الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة المريض
إذا عجز المريض عن القيام
ــ
[البناية]
[باب صلاة المريض]
[كيفية صلاة المريض]
م: (باب صلاة المريض) ش: أي هذا باب في بيان أحكام صلاة المريض، وهو فعيل بمعنى فاعل من باب علم يعلم، قال الجوهري: المرض القسم، قلت: هو ضعف القوى، وترادف الآلام.
وفي " البدرية " الإضافة في صلاة المريض من باب إضافة الفعل إلى فاعله أو إلى محله، كتحريك الخشبة.
وأنه شائع كقولهم: جرح زيد لا يندمل، وقال السغناقي: قولهم: جرح زيد لا يندمل يجمعها. قلت: ينبغي أن يتعين المعنى الأول، لأن المعنى الصلاة الصادرة من المريض، فالمريض فاعلها وموجدها، بخلاف جرح زيد لأن زيدا المجروح فلا يكون نظيره، لأن المريض بمعنى المارض كما ذكرنا، ثم المناسبة بين البابين من حيث إن كلا منهما مشتمل على نوع من العوارض السماوية، لكن قدم باب السهو لكثرة وقوعه وشدة سائر الحاجة إلى بيانه، أو لأن في كل منهما صلاة مع قصور ولها جابر، ففي الأول سجدتا السهو، وفي هذا قدر الإمكان.
م: (إذا عجز المريض عن القيام) ش: بأن يلحقه بالقيام ضرر، ولم يرو هذا العجز أصلا، بحيث لا يمكنه القيام بأن يصير مقعدا بل بحيث لا يقدر على القيام، إلا أنه يضعفه ضعفا شديدا أو يجد وجعا، كذا في " المحيط "، وقيل: بحيث لو قام سقط عن ضعف أو دوران رأس.
وقيل: بحيث أن يصير صاحب فراش، وقيل: بحيث يبيح ما يسمح الإفطار به، وقيل لا يبيح التيمم به، وقيل ما يعجزه عن القيام بحوائجه.
وأصح الأقاويل ما ذكرناه أولا، وهو أن يلحقه بالقيام ضرر كذا ذكره التمرتاشي، وفي " فتاوى الظهيرية " وعليه الفتوى.
وعن أبي جعفر الطحاوي: ولو قدر على بعض القيام ولو قدر آية أو تكبيرة يقوم ذلك القدر وإن عجز عن ذلك قعد، وإن لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته، هذا هو المذهب، ولا يروى عن أصحابنا خلافه، وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء أو الاستناد إلى إنسان أو حائط أو وسادة لا يجزئه إلا كذلك.
ولو استلقى لا يجزئه خصوصا على قولهما فإنهما يجعلان قدرته على الوضوء بغيره كقدرته بنفسه، فكذلك في " مبسوط شيخ الإسلام "، الفرق بين هذا وبين الصوم أن المريض إذا كان قادرا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز فإنه لا يصوم أصلا، وهاهنا يصلي قائما بقدر ما رأته لنا أفطر في آخر اليوم لم يكن فعله معتدا به في أول اليوم فلا ينتقل به، وفي الصلاة قيامه في
صلى قاعدا يركع ويسجد؛ لقوله عليه السلام لعمران بن حصين رضي الله عنه: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء» ، ولأن الطاعة بحسب الطاقة.
قال: فإن لم تستطع الركوع والسجود أومئ إيماء، يعني قاعدا؛
ــ
[البناية]
أولها يبقى معتدا به، وإن قعد في آخرها، وفي " المحيط " و " المجتبى " لو تكلف المريض إلى الجماعة فعجز عن القيام.
قيل: لا يخرج مخافة فوت الركن، والأصح أن يخرج، لأن الفرض القدرة على الاقتداء. وفي " الخلاصة " وعليه الفتوى.
م: (صلى قاعدا يركع ويسجد) ش: قاعدا نصب على الحال من المريض، ويركع ويسجد أيضا حالان متداخلان أو مترادفان م: (لقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء» ش: هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا مسلما.
عن «عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» وزاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» .
وفي رواية أبي داود عن «عمران بن حصين قال: كان بي الناصور، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم» -.. الحديث، الناصور بالنون والصاد المهملة، ويقال: الناسور بالسين، وهي علة تحدث في مآقي العين تبقى فلا تقطع، وقد تحدث أيضا في أحوال المقعدة وهو المراد هاهنا، وقد تحدث أيضا في اللبة وهو معرب.
والباسور بالباء الموحدة علة تحدث في المقعدة وفي داخل الأنف أيضا، ويجمع على بواسير، وفي لفظ مبسورا، وقيل بالنون، وقيل: لا يسمى باسورا إلا إذا خرج وفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج. وفي " المغرب " الباصور فرجة غائرة فلا تندمل.
م: (ولأن الطاعة بحسب الطاقة) ش: أي بحسب القدرة، قال الله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] (البقرة: الآية 286) .
