الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يطول الإمام بهم الصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة» ، ويكره للنساء أن يصلين وحدهن الجماعة
ــ
[البناية]
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا خلف كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر» . قال الدارقطني: مكحول لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه ومن دونه ثقات، ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في " العلل المتناهية "، وأعله بمعاوية بن صالح مع ما فيه من الانقطاع وتعقبه ابن عبد الهادي، وقال: إنه من رجال الصحيح، وجه الاستدلال بهذا الحديث في حق الفاسق ظاهر، وفي حق العبد والأعمى يتمسك بدلالته؛ لأنه لما جوز الاقتداء بالفاسق مع الموجب للتميز، فيجوز في حقهما بالطريق الأولى ونقول: كل واحد منهما لا يخلوا إما أن يكون برا أو فاجرا، والنبي صلى الله عليه وسلم جوز الاقتداء بكل منهما.
[تخفيف الإمام في الصلاة]
م: (ولا يطول الإمام بهم الصلاة) ش: أي بالجماعة م: (لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أم قوما فليصل بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة» ش: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» وفي لفظ لمسلم: «الصغير والكبير والضعيف والمريض» .
وروى البخاري أيضا «من حديث أبي مسعود الأنصاري فقال: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بها فلان، فقال: فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ، ثم قال: "يا أيها الناس إن منكم منفرين، من صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الكبير والصغير وذا الحاجة» "، فهذا يدل على أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه، وهذا لا خلاف فيه.
[إمامة المرأة للنساء في صلاة الجماعة]
م: (ويكره للنساء أن يصلين وحدهن الجماعة) ش: الكلام في هذا الموضع على وجوه:
الأول: قال السغناقي في اللفظ صورة المناقضة، حيث ذكر الوحدة مع كونهن جماعة، ثم أجاب عن هذا بقوله: لكن المراد من الوحدة توحدهن عن الرجال، وهن في أنفسهن جماعة النساء.
قلت: لا مناقضة فيه، ولا يصدق حد عليه؛ لأن المعنى: ويكره للنساء المنفردات عن الرجال أن يصلين بجماعة عنهن.
الثاني قال الأترازي وهذا عندنا وعند الشافعي يستحب لنا أنها لو كانت مستحبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم فتكون جماعتهن بدعة ويكره.
قلت: قول الشافعي هو قول الأوزاعي والثوري وأحمد رحمه الله وحكاه ابن المنذر عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما فإذا كان كذلك فكيف تكون جماعتهن بدعة؟ والبدعة
لأنها لا تخلو من ارتكاب المحرم وهو قيام الإمام وسط الصف فيكره كالعراة
ــ
[البناية]
اسم لإحداث أمر لم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى أبو داود في "سننه " في باب إمامة النساء من «حديث أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه كانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها» .
وروى عبد الرزاق في "مصنفه " أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن.
وروى ابن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن امرأة من قومه اسمها حجيرة، قالت: أمتنا أم سلمة رضي الله عنها قائمة وسط النساء.
حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤم النساء تقوم معهن في وسطهن.
وروت عظمة الحنفية قالت: أمتنا عائشة رضي الله عنها فقامت بينهن في الصلاة المكتوبة، رواه الدارقطني وهو حجة على الشعبي والنخعي حيث قال: تؤمهن في النفل دون الفرض، وشذ أبو ثور والمزني ومحمد بن جرير الطبري فأجازوا إمامة النساء على الإطلاق للرجال والنساء.
وعن سليمان بن بشار والحسن البصري ومالك: لا تؤم المرأة أحدا في فرض أو نفل.
الثالث: قول المصنف في كراهته جماعة النساء: م: (لأنها لا تخلو عن ارتكاب المحرم وهو قيام الإمام وسط الصف) ش: فكيف يكون قيام الإمام وسطهن محرما، وقد فعلته عائشة وأم سلمة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه على ما ذكرناه الآن، وأيضا فلقائل أن يقول: ارتكاب المحرم فيه في حق الرجال دون النساء، إذ لو كان مطلقا لما كان يجوز الصلاة.
