المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌9 - كتاب النكاح - الإفهام في شرح عمدة الأحكام

[ابن باز]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المحقق

- ‌وكان عملي على النحو الآتي:

- ‌نبذة عن حياة مؤلف العمدة: الإمام عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي

- ‌أولاً: نسبه، ومولده، ونشأته، ومكانته العلمية:

- ‌ثانياً: عبادته وتضرعه، وأوقاته:

- ‌ثالثاً: شيوخه:

- ‌رابعاً: تلامذته:

- ‌خامساً: أقوال العلماء فيه:

- ‌سادساً: أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:

- ‌سابعاً: جوده وكرمه:

- ‌ثامناً: تصانيفه:

- ‌تاسعاً: وفاته:

- ‌نبذة عن حياة الشارح الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌أولاً: ما قال سماحته عن نفسه

- ‌ثانياً: أوصافه الخَلْقية

- ‌ثالثاً: صفاته الخُلُقية:

- ‌رابعاً: دروسه العلمية في مدينة الرياض

- ‌خامساً: زوجات سماحة الشيخ:

- ‌سادساً: أولاده:

- ‌ثامناً: الجنازة وأصداء الوفاة

- ‌تاسعاً: مشاهد نادرة من جنازة الشيخ

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌1 - كتاب الطهارة

- ‌1 - بابُ دخولِ الخلاءِ والاستطابةِ

- ‌2 - بابُ السواكِ

- ‌3 - بابُ المسحِ على الخفينِ

- ‌4 - بابٌ في المذيِ وغيرِهِ

- ‌5 - بابُ الغسل من الجنابةِ

- ‌6 - باب التَّيَمُّمِ

- ‌7 - بابُ الحيضِ

- ‌2 - كتاب الصلاة

- ‌8 - بابُ المواقيتِ

- ‌9 - باب فضلِ صلاة الجماعة ووجوبها

- ‌10 - بابُ الأَذانِ

- ‌11 - باب استقبالِ القبلة

- ‌12 - بابُ الصُّفوفِ

- ‌13 - بابُ الإِمامةِ

- ‌14 - بابُ صفةِ صلاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌15 - باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌16 - باب القراءة في الصلاة

- ‌17 - بابُ تركِ الجَهرِ ببسمِ اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيمِ

- ‌18 - بابُ سجودِ السَّهو

- ‌19 - بابُ المرورِ بينَ يديِ المصلي

- ‌20 - بابٌ جامعٌ

- ‌21 - بابُ التَّشهدِ

- ‌24 - باب الجمع بين الصلاتين في السفر

- ‌25 - باب قصر الصلاة في السفر

- ‌26 - باب الجمعة

- ‌27 - باب العيدين

- ‌28 - باب صلاة الكسوف

- ‌29 - باب صلاة الاستسقاء

- ‌30 - باب صلاة الخوف

- ‌31 - باب الجنائز

- ‌3 - كتاب الزكاة

- ‌32 - باب صدقة الفطر

- ‌4 - كتاب الصِّيَامِ

- ‌33 - باب الصوم في السفر وغيره

- ‌34 - باب أفضل الصيام وغيره

- ‌35 - باب ليلة القَدر

- ‌36 - باب الاعتكاف

- ‌5 - كتاب الحَجِّ

- ‌37 - باب المواقيت

- ‌38 - باب ما يلبس المُحرِم من الثياب

- ‌39 - باب الفدية

- ‌40 - باب حُرمة مكة

- ‌41 - باب ما يجوز قتله

- ‌42 - باب دخول مكة وغيره

- ‌43 - باب التمتُّع

- ‌44 - باب الهدي

- ‌45 - باب الغسل للمحرم

- ‌46 - باب فسخ الحج إِلى العمرة

- ‌47 - باب المحرم يأكل من صيد الحلال

- ‌6 - كتاب البيوع

- ‌48 - باب ما يُنهى عنه من البيوع

- ‌49 - باب العرايا وغير ذلك

- ‌50 - باب السَّلَم

- ‌51 - باب الشروط في البيع

- ‌52 - باب الربا والصَّرف

- ‌53 - باب الرهن وغيره

- ‌54 - بابُ اللُّقَطة

- ‌7 - كتاب الوصَايا

- ‌8 - كتاب الفرائض

- ‌9 - كتاب النكاح

- ‌55 - باب الصداق

- ‌10 - كتاب الطلاق

- ‌56 - باب العِدَّة

- ‌11 - كتاب اللعان

- ‌12 - كتاب الرضَاع

- ‌13 - كتاب القِصَاص

- ‌14 - [كتاب الحدُود

- ‌57 - باب حدِّ السرقة

- ‌58 - باب حدِّ الخمر

- ‌15 - كتاب الأيمان والنذور

- ‌59 - باب النذر

- ‌60 - باب الْقَضاء

- ‌16 - كتاب الأطعمة

- ‌61 - باب الصيد

- ‌62 - باب الأضاحي

- ‌17 - كتاب الأشربة

- ‌18 - كتاب اِللِّبَاس

- ‌19 - كتاب الجِهاد

- ‌20 - كتاب العتق

- ‌63 - باب بيع المدبَّر

- ‌الفهارس العامة

- ‌1 - فهرس الآيات القرآنية

- ‌2 - فهرس الأحاديث النبوية والآثار

- ‌3 - فهرس الألفاظ الغريبة

- ‌4 - فهرس الأشعار

- ‌5 - فهرس مصادر ومراجع التحقيق

الفصل: ‌9 - كتاب النكاح

‌9 - كتاب النكاح

307 -

عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: قال (1) رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ. فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (2).

86 -

قال الشارح رحمه الله

هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام: أحدهما: حديث عائشة من جهة من جهات بريرة.

والثاني حديث ابن مسعود في الحث على الزواج.