م: (قال) ش: أي القدوري رحمه الله م: (فإن لم تستطع الركوع والسجود أومئ إيماء) ش: أومأ أصله بالهمزة ولكنها تلين م: (يعني قاعدا) ش: هذا تفسير كلام القدوري، فإن قال: فإن لم تستطع الركوع والسجود أومئ إيماء، وجعل السجود أخفض من الركوع، ولم يتعرض أنه يومئ قائما أو قاعدا، فقال المصنف مراده يومئ قاعدا.
فإن قلت: إذا قدر على القيام ولم يقدر على الركوع أو السجود ينبغي أن لا يسقط عنه فرض القيام، ويصلي قائما بالركوع والسجود، وهو قول الشافعي لحديث عمران بن حصين: «فإن لم
لأنه وسع مثله وجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لأنه قام مقامهما، فأخذ حكمهما ولا يرفع إلى وجهه شيء يسجد عليه؛ لقوله عليه السلام:«إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومئ برأسك» ،
ــ
[البناية]
تستطع فقاعدا» حيث نقل الحكم من القيام إلى القعود بشرط العجز عن القيام.
قلت: أجاب السغناقي محالا على " مبسوط شيخ الإسلام " بقوله ذلك محمول على ما إذا كان قادرا على الركوع والسجود حال القيام، بدليل أنه ذكر الإيماء حال ما يصلي على الجنب، فدل أن المراد بحال القيام القدرة على الأركان.
قلت: في أي طريق من طرق حديث عمران بن حصين ذكر الإيماء حتى يقول بدليل أنه ذكر الإيماء إلى آخره.
فإن قلت: لم يبين صفة القعود كيف هي.
قلت: قال صاحب " الدراية " و " التحفة ": اختلفت الروايات عن أصحابنا في أنه كيف يقعد، فروى محمد عن أبي حنيفة أنه يجلس كيفما شاء.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا افتتح الصلاة يتربع، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، وعن أبي يوسف أنه يتربع في جميع صلاته، وعن زفر رحمه الله أنه يفترش رجله اليسرى في جميع صلواته، والصحيح رواية محمد، لأن عذر المرض يسقط عنه الأركان، فلأن تسقط عنه الهيئات أولى.
م: (لأنه وسع مثله) ش: أي لأن الإيماء بالركوع والسجود قاعدا وسع مثل هذا الرجل، هذا الذي لا يقدر على القيام والركوع والسجود م:(وجعل سجوده أخفض من ركوعه) ش: أي أوطأ م: (لأنه) ش: أي لأن الإيماء م: (قائم مقامهما) ش: أي مقام الركوع والسجود م: (فأخذ حكمهما) ش: أي فأخذ الإيماء حكم الركوع والسجود، وهو أن السجود يكون أخفض من الركوع. فكذا في الإيماء.
م: (ولا يرفع إلى وجهه شيء يسجد عليه) ش: لا يرفع على صيغة المجهول، وقوله شيء مفعول قائم مقام الفاعل.
وقوله: يسجد عليه جملة في محل الرفع لأنها صفة لقوله شيء م: (لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأومئ برأسك» ش: هذا الحديث رواه جابر وابن عمر رضي الله عنهم، فحديث جابر أخرجه البزار في " مسنده " والبيهقي في " المعرفة " عن أبي بكر الحنفي حدثنا سفيان الثوري حدثنا أبو الزبير عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها فأخذ عودا ليصلي عليه فرمى به، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن استطعت وإلا فأومئ إيماء
وإن فعل ذلك وهو يخفض رأسه أجزأه لوجود الإيماء. وإن وضع ذلك على جبهته
ــ
[البناية]
واجعل سجودك أخفض من ركوعك» .
وقال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن الثوري إلا أبو بكر الحنفي، قال البيهقي: هذا بعيد من أفراد أبي بكر الحنفي وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري به، وهذا لا يحتمل أن يكون في وسادة مرفوعة إلى جبهته، ويحتمل أن تكون موضوعة على الأرض.
وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني في " معجمه " عن طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: «عاد النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه مريضا» .. فذكره.
م: (وإن فعل ذلك) ش: أي إن رفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه م: (وهو يخفض رأسه) ش: أي والحال أنه يخفض رأسه م: (أجزأه لوجود الإيماء) ش: الذي هو الفرض، يعني الإيماء في حقه، وفي الأصل يكره للمومئ أن يرفع عودا أو وسادة يسجد عليها.
