المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة - البناية شرح الهداية - جـ ٢

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الصلاة

- ‌[تعريف الصلاة]

- ‌باب المواقيت

- ‌أول وقت الفجر

- ‌[وقت صلاة الفجر]

- ‌[آخر وقت صلاة الفجر]

- ‌أول وقت الظهر

- ‌[وقت صلاة الظهر]

- ‌[آخر وقت الظهر]

- ‌أول وقت العصر

- ‌[وقت صلاة العصر]

- ‌[آخر وقت العصر]

- ‌[وقت صلاة المغرب]

- ‌[أول وقت المغرب وآخره]

- ‌أول وقت العشاء

- ‌[وقت صلاة العشاء]

- ‌آخر وقت العشاء

- ‌[وقت صلاة الوتر]

- ‌فصل ويستحب الإسفار بالفجر

- ‌[الإبراد بالظهر وأخير العصر في الصيف]

- ‌[تعجيل المغرب]

- ‌تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل

- ‌فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة

- ‌باب الأذان

- ‌[حكم الأذان]

- ‌صفة الأذان

- ‌[ما يشرع له الأذان من الصلوات]

- ‌[زيادة الصلاة خير من النوم في أذان الفجر]

- ‌[ما يسن في الأذان والإقامة]

- ‌[شروط المؤذن]

- ‌[ما يستحب لمن سمع الأذان]

- ‌[التثويب في أذان الفجر]

- ‌[الفصل بين الأذان والإقامة]

- ‌[ما ينبغي للمؤذن والمقيم]

- ‌[أذان الجنب]

- ‌[الأذان قبل دخول الوقت]

- ‌المسافر يؤذن ويقيم

- ‌باب شروط الصلاة التي تتقدمها

- ‌ الطهارة من الأحداث والأنجاس

- ‌[ستر العورة]

- ‌عورة الرجل

- ‌[عورة الحرة]

- ‌[عورة الأمة]

- ‌[صلاة العريان]

- ‌[النية من شروط الصلاة]

- ‌[تعريف النية]

- ‌[استقبال القبلة من شروط الصلاة]

- ‌ حكم من اشتبهت عليه القبلة

- ‌باب في صفة الصلاة

- ‌فرائض الصلاة

- ‌[تكبيرة الإحرام]

- ‌[القيام في صلاة الفرض]

- ‌[قراءة القرآن والركوع والسجود في الصلاة]

- ‌[القعدة في آخر الصلاة والتشهد والسلام]

- ‌[سنن الصلاة]

- ‌[رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام]

- ‌[وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة]

- ‌[دعاء الاستفتاح]

- ‌[حكم الاستعاذة في الصلاة]

- ‌[البسملة في الصلاة]

- ‌[الواجب من القراءة في الصلاة]

- ‌[قول المأموم آمين]

- ‌[التكبير قبل الركوع وبعد الرفع منه]

- ‌[قول سبحان ربي العظيم في الركوع]

- ‌قول: سمع الله لمن حمده

- ‌[قول سبحان ربي الأعلى في السجود]

- ‌[الافتراش عند التشهد الأوسط]

- ‌[التشهد الأوسط وصيغته]

- ‌[القراءة في الأخيرتين بفاتحة الكتاب فقط]

- ‌[الصلاة على النبي في التشهد الأخير]

- ‌[حكم الصلاة على النبي خارج الصلاة]

- ‌[الدعاء بعد التشهد الأخير وقبل السلام]

- ‌[كيفية الصلاة على النبي]

- ‌[الحكم لو ترك بعض التشهد وأتى بالبعض]

- ‌فصل في القراءة

- ‌[الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة والتي يسر فيها]

- ‌[المنفرد هل يجهر بصلاته أم يسر فيها]

- ‌[الإسرار بالقراءة في الظهر والعصر]

- ‌[الجهر في الجمع بعرفة]

- ‌[الجهر في الجمعة والعيدين]

- ‌[تطوعات النهار سرية]

- ‌[حكم من قرأ في العشاء في الأوليين السورة ولم يقرأ بالفاتحة]

- ‌أدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة

- ‌[مقدار القراءة في الصلوات الخمس]

- ‌[قراءة نفس السورة مع الفاتحة في الركعة الثانية]

- ‌[تعيين سورة أو آية من القرآن لشيء من الصلوات]

- ‌[قراءة المؤتم خلف الإمام]

- ‌باب في الإمامة

- ‌[حكم صلاة الجماعة]

- ‌أولى الناس بالإمامة

- ‌[إمامة العبد والفاسق والأعمى وولد الزنا]

- ‌[تخفيف الإمام في الصلاة]

- ‌[إمامة المرأة للنساء في صلاة الجماعة]

- ‌[موقف الإمام والمأموم في الصلاة]

- ‌[إمامة المرأة والصبي في الصلاة]

- ‌[إمامة الصبي في النوافل كالتراويح ونحوها]

- ‌[كيفية ترتيب الصفوف في الصلاة]

- ‌[محاذاة المرأة للرجل في الصلاة]

- ‌[حضور النساء للجماعات]

- ‌[صلاة الصحيح خلف صاحب العذر]

- ‌[صلاة القارئ خلف الأمي]

- ‌[صلاة المكتسي خلف العاري]

- ‌[إمام المتيمم للمتوضئين]

- ‌[صلاة القائم خلف القاعد]

- ‌[صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس]

- ‌ اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث

- ‌[إمامة الأمي]

- ‌باب الحدث في الصلاة

- ‌[حكم من ظن أنه أحدث فخرج من المسجد ثم علم أنه لم يحدث]

- ‌[حكم الحدث من الإمام أو المأموم في الصحراء]

- ‌[الحكم لو حصر الإمام عن القراءة فقدم غيره]

- ‌[رؤية المتيمم للماء أثناء الصلاة]

- ‌[حكم من أحدث في ركوعه أو سجوده]

- ‌[حكم من أم رجلا واحدا فأحدث]

- ‌باب ما يفسد الصلاة، وما يكره فيها

- ‌[حكم الكلام في الصلاة]

- ‌[التنحنح في الصلاة]

- ‌[تشميت العاطس في الصلاة]

- ‌[الفتح على الإمام]

- ‌[حكم الفتح على الإمام]

- ‌[حكم من صلى ركعة من الظهر ثم افتتح العصر]

- ‌[حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الأوراق في الصلاة]

- ‌[اتخاذ السترة ومرور المرأة ونحوها بين يدي المصلي]

- ‌[اتخاذ المصلي للسترة في الصحراء]

- ‌ وسترة الإمام سترة للقوم

- ‌[دفع المصلي المار بين يديه]

- ‌[فصل في العوارض التي تكره في الصلاة]

- ‌ العبث في الصلاة

- ‌[التخصر في الصلاة]

- ‌ الالتفات في الصلاة

- ‌[الإقعاء في الصلاة]

- ‌[رد السلام للمصلي]

- ‌[التربع للمصلي]

- ‌[لا يصلي وهو معقوص الشعر]

- ‌[كف الثوب في الصلاة]

- ‌[الأكل والشرب في الصلاة]

- ‌[الحكم لو صلى وفوقه أو بين يديه أو بحذائه تصاوير]

- ‌[اتخاذ الصور في البيوت وقتل الحيات في الصلاة]

- ‌فصل ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء

- ‌ المجامعة فوق المسجد والبول والتخلي

- ‌[أحكام المساجد]

- ‌[إغلاق باب المسجد]

- ‌باب صلاة الوتر

- ‌[حكم صلاة الوتر]

- ‌[عدد ركعات الوتر]

- ‌[أحكام القنوت في الصلاة]