أما حديث عائشة في قصة بريرة، فهو حديث عظيم له شأن، وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها: أن فيه ثلاث سنن، يعني أن من جملة فوائده ثلاث سنن، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها فوائد، وكلها من نعم اللَّه العظيمة على العباد، لما فيها من التوجيه، والتشريع، فقصة بريرة فيها سنن كثيرة، منها الثلاث التي ذكرت عائشة.

(1) في نسخة الزهيري: «قال لنا» .

(2)

رواه البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، برقم 1905، وكتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، برقم 5065، ولفظ الحديث من مجموع ألفاظ الحديثين، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم 1400، واللفظ له.

ص: 602

إحداها: أنها خُيِّرت على زوجها لمّا عتقت، فدل ذلك على أن الجارية المملوكة إذا عتقت وهي تحت زوج مملوك يكون لها الخيار، إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت اختارت نفسها، وبانت منه بينونةً صغرى؛ لأنها ملكت نفسها. وكان زوجها عبداً أسود رقيقاً، فدل ذلك على أن الحكم هو هكذا، إذا عتقت جارية تحت زوج رقيق، فإنها بالخيار إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت اختارت نفسها، وقد كان زوجها يحبها كثيراً، ويُسمَّى مغيثاً، وكان يبكي عليها كثيراً، لأنها عافته، وامتنعت منه، فجاءها النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في قبولها زوجها وعدم فراقه، فقالت: يا رسول اللَّه تأمرني؟ قال: «لا، ولكن أشفع» . قالت: لا حاجة لي فيه (1).

هذه من الفوائد أيضاً: أن الشفاعة ما تلزم، ولو كانت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها غير الأمر، فإذا شفع عليه الصلاة والسلام إلى إنسان ليسقط ديناً عن فلان، أو يسقط بعضه، أو يسقط القصاص، أو ما أشبه ذلك، فالمشفوع إليه إن شاء فعل، وإن شاء ترك: ما يلزمه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قالت بريرة: «تأمرني أم تشفع؟» ، قال:«بل أشفع» ، فقالت:«لا حاجة لي فيه» ، ولم يلمها، ولم يُنكر عليها عدم قبول الشفاعة.

ص: 603

ومن الفوائد: أن بريرة أُهدي إليها لحم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الصدقة، وهكذا بنو هاشم، لا يقبلون الصدقة، فدعا بطعام، فأُتي بخبز وأُدم من البيت، فقال:«ألم أر البرمة على النار، فيها لحم؟!» قالوا: بلى، ولكنه تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال عليه الصلاة والسلام:«هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية» ، هذا يدل على أن الصدقة، إذا وصلت للفقير بلغت محلها، فإذا دفعها إلى من تحرم عليه الصدقة، جاز له الأكل؛ لأنها ليست صدقة عليه، هدية من الفقير، الفقير يهديها إذا بلغت محلها، وتأدّى الواجب بها، فإذا أهدى الفقير منها إلى غني، أو دعا الأغنياء، وأكلوا من طعامه، وإن كان من الصدقة لا حرج عليهم؛ لأن الصدقة بلغت محلَّها، فإذا أولم الفقير وليمة، ودعا إليها جيرانه وأقاربه من الأغنياء، وغيرهم، فلا بأس أن يأكلوا منها، وإن كانت صدقة عليه؛ لأنها بلغت محلها، فهي لهم هدية، ليست صدقة عليهم؛ لأنه ليس هو المزكي، المزكي غيره، وإنما هو فقير أخذها، وبلغت محِلَّها.

الفائدة الثالثة أو السُّنة الثالثة: أنها اشترت نفسها من أهلها بأقساط، كل سنة أُوقية في تسع سنين، كل سنة أوقية تساوي ثلاثمائة وستين درهماً، الأوقية أربعون درهماً، فجاءت إلى عائشة تطلب العون، أي تسديد الثمن، فقالت عائشة:«إن شاء أهلك عددت لهم الدراهم وأعتقتك» . فقالت لهم قالوا: لا بأس، إن كان الولاء لنا يعني ولاءها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا، الولاء لمن أعتق» ، قال: «اشتريها

ص: 604

واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق» (1).

وثبت بهذا أن الولاء يكون كالعصوبة تكون لمن أعتق، فإذا أعتق إنسان إنساناً، فالولاء للمعتق، يرثه، ويكون له الولاء، والعصب؛ لأنه المعتق، ولو كان الولاء لغير المعتق بطل الشرط، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (2).

وفيه من الفوائد: جواز البيع بالتقسيط؛ لأنها اشترت نفسها بالتقسيط ثلاثمائة وستون درهماً كل سنة تعطيهم أربعين درهماً (3)، فدل ذلك على أن التقسيط جائز، لو باع الإنسان بيتاً، أو أرضاً، أو سيارةً بأقساط معلومة، إلى آجال معلومة، فلا بأس بذلك، لصحة بيع بريرة بأقساط لآجال معلومة، إذا كان المبيع في ملك البائع وحوزته، إذا كان في ملك، وحوزة البائع، فلا بأس بأقساط، أو بثمن معجَّل، أما إذا كان ليس في حوزته ليس له البيع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تبع ما ليس عندك» (4) ، «لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس

(1) البخاري، برقم 2168،ومسلم، برقم 1504، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 277.

(2)

رواه البخاري، برقم 2168، ومسلم، برقم 1504، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 277.

(3)

تقدم كلام الشيخ رحمه الله: أن بريرة اشترت نفسها من أهلها بثلاثمائة وستين درهماً، كل سنة تدفع أربعين درهماً على تسع سنين. انظر: البخاري، برقم 2168، ومسلم، برقم 1504، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 277.

(4)

أخرجه أحمد، 24/ 26، برقم 15311، والنسائي، برقم 4613، وابن ماجه، برقم 2187، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم 275.

ص: 605

عندك» (1)، الإنسان لا يبيع شيئاً عند الناس، أما إذا ملكه، أو حازه بالشراء، ثم باعه بعد ذلك، فلا بأس.