وفي " الينابيع " يكون شيئا وتجوز صلاته إن وجد فيه تحريك رأسه، وإن لم يوجد لا يجوز. ثم اختلفوا هل يعد هذا سجودا أو إيماء؟، قيل: هو إيماء وهو الأصح، وفي " المبسوط " جازت صلاته بالإيماء لا بوضع الرأس، وقيل: هو سجود، فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض وسجد عليها جازت لما روى الحسن عن أمه قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسجد على وسادة من أدم من رمد بها، رواه البيهقي بإسناده، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رخص في السجود على الوسادة والمخدة ذكره البيهقي، وكذا ذكر في " سننه " عن أبي إسحاق قال: رأيت عدي بن حاتم يسجد على جدار في المسجد ارتفاعه قدر ذراع، وذكره أيضا ابن أبي شيبة في " مصنفه "، وذكر ابن أبي شيبة عن أبي أنس أنه كان يسجد على مرفقه، وعن أبي العالية أنه كان مريضا وكانت المرفقة سكنى له فيسجد عليها، وكره ذلك ابن عمر وكان عمر رضي الله عنه يكره أن يسجد الرجل على العود، ومثله عن ابن مسعود والحسن، ذكره ابن أبي شيبة في " مصنفه ".
وفي " المحيط ": لو كان على جبهته عذر دون الأنف لم يجزه الإيماء ويسجد على أنفه، لأنه كالجبهة. وقال أبو بكر: إذا كان بجبهته أو أنفه عذر يصلي بالإيماء ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الأرض بأقصى ما يمكنه.
وفي " المجتبى ": كيفية الإيماء بالركوع والسجود شبيهة على أنه هل يكفي بعض الانحناء أم أقصى ما يمكنه؟ فظفرت على الرواية، فإنه ذكر شيخ الإسلام المومئ إذا اخفض رأسه للركوع شيئا ثم للسجود جاز، ولو وضع بين يديه وسائد وألصق جبهته فإن وجد جاز وإلا فلا.
م: (وإن وضع ذلك) ش: أي وإن وضع ذلك الشيء بأن وضعه م: (على جبهته) ش: أي على
لا يجزئه لانعدامه، وإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع والسجود؛ لقوله عليه السلام:«يصلي المريض قائما فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله تعالى أحق بقبول العذر منه»
ــ
[البناية]
جبهة المريض م: (لا يجزئه لانعدامه) ش: أي لانعدام الإيماء م: (وإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود) ش: قال الشيخ حميد الدين بن الضرير وغيره: توضع وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد، ليتمكن من الإيماء للركوع والسجود، إذ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء عن الإيماء، فيكف في المرضى؟
ثم اختلفت الروايات عن أصحابنا في كيفية الاستلقاء، ففي ظاهر الرواية يصلي مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة، وروى ابن كاس عنهم أنه يصلي على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، فإن عجز عن ذلك استلقى على قفاه، وهو قول الشافعي وقول مالك وأحمد كظاهر الرواية المذكورة م: (لقوله عليه السلام: «يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه» ش: هذا حديث غريب رواه أصحابنا في كتبهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبينوا رواته ولا حاله.
وإنما ذكر صاحب " المبسوط " فقال: «دخل رسول صلى الله عليه وسلم على عمران بن حصين يعوده في مرضه، فقال: كيف أصلي؟، قال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء، فإن لم تستطع فالله تعالى أولى بالعذر» ، أي بقبول العذر منك.
وقد روى الدارقطني في " سننه " من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يصلي المريض قائما، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيا ورجلاه مما يلي القبلة» .
وفيه [الحسن بن] الحسين العرني قال عبد الحق: كان من رؤساء الشيعة ولم يكن عندهم بصدوق، ووافقه ابن القطان وفيه الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
قال ابن عدي: أنا أرجو أن لا بأس به إلا أني وجدت في بعض حديثه نكرة، وقال السغناقي: قوله فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه، هذا من تتمة الحديث، ولفظ " المبسوطين " و " الأسرار " أولى فكان أحق معناه على قول من يقول لا يسقط القضاء عنه وإن لم يقدر على الإيماء أي أحق بقبول عذر التأخير لا عذر الإسقاط، وعلى قول من يقول بعدم القضاء
قال: وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة فأومأ جاز؛ لما روينا من قبل، إلا أن الأولى هو الأولى عندنا خلافا للشافعي رحمه الله؛ لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة،
ــ
[البناية]
وهو الأصح أي أحق بقبول عذر الإسقاط.
قلت: هذا كلام حسن إذا ثبت أنه حديث.
م: (وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة فأومأ جاز) ش: أطلق ذكر الجنب ليتناول الأيمن والأيسر وهو مذهب الشافعي، ولكنه قال على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع استلقى على ظهره ويستقبل القبلة برجليه لحديث عمران بن حصين ولأنه لو اضطجع على جنبه يكون وجهه إلى القبلة فهو أولى كما إذا احتضر وجهه إلى القبلة على شقه الأيمن، وكذا في القبر، وسنجيب عن هذا عن قريب.
ثم اعلم أن الاضطجاع المشروع ستة:
أحدها: في الصلاة على الخلاف.
