الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قال: آمين، ويقولها المؤتم؛ لقوله عليه السلام:«إذا أمن الإمام فأمنوا» ، ولا متمسك لمالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله عليه الصلاة والسلام:«إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين» من حيث القسمة؛ لأنه قال في آخره: "فإن الإمام يقولها".
ــ
[البناية]
قلت: قد أجيب عن هذا، والتحقيق أن قدر نفي الإجزاء يلزم به نفي الكمال أيضا، فيلزم نفي شيئين قبله للمخالفة، فتعين به نفي الكمال.
[قول المأموم آمين]
م: (وإذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ، قال: آمين) ش: أي قال الإمام عقيب ولا الضالين آمين. قال الأترازي: خلافا لمالك. قلت: لم يقل مالك بأن الإمام لا يقول آمين ولكن يقولها على وجه الفضيلة دون السنة على ما حكاه القاضي أبو محمد عنه، ذكره في " الجواهر ".
م: (ويقولها المؤتم) ش: أي يقول المقتدي أيضا: آمين. والأترازي يقول: هذا ما كان المقتدي في علم التصريف بقوله وهو أن المؤتم به؛ أي اقتدى به، يجوز أن يكون اسم الفاعل ويجوز أن يكون اسم المفعول، لأن التقدير يختلف، وإن كان اللفظ يحتاج إلى تقدير اسم الفاعل مؤتم بكسر الميم الأولى وتقدير اسم المفعول مؤتم بفتح الميم الأولى والمراد هنا هو الثاني وهو الإمام لمناسبة الكلام.
قلت: هذا إنما يصح إذا كان الضمير في قال في قوله آمين كما ذهب إليه بعض الشراح، ويفهم من كلامه هذا أيضا وليس كذلك، وإنما الضمير فيه للإمام، ويكون من قوله ويقولها المؤتم هو المقتدي كما ذكرنا.
م: (لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا أمن الإمام فأمنوا» ش: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ، قال ابن شهاب:«وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين» . ولفظ النسائي وابن ماجه فيه: «إذا أمن القارئ» وزاد فيه البخاري في كتاب الدعوات: «فإن الملائكة تقول آمين» .
قال ابن حبان: يريد أنه إذا أمن كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصا لله تعالى، فإنه حينئذ يغفر له.
م: (ولا متمسك لمالك رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين» من حيث القسمة لأنه قال في آخره: فإن الإمام يقولها) ش: أي ولا حجة لغير مالك في هذا الحديث فيما ذهب إليه من أن الإمام لا يقول عند فراغه من قراءة الفاتحة آمين من حيث أنه صلى الله عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم، لأن القسمة تنافي الشركة.
ثم بين المصنف عدم احتجاجه بذلك بقوله: (لأنه قال) ش: أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر
قال: ويخفونها
ــ
[البناية]
الحديث المذكور: «فإن الإمام يقولها» أي يقول لفظ آمين، ولفظ الحديث:«فإن الإمام يقول آمين» كما نذكره يقطع بتلك الشركة، فصار الإمام والقوم مشتركين في الإتيان بلفظ آمين. ثم إن المالكية حملوا قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمن الإمام، على بلوغ موضع التأمين وقالوا: سنة الدعاء تأمين السامع دون الداعي، وآخر الفاتحة دعاء فلا يؤمن الإمام لأنه داع. وقال القاضي أبو الطيب: هذا غلط بل الداعي أولى بالاستيجاب. واستبعد أبو بكر بن العربي تأويلهم لغة وشرعا، وقال: الإمام أحسن الداعين وأولهم وأولاهم. وفي " المعارضة ": قال الإمام مالك: لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر. وقال ابن حبيب: يؤمن. وقال ابن كليب: هو ما يختار. وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قول مالك رحمه الله أن الإمام لا يأتي بها.
وفي " المبسوط ": قال أبو حنيفة رحمه الله: يخفي الإمام آمين، ثم قال: وقد طعنوا فيه، وقالوا: إن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الإمام لا يقوله أصلا فكيف يستقيم جوابه: ويخفي به، لكنا نقول: عرف أبو حنيفة رحمه الله أن بعض الأئمة لا يأخذون بقوله لحرمة قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما ففرع الجواب على قولهما كما فرع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها.
