الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن مكانك ثم أتى حتى جلس إلى جانبه، قيل للأعمش الراوى عن عائشة: فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأبو بكر يصلى بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبى بكر فأومأ برأسه. نعم.
وقد استمر أبو بكر طول مدة مرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصلى بالناس، حتى توفى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وانتهى إلى الرفيق الأعلى، تاركا وراءه ذلك الميراث الإنسانى الخالد، وهو شريعة الله تعالى التى بلغها، وعلم الناس بها ما بين مشرق ومغرب فى الجزيرة العربية، ثم ترامى أمرها إلى ما وراءها.
وقد انقطع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى مرضه ثلاثة أيام لم يخرج إلى الناس فيها، وكان يصلى بهم أبو بكر كما ذكرنا، وقد كانت آخر صلاة صلى مع الناس صلاة الظهر، قبل الثلاث.
وروى البخارى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه، وكان ملازما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن أبا بكر كان يصلى بهم فى وجع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذى توفى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف فى الصلاة، فكشف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا، وتبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤيا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خارج للصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، وتوفى من يومه.
هكذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قائما على تبليغ رسالة ربه، حتى آخر جزء من حياته، فهو إذ يحتضر ينظر إلى مقدار استجابة الناس لدعوته إلى ربه، حتى إذا اطمأن تبسم ضاحكا، ثم أسلم نفسه لله تعالى، الذى قبضه إليه، ففاضت روحه الطاهرة، وانتقل إلى الرفيق الرحيم، انتقل إلى الملأ الأعلى.
لكل أجل كتاب:
722-
استبشر المسلمون خيرا عندما أزاح عليه الصلاة والسلام الستر لينظر إليهم وهم يصلون وقد تبسم ضاحكا، فظنوا البرء والسلامة، وقد فرحوا، حتى كادوا يخرجون من الصلاة فرحا، ولم يظنوا أنها الوداع الأخير، ورؤية البلاغ الكامل الذى اعتقد أنه قد أتم تبليغ الرسالة.
كان ذلك فى يوم الاثنين إذ كانت هذه الرؤية المودعة، الأجل المكتوب، وكان أبو بكر الصديق الأمين قد اطمأن بهذه النظرة، فذهب إلى السنح حيث يقيم، ولكن ما لبث إلا قليلا، حتى نعى الناعى
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء لتكتحل عيناه برؤية الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذى كان ملء السماء والأرض وكان مسجى فى فراشه، ولنترك الخبر الأليم كما وصفته أم المؤمنين عائشة حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لنترك لها البيان:
بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على منكبى، إذ مال رأسه نحو رأسى فظننت أنه يريد من رأسى حاجة فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت فاقشعر لها جلدى فظننت أنه غشى عليه، فسجيته ثوبا فجاء عمر، والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما، وجذبت إلى الحجاب. فقال عمر واغشياه ما أشد غشى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة لقد مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عمر: كذبت، بل أنت رجل تحوطك فتنة، إن رسول الله لا يموت حتى يفنى المنافقين، فكأن عمر رضى الله تعالى عنه كبر أن يموت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما يموت الناس، وقد دفعه إلى ذلك فرط محبته، وجاء أبو بكر الصديق، فنظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون. مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم أتاه وقبل رأسه وقبل جبينه، وقال واصفياه، ثم قبل جبهته، وقال: واخليلاه، مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
خرج عمر رضى الله عنه إلى المسجد يخطب فى الناس، ويقول: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يموت حتى يفنى المنافقين. عندئذ تقدم أبو بكر ثم قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران) فمن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ومن كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات.
وروى أن أبا بكر عندما قبل جبهة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: فداك أبى وأمى ما أطيبك حيا وميتا.
وروى أن عمر رضى الله عنه توعد بالقطع أو القتل من يقول إن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد مات.
وروى أن خطبة أبى بكر كانت أطول مما ذكرنا، ويروى أنه رضى الله عنه، حنى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقبله وبكي، وكل هذه أخبار ثقات، يجمع بينها، ولا تنافر فيها، فكل حفظ ما سمع، وشهد بما رأى، والناس جميعا كانوا فى فزع وجزع.