الثاني: المحتضر عند الموت يوضع على شقه عرضا ووجهه إلى القبلة، ولكن المتأخرين اختاروا الاضطجاع مستلقيا، وزعموا أنه أسهل لخروج الروح وهو الثالث.
الرابع: الميت إذا وضع على التخت لغسله، ولا رواية فيه لأصحابنا، لكن تعارفوا اضطجاعه على قفاه.
الخامس: الاضطجاع في حالة الصلاة يكون مستلقيا على قفاه كما هو المعهود بين الناس.
السادس: الاضطجاع في اللحد يضطجع على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة.
م: (لما روينا من قبل) ش: أراد به حديث عمران بن حصين الذي ذكره في أول الباب م: (إلا أن الأولى هو الأولى عندنا) ش: الأولى بفتح الهمزة بمعنى الأحرى والأجدر، والأولى الثاني بضم الهمزة تأنيث الأول، وأراد به الاستلقاء على الظهر.
فإن قلت: كيف وجه التأنيث، والمذكور من الاستلقاء على الظهر مذكر؟
قلت: لما كان هذه هيئة وحالة ذكر بالتأنيث على تأويل الهيئة، ويجوز أن يكون على تأويل الرواية الأولى، وجعله السغناقي من باب المزاوجة خطأ فلا حاجة إلى ذلك، والتأويل المذكور أحسن، وفي بعض النسخ الأولى بالضم يقدم على الأولى بالفتح، وعلى هذا فسره الأكمل.
م: (خلافا للشافعي) ش: فإن عنده هو الثاني كما ذكرنا م: (لأن إشارة المستلقي تقع إلى هواء الكعبة) ش: هذه إشارة إلى أوجه المعقول، أراد أن المستلقي على قفاه إذا أومأ يقع إيماؤه إلى هواء الكعبة، وقد علم أن شرط المصلي أن يصلي إلى القبلة، والصلاة بالإيماء ما له فعل غير الإيماء
وإشارة المضطجع على جنبه إلى جانب قدميه، وبه تتأدى الصلاة،
فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه،
ــ
[البناية]
والإيماء أن يقع إلى الكعبة بما قلنا، ألا ترى أنه لو حققه لذلك سجودًا كان إلى القبلة.
وعلى ما قاله الخصم لو حققه لكن إلى يسار الكعبة م: (وإشارة المضطجع على جنبه إلى جانب قدميه) ش: فيكون توجه البدن إلى الكعبة والشرط أداء الصلاة إلى الكعبة لا البدن، بدون الأداء، فالخصم مال إلى ظاهر التوجه ببدنه، كما في الميت، ونحن إلى التوجه مصليًا، وهذا أولى، وقال الأكمل في هذا الموضع: ولنا تعارض حديث عمران بن حصين، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وفي حالة العذر جاز العمل بكل منهما، إلا أن ما ذكرنا أولى، لأن المعقول معنا، فإن إشارة المستلقي.... إلخ.
قلت: لم يبين هو حديث ابن عمر أصلًا ولا ذكره، وكيف قال ولما تعارض حديث عمران وحديث ابن عمر؟ أقول حديث ابن عمر رواه البيهقي عن نافع عن ابن عمر قال:«يصلي المريض مستلقيًا» ولا يسلم المعارضة بينهما، فإن في حديث عمران أيضًا «فإن لم يستطع فمستلقيًا» رواه النسائي كما ذكرنا.
وقال صاحب " الدراية ": وحديث عمران محتمل، وما رويناه أعني حديث ابن عمر محكم، والعمل بالمحكم أولى.
قلت: هذه الدعوى إنما تصح إذا لم يكن في حديث عمران ذكر الاستلقاء على القفا، والحال انه قد ذكر فيه، فحينئذ كلاهما يتساويان فلا تصح دعوى كل واحد من الأكمل وصاحب " الدراية "، على أن أصحابنا احتجوا بأول حديث عمران بن حصين وهو قوله:«صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا» فعلى هذا ذكر المصنف، واحتج الشافعي بتمامه لأن آخر الحديث:«فإن لم تستطع فعلى الجنب» .
ثم أجاب أصحابنا عن هذا أن معنى قوله عليه السلام فعلى الجنب أي ساقطًا على الأرض، والمستلقي على الأرض ساقط.
قلت: هذا ليس بسديد، لأنه يلزم منه التكرار في الحديث بلا فائدة، فافهم.
والكلام الموجه فيه أن يقال إن كل واحد من الحديثين يدل على جواز ما قالوا وما قلنا: غاية ما في الباب أن أصحابنا رجحوا صورة الاستلقاء على القفا لمساعدة العقول إياه كما ذكرنا، وما في الباب يرجح غير هذا.
م: (وبه تتأدى الصلاة) ش: أي بوقوع الإشارة إلى هواء الكعبة تتأدى الصلاة.
