الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة الوتر
الوتر واجب عند أبي حنيفة رحمه الله
ــ
[البناية]
[باب صلاة الوتر]
[حكم صلاة الوتر]
م: (باب صلاة الوتر) ش: أي هذا باب في بيان أحكام صلاة الوتر، قال السراج: لما فرغ من بيان الفرائض ومتعلقاتها وكيفية أداءها، شرع في بيان صلاة هي دون الفرض وفوق النفل، وهي صلاة الوتر، وقدمه على النوافل؛ لأن الواجب فوقها، وهو دون الفرض، فذكره بينهما؛ لأن حقه أن يكون بين الفرض والنفل، ولم يتعرض أحد لبيان وجه المناسبة بينه وبين جميع ما تقدم من الأبواب والفصول.
قلت: لما كان المذكور في الباب الذي قبله بيان الفساد الواقع في الصلاة ذكر هذا الباب عقيبه؛ لما فيه من نوع من ذلك صريحا وغير صريح، أما صريحا: ففي المسألة التي فيها اقتداء الحنفي بالشافعي، وأما في غير الصريح: ففي صلاة الرجل الفجر مع تذكره أنه لم يصل الوتر، وهذا المقدار كاف لوجه المناسبة.
م: (الوتر) ش: الفرد واحدا كان أو أكثر، وهو بفتح الواو، وعند أهل الحجاز وبكسرها الذحل والحقد، ولغة أهل العالية على العكس، وتميم بكسر الواو فيها، وقال النووي: الفتح والكسر لغتان فيه، والوتر م:(واجب عند أبي حنيفة) ش: وفي " المحيط " عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات:
أحدها: أنه واجب وهو آخر أقواله، [قلت] : هو الصحيح، وقال قاضي خان: هو الأصح.
والثاني: أنه فرض، وهو قول زفر، وأبو بكر بن العربي في " العارضة "، مال سحنون والأصبغ من المالكية إلى وجوبه يريده به الفرض.
وفي " المغني ": عن أحمد من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل شهادته، وقد حكى عن أبي بكر أن الوتر واجب أي فرض.
وحكى ابن بطال في " شرح البخاري " عن ابن مسعود وحذيفة والنخعي أنه واجب على أهل القرآن دون غيرهم، والمراد بالوجوب الفرض.
واختار الشيخ علم الدين السخاوي المقرئ النحوي أنه فرض وصف فيه جزاء، وساق فيه الأحاديث التي دلت على فرضيتها، ثم قال: فلا يرتاب ذوقهم بعد هذا أنها ألحقت بالصلوات الخمس في المحافظة عليها.
وقالا: سنة لظهور آثار السنن فيه حيث لا يكفر جاحده ولا يؤذن له.
ــ
[البناية]
وقال صاحب " المنظومة ": والوتر فرض ونوى بذكره في فجره فساد فرض فجره، وقال شراحها: يعني فرض عملا، واجب اعتقادا، سنة سببا.
وفي " شرح المجمع ": الوتر فرض في حق العمل عند أبي حنيفة، وواجب في حق الاعتقاد، وسنة باعتبار السبب؛ لظهور آثار السنن فيه، وبين عدم إكفار جاحده وعدم الأذان فيه.
فإن قلت: هذه الآثار موجودة في صلاة العيد مع أنها واجبة.
قلت: مجرد عدم الإكفار لا يدل على عدم الوجوب بل يدل المجموع وهو أن لا يكفر ولا يؤذن، ولا نسلم كون صلاة العيد واجبة، وقول البخاري لا نسلم أنه لا إذن لها، فإن قولهم في صلاة العيد: يرحمك الله الصلاة أذان وإعلام غير سديد ولا موجه؛ لأن المراد من الأذان المصطلح وليس فيها كذلك.
والرواية الثالثة: عن أبي حنيفة أنه سنة مؤكدة وهي قول الأكثر من العلماء، وقال صاحب " الدراية ": ثم فيه ليس في الظاهر رواية منصوصة عنده، لكن روى حماد بن يزيد عن أبي حنيفة أنه فرض، وبه أخذ زفر.