فإن قلت: إذا كان مذهب أبي حنيفة أن الإمام لا يقول آمين، كما روى عنه الحسن فما جوابه عن قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمن الإمام؟
قلت: جوابه أنه إنما سمى الإمام مؤمنا باعتبار المسبب والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر كما يقال بنى الأمير داره. ثم الحديث الذي في آخره: فإن الإمام يقولها، أخرجه النسائي في "سننه " من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» . ورواه عنه عبد الرزاق في "مصنفه ": أخبرنا معمر عن الزهري، ومن طريقه رواه ابن حبان في "صحيحه " بسنده، والحديث في " الصحيحين " وليس فيه: فإن الإمام يقول: آمين.
م: (ويخفونها) ش: أي يخفي الإمام والقوم جميعا لفظة آمين، وبه قال الشافعي في قوله الجديد، ومالك في رواية. وعند الشافعي يجهر الإمام، وبه قال أحمد وعطاء وداود لما روي عن أبي هريرة أنه قال:«كان إذا أمن النبي صلى الله عليه وسلم أمن من خلفه حتى كان في المسجد ضجة» . وفي رواية
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بجة، وهو اختلاف الأصوات. وروي عن بعض أصحابه أنه قال: كنت أسمع من الأئمة كابن الزبير ومن بعده يقولون آمين ويقول من خلفهم آمين، حتى يكون في المسجد ضجة. وكذا روي عن عكرمة، كذا ذكره صاحب " الدارية " عنهم.
قلت: حديث الجهر بالتأمين رواه أبو داود والترمذي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، واللفظ لأبي داود قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته» ، وقال: حديث حسن. وأخرج أبو داود والترمذي من طريق آخر عن علي بن صالح، ويقال العلاء بن صالح، الأسدي عن سلمة بن كهيل عن عمر عن عنبس عن وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم:«أنه صلى فجهر بآمين وسلم عن يمينه وشماله» انتهى وحكى عنه.
وروى النسائي أنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق «عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذيا أذنيه ثم قرأ فاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين، رفع بها صوته» .
وروى أبو داود وابن ماجه عن ميسر بن رافع عن أبي عبد الله بن عمر عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قال: آمين حتى تسمع من الصف الأول» وزاد ابن ماجه: «فيرتج بها المسجد» . ورواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في "مستدركه " وقال: على شرط الشيخين. رواه الدارقطني في "سننه " قال: إسناده حسن.
وروى إسحاق بن راهويه في "مسنده " أخبرنا النضر بن شميل حدثنا هارون الأعور عن إسماعيل بن مسلم عن أبي إسحاق «عن ابن أم الحصين عن أمه: أنها صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قال: آمين، فسمعته وهي في صف النساء» .
قلت: أما الحديث الأول الذي رواه الشافعية من حديث أبي هريرة وفيه: «حتى كان في المسجد ضجة» فليس كذلك لفظه، بل لفظه في زيادة ابن ماجه:«فيرتج بها المسجد» كما ذكرناه، وهو حديث ضعيف، وفي إسناده بشر بن رافع الحارثي، ضعفه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد
لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ولأنه دعاء فيكون مبناه على الإخفاء،
ــ
[البناية]
وابن معين، وقال ابن القطان في كتابه: بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي، ضعيف، وهو يروي هذا الحديث عن أبي عبد الله ابن [عم] أبي هريرة، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال ولا روى عنه غير بشر، والحديث لا يصح من أجله فقط بذلك [....
…
] قول الحاكم: على شرط الشيخين، وتحسين الدارقطني إياه.
وأما قولهم: وروي عن بعض أصحابه؛ أي بعض أصحاب الشافعي، فإن الذي رواه هو الشافعي في " الأم " أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة كابن الزبير ومن بعده أه. ومسلم بن خالد شيخ الشافعي ضعيف.
فإن قلت: قال النووي: ذكر البخاري هذا الأثر عن ابن الزبير تعليقا.
قلت: التعليق ليس بحجة. وأما الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر فيعارضه ما رواه الترمذي أيضا عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر بن العنبس عن وائل عن أبيه وقال فيه: «وخفض لها صوته» .
فإن قلت: قال الترمذي: سمعت محمدا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وأخطأ شعبة في مواضع فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن العنبس، ويكنى أبا السكن، وزاد فيه علقمة وليس فيه علقمة وإنما هو حجر عن وائل، وقال: خفض بها صوته وإنما هو مد بها صوته.