م: (فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه) ش: أي أخرت الصلاة عن هذا المريض عند
ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، خلافا لزفر رحمه الله لما روينا من قبل؛ ولأن نصب الإبدال بالرأي ممتنع، ولا قياس على الرأس لأنه يتأدى به ركن الصلاة.
ــ
[البناية]
عدم الاستطاعة على الإيماء برأسه وسيجيء الكلام فيه مفصلًا م: (ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه) ش: وفي " التحفة " و" القنية " عند الحسن يومئ بقبله وبحاجبيه ويعيد م: (ولا بحاجبيه) ش: أي ولا يومئ أيضًا بحاجبيه م: (خلافًا لزفر رحمه الله) ش: فعنده يومئ بعينيه وحاجبيه وقلبه.
واعلم أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس هل يلزمه الإيماء بالعينين والحاجبين أم لا؟، ولم يذكر هذا في ظاهر الرواية، روي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه قال لا يومئ المريض بحاجبيه ولا بعينيه ولا بقلبه في الصلاة، وهكذا روي عن أبي يوسف أيضا، وروي عن محمد بن الحسن أنه قال لا يومئ بقلبه ولم يذكر الحاجبين والعينين.
وعن زفر أنه يومئ بالحاجبين لقربه من الرأس، فإن عجز فبالعينين، فإن عجز فبقلبه، وقال الحسن بن زياد: يومئ بعينيه وبحاجبيه ولا يومئ بقلبه، كذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في "مبسوطه " خلافهم.
وقال القدوري وصاحب " التحفة ": قال الحسن بن زياد: يومئ بحاجبيه وبقلبه ويعيد متى قدر على الأركان.
وفي " الحاوي " يومئ بعينيه وبحاجبيه وقلبه عند زفر وأبي يوسف، ولم يجزه أبو حنيفة. وقال محمد: لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا شك أنه بالقلب لا يجوز وأشك في العينين، ذكره في " الذخيرة ".
وقاضي خان وفي "الحاوي " عن محمد الإيماء بالقلب لا يجوز عند أبي يوسف، ولست أحفظ قوله في الإيماء بالعينين والحاجبين. وعند زفر بعينيه وحاجبيه، وإذا صح أعاد. وقال الشافعي: إذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بطرفه، فإن عجز أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وكذا القراءة والأذكار يجريها على قلبه عند العجز، وما دام عاقلًا لا تسقط الصلاة، وفي " الدراية " وقال الشافعي ومالك يومئ بعينيه، فإن عجز فبقلبه لأنه وسع مثله.
م: (لما روينا من قبل) ش: أشار به إلى «قوله عليه السلام إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأومئ برأسك:» م: (ولأن نصب الإبدال بالرأي ممتنع) ش: هذا دليل عقلي تقديره أن الشارع اقتصر على الرأس في الحديث المذكور في موضع البيان، ولو جاز غيره لبينه فحينئذ لا يجوز نصب البدل عن الإيماء بالرأس بالرأي م:(ولا قياس على الرأس) ش: جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال هذا ليس من باب نصب الإبدال بالرأي بل بالقياس على الرأس، وتقدير الجواب أن القياس على الرأس لا يصح م:(لأنه يتأدى به ركن الصلاة) ش: أي لأن الشأن يتأدى بالرأس
دون العين وأختيها.
وقوله: أخرت عنه إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة عنه، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقا وهو الصحيح لأنه يفهم مضمون الخطاب، بخلاف المغمى عليه، قال: وإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزم القيام.
ــ
[البناية]
ركن الصلاة وهو السجود م: (دون العين وأختيها) ش: أراد بالأختية الحاجبين والقلب، وذلك لأنه لا يتأدى بهما ركن من أركان الصلاة، فالقياس مع وجود الفارق باطل.
م: (وقوله: أخرت عنه) ش: أي قول القدوري في "مختصره"، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت عنه، أي أخرت الصلاة عن هذا المريض، ولكن غالب عادة المحتضر، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة، والمعنى واحد.
م: (إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة) ش: إشارة بالرفع خبر المبتدأ، أعني قوله والضمير في أنه للسان والشرط في عدم السقوط، وإن كان أكثر من يوم وليلة أن يكون مفيقًا أشار إليه بكلمة "إن" الواصلة بقوله: م: (وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقًا) ش: لوجود فهم الخطاب، وسبب الوجوب صلاحية الذمة، وهو الذي ذكره الكرخي في "مختصره"، واختاره المصنف فلذلك نبه عليه بقوله: م: (هو الصحيح) ش: واحترز به عن قول شيخ الإسلام وفخر الإسلام وقاضي خان وآخرين، فإنهم قالوا الصحيح أنه يسقط، وبه قال مالك، وفي "فتاوى الظهيرية" وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب.
قال محمد: قال في " النوادر " من قطعت يداه من المرفقين ورجلاه إلى الساقين لا صلاة عليه، فعلم أن مجرد الفعل لا يكفي لتوجه الخطاب.