وروى يوسف بن خالد التميمي أنه عن أبي حنيفة واجب وهو الظاهر من مذهبه، وروى نوح بن مريم وقيل أسد بن عمر أنه سنة وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد، وفي " الحقائق " فيها ثلاث روايات ولا اختلاف في الحقيقة بين الروايات، والصحيح أنه واجب.
وقال أبو بكر الأعمش: اتفقوا مع اختلافهم فيه: أنه أدون درجة من الفرض، ولا يكفر جاحده، وتجب القراءة في الركعة الثالثة، ويجب قضاؤها بالترك عامدا أو ناسيا، ولا يجوز بدون نية الوتر، ولو كان سنة لكفته نيته في الصلاة، فإن كانوا مصرين قاتلهم بالسلاح.
م: (وقالا: سنة) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: الوتر سنة م: (لظهور آثار السنن فيه) ش: أي في الوتر وبين ذلك بقوله م: (حيث لا يكفر جاحده) ش: بسكون الكاف من الإكفار أي لا ينسب إلى الكفر إذا قال الوتر ليس بفرض.
م: (ولا يؤذن له) ش: أي للوتر، يعني لا أذان فيه وقد مر الكلام فيه آنفا، ولم يذكر المصنف لها دليلا من الآثار، ودليلها ما رواه أبو داود والنسائي من «حديث عبد الله بن محيريز " عن رجل من بني كنانة يقال له المخدجي قال: كان رجل بالشام يقال له أبو محمد قال: الوتر واجب، قال: فرجعت إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه فقلت: إن أبا محمد يزعم أن الوتر واجب، قال: كذب أبو محمد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات كتبهن الله على عباده
…
» الحديث. والمخدجي بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الدال، وقيل بفتحها وبعدها جيم، قيل إن هذا لقب، وقيل نسبة إلى بطن من كنانة، واسمه رفيع الفلسطيني، وأبو محمد: أنصاري، اسمه مسعود بن زيد بن سبيع البخاري، وقيل: اسمه أوس وكان بدريا.
واحتجا أيضا بحديث الأعرابي «هل علي غيرهن؟ فقال: لا، إلا أن تتطوع» وهذا ينفي الفرض والوجوب، وبقوله عليه السلام:«ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع، الوتر والفجر وصلاة الضحى» ، رواه أحمد في " مسنده " والحاكم في " مستدركه " من حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: " ثلاث.. " الحديث، والذي وقع في كتب أصحابنا:«ثلاث كتب علي ولم تكتب عليكم وهي لكم سنة، الوتر، والضحى، والأضحى» .
واحتجا أيضا بفعله عليه السلام إياه على الراحلة، والفرض لا يؤدى على الراحلة من غير عذر.
والجواب عن حديث عبادة أنه عليه السلام أخبر عن فرضية خمس صلوات، وأبو حنيفة لا يقول بفرضية الوتر مثل فرضية الظهر مثلا، وإنما يقول بوجوبه، والفرق بين الواجب [والفرض ظاهر قطعا فلا يكون حينئذ حجة عليه، وقوله كذب أبو محمد أي أخطأ، وسماه كذبا؛ لأنه شبهة في كونه ضدا، وإنما قاله باجتهاده رآه إلى أن الوتر واجب] والاجتهاد لا يدخله الكذب وإنما يدخله الخطأ، وقد جاء كذب بمعنى أخطأ في غير موضع.
وعن حديث الأعرابي بأنه كان قبل وجوب الوتر، وفي قوله إن الله زادكم صلاة على ما يجيء، إشارة على أنه متأخر عن وجوب الصلوات الخمس، وهو نظير قَوْله تَعَالَى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145](الأنعام: الآية 145) ، وقد حرم الله تعالى بعد ذلك أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
وحديث جابر رضي الله عنه أخرجه مسلم وغيره، ويدل على تأخره أنه سأله عن الصلاة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
والزكاة والصيام وقال في آخره: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال عليه السلام: " أفلح إن صدق» ، ولم يذكر الحج، فدل على أنه كان قبل وجوب الحج، فكذا يجوز أن يكون سؤاله قبل أن يزاد على الخمس فلا يكون حجة.