- ‌[القراءة في صلاة الوتر]

- ‌[القنوت في الوتر]

- ‌[حكم من أوتر ثم قام يصلي يجعل آخر صلاته وترا أم لا]

- ‌باب النوافل

- ‌[عدد ركعات التطوع المرتبطة بالصلوات وكيفيتها]

- ‌فصل في القراءة

- ‌[حكم القراءة في الفرض]

- ‌[حكم القراءة في صلاة النفل]

- ‌[صلاة النافلة على الدابة وفي حال القعود]

- ‌[حكم السنن الرواتب]

- ‌فصل في قيام شهر رمضان

- ‌[حكم صلاة التراويح وكيفيتها]

- ‌[صلاة الوتر جماعة في غير رمضان]

- ‌باب إدراك الفريضة

- ‌[حكم من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة نفل]

- ‌[حكم من انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر]

- ‌باب قضاء الفوائت

- ‌[كيفية قضاء الفوائت]

- ‌باب سجود السهو

- ‌[كيفية سجود السهو]

- ‌[متى يلزم سجود السهو]

- ‌[حكم الشك في عدد ركعات الصلاة]

- ‌باب صلاة المريض

- ‌[كيفية صلاة المريض]

- ‌[حكم من أغمي عليه خمس صلوات أو دونها]

- ‌باب سجود التلاوة

- ‌[عدد سجدات القرآن]

- ‌[من تلزمه سجدة التلاوة]

- ‌[قضاء سجدة التلاوة]

- ‌[تكرار تلاوة سجدة التلاوة في المجلس الواحد]

الفصل: ‌فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة

‌فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة

لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها؛

ــ

[البناية]

[فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة]

م: (فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة) ش: أي هذا فصل في بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة، ولقب الفصل بما يكره مع أن فيه ما لا تجوز الصلاة فيه باعتبار الغالب، ولأن علة الجواز مستلزم الكراهة والإفراغ من بيان أحد قسمي الوقت، شرع في بيان القسم الأول.

م: (لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروبها) ش: الظهيرة شدة الحر نصف النهار، ولا يقال في الشتاء ظهيرة، ويجمع على الظهائر. وقال الجوهري: الظهيرة: الهاجرة، يقال أتيته حر الظهيرة وحين قام قائم الظهيرة، وقال الهاجرة والهجر نصف النهار عند اشتداد الحر.

م: (قوله: لا تجوز الصلاة) ش: قال تاج الشريعة: إذا أريد منها الفرض بها نفي الجواز مطلقا وإن يراد غيره فمعناه الكراهة، والكراهة مطلق على الجائز وعلى غيره، ويجوز إطلاقها على الفرائض والواجبات التي لا تجوز في الأوقات، وعلى الفعل الذي يجوز. وقال السروجي: والمراد من قوله لا يجوز لا نبغي أن يفعل ولو فعل يجوز.

وقال صاحب " الدراية ": ففي قوله - (لا تجوز الصلاة) أي لا تجوز فعله ولو شرع يلزم كما في البيع الفاسد، لأن النهي عن الأفعال الشرعية بعض المشروعية. وفي " الزاد " أراد به ما سوى الفعل.

قلت: فعلى هذا المراد من قوله لا تجوز الصلاة نوع مخصوص، وهو الفرض وليس المراد جنس الصلاة حتى لو صلى النوافل في الأوقات المكروهة يجوز، لأنه أدى كما وجبت لأن النافلة تجب بالشروع، وشروعه حصل في الأوقات المكروهة ولهذا قال الإمام الإسبيجابي في " شرح الطحاوي ": ولو صلى التطوع في هذا الأوقات الثلاث فإنه يجوز ويكره. وقال الكرخي: ويجوز واجب البناء إذا تقدم. قال الإسبيجابي: فالأفضل له أن يقطع ويقضيها في الوقت المباح، وإنما لا تجوز الفرائض في هذه الأوقات لأنها وجبت كاملة فلا يتأدى بالناقص.

فإن قلت: قوله لا يجوز إذا استعمل في عدم الجواز بالنسبة إلى الفرائض وفي الكراهة بالنسبة إلى النوافل وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز.

قلت: على غير هذه الرواية لا يلزم ذلك، لأن في غير ظاهر الرواية لا يجوز النفل أيضا وأما

ص: 54

لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «ثلاثة أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» .

ــ

[البناية]

على ظاهر الرواية من أن النفل يجوز مع الكراهة، فلا يستقيم إلا إذا كان رأوه عدم الجواز مطلقا كما ذهب إليه البعض.

وفي " المبسوط "" والمحيط " الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة. ثلاثة منها لا يصلي فيها أحد الصلاة: عند طلوع الشمس إلى أن تبيض، وعند زوالها، وعند غروبها إلا عصر يومه، ولا تتطوع بعد طلوع الفجر إلا بركعتيه إلى أن ترتفع الشمس، ولا يتطوع بعد صلاة العصر.

وذكر في " التحفة "" والقنية "" والمفيد " أن الأوقات التي تكره فيها الصلاة اثني عشر وقتا ثلاثة منها تكره لمعنى في الوقت وهي المذكورة آنفا، ففي هذا الثلاثة يكره التطوع التي ليس فيها سبب في جميع الأيام والأمكنة ولو شرع فيها صح شروعه وجاز أداؤها فيه. وفي " المحيط ": في الرواية المشهورة لكن الأولى قطعها وأداؤها في وقت غير مكروه، وقال في " المحيط " ولو قضاها في غير وقت مكروه جاز، وقد أساء خلافا لزفر.

وكذا ما له سبب كركعتي الطواف وتحية المسجد وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة والمنذورة في هذه الأوقات، والأولى أن لا يؤخر صلاة الجنازة لأن تأخيرها مكروه. وفي " المفيد " إن حضرت في وقت مستحب لا يجوز فيها بخلاف ما ذكره، ونص الكرخي على أنه لا يجوز فيها صلاة الجنازة ولا سجدة التلاوة، ولا يقضي فرضا ولا يصلي تطوعا، وكذا يكره أداء فرض العصر عند تغير الشمس. ولا يصح الفرض عند الطلوع والزوال، وأما قضاء الفرائض والمنذورة وقضاء الواجبات الفائتة وسجدة التلاوة في وقت غير مكروه والوتر من ذلك لا يجوز في هذه الأوقات، وفي البواقي من اثني عشر بمعنى في غير الوقت وهي تسعة: بعد طلوع الفجر، وبعد فرض الفجر قبل الطلوع وقبل صلاة العصر، وبعد الغروب، قبل المغرب وعند الخطبة، وعند الإقامة، وعند خطبة العيدين، وعند خطبة الكسوف، وخطبة الاستسقاء كذا في " التحفة " ولكن بلفظ الكراهة. وفي " المجتبى " ولا تنفل بعد صلاة الجمع بعرفات والمزدلفة وذكروا أنها الصلاة قبل العيد.

م: (لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «ثلاثة أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» ش: هذا الحديث رواه مسلم والأربعة من حديث موسى ابن علية بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» وأن نقبر فيها: المراد منه الصلاة على الميت

ص: 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

على ما يذكره المصنف عن قريب.

قوله: تضيف، أي تميل للغروب وقد وقعت هذه اللفظة هاهنا بتاءين وأن [......] وقعت بتاء واحدة وأصله بتاءين لأنه من تضيف، ويجوز فيه أيضا التاءين على الأصل ويجوز فيه حذف إحداهما كما في قوله:{نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14](سورة الليل: الآية 14) أصله: تتلظى فحذفت إحدى التاءين، وثلاثية ضاف يضيف أي مال، يقال: ضافت الشمس وضيفت وتضيفت أي مالت للغروب.

