المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأماكن التى نزلها، والأدعية التى ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم - خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم - جـ ٣

[محمد أبو زهرة]

فهرس الكتاب

- ‌ الجزء الثالث

- ‌رسائله صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌إلى خيبر

- ‌القائد حامل الراية:

- ‌الصلح والغنائم

- ‌خيانة وجزاؤها:

- ‌الأرض والنخيل:

- ‌فدك

- ‌حوادث ذات مغزى في خيبر

- ‌منها أمر الأسود الراعى:

- ‌ومنها قصة أعرابى يجاهد ويرد المغنم:

- ‌مؤمن يتحايل لماله بمكة المكرمة:

- ‌زواج النبي صلي الله تعالي عليه وسلم بأم المؤمنين صفية

- ‌غدر وسماحة

- ‌قدوم جعفر بن أبى طالب ومن معه من المهاجرين

- ‌وادى القرى

- ‌صلح تيماء

- ‌إجلاء عمر لليهود

- ‌الأحكام الشرعية التى تقررت في خيبر

- ‌إباحة المزارعة والمساقاة:

- ‌تحريم أكل لحم الحمر الإنسية:

- ‌تحريم سباع البهائم:

- ‌تحريم وطء الحبالى من السبايا وغيرهن:

- ‌قسمة الغنائم ومالا تقسم منها ووقتها:

- ‌الأمانة واجبة مع الأعداء:

- ‌النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تفوته الصلاة:

- ‌تحريم المتعة في خيبر

- ‌حقيقة المتعة:

- ‌وتختص بالأحكام الآتية:

- ‌نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن المتعة:

- ‌تحريم ربا البيوع

- ‌الحكمة فى تحريم البيوع فيها إلا بالمثل:

- ‌علة القياس فى الأموال الربوية:

- ‌تنبيهات:

- ‌شرعية الجزية

- ‌صحيفة مكذوبة:

- ‌الجزية التى كان يأخذها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:

- ‌وخلاصة عقد الذمة أنه تضمن:

- ‌سرايا بعد خيبر

- ‌سرية أبى بكر الصديق إلى فزارة

- ‌سرية عمر بن الخطاب

- ‌سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير اليهودى

- ‌سرية بشير بن سعد إلى بنى مرة من فدك

- ‌سرية أبي حدود

- ‌عمرة القضاء

- ‌عمرة القضاء فى القرآن الكريم

- ‌حكم شرعى فى عمرة القضاء

- ‌سرية ابن أبى العوجاء السلمى

- ‌إسلام خالد بن الوليد

- ‌إسلام عمرو بن العاص

- ‌سرايا للتعرف في البلاد

- ‌إلي بني قضاعة

- ‌غزوة مؤتة

- ‌نتيجة الغزوة

- ‌سرية ذات السلاسل

- ‌سرية أبي عبيدة

- ‌سرية أبي قتادة

- ‌انتشار الإسلام فى البلاد العربية

- ‌بعث الرسائل إلى الملوك

- ‌كتابه إلى هرقل وأثره

- ‌كتابه إلي كسري ملك الفرس

- ‌كتابه إلى النجاشى

- ‌كتاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم إلى المقوقس

- ‌كتابه إلى المنذر بن ساوى

- ‌الكتاب إلى ملك عمان

- ‌كتابه عليه الصلاة والسلام إلى صاحب اليمامة

- ‌الذمى

- ‌الفتح المبين

- ‌نقض قريش لصلح الحديبية:

- ‌ذل الغدر

- ‌الاستعداد للفتح

- ‌خروج الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌قريش تتحسس الأخبار

- ‌اللقاء

- ‌دخول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة:

- ‌إسلام أبى قحافة:

- ‌قتال فى جوانب من مكة المكرمة:

- ‌دخول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الحرام:

- ‌العفو الكريم الشامل:

- ‌الأمان العام:

- ‌الأنصار يتوهمون أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعود إلى مكة المكرمة

- ‌حرمة مكة المكرمة

- ‌محطم الأوثان

- ‌بعثة خالد بن الوليد إلى جذيمة

- ‌مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة

- ‌أحكام فقهية شرعت فى الفتح

- ‌مكة المكرمة وما يحرم فيها:

- ‌دية شبه العمد

- ‌الميراث بين المسلم والكافر

- ‌الولد للفراش

- ‌قطع اليد

- ‌المتعة وتحريمها

- ‌المبايعة على الإسلام

- ‌نفقة الزوجة

- ‌حكم الهجرة بعد الفتح

- ‌ملكية أرض مكة المكرمة

- ‌سب النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌غزوة هوازن

- ‌ابتداء المعركة:

- ‌الانهزام ثم الانتصار:

- ‌الانتهاء بالهزيمة الساحقة:

- ‌ أوطاس

- ‌ثمرات المعركة

- ‌موجدة الأنصار

- ‌الشفاعة في الغنائم بعد توزيعها

- ‌أحكام شرعية في غزوة حنين

- ‌العارية المضمونة:

- ‌عطاء المؤلفة قلوبهم من غنيمة هوازن

- ‌تبادل الرقيق بالحيوان

- ‌غزوة الطائف

- ‌عود إلي غنائم هوازن

- ‌عمرة الجعرانة

- ‌قدوم كعب بن زهير

- ‌السرايا بعد هوازن

- ‌سرية الضحاك بن سفيان:

- ‌سرية قطبة بن عامر:

- ‌سرية علقمة بن محرز:

- ‌سرية على بن أبى طالب لهدم صنم طيئ:

- ‌غزوة تبوك

- ‌الحال عند الغزو:

- ‌المسير

- ‌وصول رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم إلى تبوك وخطبته

- ‌نتائج تبوك

- ‌كتاب قيصر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌مصالحته عليه الصلاة والسلام ملك أيلة:

- ‌سرية خالد إلى أكيدر دومة

- ‌عودة المسلمين من تبوك

- ‌القائد يرعى جنده حيا وميتا:

- ‌عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌مسجد الضرار

- ‌الثلاثة الذين خلفوا

- ‌العبرة والتربية:

- ‌سبعة ربطوا أنفسهم بأعمدة المسجد

- ‌الوفود

- ‌وفد مزينة

- ‌وفد بنى تميم

- ‌وفد ثقيف

- ‌وفد بني عامر

- ‌وفد عبد القيس

- ‌وفد بنى حنيفة

- ‌وفد طيىء

- ‌وفد كندة

- ‌وفد الأشعريين وأهل اليمن

- ‌غدا نلقى الأحبة…محمدا وصحبه

- ‌وفد الأزد

- ‌وفد بني الحارث بن كعب

- ‌وفد همذان

- ‌قدوم وفد دوس

- ‌قدوم رسول ملوك حمير

- ‌671- كتاب آخر لليمن:

- ‌وفد نجران

- ‌ما يدل عليه أمر هذا الوفد

- ‌الإذعان والإيمان:

- ‌قدوم وفد بنى سعد بن بكر

- ‌وفد تجيب

- ‌وفد بنى سعد من قضاعة

- ‌وفد فزارة

- ‌وفد بهراء

- ‌قدوم وفد عذرة

- ‌وفد بلى

- ‌وفد ذى مرة

- ‌وفد خولان

- ‌وفد محارب

- ‌وفد صداء

- ‌قدوم وفد سلامان

- ‌وفد غامد

- ‌وفد الأزد

- ‌قدوم وائل بن حجر

- ‌وفد النخع

- ‌المغزى فى هذه الوفود

- ‌بعث معاذ بن جبل

- ‌بعث علي رضى الله عنه

- ‌وننبه هنا إلى أمور ثلاثة يوجب الحق التنبيه إليها:

- ‌أولها:

- ‌ثانيها:

- ‌ثالثها:

- ‌تولية على قضاء اليمن:

- ‌بعث الصديق ليكون أمير الحج

- ‌تنبيهان لا بد منهما:

- ‌697- التنبيه الأول:

- ‌التنبيه الثاني:

- ‌سورة براءة

- ‌ما اشتملت عليه سورة براءة:

- ‌غزوة تبوك فى سورة براءة:

- ‌لمز المنافقين فى الصدقات وغيرها:

- ‌جهاد النفاق والكفر:

- ‌أعذار النفاق:

- ‌ما بين الإيمان والضعف والنفاق:

- ‌بعض ما في سورة براءة من حكم وعبر

- ‌انتشار الدعوة الإسلامية

- ‌الحديبية:

- ‌حجة الوداع

- ‌الخروج لحجة البلاغ، وما قام به من مناسك:

- ‌الأماكن التى نزلها، والأدعية التى ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌دعاؤه صلى الله تعالى عليه وسلم فى عرفة:

- ‌العودة إلى المدينة المنورة

- ‌الوداع بعد التمام

- ‌بعث أسامة بن زيد

- ‌بعث اسامة إلى أرض فلسطين:

- ‌الوداع

- ‌أولها:

- ‌الأمر الثانى:

- ‌الأمر الثالث:

- ‌توديعه لابنته:

- ‌إنك ميت وإنهم ميتون

- ‌صلاة أبى بكر:

- ‌لكل أجل كتاب:

- ‌غسل الجثمان الطاهر ودفنه:

- ‌تركة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌زوجات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

- ‌زواجه عليه الصلاة والسلام ببقية نسائه:

- ‌العبرة

- ‌أما بعد

- ‌فهرس المحتويات

- ‌المجلد الأول

- ‌المجلد الثانى

- ‌المجلد الثالث

الفصل: ‌الأماكن التى نزلها، والأدعية التى ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

‌الأماكن التى نزلها، والأدعية التى ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

712-

نهض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وسار فى الطريق إلي مكة المكرمة بعد إهلاله من ذي الحليفة بالعمرة والحج، أي قارنا وسار في طريقه حتي نزل بذي طوي وصلي بها الصبح.