وعن حديث ابن عباس رضي الله عنهما بأنه ضعيف، قال الذهبي: هو غريب منكر، وفي سنده الذي أخرجه الحاكم وأحمد وابن حبان والكلبي ضعفه النسائي والدارقطني، وفي سند آخر فيه جابر الجعفي وهو مختلف فيه، وكذا أخرجه البيهقي بسند فيه أبو حيان، وقال: هو ضعيف مدلس واسمه يحيى بن حية، وقال الثوري: إنما ذكرت هذا الحديث لما بين ضعفه والحذر من الاغترار به، وله طريق آخر عند ابن الجوزي في " العلل المتناهية " فيه وضاح بن يحيى ومندل وهما ضعيفان. وأخرج ابن الجوزي أيضا نحوه من حديث أنس وفيه عبد الله بن محيريز وهو ساقط.
وقال ابن حبان: كان يكذب، وأجاب أصحابنا عنه بأن الحسن يقول: بموجبه لأن الوتر ليس من المكتوبات بل من الواجبات، والواجب مختلف في ذاته وليس كل واجب مكتوب، ألا ترى أن صلاة العيدين واجبة وليست بمكتوبة وليس وجوبها كوجوب صلاة [......] والجمعة، وغسل الميت واجب وليس كغسل الجنابة، وصدقة الفطر واجبة وليست كالزكاة، وسجدتا السهو واجبتان وليستا كسجود الصلاة؛ لأن طريق الواجبات مختلفة بنص القرآن وبالمتواتر والمشهور وبالآحاد، والوتر ليس وجوبه بطريق الآحاد. وأجيب عن قوله: وهي لكم سنة بأن تحقيق الثلاث سنة لكم؛ لأن كلا منها سنة بانفرادها.
وأما احتجاجهما بفعله عليه السلام إياه على الراحلة، والفرائض لا تؤدى عليها، فغير مستقيم على أصلهما؛ لأنهما يريان الوتر فرضا على النبي عليه السلام، [ثم] الدعوى بجواز هذا الفرض دون سائر الفروض تحكم لا دليل عليه، فإن كانت شبهتهما حديث ابن عباس المذكور فقد بينا حاله، وقال القرافي في " الذخيرة " أن الوتر في السفر ليس بواجب عليه وفعله عليه السلام على الراحلة كان في السفر.
قلت: هذا الأصل له، وروى الطحاوي بإسناده «عن نافع ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن رسول الله عليه السلام كان يفعل ذلك» وكذا عن مجاهد أن ابن عمر كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه، وإذا كان السحر نزل فأوتر، ولعل ما روي عن ابن عمر ما يخالف ذلك كان قبل تأكده ووجوبه.
وقال ابن العربي: قال أبو حنيفة الوتر واجب ولا يلحق بالواجب بالقران فكذلك يفعل على الراحلة.
ولأبي حنيفة قوله عليه السلام: «إن الله زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» .
ــ
[البناية]
قلت: نقله هذا عن أبي حنيفة غلط وليس مذهبه كذلك، وفي " المحيط " لا يجوز أن يوتر قاعدا مع القدرة على القيام ولا على راحلته من غير عذر، أما عندهما وإن كان سنة فلأنه عليه السلام كان ينزل فيوتر على الأرض هذا الذي صح عندهما.
م: (ولأبي حنيفة قوله عليه السلام: «إن الله زادكم صلاة ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» ش: وروى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن خارجة رضي الله عنه أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجه عنه قال: «خرج علينا رسول الله عليه السلام فقال " إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر» . وقال الترمذي: غريب، وأخرجه الحاكم في " المستدرك " وقال: حديث صحيح الإسناد، ورواه أحمد في " مسنده " والدارقطني في " سننه " والطبراني في " معجمه ".