قوله م: (حتى ترتفع) ش: أي الشمس، وحد الارتفاع الذي يباح فيه الصلاة اختلفوا فيه في الأصل إذا ارتفعت الشمس، قدر رمح أو رمحين تباح الصلاة. وقال الفضل: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرصها فالشمس في الطلوع، ولا تباح الصلاة فيه فإذا عجز عن النظر يباح. وقال أبو حفص السفكردري: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية ما دامت الشمس تقع على حيطانها فهي في الطلوع، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت الصلاة كذا في " المحيط ".

فإن قلت: التخصيص بالثلاث في العدد يفيد الانحصار عليه، وقد ذكرت تسعة أوقات لا يجوز فيها النفل، وتلك التسعة غير هذه الثلاثة فيلزم منه إبطال العدد.

قلت: إنما يلزم هذا أن لو كان المزيد مثل حكم المزيد عليه، فالثلاثة المنصوصة حكمها أن لا يجوز الفرائض والنوافل أيضا في بعض الروايات، وأما غيرها فليس في معناها لأنه يجوز قضاء الفوائت وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة فيها بخلاف الثلاثة المذكورة فإن ذلك لا يجوز فيها، وإذا كان المعنى يختلف لا يلزم الإبطال بل يكون كل واحد منهما ثابتا بدليل على حدة.

فأما الثلاثة المذكورة فبحديث عقبة رضي الله عنه، وأما غيرها فبأحاديث أخرى مثل «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» .

فإن قلت: إذا لم تجز الفرائض في هذه الأوقات فلو شرع فيها ثم قهقه هل ينقض وضوءه؟

قلت: لا ينتقض لأن شروعه لم يصح فلا تصادق قهقهته صلاة شروعه، وقال في نوادر الصلاة ": من الصلاة لو طلعت الشمس وهو في خلال صلاة الفجر ثم قهقه قبل أن يسلم فليس عليه وضوء لصلاة أخرى.

أما على قول محمد فلأنه صار خارجا عن الصلاة بطلوع الشمس، وهي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله وفي الرواية الأخرى وإن لم يصر خارجا من حد التحريمة فقد فسدت صلاته بطلوع الشمس لأنه لا يجوز أداء الفعل في هذا الوقت كما لا يجوز أداء الفرض، فالضحك في هذه الحال دون الضحك في صلاة الجنازة فلا يجعل حدثا، وعلى قياس قول أبي

ص: 56

والمراد بقوله: " وأن نقبر ": صلاة الجنازة؛

ــ

[البناية]

يوسف رحمه الله ويلزمه الوضوء خصوصا على الرواية التي رويت عنه أنه يصير حتى تطلع الشمس ثم يتم الفريضة فعلى هذه الرواية أن ضحكه صادف حرمة صلاة مطلقة فكان حديثا.

م: (والمراد بقوله - وأن نقبر - صلاة الجنازة) ش: المراد مبتدأ وخبره صلاة الجنازة، أي المراد من قول عقبة رضي الله عنه وأن نقبر فيها - الصلاة على الجنازة يقال قبر يقبر من باب نصر ينصر ومصدره مقبر يعني مدفن الميت أيضا قبر يقال قبره إذا دفنه وأقبره إذا جعل له قبرا يوارى فيه.

وقال ابن السكيت: قبرته أي جعلت له قبرا يدفن فيه وقَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21](سورة عبس: الآية 21) أي جعله ممن يقبر ولم يجعله يلقى للكلاب فأكرم الإنسان بالقبر. وقال ابن الأعرابي: أقبر إذا أمر إنسانا بحفر قبر.

فإن قيل: قلت ذكر القبر وإرادة الصلاة من أي قبيل من المجاز أو الكناية؟

قلت: قال في " المبسوط ": وهو من باب الكناية اللازمة بينهما. وقال الأترازي: هو كناية لأنه ذكر الرديف وأراد المردوف، قلت: المراد من الملازمة المذكورة ما يكون بين اللازم والملزوم على سبيل التبعية، لأن الكناية أن يذكر في اللازمين ما هو تابع ورديف ويراد به ما هو متبوع ومردوف.

فإن قلت: ما هذا الداعي إلى هذه الدعوى فلم لا يؤخذ بظاهره فيكون دفن الميت في هذه الأوقات الثلاثة مكروها؟

قلت: اختلف العلماء في هذا الباب فأخذت طائفة بظاهره وقالوا: يكره دفن الميت في هذه الأوقات الثلاثة. وقال البيهقي رحمه الله: ونهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهة الدفن في تلك الساعات، وكذلك حمله أبو داود رضي الله عنه على الدفن فإنه بوب عليه في كتاب الجنازة فقال: باب ما جاء من الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها، ثم روى حديث عقبة رضي الله عنه المذكور.

وذهب أكثر أهل العلم إلى كراهة الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه وهو قول عطاء والنخعي، والأوزاعي والثوري وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه وأحمد، وإسحاق، وكذلك حمله الترمذي على الصلاة وبوب عليه " باب ما جاء في كراهة صلاة الجنازة عند طلوع الشمس وغروبها " ونقل عن ابن المبارك رضي الله عنه أنه قال: يعني أن نقبر فيها موتانا يعني صلاة الجنازة انتهى. وعن الشافعي رضي الله عنه: أنه كان يرى الصلاة على الجنائز أي ساعة شاء من ليل أو نهار وكذلك الدفن أي وقت كان من ليل أو نهار. في أحكام ابن بريدة.

ص: 57

لأن الدفن غير مكروه،

والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله في تخصيص الفرائض، وبمكة في حق النوافل،

ــ

[البناية]

قال بعض العلماء: لا يصلى عليها في الأوقات الثلاثة المذكورة في حديث عقبة رضي الله عنه إلا أن يخاف عليها النتن، وقيل: لا يصلى عليها عند الغروب والطلوع فقط ويصلى بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم تسفر. وقال ابن عبد الحكم: يصلى عليها في كل وقت كالفرائض.

وقال الليث: يكره الصلاة عليها في الأوقات التي يكره فيها الصلاة. وقال عطاء والنخعي رضي الله عنهما لا يصلى عليها في الأوقات الخمسة المنهي عنها.

فإن قلت: هل جاء ما يدل على هذا الحمل؟.

قلت: نعم روى الإمام أبو حفص عمر بن شاهين رضي الله عنه في كتاب الجنائز من حديث خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد عن موسى بن علي رحمهم الله قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث: طلوع الشمس..» إلى آخره.

م: (لأن الدفن غير مكروه) ش: أي لأن دفن الميت في هذه الأوقات المذكورة غير مكروهة.

م: (والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله في تخصيص الفرائض وبمكة في حق النوافل) ش: واختلفت نسخ " الهداية " في هذا الموضع فلذلك تردد الشراح فيه، ولم يحرروا كما ينبغي خصوصا تحرير مذهب الشافعي رضي الله عنه على ما هو المسطور في كتب أصحابه المعتمد عليها. فقال السغناقي في شرحه: قوله والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي رحمه الله في تخصيص الفرائض والنوافل بمكة.

وفي بعض نسخ " الهداية " لم يذكر الفرائض وذكر بمكة بالباء، وفي بعضها لم يذكر النوافل والصحيح من الرواية أن يذكر الفرائض ويذكر مكة بدون الباء.