وفي حديث ابن مسعود: دلالة على تأكيد الشباب التعجيل على الزواج، وأنه ما ينبغي التأخير لمن قدر، بل يجب البدار بالزواج، لما فيه من العفة للفرج، وغض البصر، وتكثير النسل، يقول صلى الله عليه وسلم:«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» الباءة أي مؤنة الباءة، يعني مؤونة الزواج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، يعني النكاح فيه غض للبصر، وإحصان للفرج، فيه إعانة على ذلك، ومن لم يستطع يعني المؤنة، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.

الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الواجب البدار بالزواج على الشباب إذا قدروا، فإن عجزوا، شُرع لهم الصوم، واتخاذ أسباب السلامة، فالصوم يضيِّق مجاري الدم، ومجاري الشيطان، فيضعف سلطان الشهوة، ولكن متى استطاع الزواج فليبادر، ولو بالاستدانة والقرض، ونحو ذلك، فاللَّه جل وعلا يعينه للحديث الصحيح:«ثلاثة حق على اللَّه عونهم» ، منهم:«المتزوج يريد العفاف» (2)، وذكر الشباب

(1) أخرجه أحمد، 24/ 26، برقم 15311، والنسائي، برقم 4613، وابن ماجه، برقم 2187، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم 275.

(2)

أخرجه الإمام أحمد، 15/ 397، برقم 9631، والنسائي، كتاب الجهاد، فضل الروحة في سبيل اللَّه عز وجل، برقم 3120، وابن ماجه، كتاب العتق، باب المكاتب، برقم 2518، والترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد، والناكح، والمكاتب، وعون اللَّه إياهم، ولفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفَافَ» ، وقال الترمذي:«هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ» ، وقوَّى إسناده محققو المسند، 15/ 15/ 397، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 192.

ص: 606

ليس قيداً، ولكنه تعبير بالأغلب، يعني أن الأغلب، أن الشباب يكونون أقوى من الشيبان في حاجة الزواج، وإلا فلو كان كبيراً، ويحتاج إلى الزواج يبادر، ليس له أن يترك الزواج، ولو أنه كبير إذا كان فيه شهوة ويقدر، فالواجب أن يبادر ويتزوج، ولا يترك الزواج؛ لما فيه من إحصان الفرج، وغض البصر، ومصالح كثيرة، لكن عبّر بالشباب، نظراً لأن الأغلب أن الحاجة لهم أكثر.

308 -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، «أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ (1) فَحَمِدَ اللَّهَ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ:«مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا (2)؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (3).

309 -

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى

(1)«فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك» : ليست في نسخة الزهيري.

(2)

«وكذا» : ليست في نسخة الزهيري، وهي في صحيح مسلم، برقم 5 - (1401).

(3)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح لقوله تعالى:{فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء: 3]، برقم 5063، بمعناه، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم 5 - (1401)، واللفظ له.

ص: 607

عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا» (1).

«التبتل» ترك النكاح، ومنه قيل لمريم: البَتُول (2).

87 -

قال الشارح رحمه الله

هذان الحديثان الشريفان عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيهما الدلالة على أنه لا يجوز للمؤمن أن ينقطع للعبادة، ويدع ما شرع اللَّه له، أو يتنطَّع، فيزيد في دين اللَّه ما لم يشرعه اللَّه، بل عليه أن يلزم الشرع، وأن يقف عند حدوده، فلا يبتدع، ولا يجفو، ولكن بين ذلك، فشرع اللَّه وسط بين الطرفين، وحقٌّ بين باطلين، فلا جفاء ولا إفراط وغلو، ولكن بين ذلك.

وفي حديث أنس أن جماعةً من الصحابة سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، يعني عمله في البيت، فلما أخبرنهم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم تقالّوا ذلك، وقالوا: أين نحن من رسول اللَّه، قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، كما في الرواية الأخرى: ونحن على خطر؛ فلهذا قال بعضهم: «أما أنا، فلا أتزوج النساء» ، يعني أتفرغ للعبادة وأنقطع للعبادة، وقال الآخر: «أما أنا فلا آكل اللحم، وقال

(1) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، برقم 5073، و5074، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم 1402.

(2)

» التبتل

إلى البتول» ليس في نسخة الزهيري.

ص: 608

الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش» (1)، وفي رواية أخرى: قال آخر: «أما أنا، فأصلي، ولا أنام، وآخر قال: أما أنا، فأصوم، ولا أفطر» (2)،

يعني أرادوا التكلف في العبادة، وإتعاب أنفسهم بما لم يشرعه اللَّه، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خطب عليه الصلاة والسلام الناس، كعادته في التنبيه على الأمور المهمة في الخطبة عليه الصلاة والسلام، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال:«ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟!» ، وهذه عادته أيضاً، لا يُسمي الناس، يقول: ما بال أقوام؟ ولا يُعيِّن فلاناً وفلاناً؛ لأن ذلك أستر لهم، ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ يعني قال بعضهم كذا، وقال بعضهم كذا، ذكر أقوالهم، قال بعضهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، والآخر: قال: أنا أصوم ولا أفطر، وقال آخر: لا آكل اللحم، وقال آخر: لا أتزوج النساء

» إلى آخره، ثم قال:«لكني أُصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء» ، وفي الرواية الأخرى:«وآكل اللحم، وأنام على الفراش، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ، بيّن لهم صلى الله عليه وسلم أن من رغب عن السنة، وشدّد على نفسه، وألزمها بما لم يلزمها اللَّه وتنطّع (3)[أنه ليس منه](4).

(1) أخرجه البخاري، برقم 5063، ومسلم، برقم 1401وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 308.

(2)

أخرجه البخاري، برقم 5063، ومسلم برقم 1401، وأخرجه أحمد أيضاً في المسند،

21 -

/ 169، برقم 13534 وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 308.