فإن قلت: رواه ابن عدي في " الكامل " ونقل عن البخاري أنه قال: لا نعرف سماع بعض هؤلاء من بعض يعني رواية، وأعله ابن الجوزي في " التحقيق " بابن إسحاق وبعبد الله بن راشد، ونقل عن الدارقطني أنه ضعفه.
قلت: قال صاحب " التنقيح " أما تضعيفه بابن إسحاق فليس بشيء فقد تابعه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به، وأما نقله عن الدارقطني أنه ضعف عبد الله بن راشد فغلط؛ لأن الدارقطني إنما ضعف عبد الله بن راشد البصري مولى عثمان بن عفان الراوي عن أبي سعيد الخدري، وأما عبد الله بن راشد هذا فهو مصري راوي عن خارجة، عده ابن حبان في الثقات، وخارجة هو ابن حذافة العدوي [والقريشي] الصحابي، سكن مصر له هذا الحديث.
قوله: حمر النعم بفتح النون والعين واحد الأنعام وهي الجمال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والحمر بضم الحاء وسكون الميم جمع أحمر، ولما كانت الإبل الحمراء أعز الأموال عند العرب ذكر ذلك عليه السلام.
وعن عمرو بن العاص وعقبة أخرج حديثهما إسحاق بن راهويه في " مسنده " عنهما عن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
رسول الله عليه السلام قال: «إن الله عز وجل زادكم صلاة وهي خير لكم من حمر النعم الوتر وهي لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر» ومن طريقه رواه الطبراني في " معجمه ".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أخرج حديث الدارقطني في " سننه "، والطبراني في " معجمه " عنه قال:«خرج النبي عليه السلام مستبشرا فقال: إن الله قد زادكم صلاة وهي الوتر» وفيه النضر أبو عمر الخزاز قال الدارقطني: ضعيف.
وعن أبي بصرة بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة الغفاري واسمه جميل أو (حميل) أخرج حديثه الحاكم في المستدرك من طريق ابن لهيعة حدثني عبد الله بن هبيرة أن أبا تميم الجيشاني وعبد الله بن مالك أخبره، أنه سمع عمرو بن العاص يقول: سمعت أبا نصر الغفاري رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: «إن الله تعالى زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح» . وسكت عنه الحاكم، وأعله الذهبي في " مختصره " بابن لهيعة، وله طريق آخر عند الطبراني في " معجمه " وأحمد في " مسنده " عن ابن المبارك.
أما سعيد بن يزيد عن أبي هبيرة عن أبي تميم الجيشاني به وبطريق آخر عند الطبراني عن الليث بن سعد عن جبير بن نعيم عن ابن هبيرة به. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أخرج حديثه الدارقطني في " غرائب مالك " عنه قال: «خرج رسول الله عليه السلام محمرا وجهه يجر رداءه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال يا أيها الناس إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم وهي الوتر» . وفيه حميد بن أبي الجون الإسكندراني، قال الدارقطني: ضعيف.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أخرج حديثه الطبراني في كتابه " مسند الشاميين "، وعنه قال: قال رسول الله عليه السلام: «إن الله تعالى زادكم صلاة، وهي الوتر» . وروي أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: «أمرنا رسول الله عليه السلام " فاجتمعنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن الله قد زادكم صلاة فأمرنا بالوتر» .
وجه الاستدلال بهذه الأحاديث أن في بعضها الأمر، والأمر للوجوب وهو معنى قول المصنف.
أمر وهو للوجوب،
ــ
[البناية]
م: (أمر) ش: أي النبي عليه السلام م: (وهو للوجوب) ش: أي أمر الشارع فيه يدل على وجوب الوتر، والذي فيه التصريح بالأمر حديث أبي بصرة وهو قوله فصلوها، وفي حديث عمرو ابن شعيب المذكور آنفا، ونظيره ما روي عن جابر أنه عليه السلام قال:«أيكم خاف أن لا يقوم في آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بالقيام من آخر الليل فليوتر في آخر الليل، فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل» ، رواه مسلم والترمذي وأحمد وابن ماجه.
