحايل لماله بمكة المكرمة:

- ‌زواج النبي صلي الله تعالي عليه وسلم بأم المؤمنين صفية

- ‌غدر وسماحة

- ‌قدوم جعفر بن أبى طالب ومن معه من المهاجرين

- ‌وادى القرى

- ‌صلح تيماء

- ‌إجلاء عمر لليهود

- ‌الأحكام الشرعية التى تقررت في خيبر

- ‌إباحة المزارعة والمساقاة:

- ‌تحريم أكل لحم الحمر الإنسية:

- ‌تحريم سباع البهائم:

- ‌تحريم وطء الحبالى من السبايا وغيرهن:

- ‌قسمة الغنائم ومالا تقسم منها ووقتها:

- ‌الأمانة واجبة مع الأعداء:

- ‌النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تفوته الصلاة:

- ‌تحريم المتعة في خيبر

- ‌حقيقة المتعة:

- ‌وتختص بالأحكام الآتية:

- ‌نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن المتعة:

- ‌تحريم ربا البيوع

- ‌الحكمة فى تحريم البيوع فيها إلا بالمثل:

- ‌علة القياس فى الأموال الربوية:

- ‌تنبيهات:

- ‌شرعية الجزية

- ‌صحيفة مكذوبة:

- ‌الجزية التى كان يأخذها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:

- ‌وخلاصة عقد الذمة أنه تضمن:

- ‌سرايا بعد خيبر

- ‌سرية أبى بكر الصديق إلى فزارة

- ‌سرية عمر بن الخطاب

- ‌سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير اليهودى

- ‌سرية بشير بن سعد إلى بنى مرة من فدك

- ‌سرية أبي حدود

- ‌عمرة القضاء

- ‌عمرة القضاء فى القرآن الكريم

- ‌حكم شرعى فى عمرة القضاء

- ‌سرية ابن أبى العوجاء السلمى

- ‌إسلام خالد بن الوليد

- ‌إسلام عمرو بن العاص

- ‌سرايا للتعرف في البلاد

- ‌إلي بني قضاعة

- ‌غزوة مؤتة

- ‌نتيجة الغزوة

- ‌سرية ذات السلاسل

- ‌سرية أبي عبيدة

- ‌سرية أبي قتادة

- ‌انتشار الإسلام فى البلاد العربية

- ‌بعث الرسائل إلى الملوك

- ‌كتابه إلى هرقل وأثره

- ‌كتابه إلي كسري ملك الفرس

- ‌كتابه إلى النجاشى

- ‌كتاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم إلى المقوقس

- ‌كتابه إلى المنذر بن ساوى

- ‌الكتاب إلى ملك عمان

- ‌كتابه عليه الصلاة والسلام إلى صاحب اليمامة

- ‌الذمى

- ‌الفتح المبين

- ‌نقض قريش لصلح الحديبية:

- ‌ذل الغدر

- ‌الاستعداد للفتح

- ‌خروج الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌قريش تتحسس الأخبار

- ‌اللقاء

- ‌دخول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة:

- ‌إسلام أبى قحافة:

- ‌قتال فى جوانب من مكة المكرمة:

- ‌دخول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الحرام:

- ‌العفو الكريم الشامل:

- ‌الأمان العام:

- ‌الأنصار يتوهمون أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعود إلى مكة المكرمة

- ‌حرمة مكة المكرمة

- ‌محطم الأوثان

- ‌بعثة خالد بن الوليد إلى جذيمة

- ‌مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة

- ‌أحكام فقهية شرعت فى الفتح

- ‌مكة المكرمة وما يحرم فيها:

- ‌دية شبه العمد

- ‌الميراث بين المسلم والكافر

- ‌الولد للفراش

- ‌قطع اليد

- ‌المتعة وتحريمها

- ‌المبايعة على الإسلام

- ‌نفقة الزوجة

- ‌حكم الهجرة بعد الفتح

- ‌ملكية أرض مكة المكرمة

- ‌سب النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌غزوة هوازن

- ‌ابتداء المعركة:

- ‌الانهزام ثم الانتصار:

- ‌الانتهاء بالهزيمة الساحقة:

- ‌ أوطاس

- ‌ثمرات المعركة

- ‌موجدة الأنصار

- ‌الشفاعة في الغنائم بعد توزيعها

- ‌أحكام شرعية في غزوة حنين

- ‌العارية المضمونة:

- ‌عطاء المؤلفة قلوبهم من غنيمة هوازن

- ‌تبادل الرقيق بالحيوان

- ‌غزوة الطائف

- ‌عود إلي غنائم هوازن

- ‌عمرة الجعرانة

- ‌قدوم كعب بن زهير

- ‌السرايا بعد هوازن

- ‌سرية الضحاك بن سفيان:

- ‌سرية قطبة بن عامر:

- ‌سرية علقمة بن محرز:

- ‌سرية على بن أبى طالب لهدم صنم طيئ:

- ‌غزوة تبوك

- ‌الحال عند الغزو:

- ‌المسير

- ‌وصول رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم إلى تبوك وخطبته

- ‌نتائج تبوك

- ‌كتاب قيصر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌مصالحته عليه الصلاة والسلام ملك أيلة:

- ‌سرية خالد إلى أكيدر دومة

- ‌عودة المسلمين من تبوك

- ‌القائد يرعى جنده حيا وميتا:

- ‌عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌مسجد الضرار

- ‌الثلاثة الذين خلفوا

- ‌العبرة والتربية:

- ‌سبعة ربطوا أنفسهم بأعمدة المسجد

- ‌الوفود

- ‌وفد مزينة

- ‌وفد بنى تميم

- ‌وفد ثقيف

- ‌وفد بني عامر

- ‌وفد عبد القيس

- ‌وفد بنى حنيفة

- ‌وفد طيىء

- ‌وفد كندة

- ‌وفد الأشعريين وأهل اليمن

- ‌غدا نلقى الأحبة…محمدا وصحبه

- ‌وفد الأزد

- ‌وفد بني الحارث بن كعب

- ‌وفد همذان

- ‌قدوم وفد دوس

- ‌قدوم رسول ملوك حمير

- ‌671- كتاب آخر لليمن:

- ‌وفد نجران

- ‌ما يدل عليه أمر هذا الوفد

- ‌الإذعان والإيمان:

- ‌قدوم وفد بنى سعد بن بكر

- ‌وفد تجيب

- ‌وفد بنى سعد من قضاعة

- ‌وفد فزارة

- ‌وفد بهراء

- ‌قدوم وفد عذرة

- ‌وفد بلى

- ‌وفد ذى مرة

- ‌وفد خولان

- ‌وفد محارب

- ‌وفد صداء

- ‌قدوم وفد سلامان

- ‌وفد غامد

- ‌وفد الأزد

- ‌قدوم وائل بن حجر

- ‌وفد النخع

- ‌المغزى فى هذه الوفود

- ‌بعث معاذ بن جبل

- ‌بعث علي رضى الله عنه

- ‌وننبه هنا إلى أمور ثلاثة يوجب الحق التنبيه إليها:

- ‌أولها:

- ‌ثانيها:

- ‌ثالثها:

- ‌تولية على قضاء اليمن:

- ‌بعث الصديق ليكون أمير الحج

- ‌تنبيهان لا بد منهما:

- ‌697- التنبيه الأول:

- ‌التنبيه الثاني:

- ‌سورة براءة

- ‌ما اشتملت عليه سورة براءة:

- ‌غزوة تبوك فى سورة براءة:

- ‌لمز المنافقين فى الصدقات وغيرها:

- ‌جهاد النفاق والكفر:

- ‌أعذار النفاق:

- ‌ما بين الإيمان والضعف والنفاق:

- ‌بعض ما في سورة براءة من حكم وعبر

- ‌انتشار الدعوة الإسلامية

- ‌الحديبية:

- ‌حجة الوداع

- ‌الخروج لحجة البلاغ، وما قام به من مناسك:

- ‌الأماكن التى نزلها، والأدعية التى ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌دعاؤه صلى الله تعالى عليه وسلم فى عرفة:

- ‌العودة إلى المدينة المنورة

- ‌الوداع بعد التمام

- ‌بعث أسامة بن زيد

- ‌بعث اسامة إلى أرض فلسطين:

- ‌الوداع

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌الأمر الثالث:

- ‌توديعه لابنته:

- ‌إنك ميت وإنهم ميتون

- ‌صلاة أبى بكر:

- ‌لكل أجل كتاب:

- ‌غسل الجثمان الطاهر ودفنه:

- ‌تركة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌زوجات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌زواجه عليه الصلاة والسلام ببقية نسائه:

- ‌العبرة

- ‌أما بعد

- ‌فهرس المحتويات

- ‌المجلد الأول

- ‌المجلد الثانى

- ‌المجلد الثالث

الفصل: ‌بعث الصديق ليكون أمير الحج

‌بعث الصديق ليكون أمير الحج

695-

فى زحمة الوفود لم نسر فى مسار التاريخ، فلم نذكر الوقائع فى مواقيتها، ميقاتا بعد ميقات لأن الوفود لم يكن ميقات كل واحد منها محدودا بحد لا يقبل الاختلاط بغيره، ولذا ذكرناها فى مواقيتها على وجه التقريب، لا على وجه التعيين. ومهما يكن فإن غالبها ذكر فى ميقاته وفى مناسباته، ولكن الأمر الذى لم نذكره فى ميقاته، بل ذكر ما بعده- قبله، هو حجة أبى بكر التى تولى فيها إمرة الحج، وهذه أول حجة كانت بإمرة من النبى صلى الله عليه وسلم أى كانت فى ظل الإسلام، بعد أن هدمت الأوثان من فوق الكعبة الشريفة، ومن حولها، بل من حول أم القرى كلها.

كان حج أبى بكر عقب غزوة تبوك التى كانت آخر غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن بعدها، أخذ يستقبل الوفود، ويرسل الدعاة إلى الإسلام ويقتفى آثارهم فى دعواتهم، ومقدار الاستجابة لهم، فانتهى بهذه الغزوة، عهد تأمين الدعوة فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وتفرغ عليه الصلاة والسلام للدعوة ذاتها، وقد زالت كل المحاجزات المانعة واستمر دخول الناس فى دين الله تعالى أفواجا، وقد ابتدأ ذلك من بعد صلح الحديبية كما أشرنا إلى ذلك فى موضعه من القول.

وعلى ذلك فالدعوة كان لها ثلاثة أدوار:

الدور الأول دور وضع الأسس وتكون جماعة قوية فى إيمانها، وإن كان فيها ضعف فى السلطان، وقلة فى العدد، وأولئك هم الحواريون لمحمد عليه الصلاة والسلام كالحواريين لعيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

والدور الثانى دور الدعوة، وتذليل العقبات، وإزالة الحجزات فالدعوة لم تكن السبيل أمامها معبدة، بل كان لا بد من عمل لتعبيدها بإزالة كل العقبات التى تقف فى طريقها.

الدور الثالث كان بعد أن زالت العقبات فى الجزيرة العربية وصار الدين لله تعالى وقد كانت حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته من المهاجرين والأنصار الذين حضروا بيعة الرضوان خالصة للدعوة، وتبيين الحقائق الإسلامية، وبذلك كان كل من يبعثهم من أهل بيعة الرضوان، وإن بعث من غيرهم أردفه بواحد من الحواريين الأولين أو أهل بيعة الرضوان، كما فعل مع خالد وعلى رضى الله عنهما بالنسبة لليمن، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.

اتجه عليه الصلاة والسلام فى الدور الثالث إلى تطهير مكة المكرمة من أن يدخل فيها رجس الجاهلية من عبدة الأوثان. ولقد جرى حج السنة الثامنة على ما كان يجرى عليه من قبل فلم يصد عنها

ص: 1043

مشرك، فلما آلت إمرة الحج إلى الإسلام، منع الله المشركين من أن يدخلوا المسجد الحرام فى السنة التاسعة، ونزل قوله تعالى فى سورة براءة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة.

يقول ابن إسحاق إنه بعد تبوك التى انتهت فى رمضان قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقية رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد.

كان هناك إذن عهدان: عهد جاهلى، وهو عام فيه إذن بألا يصدوا عن البيت، وقد كان هذا على العادة الجارية، وقد توثق بعد الحديبية، وعهد خاص قد عقده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا يبقى إلى أمده.