وفي " المحيط " قال بعض المشايخ: إذا كانت الفوائت أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه القضاء، وإن كان أقل من ذلك فعليه القضاء كالجنون والإغماء وهو الصحيح، وللشافعية وجه حكاه صاحب " العدة " والبيان أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه، وفي "منية المفتي " إن دام العجز أكثر من يوم وليلة سقطت في الأصح.
وقال بعضهم: لا يسقط، وإن دام أكثر من يوم وليلة حتى إذا برئ لزمه القضاء، ولو مات قضى عنه ورثته.
قال في " النافع ": هو الصحيح، وقال بعضهم: يسقط مطلقًا من غير تفصيل، واختاره السرخسي.
م: (لأنه أي لأن هذا المريض يفهم مضمون الخطاب) ش: لوجود عقله م: (بخلاف المغمى عليه) ش: لعجزه عن فهم الخطاب م: (وإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام
ويصلي قاعدا يومئ إيماء؛ لأن ركنية القيام للترسل به إلى السجدة لما فيها من نهاية التعظيم، فإذا كان لا يتعقبه السجود لا يكون ركنا فيتخير، والأفضل هو الإيماء قاعدا؛ لأنه أشبه بالسجود، وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائما ثم حدث به مرض أتمها قاعدا يركع ويسجد أو يومئ إن لم يقدر أو مستلقيا إن لم يقدر لأنه بنى الأدنى على الأعلى فصار كالاقتداء.
ــ
[البناية]
ويصلي قاعدًا يومئ إيماء) ش: وقال زفر والشافعي لم يسقط عنه القيام في هذه الحالة، لأن ركن فلا يسقط بالعجز عن إدراك ركن آخر م:(لأن ركنية القيام للترسل به إلى السجدة لما فيها) ش: أي في السجدة م: (من نهاية التعظيم، فإذا كان لا يتعقبه السجود) ش: أي فإذا كان لا يتعقبه السجود يعني إذا سقطت عنه السجدة وهي الأصل سقط عنه القيام وهو الوسيلة، كمن سقطت عنه الصلاة سقطت عنه الطهارة حينئذ م:(لا يكون ركنًا فيتخير) ش: أي المريض المصلي بين أن يصلي قائمًا بالإيماء، وبين أن يصلي قاعدًا بالإيماء.
م: (والأفضل هو الإيماء قاعدًا لأنه أشبه بالسجود) ش: لكون القعود أقرب إلى السجود من القيام.
فإن قلت: فقد جاء أفضل الصلاة طول القنوت أي القيام.
قلت: إنما كان كذلك لانضمام قراءة القرآن إليه، فيكون فضله لأجل الجمع بين الركنين وهو يحصل في القعود، ولا ترد صلاة الجنازة حيث لم يلزم ثمة سقوط القيام بسبب سقوط السجود، لأنها ليست بصلاة حقيقة بل هي دعاء.
م: (وإن صلى الصحيح بعض صلاته قائمًا وحدث به مرض يتمها قاعدًا يركع ويسجد أو يومئ إن لم يقدر) ش: أي على الركوع والسجود، وفي " فتاوى قاضي خان " ما يخالف هذا حيث قال: تفسد صلاته عند أبي حنيفة في هذه الصورة، وهذه رواية [....] ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، لأن تحريمته انعقدت للركوع والسجود فلا يجوز بدونها م:(أو مستلقيًا إن لم يقدر) ش: أي أو يصلي حال كونه مستلقيًا على قفاه إن لم يقدر على القعود، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يستقبل.
م: (لأنه بنى الأدنى على الأعلى) ش: أي في الصور الثلاث وهو الإيماء قاعدًا بالركوع والسجود عند عدم القدرة على القيام والإيماء قاعدًا عند عدم القدرة على الركوع والسجود والإيماء ومستلقيًا عند عدم القدرة على الإيماء قاعدًا.
م: (فصار كالاقتداء) ش: أي فصار بناء المريض على أول صلاته كالاقتداء أي يجوز كما يجوز ذاك، فإنه يصح اقتداء القاعد بالقائم والمومئ بالراكع والساجد، والأصل في المسألة أن كل موضع يصح الاقتداء يصح البناء وإلا فلا.
ومن صلى قاعدا يركع ويسجد لمرض، ثم صح بنى على صلاته قائما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد رحمه الله: يستقبل بناء على اختلافهم في الاقتداء وقد تقدم بيانه وإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف عندهم جميعا، لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء، ومن افتتح التطوع قائما ثم أعيا لا بأس بأن يتوكأ على عصا أو حائط أو يقعد؛ لأن هذا عذر، وإن كان الاتكاء بغير عذر يكره؛ لأنه إساءة في الأدب، وقيل: لا يكره عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه لو قعد عنده يجوز من غير عذر، فكذا لا يكره الاتكاء،
ــ
[البناية]
م: (ومن صلى قاعدًا يركع ويسجد لمرض ثم صح بنى على صلاته قائمًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يستقبل بناء على اختلافهم في الاقتداء) ش: أي بنوا بناء على صلاتهم، أراد به اختلاف الثلاثة المذكورين في الاقتداء يعني أن كل فصل جوز الاقتداء فيه جوز بناء آخر الصلاة على أولها وإلا فلا. ثم عند محمد لا يقتدي القائم بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه وعند القائم يقتدي بالقاعد، فكذا يبني في حق نفسه.