قلت: تخطئه مثل شعبة خطأ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث وقوله حجة هو ابن عنبس وليس بأبي عنبس، وليس هو كما قاله بل هو ابن عنبس، وجزم به ابن حبان في " الثقات "، فقال: كنيته كاسم أبيه. وقول محمد: كونه أبا السكن لا ينافي أن يكون كنيته أيضا أبا عنبس؛ لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان المختار، زاد فيه علقمة لا يضر لأن الزيادة كانت من الثقة مقبولة، ولا سيما من قبل شعبة. وقوله: قال وخفض بها صوته وإنما هو ومد بها صوته، يؤيده ما رواه الدارقطني عن وائل بن حجر قال:«صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمعة حين قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين، وأخفى صوته» . وحجر بضم الجيم. وعنبس بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وفي آخره سين مهملة.
م: (لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنهم) ش: وهو الذي ذكره فيما تقدم عن قريب عند قوله: ويلزمها، وقد مر الكلام فيه مستقصى م:(ولأنه) ش: أي ولأن التأمين أي التلفظ به.
(دعاء فيكون مبناه على الإخفاء) ش: أي الأصل فيه الإخفاء، قال الله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55](الأعراف: الآية 55)، وقال عليه السلام:«خير الدعاء ما خفي وخير الرزق ما يكفي» ولأن بإخفائها يقع التمييز بين القرآن وغيره، فإنه إذا جهر بها مع الجهر بالفاتحة يلبس أنها
والمد والقصر فيه وجهان والتشديد فيه خطأ فاحش.
ــ
[البناية]
من القرآن.
فإن قلت: ورد الجهر والإخفاء فماذا يعمل؟.
قلت: إذا تعارضت الأخبار والآثار يعمل بالأصل [والأصل] في الدعاء الإخفاء كما ذكرنا، أو يحمل ما فيه على أنه وقع اتفاقا وعلى التعليم أو على أصل الأمر.
وفي " المحيط " و " فتاوى الظاهرية ": لو سمع المقتدي من الإمام: ولا الضالين، في صلاته يجهر بها، هل يؤمن؟ قال بعض مشايخنا: لا يؤمن لأن ذلك الجهر لغو فلا يتبع وعن الهندواني: يؤمن لظاهر الحديث.
م: (والمد والقصر فيها وجهان) ش: أي مد ألف آمين وقصرها فيه لغتان، وفي " الخلاصة ": المد اختيار الفقهاء لموافقته للمروي عنه عليه السلام والقصر اختيار الأصوليين، وعلى الوجهين هو مبني على الفتح قطعا كيف كان لاجتماع الساكنين. وفي " الجنازية ": فيه أربع لغات: فتح الألف ومدها وقصرها، وفتح النون في الوجهين وتسكينه، وحكى الواحدي فيه لغة أخرى وهو إمالة مع. وحكي أيضا المد والتشديد.
قال: وروي ذلك عن الحسن. وحكى القاضي عياض عنه أنها مردودة. وقال ابن السكيت وغيره من أهل اللغة: على أن التشديد لغة العوام وهو خلاف المذاهب الأربعة.
واختلف الشافعية في بطلان الصلاة بذلك، وفي " التجنيس ": ولو قال آمين بتشديد الميم في آمين لا تفسد، أشار إليه المصنف بقوله: م: (والتشديد فيه خطأ فاحش) ش: أي تشديد الميم فيه، ولكنه لم يذكر هنا فساد الصلاة به ها هنا لأن فيه خلافا، وهو أن الفساد، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا تفسد لأنه يوجد في القرآن مثله وهو قَوْله تَعَالَى:{وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] م: (المائدة: الآية 2) وعلى قولهما الفتوى، فلذلك لم يتعرض إلى الفساد هنا.
وأما معنى آمين رواية وأصله فوزنه ليس من أوزان كلام العرب وهي مثل هابيل وقابيل، وأصله يا ألله استجب دعاءنا، اسم من أسماء الله تعالى، إلا أنه أسقط ياء النداء فأقيم المد مقامه، فلذلك أنكر جماعة القصر فيه، وقالوا: المعروف فيه المد، وهو اسم فعل مثل صه بمعنى اسكت، ويوقف عليه بالسكون، فإن وصل بغيره تحرك لالتقاء الساكنين، ويفتح طلبا للخفة لأجل البناء كأين وكيف، أو معناه، فقيل: لكن كذلك، وقيل: أعقل، وقيل: لا يخيب رجانا. وقيل: لا يقدر على هذا غيرك. وقيل: طالع الله على عباده يدفع به عنهم الآفات. وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله، وقيل: اسم من أسماء الله تعالى.