وإن العهد الذى جرى على مجرى العادة الجاهلية، قد انتهى بأن صار للإسلام الكلمة العليا، وصار التوحيد هو الحاكم، وجاءت ملة إبراهيم الصحيحة فى الإسلام بعد أن انحرف العرب، وعبدوا الأوثان فلم يكن منع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم القرآن الكريم، نقضا للعهد، ولكنه تصحيح للوضع.

أما عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فهو قائم على أسسه حتى ينتهى أمره.

وإن أبا بكر ما أن فصل بركبه، حتى لحق به على بن أبى طالب يحمل سورة براءة، وكانت قد نزلت بأنه لا عهد للمشركين عبدة الأوثان فى أن يحجوا البيت الحرام بعد عامهم هذا.

قال ابن إسحاق: لما نزلت سورة براءة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان قد بعث أبا بكر ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله: لو بعثت بها إلى أبى بكر، فقال عليه الصلاة والسلام:«لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» ثم دعا على بن أبى طالب، فقال له اخرج بهذه (آيات من صدر براءة) ، وأذن فى الناس بالحج يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، فخرج على بن أبى طالب على ناقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيضاء فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال على: بل مأمور ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك فى

ص: 1044

تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى الجاهلية إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى أمره به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأجل أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا عهد كان له عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان.

وروى الإمام أحمد أن على بن أبى طالب قال: بعثت يوم بعثنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أبى بكر فى الحجة بأربعة: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عهد، فهو إلى مدته. ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا.

وهذا الكلام يستفاد منه إبطال العادات الجاهلية فى الحج كطواف غير قريش عرايا، وقريش تمتاز بأن يطوف حجاجها لابسين.

ولقد قسم الحافظ ابن كثير الحجيج من المشركين إلى قسمين من لهم عهد، فإنه يلتزم بعهده إلى نهاية مدته، ومن ليس له عهد يؤجل إلى أربعة أشهر.

وهذا التأجيل وإلغاء العهد ثبت بقوله تعالى فى أول سورة براءة.

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ، وَاحْصُرُوهُمْ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تابُوا، وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

وإن هذا النص الكريم فيه الوفاء بالعهد للذين أوفوا بعهودهم، وأن من يكونون غير معاهدين ينتظرون أربعة أشهر، حتى يصلوا إلى مأمنهم فى بلادهم.

وليس معنى الوفاء لذوى العهد الذين عاهدوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يمكنوا من دخول البيت الحرام وهم باقون على شركهم، فإن الآية الكريمة صريحة فى المنع، إذ قد تلونا قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.

ص: 1045

وإن التأجيل أربعة أشهر، إنما هو خاص بقتالهم وقتلهم، فأعطوا مهلة أربعة أشهر ليصلوا إلى مأمنهم ولا يؤخذوا على غرة وقد جاؤا حاجين طائفين فى زعمهم.

696-

ونقف هنا وقفة قصيرة فى اختصاص أبى بكر وعلى فى هذه الحجة المباركة.

لقد اختص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر بأن تكون له إمرة الحج، ولما لاقاه على قال أبو بكر أمير أم مأمور، فقال له بل مأمور، هذا ما اختص به أبا بكر، وإن ذلك بلا ريب تشريف لأبى بكر، وإكبار لإمرة الحج فى ذاتها، واختص عليا بأن يكون المبلغ لنزول سورة براءة وفى أكثر الروايات ان النبى صلى الله عليه وسلم قال فى اختصاص على بتبليغ نزول سورة براءة «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» إذ ذلك بلا ريب اختصاص فيه تكريم وثقة كاملة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقد أخذ الشيعة الإمامية وغيرهم ممن يجعلون عليا أولى بالخلافة من الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما، قد أخذوا من هذا أن عليا أفضل أو أولى بالخلافة عنه عليه الصلاة والسلام منهما، لأن الخلافة خلافة عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يقوم بما كان يقوم به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فى أمر أمته ورياستها والقيام بحق التبليغ، الذى هو أخص أوصاف الإمامة الكبرى، ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام:«لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» فكون الخلافة لعلى كرم الله وجهه فى الجنة لأن الخلافة أداء لبعض أحكام النبوة أو لكلها وإن كان لا نبى بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

استدلوا بهذا وبقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما تركه فى المدينة المنورة ليقوم على أهله:

«أنت منى بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبى بعدى» .