ويقال في تخصيص الفرائض وبمكة ليكون أداء الفرائض في جميع الأمكنة، وتعميم جواز الفرائض والنوافل بمكة وذلك إنما يعاد فهذا الذي ذكرت وهكذا كان بخط شيخي، فإن عند الشافعي رضي الله عنه يجوز الفرائض والنوافل فإن شمس الأئمة السرخسي ذكر في " المبسوط ": حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه وغيره من الأحاديث، ثم قال: والأمكنة في هذا النهي سواء عندنا لعموم الآثار. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا بأس بالصلاة في هذه الأوقات بمكة لحديث روي في النهي إلا بمكة انتهى كلامه.

وقال تاج الشريعة رحمه الله قوله: وتخصيص الفرائض أي الشافعي رضي الله عنه: يقول بعدم كراهية الفرائض في هذه الأوقات، قوله ومكة أي تخصيص مكة فإن عنده

ص: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

ينصرف هذا النهي إلى مكة حتى لا تكره النوافل فيها انتهى. وقال صاحب " الدراية ": قوله حجة على الشافعي رضي الله عنه وتخصيص الفرائض ومكة.

وقال الشافعي رحمه الله: يجوز في هذه الأوقات الفرائض ومن النوافل ما له سبب كتحية المسجد، وركعتي الطواف، وكذا في الجمعة بعد الزوال انتهى.

وقال الأترازي: قوله والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي رضي الله عنه في تخصيص الفرائض ومكة. - وفي بعض النسخ وبمكة بالباء - والصحيح أن يذكر ومكة بلا باء، بيانه أن الشافعي يخص الفرائض من جميع الصلاة ويقول: إن النهي ورد في حق النفل لا في حق الفرائض بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فإن ذلك وقتها. نعلم أن الفرض ليس بمنهي عنه حتى تجوز الفرائض في الأوقات المكروهة بلا كراهة في جميع البلدان.

أما النوافل فإنها تكره في هذه الأوقات إلا بمكة، فإن مكة مخصوصة من سائر البلدان لما روى أبو داود رضي الله عنه النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مقرونا بقوله: " إلا بمكة، فإذن تجوز الفرائض في جميع البلدان في مكة وغيرها لأن الفرائض خصت من جميع الصلاة، وتجوز النوافل بمكة خاصة لأن مكة خصت من جميع البلدان، وعلى هذا التقدير لا يفهم إلا على رواية مكة بدون الباء فافهم، انتهى.

1 -

قال الأكمل: ما يخصه إن أراد بقوله لا يجوز الفرض وحده وإن النفل جائز مكروه، ولم يستقم جعل الحديث حجة على الشافعي رحمه الله في تجويز النوافل وإن كان مراده عدم الجواز في الفرض والنفل جميعا لزم عليه ما نقل عن الكرخي والإسبيجابي وهو أن النوافل تجوز وتكره، وإن كان الجواز مع الكراهة فما لم يكن الحديث حجة لنا على الشافعي رضي الله عنه إلا إذا أثبته أن أصحابنا يقولون بالجواز مع الكراهة، وهو يقول بالجواز بلا كراهة.

قال: ولم أطلع على ذلك فيما وجدته من النسخ وإن كان عدم الجواز في الفرض والجواز في النفل مع الكراهة فإن في بعض الروايات لزم اختلاف معنى اللفظ للواحد مراد نزلا على سبيل الكناية وهو غير جائز. وأرى أن المراد عدم الجواز في الفرض والنفل على بعض الروايات ولا يلزمه ما نقل عن الكرخي والإسبيجابي لأنه اختار خلافه وإذا ظهر لك ما قررناه تبين لك أن النسخة الصحيحة هو أن يقال حجة على الشافعي رحمه الله في تخصيص الفرائض بمكة، لأنه هو الذي يقيد ما ذكرنا من مذهبه، وإن كان فيه إعلام دون ما عداه وهو ما وقع في بعضها من

ص: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

قوله في تخصيص الفرائض والنوافل بمكة، وفي بعضها في التخصيص بمكة، وفي بعضها ولم يذكر النوافل.

قلت: هذه الترديدات والتصرفات البحثية كلها من عدم الوقوف على نص مذهب الشافعي رحمه الله وعدم الرجوع إلى أمهات كتب أصحابه فنقول مذهب الشافعي رحمه الله جواز الفرائض في هذه الأوقات، ومن النوافل ما له سبب كتحية المسجد وركعتي الطواف دون النوافل المطلقة، وفي مكة يجوز النوافل المطلقة أيضا.

وقال النووي في " الروضة ": يجوز في هذه الأوقات قضاء الفرائض والسنن والنوافل التي أخذها الإنسان وردا له وتجوز صلاة الجنازة وسجود التلاوة وسجود الشكر وركعتا الطواف وصلاة الكسوف، ولا يكره فيها صلاة الاستسقاء على الأصح.

وعلى الثاني يكره كصلاة الاستخارة ويكره ركعتا الإحرام على الصحيح. فأما تحية المسجد فإن اتفق دخوله الفرض كدرس علم أو اعتكاف أو انتظار صلاة ويجوز ذلك ثم يكره، وإن دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فوجهان أقيسهما الكراهة انتهى.

فإذا عرفت هذا عرفت أن نقل السنغاقي عن مذهب الشافعي رحمه الله بقوله: فإن عند الشافعي رضي الله عنه تجوز الفرائض في هذه الأوقات في جميع الأمكنة دون النوافل، وفي مكة تجوز الفرائض في عنده والنوافل ليس كما ينبغي، وكذلك ما قاله الأترازي، فإذا قابلت كلامهما بالذي قلنا آنفا عرفت أن نقلهما عن مذهب الشافعي رحمه الله ليس على ذلك، وكذلك ما قاله الأكمل بقوله تبين أن النسخة الصحيحة إلى آخره والأقرب إلى المطالعة ما قاله صاحب " الدراية " ثم فسر النسخة التي هي قوله:(والحديث بإطلاقه) يعني بكونه متنا ولا للفرض والنفل حجة على الشافعي رحمه الله وتخصيص الفرائض بالجواز في هذه الأوقات أي فرض كان وفي أي مكان كان.

قوله م: (والنوافل) ش: أي وفي تخصيص النوافل بالجواز فيها حال كونها فيها بمكة أي نفل كان ولا تدل هذه العبارة على جواز النفل الذي له سبب في غير مكة، فقلت إن النسخ كلها قاصرة على الدلالة على ما ينبغي؛ ثم حجة الشافعي رضي الله عنه مما ذهب إليه قوله صلى الله عليه وسلم:«من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» ، جعلت وقت التذكير وقتا للفائتة مطلقا وله في جواز النفل بمكة شرفها الله تعالى الوارد في حديث عقبة رضي الله عنه إلا بمكة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة

ص: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

شاء» .

وله في الجمعة حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أنه: صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في نصف النهار إلا يوم الجمعة» .

وروى أبو الخليل عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» . وقال ابن الجهم متحسر إلا يوم الجمعة.

والجواب عن ذلك: أما حديث: «من نام عن صلاة» إلى آخره فهو مخصوص بحديث عقبة رضي الله عنه والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزة خيبر فسار بليلة

» الحديث، وفيه:«فناموا فما أيقظهم إلا حر الشمس» -. وفي رواية «انتبهوا - وقد بدا جانب الشمس فأداروا رحالهم شيئا ثم نزلوا للصلاة» . وإنما نقل ذلك لترتفع الشمس فلو جاز قضاء المكتوبة في حال طلوع الشمس لما أخرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الانتباه.

وعن الثاني: أن الاستثناء الوارد في حديث عقبة رضي الله عنه إلا بمكة غريب لم يرد في المشاهير فلا يزاد به عليها أو يحتمل أنه كان قبل النهي.

وعن الثالث: أن أبا داود رضي الله عنه في إباحة الدعاء قرأ معنى صلى دعا قال أبو بكر ابن العربي: هذا الحديث لم يصح.