ثم اغتسل، من يومه، ونهض إلى مكة المكرمة فدخلها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون، ثم سار حتي دخل المسجد الحرام واستقبل الكعبة الشريفة، وقال:«اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما ومهابة» .

ويروي أنه كان عند رؤيته البيت الحرام يقول هذا الدعاء: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة» .

ولقد طاف، ولما حاذي الحجر الأسود استلمه، ثم أخذ عن يمينه، وجعل البيت عن يساره، ولما فرغ من طوافه، جاء خلف المقام، وقال «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» وصلي ركعتين، والمقام بينه وبين البيت. فلما فرغ من صلاته، أقبل إلي الحجر الأسود فاستلمه مرة أخرى.

ثم اتجه إلي الصفا من الباب الذي يقابله، وقرأ قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (البقرة) .

بعد السعي، استمر صلى الله تعالى عليه وسلم ممسكا بإحرامه، فلم يتحلل، وفعل مثل من أفرد بالحج، أما من تمتع بالعمرة إلي الحج، وكان مهلا بالعمرة فقط فإنه تحلل، واستمر متحللا، حتى نوي الحج من بعد ذلك.

استمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على إحرامه، حتي تحلل يوم النحر، والذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي، وقد أهلوا بالعمرة تحللوا بعد طوافها حتي إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أهلوا بالحج، وصاروا فى إحرام، حتى تحللوا يوم النحر.

ثم اتجه صلى الله تعالى عليه وسلم إلي مني، ومعه من صحبه من المسلمين، ومنهم من كان يلبي، ومنهم من كان يكبر، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم ينه أحدا.

وقد صلي عليه الصلاة والسلام بالمسلمين في مني صلاة الظهر والعصر وجمع بينهما جمع تقديم في وقت الظهر، وقد سار من بعد ذلك إلي عرفة.

ص: 1076

ويقول ابن القيم: ضربت له قبة بنمرة، وهي فى شرقي عرفات فنزل بها حتي إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ثم سار حتي أتى بطن الوادي، فخطب الناس وهو علي راحلته خطبة عظيمة قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات التى اتفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرا، وذكر الحق الذي لهن وعليهن، وأن الواجب لهن الرزق والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك بتقدير، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكره أزواجهن، وأوصي الأمة فيها بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه، واستنطقهم بماذا يقولون، وبماذا يشهدون، فقالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت، ونصحت، فرفع أصبعه إلي السماء، أن يبلغ شاهدهم غائبهم.

ذكر ابن القيم خلاصة الخطبة التي كانت بعرفة، ولم يذكر نصها، ولا ندري لماذا لم يذكر النص، وقد ذكر النص ابن إسحاق في السيرة، فقد قال:

«مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على حجته، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التى بين فيها ما بين.

فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال:

أيها الناس اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا فى هذا الموقف أبدا.

أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله تعالى أنه لا ربا، وإن ربا عمى العباس بن عبد المطلب موضوع كله.

وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضعه دم ابن عمى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا فى بنى ليث فقتله هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.

أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

ص: 1077

أيها الناس، إنما النسيء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان.

أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يوطئن «1» فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن استعصمتم به، فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.

أيها الناس اسمعوا قولى واعقلوه تعلمن أن المسلم أخو المسلم، وإن المسلمين إخوة، فلا يحل لامريء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. اللهم هل بلغت.

ويقول ابن إسحاق: «ذكر لى أن الناس قالوا: اللهم نعم.. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم اشهد» .

وهنا ننبه إلى أمرين آخرين يتعلقان بالخطبة.

أولهما: أن الجمع كان حاشدا، والخلق كانوا مزدحمين ازدحاما لم يكن له مثيل من قبل، فقد جاء الناس من كل فج من الجزيرة العربية ليسعدوا بصحبة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فى حجته.