الرابع: قوله: م: (فيكره) ش: يعني إذا كان الأمر كذلك يكره فعلهن الجماعة وكيف يكره، وقد ذكر في " المحلى ": صلت عائشة بهن المغرب جهرت بالقراءة، وصلت أم سلمة العصر.
الخامس: قوله: م: (كالعراة) ش: هو جمع عار كالقضاة جمع قاض، والتشبيه فيه من كل الوجوه ظاهر، ولكن كلام الشارح يختلف في وجه الشبه، فقال تاج الشريعة: يعني يكره للعراة الجماعة؛ لأنها لا تخلو عن مباشرة إحدى الروايتين.
أما قيام الإمام وسط الصف، أو زيادة الاطلاع على العورات كما هاهنا، وقال السغناقي قوله: فيكره كالعراة، وفي العراة عندنا أن يصلوا وحدانا قعودا بإيماء، وإنما أمرناهم بترك الجماعة لتشاغل بعضهم عن بعض، ولا يقع بصر بعضهم على عورة البعض؛ لأن الستر يحصل، وإن الأولى لإمامهم إذا صلوا الجماعة أن يقوم وسطهن؛ لئلا يقع بصرهم على عورته، وإن تقدمهم جاز أيضا، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الصلاة، فالأولى أن يصلين
فإن فعلن قامت الإمام وسطهن؛ لأن عائشة رضي الله عنها فعلت كذلك، وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام
ــ
[البناية]
وحدهن، وإن صلين بجماعة قامت إمامتهن وسطهن، وإن تقدمن جاز فكذلك حال العراة، وكلام الأكمل هاهنا قريب منه بل أخذ منه.
وقال الأترازي: قوله: فيكره كالعراة، أي تكره جماعة النساء كجماعة العراة، وقال صاحب " الدراية ": التشبيه بالعراة ليس من كل الوجوه بل في أفضلية الأذان وأفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعودا وهو أفضل من صلاة النساء قائمات.
قلت: المصنف جعل العراة مشبها به، وتاج الشريعة عكس فيه، وجعل وجه التشبيه الحرمة، والسغناقي جعله في الأفضلية، وصاحب " الدراية " كذلك ولكنه زاد في الأفضلية الأذان أيضا، والأترازي جعله في الكراهة.
السادس: قوله: م: (وإن فعلن قامت الإمام وسطهن) ش: فيه تناقض وهو أنه أولا قال: قيام الإمام وسط الصف ارتكاب محرم، فعلم منه عدم جواز صلاتهن بالجماعة، وهنا يقول بجواز ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن يكون المراد بالحرمة أيضا هنا اللغوي وهو المنع، ووجه الكراهة لا يمنع ذلك الجواز مع الكراهة.
فإن قلت: كيف قال: قامت الإمام، بتاء تأنيث الفعل.
قلت: قال المطرزي في " المغرب ": الإمام من يؤم به أي يقتدى به ذكرا كان أو أنثى، ومنه قامت الإمام في وسطهن، وفي بعض النسخ: فإن فعلن قامت الإمامة وسطهن، وهو غير صواب؛ لأن لفظة الإمام اسم لا وصف.
قوله: م: (وسطهن) ش: بسكون السين؛ لأنه ظرف بخلاف جلست وسط الدار بالفتح، وكل موضع صلح فيه بين فهو ساكن، وما لا يصلح فهو بالفتح ومنه يشد في وسطه الهميان.
وقال الأزهري: كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط القلادة والصف والسبحة فهو بالإسكان وما كان منضما لا يبين كالدار والساحة فهو بالفتح، وأجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح.