وعن الرابع: أن إلا في قوله - إلا يوم الجمعة بمعنى: ولا يوم الجمعة كما في قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92](النساء: الآية 92) . أي لا خطأ عن الشافعي رحمه الله، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه، منقطع لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة قاله أبو داود، وقال أبو الفرج رحمه الله: وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف مرة.

وفي " المغني " عن ابن مسعود رضي الله عنه: كنا ننهى عن ذلك يوم الجمعة.

وعن سعيد المقبري: أدركت الناس وهم ينهون عن ذلك وأباحه فيها عطاء في الشتاء دون الصيف، وفي بقية الأوقات يوم الجمعة وجهان عند الشافعية أحدهما يجوز لكل واحد، وفي بقية الأوقات يوم الجمعة والآخر لا يجوز إلا في وقت الاستواء يوم الجمعة، دون بقية الأوقات يوم الجمعة روي عن بعضهم تخصيص الإنشاء من بقاء الشعائر وبترجيحه قال صاحب " المهذب " وغيره.

ص: 61

وحجة على أبي يوسف في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال. قال: ولا صلاة جنازة لما روينا، ولا سجدة تلاوة؛ لأنها في معنى الصلاة

ــ

[البناية]

فإن قلت: يعارض حديث عقبة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر» . بيانه أن هذا يقتضي أنه لو شرع في صلاة الفجر وطلعت الشمس في خلالها لا تفسد الصلاة كما ذهب إليه الشافعي رحمه الله.

قلت: إنه لبيان الوجوب بإدراك جزء من الوقت قل أو كثر. ومذهب مالك رحمه الله في هذا الباب أنه يقضي الفرائض في هذه الأوقات الثلاثة ولا يصلي النوافل سواء كان لها سبب أو لا، وبه قال أحمد رحمه الله إلا أنه أجاز ركعتي الطواف وصلاة الجماعة مع إمام الحي لخوف الفوت. واختلفت الرواية عن مالك رحمه الله عنه في صلاة الكسوف وسجود القرآن في وقت النهي.

م: (وحجة على أبي يوسف رحمه الله في إباحة النفل يوم الجمعة) ش: وحجة عطف على قوله حجة على الشافعي رضي الله عنه، روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: لا بأس بالصلاة م: (وقت الزوال) ش: واستدل على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقد ذكرناه عن قريب مع الجواب عنه.

م: (قال) ش: أي القدروي معطوف على أول الكلام.

(ولا صلاة جنازة) ش: أي ولا تجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة المذكورة، هذا محمول على جنازة حضرت قبل العصر لأن الصلاة تجب بحضورها كاملة ولا تؤدى بالناقص، حتى لو حضرت جنازة في هذا الوقت جازت الصلاة مع الكراهة؛ لأنها ناقصة كما وجبت.

(لما روينا) ش: وهو قوله: «وأن نقبر فيها موتانا» .

م: (ولا سجدة تلاوة) ش: عطف على ما قبله، أي ولا تجوز سجدة التلاوة، وهذا إذا كان تلا أو سمع قبل هذا الزمان فسجد في هذا الزمان بعدم إجزاء الناقص عن الكامل، أما لو تلا في هذا الزمان فسجد جازت لأنها أديت ناقصة كما وجبت.

م: (لأنها في معنى الصلاة) أي لأن سجدة التلاوة في معنى الصلاة من حيث إنه يشترط لها ما شرط للصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، ويقال باعتبار حصول التشبه لعبدة الشمس إزالة يحصل بعد الشمس بالحول، أيضا كذا في " المبسوط ". وقال الأكمل: فإن قيل ما بالها لم تلحق بها في قوله صلى الله عليه وسلم: «من ضحك منهم فقهقه فليعد الوضوء والصلاة جميعا» ، فينتقض وضوء الضاحك في سجدة التلاوة كما في الصلاة.

وأجيب بأن اللام في قوله: «فليعد الوضوء والصلاة» للعهد لأنه إنما يعيد الصلاة التي وجدت

ص: 62

إلا عصر يومه عند الغروب؛ لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت؛ لأنه لو تعلق بالكل لوجب الأداء بعده، ولو تعلق بالجزء الماضي فالمؤدي في آخر الوقت قاض، وإذا كان كذلك فقد أداها كما وجبت، بخلاف غيرها من الصلوات؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص.

ــ

[البناية]

فيها القهقهة لا للجنس، والمعهود صلاة ذات تحريمة وركوع وسجود، والسجود المجرد ليس في معناه من كل وجه فلا يلحق به.

قلت: هذا السؤال والجواب للسنغناقي.

م: (إلا عصر يومه عند الغروب) ش: هذا استثناء من قوله - ولا عند غروبها - يعني لو صلى عصر يومه عند غروب الشمس جازت صلاته.

م: (لأن السبب) ش: أي سبب وجوب الصلاة.

م: (هو الجزء القائم من الوقت) ش: الذي يتصل به الأداء (لأنه لو تعلق بالكل) ش: أي لأن السبب لو تعلق بكل الوقت جملة م: (لوجب الأداء بعده) ش: أي لوجب أداء الصلاة بعد ذلك الوقت لوجوب تقدم السبب بجميع أجزائه على السبب فلا يكون أداء.

م: (ولو تعلق بالجزء الماضي) ش: أي ولو تعلق بسبب الوجوب بالجزء الماضي من الوقت م: (فالمؤدي) ش: بكسر الدال.

(في آخر الوقت قاض) ش: لأنه أدى بعد خروج الوقت فيكون قضاء.

م: (وإذا كان كذلك) ش: أي وإذا كان الأمر كما ذكرنا من أن السبب هو الجزء القائم إلى آخره.

(فقد أداها) ش: أي أدى الصلاة التي هي العصر.

(كما وجبت) ش: أي باتصال الأداء بها فإن كان وقتها صحيحا بأن لا يكون موصوفا بالكراهة ولا منسوبا إلى الشيطان كالظهر مثلا وجب المسبب كاملا فلا يتأدى ناقصا، وإن كان فاسدا أي ناقصا بأن يكون منسوبا إلى الشيطان كالعصر يستأنف وقت الاصفرار وجب الفرض به ناقصا فيجوز أن يتأدى ناقصا، لأنه أداه كما وجب.

م: (بخلاف غيرها من الصلوات) ش: يعني غير العصر.

(لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص) ش: لأن ما وجب كاملا لا تتأدى بالناقص.

وقال الأكمل: قوله - لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت - فيه تسامح لأن السبب إما أول جزء والذي يلي الأداء الجزء والمضيق أو كل الوقت عند خروجه.

قلت: المراد بالجزء القائم من الوقت الجزء الباقي من آخر الوقت لأن السببية تنتقل من جزء

ص: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

إلى جزء والسبب هو الجزء القائم. وقال صاحب " الكافي ": ما قاله فالمؤدي في آخر الوقت قاضي أشكاله لأنه مؤدي باعتبار بقاء الوقت، وأيضا يلزمه على تقدير جواز قضاء العصر في هذا الوقت لأن الجزء القائم من الوقت ناقص فيجب به العصر ناقصا فينبغي أن يجوز كعصر يومه، وأجاب عنه الشيخ عبد العزيز عن الأول بأن كلامه فيمن أخر العصر إلى الغروب، ولا شك أن السبب في حقه هو الجزء القائم من الوقت هو المعبر عنه بالجزء المضيق.