فأخذوا من هذا الحديث أن لعلى عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم منزلة فوق منزلة غيره من الصحابة الأكرمين، فإذا كان أبو بكر رضى الله تعالى عنه، وعمر الفاروق لهما فضل الصداقة فعلى بالنص له فضل الأخوة، والمشاركة بيد أنه ليس بنبى، ولا يوحى إليه، وإن هذا يجعل عليا فى مكانة أعلى منهما. وبنوا على ذلك أنه وصيه كما بنى الزيدية على هذا أنه أفضل من أبى بكر وعمر وإن لم يكن وصيا.

واستدلوا ثالثا- بقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى غدير خم عند رجعته من حجة الوداع «من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وإن هذا يدل على أن الولاء لعلى ولاء للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعاداته معاداة للنبى صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة غيره، وهو بذلك أولى بالخلافة من غيره، وهو أفضل من الشيخين وغيرهما.

ص: 1046

ذلك ما قالوه، وما اتفقوا عليه، فقد اتفق الشيعة جميعا على فضل على رضى الله عنه وأنه مقدم على أبى بكر وعمر وإن اختلفوا فى ذلك كثيرا..

ونحن نقرر أن ما ساقوه يدل بلا ريب على فضل على أولا، وعلى محبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثانيا، وعلى أنه عليه الصلاة والسلام كان يعهد إليه بأشد المهام وثاقة بالدين ثالثا.

ولكنه لا يدل على أنه أولى بالخلافة من الشيخين رضى الله تعالى عنهما، لأنه إذا كان قد أنابه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى تبليغ سورة براءة، فقد ولى أبا بكر رضى الله عنه ما هو أمس بالإمرة والخلافة وهو إقامة الحج كما اختاره لإقامة الصلاة وهى الإمامة الصغرى وقد يكون ذلك إيذانا له بالإمامه الكبرى كما جرى على ألسنة بعض الصحابة «اختاره لامر ديننا أفلا نختاره لأمر دنيانا» وعلى ذلك لا نجد فى هذا أن يكون على أولى بغيره من الخلافة.

وأما الدليل الثانى وهو أنه قاله فى معرض توضيح السبب فى تركه وعدم الذهاب معه فى غزوة تبوك فهو بيان محبته له ولصحبته، ردا على الإشاعة الكاذبة التى أشاعها المنافقون والمرجفون وهو أنه تركه استثقالا لصحبته، فكان لا بد أن يظهر محبته ومنزلته عنده، وهى اخوته له، كما أن هارون أخو موسى، ولذلك ازدياد فى القول بما يؤكد هذا المعنى، إذ قال عليه الصلاة والسلام: غير أنه لا نبوة بعدى. وإن عليا كان أخا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى المؤاخاة التى عقدها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد بينا ذلك، وذكرنا صحة الخبر ورددنا على ابن القيم فى موضعه.

وكونه أخاه وأبو بكر صديقه أبلغ ما تكون الصداقة فلا دليل فى هذا أيضا على أنه أحق بالخلافة وفوق ذلك أن الخلافة تحتاج إلى الشورى إذ يقول الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ.

فإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد ذكر أخوة على، وصداقة أبى بكر، وتقديره لعمر، فليس فى ذلك إلزام، مادام أساس الأمر شورى المسلمين.

وأما الدليل الثالث، وهو حديث غدير خم الذى يقول:«من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فقد بينا المناسبة التى قيل فيها هذا الحديث، وهو رد الإشاعة الكاذبة، ورد المنافقين أو من عندهم شبهة النفاق، وبيان أنه لا يصح لمؤمن أن يبغض عليا، لأنه إذا كان قد قتل كثيرا فهو فى سبيل الله، وبأمر من الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمن يبغضه لذلك إنما يريد أن يحط من قدر الجهاد والمجاهدين، وإذا كانت النفس لا تحب من يكون سببا فى إزهاق نفس حبيب فالإيمان يوجب ألا يظهر ذلك فى قول أو عمل، وفوق ذلك فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوافقه فى أحكامه التى حكم بها.

ص: 1047