(3)

آخر الوجه الأول من الشريط الرابع عشر.

(4)

ما بين المعقوفين سقط من التسجيل، فأبدلته بهذه الجملة:«أنه ليس منه» ؛ ليتضح المعنى.

ص: 609

وفي حديث سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم (1) ردَّ على عثمان بن مظعون التبتل لما أراد عثمان أن يتبتل في العبادة وينقطع ردَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر عليه ذلك، قال سعد:«ولو أذن له لاختصينا» ، لو أذن له في التبتل والانقطاع عن الزوجات، وعن كل أحد لاختصينا، حتى نسلم من شر الشهوة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أنكر ذلك، وأخبر أنه يأتي النساء، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فدل ذلك على وجوب التقيد بالشرع، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتنطع، ويزيد في دين اللَّه ما لم يأذن به اللَّه، وقد ذم اللَّه قوماً فعلوا ذلك فقال:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} (2)، وقال عليه الصلاة والسلام:«من رغب عن سنتي فليس مني» ، وقال:«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (3)، وقال:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (4)، وقال:«شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (5).

(1) أول الوجه الثاني من الشريط الرابع عشر.

(2)

سورة الشورى، الآية:21.

(3)

رواه البخاري، برقم 2697، ومسلم، برقم 1718، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 1.

(4)

رواه البخاري، قبل الحديث رقم 2142، ومسلم، برقم 1718، وتقدم تخريجه تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 1.

(5)

سنن ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل، برقم 46، وصحيح ابن خزيمة،

3 -

/ 143، وصحيح ابن حبان، 1/ 186، برقم 10، والطبراني، 9/ 96، برقم 8518، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 1/ 161، وفي إرواء الغليل، برقم 608، و611.

ص: 610

فليس للناس أن يحدثوا في الدين ما لم يأذن به اللَّه، ولا يكون للَّه متعبداً بهذا يتنطع، أو لا ينام على الأرض أو على التراب، أو لا يتزوج النساء، أو يصوم دائماً ولا يفطر، أو يصلي الليل كله ولا ينام، كل هذا تنطع لا يجوز وتكلف، واللَّه يقول للرسل وهم أفضل الناس:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} (1)، ويقول لأهل الإيمان:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (2) ، والنبي هو سيد المتوكلين، وسيد الزاهدين، وسيد أهل التقوى، ينام على سرير، وينام على الفراش، ويأكل اللحم، ويتزوج النساء، وعنده تسع (3)، عليه الصلاة والسلام، ويصوم ويُفطر، ويقوم بعض الليل وينام، فالخير كله في اتباعه عليه الصلاة والسلام، وفي السير على منهاجه، أما الزيادة على ذلك والتنطع والتكلف وتعذيب النفس هذا لا يجوز، كذلك الجفاء، الإنسان يجفو، ويتساهل، ويرتكب المعاصي، هذا أيضاً لا يجوز، ولكن الوسط الوسط الوسط، كما قال تعالى:{كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (4)، يعني عدلاً خياراً، لا جفاةً متساهلين، ولا متنطعين متكلفين مبتدعين، ولكن الوسط هو لزوم الحق، الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام قولاً وعملاً.

(1) سورة المؤمنون، الآية:51.

(2)

سورة البقرة، الآية:172.

(3)

أي عنده تسع نساء.

(4)

سورة البقرة، الآية:143.

ص: 611

310 -

عن أم حبيبة بنت أبي سفيان بأنها قالت: يا رسول اللَّه، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، فقَالَ:«أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْليَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ: أُخْتِي، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«إنَّ ذَلِكِ لا يَحِلُّ لِي» قَالَتْ: فإنَّا نُحَدَّثُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ:«بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟!» قُلْت: نَعَمْ، فقَالَ (1):«إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلِيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلا أَخَوَاتِكُنَّ» (2).

«قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ، كان أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال (3): مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ (4) أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْراً، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ مِنْ هَذِهِ (5) بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ» (6).

«الحِيبةُ» بكسر الحاء المهملة: الحال (7).

(1) في نسخة الزهيري: «قال» ، ولفظ المتن:«فقال» للبخاري، برقم 5101.

(2)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب قوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]، وباب قوله تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، برقم 5101، واللفظ له، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، برقم 1449.

(3)

في نسخة الزهيري: «قال له» ، وهذا لفظ البخاري، برقم 5101.

(4)

في نسخة الزهيري: «قال له» ، وهو لفظ المتن للبخاري، برقم 5101.

(5)

في نسخة الزهيري: «في هذه» ، وهو لفظ البخاري، برقم 5101.

(6)

رواه البخاري، برقم 5101، بلفظه، وبنحوه مسلم، برقم 1449، وتقدم في التخريج قبله.

(7)

في نسخة الزهيري: «الحيبة: الحالة بكسر الحاء» .

ص: 612

311 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لا يَجْمَع الرَّجُلُ (1) بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (2).

312 -

عن عُقْبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (3).

88 -

قال الشارح رحمه الله

هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالنكاح.

الحديث الأول: حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها، أنها قالت: يا رسول اللَّه انكح أختي ابنة أبي سفيان، فقال لها عليه الصلاة والسلام:«أو تحبين ذلك؟» يعني استغرب النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المرأة في الغالب ما ترضى أن يكون لها جارة، فأجابت بقولها: لست لك بمُخْليَة، أي لست لك بمتروكة، لا بد من جارات،

(1)«الرجل» : ليست في نسخة الزهيري، وبنى الجملة للمجهول:«لا يُجمع بين» ، وهذا هو لفظ البخاري، برقم 5109، وهو لفظ مسلم أيضاً، برقم 1408.

(2)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، برقم 5109، بلفظه، ومسلم، كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، برقم 1408، بلفظه أيضاً.