وعن الثاني بأن الجزء إذا تعين السببية بحيث لا ينتقل إلى غيره كان التأخير عنه تفويتا للواجب كالجزء الأخير من الوقت في الصلاة، والجزء الأول من اليوم في الصوم. قال الأكمل: ورد عليه بأن الفوات والتفويت عن الجزء الأخير من الوقت إنما هو باعتبار خروج الوقت لا باعتبار تعينه للسببية، وكذلك الجزء الأول من اليوم لأن وقت الصوم كل النهار فإذا فات البعض فات الكل.

قلت: لا نسلم أن التفويت بمجرد اعتبار خروج الوقت بل به، وباعتبار الجزء الأخير للسبب ألا ترى أنه إذا شرع في صلاة الظهر أو المغرب أو العشاء في الجزء الأخير ثم خرج الوقت كان ذلك أداء لا قضاء، فلو أسلم الكافر عند غروب الشمس يلزمه أداء العصر، فإن لم يتمكن حتى غربت الشمس هل تلزمه أم لا؟ فهو مبني على خلاف في ذلك.

1 -

ثم اعلم أنه لا بد من جعل جزء من الوقت سببا للوجوب فقال شمس الأئمة السرخسي: سبب الوجوب الجزء الأول من الوقت فصار السبب حكم الوجوب، وصحة أداء الواجب ولكنه وجوب موسع وهو الأصح وهكذا نقله علاء الدين الحاكم السمرقندي فيش " الميزان والتقويم " لأبي زيد، ومن الناس من ظن أن الأداء لما لم يلزم في أول الوقت لم يكن وجوب الصلاة متعلقا بأوله وأنه غلط ويتعاين وقته بالفعل كالكفارة.

وفي " مختصر البزدوي ": الوجوب بأول الجزئية من أول الوقت خلافا لبعض مشايخنا، والقاضي عبد الجبار أنكر أن قوله: من قال الصلاة في أول الوقت تقع نفلا، قال: وهذا لا يصح. وقال شمس الأئمة: ومن مشايخ العراق من يقول الوجوب لا يثبت في أول الوقت وإنما تعلق الوجوب بآخره ومستدلون عليها بما لو حاضت في آخر الوقت فصلى ركعتين، فلو كان الوجوب بأول الوقت لما سقطت الصلاة بذلك، وكذا لو مات قبل خروج الوقت لا تكون الصلاة دينا في ذمته ولا شيء عليه.

ثم عند مشايخ العراق اختلاف في صفة المروي في أول الوقت فمنهم من يقول: هو نفل يمنع لزوم الفرض في آخر الوقت إذا بقي على حال يلزمه الأداء بأن لا يعارضه جنون أو حيض وغير

ص: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

ذلك فيه لأنه يمكن، ثم نزل الأداء في أول الوقت لا إلى القضاء. ومنهم من قال: المؤدي في أول الوقت وقوف على ما يظهر من حاله في آخر الوقت فاعتبروه بتعجيل الزكاة قبل الحول.

وفي " المرغيناني " قال: أكثر أصحابنا الوجوب يتعلق بمقدار التحريمة.

وقال زفر رحمه الله بمقدار ما يؤدي الصلاة وهذا القول مختار القدوري رحمه الله، والأول اختيار القاضي أبي زيد الدبوسي رحمه الله: وذكر عن الكرخي ثلاث روايات عن أصحابنا فروى الشيخ أبو بكر الجصاص رحمه الله أن الوقت كله وقت العرض وعليه أداؤه في وقت مطلق من جميع الوقت وهو مخير في الأداء فيتعين الواجب بالأداء ويضيق الوقت، فإن أدى في أول الوقت يكون واجبا، وإن أخر لا يأثم وهو الرواية على المعتمد عليها.

ويروى أيضا أن الأداء في أوله موقوف إن بقي إلى آخر الوقت بصفة التكليف يقع واجبا فإن فات شيء من شرائط التكليف يكون نفلا، وفي رواية أخرى عنه يقع نفلا في أول الوقت فإذا بقي إلى آخر الوقت وصفة المكلفين يكون ذلك سقطا للغير من قال، وهذا الرواية مهجورة.

وعند الشافعي رحمه الله لما يفرد الوجوب في أول الوقت لزمه الأداء على وجه لا تتغير بتغير حال فيعد ذلك تعارض الحيض والقرء. وقال النووي رحمه الله تجب الصلاة بأول الوقت وجوبا موسعا ويستقر الوجوب بإمكانه فعلها قاله. وعن أبي حنيفة رحمه الله في رواية كمذهبنا وهي غريبة.

قلت: إن أراد به تعلق الوجوب بأول الوقت وجوبا موسعا فهو المذهب الصحيح عندنا وليست هذه الرواية بغريبة، وإن أراد استقرار الوجوب بإمكان فعلها فليس هذا رواية عن أصحابنا لا غريبة ولا مشهورة.

وقال ابن بطال: حكى ابن القضاء عن الكرخي عن أبي حنيفة رحمه الله أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلا، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله.

قلت: هذا قول ضعيف نقل عن بعض الأصحاب كما ذكرنا وليس منقولا عن أبي حنيفة رحمه الله.

ثم اعلم أيضا أن الواجب الموسع الذي هو الفاضل عن الواجب لا يتعين بعض أجزائه بتعين العذر، رضا بأن يقول عينت هذا للسببية ولا قصدا بأن ينوي ذلك، وذلك لأن تعيين الأسباب والشرائط من وضع الشارع، وليس للعبد ذلك، وإنما للعبد اختيار فعل فيه رفيق وليس ذلك بتعيين جزء لأنه ربما لا يتيسر فيه الأداء بل له الاختيار في تعينه فعلا بأن يؤدي الصلاة في أي جزء يريد فيتعين بذلك الفعل ذلك الجزء وقتا لفعله كما في خصال الكفارة فإن الواجب أحد الأمور من الإعتاق والكسوة والإطعام لا يتعين شيء منها بتعيين المكلف قصدا ولا قضاء بل يختار أيها شاء.

ص: 65

قال رضي الله عنه: والمراد بالنفي المذكور في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة الكراهة، حتى لو صلاها فيه أو تلا آية السجدة. فسجدها جاز لأنها أديت ناقصة كما وجبت، إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة.

ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس؛ لما روي أنه عليه السلام نهى عن ذلك.

ــ

[البناية]

فيفعله هو الواجب بالنسبة إليه.

م: (قال) ش: أي المصنف رحمه الله م: (والمراد بالنفي المذكور في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة) ش: أي في قول القدوري رحمه الله ولا صلاة جنازة ولا سجدة تلاوة - م: (الكراهة) ش: مرفوع لأنه خبر المبتدأ وهو قوله والمراد.

م: (حتى لو صلاها فيه) ش: نتيجة الكراهة، أي لو صلى الجنازة في وقت من الأوقات الثلاثة، م:(أو تلا سجدة فيه) ش: أي أو قرأ آية في وقت من هذه الأوقات م: (فسجدها جاز) ش: أي فسجد لتلاوته وفيه جازت.

م: (لأنها أديت ناقصة) ش: أي لأن كل واحدة من صلاة الجنازة وسجدة التلاوة أديت حال كونها ناقصة.

م: (كما وجبت) ش: أي كما وجبت ناقصة.

م: (إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة) ش: كلمة إذ للتعليل أي لأن الوجوب حصل بحضور الجنازة وبوقوع التلاوة في الوقت الناقص وقد مر الكلام فيه مستوفى عند قوله - ولا صلاة جنازة ولا سجدة تلاوة.

م: (ويكره أن يتنفل بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس) ش: أراد أنه إذا طلع الجر وصلى صلاة الفجر يكره، لا أن يصلي إلى أن تطلع وبعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس.