السابع: قوله: م: (لأن عائشة رضي الله عنها فعلت كذلك) ش: أي صلت بجماعة النساء، وقامت وسطهن وقد ذكرناه عن قريب، وروى محمد بن الحسن في كتاب " الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن عائشة رضي الله عنهم أنها كانت تؤم النساء في شهر رمضان فتقوم وسطا، وقد ذكرنا عن أم سلمة أيضا، وفيه أيضا رد على الأترازي حيث قال: إنها بدعة، وعلى المصنف أيضا في أنها ارتكاب المحرم.
الثامن: قوله: م: (وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام) ش: قال الأترازي: أي حمل فعل
ولأن في التقدم زيادة الكشف.
ــ
[البناية]
عائشة الجماعة على ابتداء الإسلام يعني كان ذلك ثم نسخ حين أمرن بالوقار والقرار في البيوت، وهذا جواب سؤال مقدر بأن يقال: لما فعلت عائشة الجماعة دل على أنها مستحبة فلا يكره. فأجاب عنه وقال: وحمل ذلك على ابتداء الإسلام.
قلت: هذا كلام من لم يطلع في كتب القوم، وأمضى فيه لأنه عليه الصلاة والسلام أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة كما رواه البخاري ومسلم ثم تزوج عائشة بالمدينة وبنى بها وهي بنت تسع وبقيت عند النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وما صلت إماما إلا بعد بلوغها، فكيف يستقيم حمله على ابتداء الإسلام، وتصدى الأكمل للجواب عن هذا وقال: يجوز أن يكون المراد بابتداء الإسلام ما قبل بيان الانتساخ، فإنه ابتدأ بالنسبة إليه.
قلت: هذا أبعد من الأول؛ لأن هذا لم يكن في ابتداء الإسلام على ما دلت عليه الأخبار المذكورة، فإذا كان كذلك كيف يحمل هذا على ما قبل الانتساخ.
التاسع: قوله: م: (ولأن في التقدم زيادة الكشف) ش: هذا الدليل توكيد يمنع المتقدم بالنسبة؛ لأنه بين بالنسبة في الأصل لا بالتعليل، واعترض عليه بأن المرأة إذا كانت لابسة من فوقها إلى قدمها، ولم يكن بينهن أحد من الرجال، فإن التقدم يكره مع أنه لا كشف فيها، فلو كانت الكراهية لزيادة الكشف ينبغي أن يجوز هناك لانعدام العلة.
فأجاب عنه الأكمل أخذا من كلام السغناقي بما ملخصه: أن ذلك نادر لا حكم له على أن ترك التقديم بالسنة والتعليل لا يضاهيها.
قلت: لا نسلم أنه نادر؛ لأن المرأة شأنها التستر في كل الأحوال ولا سيما في الصلاة خصوصا إذا أمت، فإنها تحترز عن انكشاف شيء من أعضائها غاية الاحتراز، فحينئذ لا يوجد كشف أصلا فضلا عن زيادته وقوله: على أن يترك التقدم.. إلى آخره، فيه نظر لأنه لم يبين النسبة التي دلت على ترك التقدم.
وقال الأكمل: وهنا بحث من أوجه، وذكر منها: أن المذهب عندنا أن انتفاء صفة الوجوب تستلزم انتفاء صفة الجواز، ثم أجاب عنه بما حاصله أن الجواز ليس بمنسوخ بالإجماع، وإنما المنسوخ هو كون جماعتهن سنة وفيه نظر؛ لأن من ادعى النسخ فعليه البيان.
وقال صاحب " الدراية ": ولأن جماعتهن لو كانت مشروعة لزم تركها ولشاعت كما شاعت جماعة الرجال على أنها من الشعائر فيختص بالأذان والخطب والجمع والأعياد؛ ولأن جماعتهن لا تخلو عن ارتكاب محرم؛ لأن في التقدم زيادة كشف، وفي الوسط تركه القيام وكل ذلك حرام.
أما زيادة الكشف؛ فلقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31](النور: الآية 31) ، وأما ترك القيام