(3)

رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في المهر عند عقد النكاح، برقم 2721، بلفظ:«أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» ، وكتاب النكاح، باب الشروط في النكاح، برقم 5151، بنحوه، ومسلم، كتاب النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح، برقم 1418، بلفظ:«إن أحق الشروط أن يُوفى به ما استحللتم به الفروج» .

ص: 613

وإذا كان لا بد من جارات، فأحب من شاركني في خير أختي ــ معناه: لو كنت أسلم من الجارات ما أحببت أن تنكح أختي، لكن إذا كان لا بد من جارات، فأختي أولى من غيرها، وهذا يدل على عقلها وفضلها، ولهذا قالت:«وأحبُّ من شاركني في خيرٍ أختي» ؛ لأن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الخير لها، قال لها رسول اللَّه:«إن ذلكِ» ، يخاطب المرأة بكسر الكاف «إنّ ذلكِ لا يحلُّ لي» يعني جمعه بين المرأة وأختها لا يحل له، لأن اللَّه قال:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} (1)، فلا يحل للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح، ولا بين المرأة وعمتها، كما في الحديث الثاني، ولا بين المرأة وخالتها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم «نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها» ، والحكمة من ذلك، واللَّه أعلم، كما قال جمع من أهل العلم: إنه وسيلة للقطيعة؛ لأن من عادة النساء فيما بينهن بغض الجارة، فإذا كانت أختها ضرةً لها، أو عمتها، وخالتها يسبب القطيعة، فمن رحمة اللَّه أن حرم نكاح المرأة على أختها، أو عمتها، أو خالتها.

أما بنت العم، فلا بأس، وبنت الخال؛ لأنها قرابة بعيدة، فلا بأس أن يجمع بين المرأتين من بنات العم، أو بنات الخال، أو بنات الخالة، لا حرج في ذلك.

قالت: فإنا نُحدّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، ابن عبد الأسد، قال:«بنت أم سلمة؟» قالت: قلت نعم. قال

(1) سورة النساء، الآية:23.

ص: 614

- عليه الصلاة والسلام: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» ، واللَّه حرم بنت الأخ من الرضاعة، كما حرم بنت الأخ من النسب في المحرمات التي ذكرها اللَّه سبحانه في النساء: بنات الأخ، والنبي؛ قال:«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1)، فدل ذلك على أن بنت الأخ من الرضاع حرام، كما أن بنت الأخ من النسب كذلك. «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة لأبي لهب» ، دل على أنها محرمة من جهتين: محرمة من جهة أنها ابنة أخيه من الرضاع، ومحرمة من جهة أنها بنت أم سلمة ربيبته، وقد دخل بأمها، واللَّه يقول:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} (2)،

فصارت بنت أم سلمة محرمة من جهتين: من جهة أنها بنت زوجته، ومن جهة أنها بنت أخيه من الرضاعة؛ ولهذا قال:«فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن» تعرضن خطاب للنساء بناتكن يعني بنت الزوجة المدخول بها ما تصلح «ولا أخواتكن» ، لكن فرق بينهما، بنت الزوجة محرمة إلى الأبد، إذا دخل بأمها تحريماً أبدياً، أما تحريم الأخت، فهو تحريم أمدي له أمد، فإذا فارق أختها، أو ماتت أختها حلت أختها، فتحريم الأخت والعمة والخالة ليس مؤبداً، بل مؤمَّداً له أمد محدود، وهو موت الزوجة، إذا ماتت الزوجة أو طلقت، وانتهت عدتها، حلّت

(1) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، برقم 2645، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاع، برقم 1447.

(2)

سورة النساء، الآية: 23 ..

ص: 615

أختها وعمتها وخالتها، وقوله في حديث أبي هريرة:«إنه نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها» هذا يعمّ النسب والرضاع، عمتها وخالتها من الرضاع، ومن النسب، وكذلك المرأة وخالتها من النسب، ومن الرضاع، لا يجوز الجمع بينهما بالنص من السنة، أما الجمع بين الأخوات، فهذا محرم بالإجماع، وبالنص من القرآن، أما الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فهذا محرم بالنص من السنة، وبإجماع أهل العلم، فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، لا من النسب، ولا من الرضاع.

الحديث الثالث: حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» متفق على صحته (1)، وهذا حديث عظيم يدل على أن الشروط التي تقع في عقود النكاح من أولى الشروط بالوفاء، بل هي أحق الشروط؛ لأنه يتعلق بها استباحة الفروج، فهي أعظم من شروط البيع، وشروط الإجارة ونحوها، ولهذا قال:«إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» ، يدخل فيها شروط الزوجة، وشروط الأمة التي يجوز لها (2)

التسرِّي بها، الشروط فيها مهمة، فدلّ ذلك على أنه إذا شُرِطَ على الرجل لحل الزوجة شرطاً يجب أن يهتم بذلك، فإذا تزوجها على أنه

(1) رواه البخاري، برقم 5151، ومسلم، برقم 1418، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 312.

(2)

أي: التي يجوز التسري بها ..

ص: 616

يعطيها مثلاً عشرة آلاف ريال، فالواجب عليه الوفاء؛ لأنه ما استحل فرجها إلا بهذا، إذا تزوجها على أن يسكنها في بيت مستقل، فيوفي لها بالشرط، إذا تزوجها على أن ينقلها إلى بلد آخر، اتفق على أنه ينقلها إلى مكة إلى المدينة إلى الرياض شرط لم ترض إلا بهذا، فليوفِ لها بالشرط إلا أن تسمح، تزوجها على أنه لا يتزوج عليها غيرها، كونها تبقى معه من دون جارة، يوفي لها بالشرط، فإذا أحب أن يتزوج جارة شاورها، إن سمحت وإلا فلا يتزوج، فإن تزوج فلها الخيار؛ لأنه مشروط عليه إذا تزوج فلها الخيار، إن شاءت بقيت، وإن شاءت فارقها؛ لأن المسلمين على شروطهم، وهكذا إذا اشترطت شروطاً جائزة شروطاً شرعية، فإن لها شرطها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:«أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» ، وهو لم يستحل فرجها إلا بهذه الشروط التي رضيت بها، والواجب عليه أن يأتي بها إلا إذا سمحت عن شيء، فالحق لها، إذا أسقطت حقها من الشروط بأن شرطت عليه أن يعطيها عشرة آلاف، وسمحت عن خمسة، أو سمحت عن الجميع، أو شرطت أنه ينقلها إلى مكة، أو المدينة، أو الرياض، أو الخرج، أو الحوطة [