فإن قلت: يرد على هذا ما إذا افتتح الصحيح التطوع قاعدًا وأدى بعض صلاته قاعدًا ثم له أن يقوم فقام وصلى الباقي قائمًا أجزأه بالإجماع، وهذا الأصل المذكور يقتضي أن لا يجوز على قول محمد.
قلت: تحريمة المريض لم ينعقد لقيام لقدرته عنده، فجاز بقاؤه عليه. م:(وقد تقدم بيانه) ش: أي بيان اختلافهم في الاقتداء في باب الإمامة.
م: (وإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف) ش: أي صلاته م: (عندهم جميعًا) ش: أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وعند زفر والشافعي ومالك وأحمد يبني محافظة على عمله م:(لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء) ش: لأنه يصير بناء القوي على الضعيف.
م: (ومن افتتح التطوع قائمًا ثم أعيا) ش: أي تعب، يقال: أعيا الرجل في المشي، إذا تعب وأعياه الله لازم ومتعد. وقال الجوهري: أعيي فهو معي، فلا يقال عيان، وأعي علة الأمر ونقيا ونقايا بمعنى م:(لا بأس أن يتوكأ على عصا أو حائط أو يقعد) ش: أي أو أن يقعد م: (لأن هذا عذر) ش: ففي الاتكاء بعض القيام، وفي القعود بدله م:(وإن كان الاتكاء بغير عذر يكره لأنه إساءة في الأدب) ش: قال البزدوي: الاتكاء بغير عذر يكره، بخلاف القعود، فإن مشروع ابتداء إذ صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم كما ورد في الحديث به بخلاف الاتكاء م:(وقيل: لا يكره عند أبي حنيفة، لأنه لو قعد عنده) ش: أي لأن المصلي لو قعد عند أبي حنيفة م: (يجوز من غير عذر) ش: مع أنه ينافي القيام م: (فكان لا يكره الاتكاء) ش: لأنه ليس أدنى حال من القعود، لأنه لا ينافي في القيام،
وعندهما يكره؛ لأنه لا يجوز القعود عندهما، فيكره الاتكاء، وإن قعد بغير عذر يكره بالاتفاق، وتجوز الصلاة عنده، ولا تجوز عندهما
ــ
[البناية]
فلما كان القيام بغير عذر جائزًا مكروهًا عنده كان الاتكاء غير مكروه م: (وعندهما يكره) ش: أي الاتكاء.
م: (لأنه لا يجوز القعود عندهما) ش: يعني بغير عذر م: (فيكره الاتكاء) ش: بغير عذر، لأن القعود بغير عذر يقطع الصلاة عندهما.
والإيماء برأسه دون القعود باعتبار أنه لا يتأتى في القيام فكان مكروهًا لكونه إساءة في الأدب، وبعضهم قالوا على قول أبي حنيفة يجب أن يكره الاتكاء بخلاف القعود، فإنه إذا قعد بعدما افتتح قائمًا لا يكره عنده، ووجه ذلك أنه في الابتداء مخير بين أن يفتتح التطوع قائمًا وبين أن يفتتحه قاعدًا، فيبقى هذا الخيار في الانتهاء من غير كراهة، وأما في حق الاتكاء فهو غير مخير في الابتداء بين أن يصلي متكئًا وبين أن يصلي غير متكئ، بل يكره له ذلك لما فيه من الأدب وإظهار التخير، وكذلك في الانتهاء.
م: (وإن قعد بغير عذر يكره بالاتفاق) ش: أي وإن قعد في صلاة التطوع بغير عذر بعدما شرع قائمًا يكره بالاتفاق بين الثلاثة، لكن هل تجوز الصلاة أم لا؟، فعند أبي حنيفة يجوز، وعندهما لا يجوز، أشار إليه بقوله م:(وتجوز الصلاة عنده، ولا تجوز عندهما) ش: أي عند أبي يوسف ومحمد، وقال الأكمل: وفي كلامه تسامح، لأن ما لا يجوز لا يوصف بالكل إذًا، وقد قال: يكره بالاتفاق.
وقال صاحب " الدراية ": بعد أن قال ثم عندهما لا يجوز، فكيف يوصف بالكراهة عند العلامة حميد الدين رحمه الله، يجوز أن يراد به أنه صلى ركعة قائما، ثم قعد في الثانية ليقرأ لإعياء به ثم قام فأتم الثانية، فإن هذه الصلاة جائزة مع الكراهة.