ولذلك لم يكن من الممكن أن يسمع الناس جميعا صوت النبى صلى الله عليه وسلم، وهو يتكلم، فكان بجواره صارخ يصرخ للناس بما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق:

كان الرجل الذى يصرخ فى الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ربيعة بن أمية بن خلف يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل يا أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى شهر هذا فيقولون الشهر الحرام..» .

(1) معناها يدخلن بيوتكم من لا تريدون دخولهم.

ص: 1078

وهكذا كان ذلك الصارخ ينطق بما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ليسمع القاصى والدانى، والقريب والبعيد من حضرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

ثانيهما: إنه روى عن بعض الثقات زيادة عما روينا من الخطبة الجامعة وزيادة الثقة مقبولة ومن الزيادات التى رويت قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:

أيها الناس، إن الله قد أدى لكل ذى حق حقه، وإنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، فمن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.

713-

بعد أن وقف بعرفات وألقى خطبته الجامعة، لما غربت الشمس، واستحكم غروبها، كما قال ابن القيم، بحيث ذهبت الصفرة- اتجه إلى المزدلفة فأفاض من عرفة إليها، وأردف إليه على ناقته أسامة بن زيد، وهو يقول:«أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع «1» ، ثم جعل يسير العنق وكان فى مسيره هذا لا ينقطع عن التلبية كلما علا، أو انحدر» .

وقد صلى المغرب والعشاء فى وقت العشاء فجمع بينهما جمع تأخير، بأذان واحد، وإقامتين.

ثم سار من بعد ذلك إلى منى بعد أن نام، ولما اتجه إلى منى أمر من معه ألا يرموا الجمار إلا بعد طلوع الشمس.

وقد رمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الجمار ثم نحر، ثم تحلل من الإحرام، وقد كان معه بدن كثيرة، نحر بيده منها ثلاثا وستين فى النحر بمنى، ثم نحر على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه الباقى، وأمره أن يتصدق بلحومها وجلودها فى المساكين.

وقد ذكر ابن القيم أنه خطب فى منى خطبة عظيمة بليغة، وكل كلامه عليه الصلاة والسلام بليغ، وقال ابن القيم فى هذه الخطبة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر، وفضله عند الله تعالى، وحرمة مكة المكرمة على جميع البلاد وأمر بالسمع والطاعة، لمن قادهم بكتاب الله تعالى، وأمر الناس أن يأخذوا مناسكهم عنه، وقال: لعلى لا أحج بعد عامى هذا، وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمرهم بالتبليغ عنه وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع، وقال فى خطبته: لا يجنى جان إلا على نفسه، وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها، والناس حولهم، وفتح الله تعالى أسماع الناس حتى سمعها أهل منى فى منازلهم.

(1) أى ليس بالإسراع، وهو المسير بين الإسراع والإبطاء.

ص: 1079

وقال فى خطبته قلت: «اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» وودع حينئذ الناس.

ويفهم من كلام ابن القيم هذا أن خطبة الوداع ليست التى ألقيت فى عرفات، إنما خطبة الوداع هى هذه لأنها متأخره عن الأولى، والوداع للأخيرة، ولأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر فيها الوداع والذى أراه أن الحجة كانت حجة الوداع، فكل ما فيها من كلام يتضمن معنى الوداع.

وبعد أن نحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حلق وفعل أصحابه ما فعل، اتجه إلى البيت الحرام، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، وهو الركن من الحج.

وشرب من زمزم، ثم عاد إلى منى، وبعد الزوال رمى الجمار، فابتدأ بالأولى التى تلى مسجد الخيف ثم الوسطى، ثم العقبة.

وتكرر ذلك فى أيام التشريق، الثلاثة التى تلى يوم النحر.

وقد خطب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم خطبة ثانية فى منى، وهى ثالثة الخطب باحتساب خطبة عرفة، ويقول ابن القيم فى هذه الخطبة:

خطب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الناس بمنى خطبتين، خطبة يوم النحر، وقد تقدمت، والخطبة الثانية فى أواسط أيام التشريق قبل ثانى يوم النحر، قال فيها:«وهل تدرون أى شهر هذا، قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا الشهر الحرام، ثم قال إنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد هذا، ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت» .

ويروى أنه نزلت بعرفة آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.

ويروى أنه نزلت بمنى سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.

لقد انتهى حج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى الحجة الأولى والأخيرة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يحج قبلها فى مكة المكرمة لما كان يحوط الكعبة الشريفة من أوثان، وما كان يفعله أهل الجاهلية من ذلك، ويلاحظ أن حج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان قرانا كما ذكرنا، ولم يلزم الناس، ولم يذكر للناس أنه أفضل من غيره، وإن كان أفضل لأن النبى صلى الله تعالى

ص: 1080