] (1) بهذا ينقلها، فإذا سمحت سقط الشرط، وهكذا لو شَرطت عليه بيتاً، إنه ينقلها عن أهله [ويجعلها](2) في بيت، قد لايرون

(1) ما بين المعقوفين جملة غير واضحة، ولا يؤثر سقوطها على المعنى.

(2)

ما بين المعقوفين أصله في كلام الشيخ رحمه الله: «ويحطَّها» .

ص: 617

أن يجعلها عند أهله لا بد من بيت مستقل [اشترطوا ذلك](1)، ثم سمحت قالت: لا بأس أن أسكن عند أهلك أو عند أهلي، يسقط الشرط إذا سمحت له؛ لأن هذا حق لها فإذا أسقطته سقط.

313 -

عن ابن عمر رضي الله عنهما، «أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ نِكَاحِ (2) الشِّغَارِ» ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ (3) ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صدَاقٌ (4).

314 -

عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ» (5).

315 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ

(1) ما بين المعقوفين جملة غير واضحة، والأظهر أنها:«اشترطوا ذلك» .

(2)

«نكاح» : ليست في نسخة الزهيري.

(3)

«الآخر» : ليست في نسخة الزهيري.

(4)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الشغار، برقم 5112، بلفظه، إلا كلمة:«نكاح» ، فلم أجدها في روايات البخاري، ولا مسلم، وكتاب الحيل، باب الحيلة في النكاح، برقم 6960، بلفظ:«حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنِ الشِّغَارِ» قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ قَالَ: «يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ، وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ» ، ومسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه، برقم 1415، وانظر تفسير الشغار في: فتح الباري، لابن حجر، 9/ 162.

(5)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب نهْي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخراً، برقم 5115، وأخرجه متفرقاً في مواضع، برقم 4216، و5115، و5523، و6961، ومسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، برقم 30 - (1407)، واللفظ له.

ص: 618

حَتَّى تُسْتَامَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَاذَن». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ (1) إذْنُهَا؟ قَالَ:«أَنْ تَسْكُتَ» (2).

89 -

قال الشارح رحمه الله

هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بأحكام النكاح.

في الحديث الأول: الدلالة على تحريم نكاح الشغار؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عنه، وجاء في هذا عدة أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها دالة على تحريم نكاح الشغار، حديث ابن عمر، وحديث جابر، وحديث أبي هريرة وغيرها، ومنها «لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ» (3)، والشغار (4) هو أن يشترط كل واحد من الوليين نكاح الثانية هذا يقول: أزوجك على أن تزوجني أو تزوج ابني أختك، أو بنتك، والآخر كذلك، يتفقان على هذه المشارطة، قيل: سمي شغاراً؛ لأنه

(1) في نسخة الزهيري: «كيف» بدون واو، والواو في لفظ البخاري، برقم 5136، ومسلم، برقم 1419.

(2)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما، برقم 5136، واللفظ له، ومسلم، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، برقم 1419.

(3)

مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه، برقم 60 - (1415).

(4)

الشغار: نِكاحٌ معروفٌ في الجاهلية، كان يقول الرجُل للرَّجُل: شاغِرْني: أي زَوِّجْني أخْتَك، أو بْنتَك، أو مَن تَلِي أمْرَها، حتى أزوِّجَك أخْتي، أو بِنْتِي، أو مَن ألي أمْرَها، ولا يكونُ بينهما مهر، ويكون بُضْعُ كل واحدةٍ منهما في مُقابَلة بضْع الأخرَى، وقيل له شِغار لارْتفاعِ المَهْر بينهما، من شَغَر الكَلْبُ: إذا رفَع إحدى رِجْليه ليَبُولَ، وقيل الشّغر: البُعْد، وقيل: الاتِّسَاعُ. النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 482، مادة شغر.

ص: 619

في الغالب يخلو من المهر، يقال: شغرت البلد إذا خلت من أهلها، شغر المكان إذا خلا من الساكن فيه.

وقيل: إنه يشبه عمل الكلب إذا شغر برجله ليبول، كأنه يقول: لا ترفع رجلها حتى أرفع رجل موليتك؛ أو لأنه إذا شغر برجله خلا مكانها.

فالحاصل أن الشغار هو كون كل واحد يشرط على الآخر نكاح الأخرى، يتزوجها على اشتراط كونه يزوجه موليَّته الأخرى، فهذا يقول: أنا أزوجك بنتي على أن تزوجني ابنتك، أو تزوج ابني أو أخي، والآخر يقول كذلك: أزوج بنتي على كذا وكذا، فيشارطان، ونهي عن هذا؛ لأنه وسيلة إلى ظلم النساء، وجبرهن على النكاح؛ ولأنه عقد في عقد، فأشبه بيعتين في بيعة؛ ولأنه في الغالب يكون تزويجاً بغير مهر، فكأنه زوج المرأة بالمرأة دون مهر، واللَّه يقول:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} (1)، فسد الشارع الذريعة لذلك، فهو محرم لعدة علل، ولعدة حِكم، سواء سُمّي فيه مهر، أو لم يُسمَّ فيه مهر، هذا هو الصواب.

وأما قول الراوي: والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق، فهذا من كلام بعض الرواة، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام نافع الراوي عن ابن عمر، وقيل من كلام مالك رحمه الله، والخلاصة أنه ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: أن الرسول: «نَهَى

(1) سورة النساء، الآية:24.