م: (لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك) ش: لما روى مسلم من حديث أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وفيه: «فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن الصلاة، قال: صل الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها، ثم صلى فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل كالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإنها حينئذ تسجر جهنم فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان» . الحديث بطوله وروى إسحاق بن راهويه - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في " مسنده " ثم البيهقي من جهة حدثنا وكيع ثنا سفيان الثوري أخبرني أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي

ص: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين دبر كل صلاة مكتوبة إلا الفجر والعصر» .

وأخرج البخاري عن معاوية - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: «إنكم لتصلون صلاة لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنها» يعني الركعتين بعد العصر.

وروى مسلم عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عن حفصة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين» "، روى أبو داود عن يسار مولى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال رآني ابن عمر رضي الله عنه أصلي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» .

وأخرج الطبراني عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا طلع الفجر فلا تصلوا إلا ركعتين الفجر» .

وأخرج أيضا عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة إذا طلع الفجر إلا ركعتين» ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال ابن بطال رحمه الله في " شرح البخاري ": تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وكان عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير فدل أن صلاته صلى الله عليه وسلم مخصوصة به دون أمته، وكره ذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وسمرة بن جندب وزيد بن ثابت وسلمة بن عمرو وكعب بن مرة وأبو أمامة وعمرو بن عيينة وعائشة والصالحي واسمه عبد الرحمن بن عقيلة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم والحسن البصري وسعيد بن المسيب والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن رحمهم الله تعالى أجمعين. وقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك.

1 -

ص: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

فإن قلت: أخرج البخاري ومسلم عن الأسود عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعهما سرا ولا علانية ركعتان قبل صلاة الصبح وركعتان بعد العصر» .

وفي لفظ لهما: «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي في يوم بعد العصر إلا [صلى] ركعتين» . وروى أبو داود من حديث قيس بن عمر رضي الله عنهما وقال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصبح ركعتان فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم» هكذا رواه أبو داود وقال قيس بن عمر رضي الله عنه في رواية قيس بن قهر بالقاف.

قلت: استوت القاعدة أن المبيح والحاظر إذا تعارضا جعل الحاظر متأخرا، وقد ورد نهي كثير في الأحاديث التي ذكرناها آنفا بالعمل عليها.

وأما حديث الأسود عن عائشة رضي الله عنها فإن صلاته صلى الله عليه وسلم فيه مخصوصة به والدليل عليه ما ذكرنا أن عمر رضي الله عنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير.

وذكر الماوردي من الشافعية رضي الله عنه وغيره أيضا أن ذلك من خصوصيته صلى الله عليه وسلم.

وقال الخطابي رحمه الله أيضا: كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بهذا دون الخلق. قال ابن عقيل: لا وجه له إلا هذا الوجه.

وقال الطبري: فعل ذلك تنبيها لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم. وقال الطحاوي: الذي يدل على الخصوصية أن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - هي التي روت صلاته إياها قيل لها أفنقضيهما إذا فاتتا بعد العصر. قالت: لا. وأما حديث قيس بن عمر قال [في]" الإمام ": إسناده غير متصل ومحمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج [به] .

ثم نفسر بعض ألفاظ الأحاديث المذكورة.

قوله - «تطلع بين قرني شيطان» - اختلفوا فيه على وجوه فقيل: معناه مقارنة الشيطان عند رؤيتها للطلوع والغروب. وقيل: قرنه قوته من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أي بطوله يرى عليه، وذلك لأن الشيطان إنما يتولى أمره في هذه الأوقات لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات.

وقيل: قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس يقال هؤلاء قوم قرن، أي قوم بعد قرن

ص: 68

ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين من الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلي على الجنازة؛ لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به، لا لمعنى في الوقت، فلم تظهر في حق الفرائض، وفيما وجب لعينه كسجدة التلاوة.

ــ

[البناية]

آخر. وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، وكأنهم لما دفعوها وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس صار ذلك لهم بمنزلة ما يعالجه، وذوات القرون بقرونها وتدفعه بأرواقها.

قلت: يمكن حمل الكلام على حقيقته ويكون المراد أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه ولأعوانه إنما يسجدون له فيكون له ولنفسه تسلط.

قوله - مشهودة - أي تشهدها الملائكة وتحضرها.

م: (ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين) ش: أراد بالوقتين ما بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر قبل غروب الشمس. م:(الفوائت) ش: بالنصب مفعول يصلي.

م: (ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة لأن الكراهة) ش: الحاصلة في هذين الوقتين.

م: (كانت لحق الفرض ليصير الوقت) ش: من بعده، م:(كالمشغول به) ش: أي بالفرض فلم يجز النفل فيهما لأن الثقل التقديري بالفرض أولى من الثقل الحقيقي بالنفل م: (لا لمعنى في الوقت) ش: يعني ليست الكراهة في هذين الوقتين بالنفل لا لمعنى في الوقت، يعني ليست الكراهة في هذين الوقتين لمعنى في نفس الوقت، بل لثقل الوقت بالفرض، ولهذا لو ابتدأ العصر في أول الوقت ومده إلى المغرب لا يكره بالاتفاق، فلو كانت الكراهة لمعنى في الوقت لكان هذا مكروها.

وقوله - لا بمعنى في الوقت - تأكيد لقوله - لحق الفرض - وفيه إشارة إلى أن يفرق بين النهي الوارد في هذين، والوارد في الأوقات الثلاثة المذكورة بأن ذلك لمعنى في الوقت، وهو كونه منسوبا إلى الشيطان فيظهر في حق الفرائض والنوافل وغيرها، وهذا المعنى لثقل الوقت بالفرض كما ذكرنا.

م: (فلم يظهر في حق الفرائض) ش: هذه نتيجة ما قبله فلذلك ذكره بالفاء، أي فلم تظهر الكراهة في حق الفرائض فجازت الفوائت فيها. م:(وفيما وجب لعينه كسجدة التلاوة) ش: لكون وجوبها غير موقوف على فعل العبد بدليل وجوبها بالسماع فصارت كسائر الفرائض.

فإن قلت: قد ذكر في الأصول أن سجدة التلاوة وجبت بقربة مقصودة حتى جاز إقامة

ص: 69

فظهرت في حق المنذور؛ لأنه تعلق وجوبه بسبب من جهته وفي حق ركعتي الطواف، وفي الذي شرع فيه ثم أفسده؛ لأن الوجوب لغيره

ــ

[البناية]

الركوع مقامها بخلاف سجود الصلاة، وهذا يوهم أنها واجبة لغيرها.

قلت: أراد بما وجب بعينه هاهنا ما شرع واجبا ابتداء لأنه شرع نفلا في الأصل ثم صار واجبا بعارض كالنذر، ثم هذا الواجب قد يكون قربة مقصودة بذاتها وقد لا يكون: كالصلاة، والصوم، وسجدة التلاوة من حيث إنها وجبت ابتداء كانت واجبة بعينها، ومن حيث إنها وجبت موافقة للأبرار ومخالفة للكفار، ولم تكن مقصودة بنفسها فكانت واجبة مقصودة لنفسها لعدم التنافي، ألا ترى أن صلاة الجنازة عرفت من هذا أن الفعل مع أنها وجبت بغيرها وهو لصاحب الميت، ولكنها لما شرعت ابتداء صح جعلها واجبة بعينها من هذا الوجه.

م: (فظهرت في حق المنذور) ش: أي ظهرت الكراهة في حق المنذور من الصلاة في هذين الوقتين م: (لأنه تعلق وجوبه بسبب من جهته) ش: أي من جهة الناذر لا من جهة الشرع فصار كالصلاة التي شرعت فيها متطوعا، فإذا كان كذلك يكره أداء المنذور في هذين الوقتين، لا يقال الضمير في جهته إضمار قبل الذكر، لأنا نقول قوله المنذور يدل على الناذر، لأن النذر قائم به.