وما روي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال: «اجعلوا آخر صلاتكم وترا» ، أخرجه البخاري ومسلم. وما روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: «الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق» ، [رواه أبو داود والحاكم في " المستدرك " وصححه] .
وقوله: حق أي واجب ثابت، والدليل عليه بقية الحديث؛ لأنها وعيد شديد، ولا يقال مثل هذا إلا في حق تارك فرض أو واجب ولاسيما وقد تأكد بالتكرار الكلام ثلاث مرات، ومثل هذا الكلام بهذه التأكيدات لم يأت في حق السنن، وبهذا [أسقط] ما قاله الخطابي من قوله، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أنه لم يرد بإلحاق الوجوب الذي لا يسعه غيره، منها: خبر عبادة ابن الصامت، لما بلغه أن أبا محمد رجلا من الأنصار يقول: الوتر حق، فقال: كذب أبو محمد، لقد روي عن النبي عليه السلام في عدد الصلوات الخمس.
ومنها: خبر طلحة بن عبد الله في سؤال الأعرابي، ومنها: خبر أنس بن مالك في فرض الصلوات ليلة الإسراء.
أما خبر عبادة فقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية عن قريب، وأيضا فإنما كذبه في قوله كوجوب الصلاة، ولم يقل أحد أن الوتر واجب كوجوب الصلاة.
وأما خبر طلحة فكان قبل وجوب الوتر بدليل أنه لم يذكر فيه الحج، وقد قررناه أيضا.
وأما حديث أنس رضي الله عنه فلا نزاع فيه أنه كان قبل الوجوب، وما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه السلام: «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه، يدل على أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبا لكان عاما، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاظ دون العوام.
قلت: أهل القرآن بحسب اللغة يتناول كل من معه شيء من القرآن ولو كان آية فيدخل فيه الحفاظ وغيرهم، على أن القرآن كان في زمنه عليه السلام مفرقا بين الصحابة رضي الله عنهم، ولهذا التأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدال على الوجوب، ولا سيما تأكيد الأمر بالتقرير لمحبة الله إياه بقوله فإن الله وتر يحب الوتر. وما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه السلام: «أوتروا قبل أن تصبحوا» ، رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وما روي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره» ، رواه أبو داود والترمذي، ووجوب القضاء فرع وجوب الأداء.
فإن قلت: قال الخطابي: قوله: أمدكم بصلاة يدل على أنها غير لازمة لهم، ولو كانت واجبة يخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام، فيقول ألزمكم أو فرض عليكم أو نحو ذلك من الكلام، قال: وقد روي أيضا: «إن الله قد زادكم صلاة» ومعناه الزيادة من النوافل، وذلك أن نوافل الصلاة شفع لا وتر فيها، فقد أمدكم بصلاة وزادكم صلاة لم تكونوا تصلونها قبل على تلك الصورة والهيئة وهي الوتر. قلت: لا نسلم أن قوله أمدكم بصلاة يدل على أنها غير لازمة، فلئن سلمنا فلا ينافي ذلك [دلالة] دليل آخر على الوجوب، وقد جاء فيما ذكرناه من الأحاديث ما يدل على الوجوب. وأما وجه الاستدلال بقوله إن الله زادكم من وجوه: الأول: أنه أضاف الزيادة إلى الله تعالى، والسنن إنما تضاف إلى رسول الله عليه السلام.
والثاني: أنه قال زادكم والزيادة إنما تتحقق في الواجبات لأنها محصورة بعدد لا [كما] في النوافل؛ لأنه لا نهاية لها.
والثالث: أن الزيادة في الشيء إنما تتحقق إذا كان من جنس المزيد عليه لا يقال زاد في ثمنه إذا وهب هبة مبتدأة، ولا يقال زاد على الهبة إذا باع، والمزيد عليه فرض فكذا الزائد، إلا أن الدليل غير قطعي فصار واجبا.