ص: 620

عَنِ الشِّغَارِ، قال: وَالشِّغَارُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي» (1).

فظاهره أنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أن يقول كل واحد هذا الكلام: زوجني أختك، وأزوجك أختي، أو بنتك وأزوجك بنتي، أو زوج ابني، أو أخي.

وفي حديث معاوية رضي الله عنه أنه كتبوا إليه أهل المدينة عن رجل تزوج امرأة على أن يزوجه الآخر امرأة أخرى، وقد سميا صداقاً فكتب معاوية إلى أمير المدينة، فرق بينهما، وقال: هذا هو الشغار الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم (2)، مع أنهما قد سميا مهراً، وبهذا يُعلم أن نكاح الشغار محرم مطلقاً، ولو سُمِّي فيه مهر، ما دامت المشارطة أو التواطؤ قد حصل.

والحديث الثاني: حديث علي رضي الله عنه في النهي عن نكاح المتعة،

(1) مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه، برقم 1416.

(2)

أخرج الإمام أحمد، 28/ 70، برقم 16865: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ، وَقَدْ كَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - وَهُوَ خَلِيفَةٌ - إِلَى مَرْوَانَ يَامُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ:«هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» ، ودليل من قال بجوازه إذا سُمّي المهر ما رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب في الشغار، برقم 2075،: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الشِّغَارِ. زَادَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ قُلْتُ لِنَافِعٍ مَا الشِّغَارُ قَالَ: يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ»، وما رواه البيهقي في السنن الكبرى،

7 -

/ 200، برقم 14520،:«عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَنْكِحَ هَذِهِ بِهَذِهِ، بِغَيْرِ صَدَاقٍ، بُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ» . وحسنه محققو المسند، 28/ 70، والألباني في صحيح أبي داود،6/ 315.

ص: 621

وعن لحوم الحمر الأهلية، هذا الحديث الصحيح يدل على تحريم نكاح المتعة، وعلى تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم الحمر الأهلية هي التي الآن موجودة، التي يقال لها: الإنسية، التي يستعملها الناس في الركوب وفي السَّني (1) عليها، وغير ذلك، احترازاً من الحمر الوحشية؛ لأن الحمر الوحشية صيد، لها صفة، ولها لون غير صفة ولون الحمر الأهلية، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور لما ذبحها الناس يوم خيبر، أمر بإكفاء القدور، وقال:«إنها رجس» (2)، وقد أجمع العلماء على تحريمها، إلا خلافاً شاذاً لا يُعوُّل عليه في ذلك.

وأما نكاح المتعة، فهو أن يقول: زوجني فلانة لمدة كذا، أو يتفق معها على الزواج لمدة معينة، أو بالعقد عليها شهراً أو شهرين، وهو النكاح المؤقت شهراً، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، يقال له: نكاح المتعة يستمتع بها، ثم يدعها، والعادة في هذا عند الجاهلية دون أن يحتاج إلى طلاق، ولا غيره؛ لأنه مدة معينة، إذا انتهت انتهى النكاح، وهو باطل عند أهل العلم؛ لأن النكاح الشرعي يكون عن رغبة، وعن قصد البقاء معها إذا ناسبته أبداً، ليس المقصود أن يستمتع بها مدة معينة؛ فلهذا نهى اللَّه عن نكاح المتعة [على لسان](3)

(1) السَّواني: جمع سَانية وهي النَّاقةُ التي يُسْتَقَى عليها، ومنه حديث البعير الذي شَكاَ إليه صلى الله عليه وسلم فقال أهلهُ: إنَّا كُنَّا نُسْنُو عليه، أي نَسْتَقِي. النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 415، مادة (سني).

(2)

أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الأهلية برقم 5528، ومسلم، كتاب الصيد، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية، برقم 1940، عن أنس رضي الله عنه.

(3)

ما بين المعقوفين: جملة غير واضحة، والأظهر أنها:«على لسان» ، أو «عند» ، وقد تكون على يد، وقد تكون عن، ولا يتغير المعنى.

ص: 622

رسوله عليه الصلاة والسلام، فإذا اتفقا على أن يبقى معها شهراً، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، أو أقل، أو أكثر، ثم ينتهي النكاح، فهذا هو نكاح المتعة الممنوع.

والحديث الثالث: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول اللَّه كيف إذنها قال: «أن تسكت» . فهذا يدل على أنه يجب استئذان المرأة في نكاحها، وأن لا تجبر إن كانت أيماً، وهي التي قد تزوجت وطلقت، أو مات عنها زوجها، لابد من تصريحها بالإذن، أي تقول: نعم أوافق على هذا الشيء، أما إن كانت بكراً لم تتزوج، فيكفي السكوت، إن تكلمت فلا بأس، وإن سكتت كفى السكوت، إذا قال لها وليها: أزوجك فلاناً، وشرح لها الواقع، وسكتت كفى، ولو كان أبوها ليس له تزويجها إلا بإذنها حتى ولو كان الأب لقوله صلى الله عليه وسلم:«البكر يستأذنها أبوها وإذنها سكوتها» (1)، إلا إذا كانت أقل من تسع، صغيرة، أقل من تسع سنين، ورأى وليها أن يزوجها؛ لأنه صالح، للمصلحة لها، لا لقصد الطمع، إذا رأى أنه يزوجها وهي صغيرة لقصد المصلحة؛ لكون الزوج صالحاً مختاراً طيباً، يرغب أن تكون عنده، فزوجها وهي صغيرة، فلا بأس، إذا كان أبوها خاصة، الأب خاصة، كما زوج الصديق

(1) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، برقم 68 - (1421) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَاذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .

ص: 623

- رضي الله عنه عائشة من النبي صلى الله عليه وسلم، وهي دون التسع، بنت ست سنين، أو سبع سنين للمصلحة العظيمة للبنت، فإذا كانت صغيرة دون التسع، فلا بأس أن يزوجها أبوها خاصة بالشخص الذي يرضاه لها ديناً وخلقاً، لا للطمع.

316 -

عن عائشة (1) رضي الله عنها قالت: «جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى:«يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إلَى (2) هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟» (3).

317 -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ، إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً، ثُمَّ (4) قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ (5)، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً، ثُمَّ قَسَمَ» .

(1) سقطت هذه الأحاديث الثلاثة من قراءة القارئ فقط، وأثبتها من أصولها.

(2)

«إلى» : ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم 2693، وبدون إلى في مسلم، برقم 1433.

(3)

رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب شهادة المختبي، برقم 2639، بلفظه، ومسلم، كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضي عدتها، برقم 1433.

(4)

في نسخة الزهيري: «وقسم» بدون ثم، والواو بدل «ثم» في البخاري، برقم 5214.

(5)

في نسخة الزهيري: «الثيب على البكر» ، وهي لفظ البخاري، برقم 5214.

ص: 624

قال أبو قِلابة: «وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إنَّ أَنَساً رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» (1).

318 -

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ (2) ــ إذَا أَرَادَ أَنْ يَاتِيَ أَهْلَهُ ــ قَالَ: بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ: لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَداً» (3).

90 -

قال الشارح رحمه الله:

[الحديث الأول حديث عائشة رضي الله عنها فيه من الفوائد: أن](4) المرأة إذا طلقت طلاقاً بائناً بالثلاث، فإنها لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، ويدخل بها، يعني يطأها. لقوله تعالى: {فَإِنْ

(1) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب إذا تزوج البكر على الثيب، برقم 5213، وباب إذا تزوج الثيب على البكر، برقم 5214، ومسلم، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر، والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف برقم 1461.

(2)

في نسخة الزهيري: «أحدهم» ، وأحدكم» التي في المتن في البخاري، برقم 141، وأحدهم» في البخاري، برقم 6388.

(3)

رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع، برقم 141، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم 3271، و3283، وفي كتاب النكاح، باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله، برقم 5165، وكتاب الدعوات، باب ما يقول إذا أتى أهله، برقم 6388، واللفظ له، ومسلم، كتاب النكاح، باب التسمية على كل حال وعند الوقاع، برقم 1434.

(4)

في أول الشرح سقط يسير جداً، وأثبت ما بين المعقوفين حتى يتضح المعنى على منهج الشيخ في شرح الأحاديث.

ص: 625

طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (1)، يعني الثالثة؛ ولحديث عائشة هذا في قصة زوجة رفاعة القرظي، تزوجها فبت طلاقها، وفي رواية أخرى: أنه طلقها الطلقة الأخيرة الثالثة (2)، فجاءت للنبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه، فأخبرته أنها نكحت بعد رفاعة شخصاً يقال له عبدالرحمن بن الزَّبير بفتح الزاي، وليس عنده إلا مثل هدبة الثوب. أي ليس عنده إلا ذكر ضعيف، ما استطاع أن يجامعها، فلما سمع كلامها تبسم عليه الصلاة والسلام، وقال:«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (3) يعني حتى يجامعك الزوج الجديد. والعُسيلة كناية عن حلاوة الجماع، والمعنى أنها لا تحل للزوج الأول المطلق الطلقة الأخيرة الثالثة حتى يجامعها الزوج الثاني بنكاح صحيح، ثم يفارقها بالطلاق، وتنتهي من العدة.

وفيه من الفوائد: أنه لا بأس بالسؤال في مثل هذا، ولا حياء في هذا [تطالب تريد الحق](4)، ولا بأس أن تسأل وعند المفتي من يسمع من الرجال ليستفيد الجميع، فإنها استفتت والصديق حاضر يسمع، وخالد بن سعيد يسمع.

وفي الحديث الثاني من الفوائد: أن الرجل إذا تزوج بكراً على

(1) سورة البقرة، الآية:230.

(2)

انظر: البخاري، برقم 5260.

(3)

البخاري، 5260، ومسلم، برقم 1433، وتقدم تخريجه في حديث المتن رقم 316.

(4)

ما بين المعقوفين جملة غير واضحة، والأظهر أنها:«تطالب تريد الحق» ، أو «تطالب بحق» ، والمعنى لا يتغير.

ص: 626

ثيِّب قسم لها سبعاً، ثم دار على نسائه، وإذا تزوج ثيباً قسم ثلاثاً، ثم دار، فإذا كان عنده زوجة أو أكثر، ثم تزوج بكراً، فإنه يقسم لها سبعاً متوالية، ثم يذهب إلى الزوجة الثانية، ثم يدور بينهما، كل واحدة لها ليلتها، أما إن كانت الجديدة ثيباً، فإنه يقسم لها ثلاثاً، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أم سلمة عندما تزوجها، وهي ثيب، قسم لها ثلاثاً، ثم دار.

وفي الحديث الثالث: الدلالة على أن السنة عند الجماع التسمية، عندما يريد جماع زوجته يقول:«بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (1)، وأنه لو قدر بينهما ولد في ذلك الجماع الذي فيه التسمية لم يضره الشيطان أبداً، هذه فائدة عظيمة، وخيرٌ عظيم، فينبغي للزوج عند الجماع أن يقول هذا الكلام، عندما يريد الجماع يقول:«بسم اللَّه، اللَّهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» دعوات قليلة والفائدة عظيمة.

319 -

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:«إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ:«الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (2).

ولمسلمٍ عن أبي الطاهر، عن ابن وهب قالَ: «سَمِعْتُ اللَّيثَ يقولُ:

(1) البخاري، برقم 141، ومسلم، برقم 1434، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 318.

(2)

رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة، برقم 5232، واللفظ له، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، برقم 2172.

ص: 627