وعن أبي يوسف: لا يكره المنذور في هذين الوقتين لأنه واجب بالنذر.

م: (وفي حق ركعتي الطواف) ش: أي فظهرت الكراهة أيضا في حق ركعتي الطواف حتى كره أداؤها في هذين الوقتين لأن وجوبهما بغيرهما وهو ختم الطواف الحاصل بفعله.

وقال الشافعي: يجوز في هذين الوقتين ركعتا الطواف، وتحية المسجد، وكل فعل له سبب: كركعتي الوضوء، وسنن الرواتب، والمنذور.

قلت: في " المبسوط " أن كراهة الطواف بالأثر، وهو ما روي عن عمر رضي الله عنه طاف بالبيت أسبوعا بعد صلاة الفجر ثم خرج من مكة حتى كان بذي طوى فطلعت الشمس فصلى ركعتين، ثم ذهب فقال: ركعتين مقام ركعتين، فقال أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد طلوع [الشمس] . وذي طوى: ينصرف ولا ينصرف وهو بضم الطاء اسم موضع مكة.

ولو أفسدته الفجر، ثم قضاها بعد صلاة الفجر لم يجز كذا في " المحيط ". وقيل يجوز ولو في شرع في النفل قبل طلوع الفجر ثم طلع قيل يقطعه، والأصح: أنه يتمه ولا ينوب عن سنة الفجر في الأصح.

م: (وفي الذي شرع فيه ثم أفسده) ش: أي وكذا ظهرت الكراهة في النفل الذي شرع فيه حتى كره قضاؤه في هذين الوقتين.

م: (لأن الوجوب لغيره) ش: تعليل للمسألتين جميعا، ومعنى الوجوب لغيرها أنه يجب في

ص: 70

وهو ختم الطواف وصيانة المؤدي

عن البطلان، ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يزد عليهما مع حرصه على الصلاة. ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض لما فيه من تأخير المغرب،

ــ

[البناية]

الأصل، فقوله م:(وهو ختم الطواف) ش: يرجع إلى قوله - وفي حق ركعتي الطواف م: (وصيانة المؤدي) ش: - يرجع إلى قوله - وفي الذي شرع فيه ثم أفسده - والمؤدى بفتح الدال.

فإن قلت: ركعتا الطواف واجبتان عندنا فوجوبه من جهة الشرع بعد الطواف كوجوب سجدة التلاوة بعد التلاوة فينبغي أن يؤتى بهما كسجدة التلاوة في هذين الوقتين. وقول المصنف بأن الوجوب لختم الطواف ينتقض بسجدة التلاوة فإن وجوبها للتلاوة وهي فعله أيضا.

قلت: قد تجب السجدة بتلاوة غيره إذا سمعه من غير قصد ولا كذلك ركعتا الطواف.

م: (ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر لأنه عليه السلام لم يزد عليهما) ش: أي على ركعتي الفجر اللتين هما السنة المذكورة.

م: (مع حرصه على الصلاة) ش: أي مع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على النافلة. قال الأترازي: ولو لم تكره تفعل، قلت: هذا يبنى على معرفة الحديث الذي فيه عدم زيادة النبي صلى الله عليه وسلم على ركعتي الفجر وكذا قال الأكمل: أن الترك مع حرصه عليه السلام على إحراز فضيلة النفل دليل الكراهة، وقد ذكرنا فيما مضى من حديث مسلم الذي رواه عن ابن عمر عن حفصة رضي الله عنهم قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلى إلا ركعتين خفيفتين» وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان يزيد على ركعتي الفجر مع حرصه على إحراز فضيلة النوافل.

وفي " المجتبى " ويخفف القراءة في ركعتي الفجر لقول ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيهما ب {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] .

وفي " المبسوط " لشيخ الإسلام: والنهي عما سوى ركعتي الفجر فيه لحق ركعتي الفجر لخلل في الوقت. وفي " التجنيس " للمصنف يتطوع آخر الليل فلما صلى ركعة طلع المفجر كان الإتمام أفضل، لأنه وقع في التطوع بعد الفجر لا عن قصد.

م: (ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض) ش: أي قبل صلاة المغرب. م: (لما فيه من تأخير المغرب) ش: وتأخير المغرب مكروه فيكره ما يكون سببا للتأخير.

فإن قلت: روي عن ابن عباس رضي الله عنه: «كان المؤذن إذا أذن قام الناس من أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواك حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج رآهم لذلك يصلون ركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء» .

قلت: حمل ذلك على أن أول الأمر قبل النهي، أو قبل أن يعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم -

ص: 71

ولا إذا خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة إلى أن يفرغ من خطبته؛ لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة.

ــ

[البناية]

منهم. وقال أبو بكر بن العربي: اختلف الصحابة فيها ولم يفعله بعدهم أحد. وقال النخعي: إنها بدعة. وقال عميرة: كان ذلك في أول الإسلام ليعرف خروج الوقت المنهي عنه ثم أمروا بتعجيل المغرب. وروى أبو داود عن طاووس قال سئل ابن عمر رضي الله عنه عن الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما، وروي عنه عليه السلام:«بين كل أذانين صلاة إن شاء إلا المغرب» . قال الخطابي: يعني الأذان والإقامة، وعند بعض أصحاب الشافعي يستحب أن يصلي ركعتين قبل المغرب.

م: (ولا إذا خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة) ش: أي ولا يتنفل أيضا إذا خرج الإمام من بيت الخطابة يوم الجمعة لأجل الخطبة.

م: (إلى أن يفرغ) ش: من الخطبة.

م: (لما فيه) ش: أي لما في التنفل، دل عليه قوله ولا يتنفل م:(لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة) ش: وهو مكروه كراهة تحريم. وقال أبو بكر بن العربي: والجمهور على أنه لا يفعل وهو الصحيح، لأن الصلاة حرام إذا شرع الإمام في الخطبة بوجوه ثلاثة من الدليل.

الأول: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204](الأعراف: الآية 204) فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه بغير فرض.

الثاني: صح عنه عليه السلام من كل طريق أنه قال: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت، فقد لغوت» ، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصل أن الفرضان في المسألة يحرمان في حال الخطبة فالنفل أولى بأن يحرم.

الثالث: أنه لو دخل والإمام في الصلاة لم يركع والخطبة صلاة من وجه يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة.

وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى جواز تحية المسجد بركعتين لحديث جابر رضي الله عنه «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذا جاء رجل فيه بذة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أصليت؟ " قال: لا. قال: " قم فاركع.» وهو حديث اتفق البخاري، ومسلم عليه. وهذا الرجل هو:" سليك الغطفاني " بين ذلك مسلم وغيره.

قلت: هذا الحديث لا يعارض الأصول من أوجه أحدها أنه خبر واحد يعارض أخبار أقوى منه فوجب تركه.

ص: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

الثاني: يحتمل أن يكون في الوقت الذي كان الكلام مباحا في الصلاة لأنه لا يعلم تاريخه.

الثالث: أنه عليه السلام كلم سليكا وقال له: قم وأمره سقط عنه فرض الاستماع فإنه أقوى في هذا الباب.

الرابع: الحظر مقدم على الإباحة.

الخامس: أن سليكا [كان به] بذاذة فأراد عليه السلام أن يشهره فيرى حاله فيعتبر به أو يتصدق عليه لضعف حاله، والبذاذة على التواضع في اللبس وعدم الريبة، وروي «البذاذة من الإيمان» وأصله من بذ فلان الناس إذا سفههم الناس في فضل.

ص: 73