فإن قلت: السنن مقدرة أيضا فهذه كانت زائدة على السنن.
قلت: إضافته إلى الواجبات أولى للأخذ بالاحتياط، وأيضا لو اعتبرت زيادة على الفرائض يكون الأمر معمولا لا بحقيقته، ولأنه لا يمكن جعل الزيادة على السنن؛ لأنه لا نظير له في الشرع، إذ السنن توابع الفرائض، ولا جائز أن يكون تبعا للسنن؛ لأنه يؤدى في آخر الوتر وهو آخر الليل، والسنن ليست كذلك، وقيل أفضل وقت الوتر هو السحر، ويكره أداء العشاء فيه أشد الكراهة، ولو كان الوتر تبعا للعشاء من حيث السنية لكان وقته المستحب وقت العشاء، ومما
ولهذا وجب القضاء بالإجماع، وإنما لا يكفر جاحده؛ لأن وجوبه ثبت بالسنة وهو المعني بما روي عنه أنه سنة،
ــ
[البناية]
يدل على وجوب الوتر قوله عليه السلام «إلا وهي الوتر» على سبيل التعريف، فهذا دليل على أنه كان معلوما عندهم، وزيادة تعريف وزيادة وصف وهو الوجوب لا أصله.
فإن قلت: جاء حديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا يدل على أنه لا يلزم أن يكون المزاد من جنس المزاد عليه وهو قوله عليه السلام: «إن الله تعالى زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير من حمر النعم ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر» ، أخرجه الحاكم وقال: حديث صحيح.
قلت: لا يمنع هذا ما ذكرنا؛ لأنه يجوز أن يكون المراد منه ركعتا الصبح ولهذا [جاء] التأكيد فيهما، وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال:«لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل» ، رواه أبو داود ولهذا رأى محمد قضاءها بعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر.
م: (ولهذا وجب القضاء بالإجماع) ش: أي ولأجل كون الوتر واجبا وجب القضاء بالإجماع، قال الأترازي: أي بإجماع أصحابنا، وقال الأكمل: قيل المراد بالإجماع إجماع أصحابنا على ظاهر الرواية، فإنه نقل عن أبي يوسف أنه لا يقضي خارج الوقت، وعن محمد أنه قال: أحب إلي أن يقضي، قيل: المراد بالإجماع إجماع السلف، لكنه لم يثبت إلا بطريق الآحاد.
قلت: هذا من كلام (الخبازي) وعلى غير ظاهر الرواية لا يصح الاستدلال على وجوبه بوجوب قضائه بالإجماع، وذكر الحافظ أبو جعفر الطحاوي أن وجوب الوتر إجماع من الصحابة، فعلى هذا لا يحتاج إلى تفسير قوله بالإجماع أي بإجماع أصحابنا، وعلى ظاهر الرواية، ولهذا سقط زعم الأكمل أيضا. وقوله وفي الجملة وكلامه في هذا الموضع لا يخلو عن تسامح ولكل جواد كبوة.
م: (وإنما لا يكفر جاحده لأن وجوبه ثبت بالسنة) ش: هذا جواب عن قولهما حيث لا يكفر جاحده أي لا كفر؛ لأن الجاحد إنما يكفر إذا كان الدليل قطعيا، وهاهنا ليس كذلك؛ لأن وجوبه ثبت بالسنة يعني بخبر الواحد، ولم يثبت بخبر التواتر ولا بالمشهور فصار دون من الذي ثبت بالمتواتر أو المشهور، فإن منكر الثابت بأحدهما يكفر م:(وهو المعني) ش: بكسر النون وتشديد الياء، أي كون وجوبه ثبت بالسنة م:(بما روي عنه أنه سنة) ش: وهو الحديث الذي رواه ابن عباس: «ثلاث كتب علي ولم تكتب عليكم وهي لكم سنة» .