وقال الأكمل: وفيه نظر لأن قعوده إذا كان الإعياء به فكذلك قعود بعذر، والكلام ليس فيه، بل يجب أن يكون مكروها.
قلت: هما لا يقولان بالكراهة في فصل عدم الجواز، وإنما يقولان بعدم الجواز فيما إذا قعد ثم قام وأتم الصلاة قاعدًا أو بالجواز مع الكراهة فيما إذا قعد ثم قام وأتم الصلاة قائمًا، ومجرد القعود لا يعدم وصف الجواز، وهو نظير ما إذا قرأ القرآن بالفارسية من عذر لا يجوز عندهما فيما إذا لم يعد القراءة بالعربية أما إذا أعاده فيجوز مع الكراهة.
في " الجنازية" و" الكافي " قوله يكره بالاتفاق يخالف ما ذكر قبل هذا بقوله: ولو قعد عنده يجوز ويجاب عن هذا ذكر في " مبسوط فخر الإسلام " لو قعد في النفل لا يكره عنده في
وقد مر في باب النوافل، ومن صلى في السفينة قاعدا من غير علة أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله، والقيام أفضل. وقالا: لا يجزئه إلا من عذر، لأن القيام مقدور عليه فلا يترك إلا لعلة، وله أن الغالب فيها دوران الرأس، وهو كالمتحقق،
ــ
[البناية]
الصحيح، لأن الابتداء على هذا الوجه مشروع بلا كراهة، فالبناء أولى، لأن حكم البناء أسهل من حكم الابتداء، إلا ترى أن الحديث يمنع ابتداء الصلاة، ولا يمنع بقاءها.
فقوله في الصحيح يدل على أن ثمة غير صحيح كذا في باب النوافل يكون على الصحيح. وقول هاهنا بالاتفاق وقع سهوًا من الكاتب م: (وقد مر في باب النوافل) ش: أي قال الأترازي: فيه نظر، لأنه لم يذكر في باب النوافل.
قلت: ذكره في فصل القراءة من باب النوافل فصدق عليه أنه مذكور في باب النوافل لعجب منه أن ينظر في مثل هذا.
م: (ومن صلى في السفينة قاعدًا من غير علة) ش: أي من دوران رأسه ونحوه م: (أجزأه عند أي حنيفة) ش: قال في " المحيط ": قيل: هذا إذا كانت السفينة جارية، وإن كانت راسية لا يجزئه اتفاقًا، ثم إنه قيد بالسفينة لأنه لو صلى على العجلة على الدابة لا يجوز، أما لو كانت على الأرض يجوز، وقيد بقوله: قاعدًا لأنه صلى مسافرًا فيها بالإيماء لا يجوز سواء كانت مكتوبة أو نافلة، لأن يمكنه أن يسجد فيها ولا يقدر، والإيماء شرع عند العجز.
وقيد بقوله: من غير علة لأن عند العلة يجوز بالاتفاق، وينبغي للمصلي فيها أن يتوجه إلى القبلة كيفما دارت السفينة، لأن التوجه إلى القبلة فرض بالنص عند القدرة، وهذا قادر بخلاف راكب الدابة لأنه عاجز عن استقبال القبلة حتى إذا ركب الدابة إن كان به نحو القبلة فأعرض عنها لم تجز صلاته، كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي م:(والقيام أفضل) ش: يعني الصلاة قائمًا أفضل، لأن أكمل.
م: (وقالا: لا يجزئه إلا من عذر) ش: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد م: (لان القيام مقدور عليه فلا يترك إلا لعلة) ش: كما لو كان على الأرض بحيث لا يجوز له ترك القيام مع القدرة عليه.
م: (وله) ش: أي لأبي حنيفة م: (أن الغالب فيها) ش: أي في السفينة م: (دوران الرأس وهو كالمتحقق) ش: أي الغالب كالمتحقق، كما في السفر لما كان الغالب فيه المشقة جعلت المشقة كالمتحققة، بخلاف ما لو كان على الأرض، لأن الغالب أن لا يدور الرأس ولا يجلو الأعين.
فإن قلت: روي عن ابن عباس قال: «لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفرًا إلى الحبشة قال يا رسول الله كيف أصلي في السفينة؟ قال: "صلي قائما، إلا أن تخاف الغرق» .
إلا أن القيام أفضل؛ لأنه أبعد عن شبهة الخلاف، والخروج أفضل ما أمكنه؛ لأنه أسكن لقلبه. والخلاف في غير المربوطة، والمربوطة كالشط هو الصحيح.
ــ
[البناية]
قلت: في إسناده حسين بن علوان، قال أبو حاتم والدارقطني: متروك، وقال ابن معين: كذاب، وقال ابن عدي: يضع الحديث، وذكر ابن حزم في " المحلى " من حديث ابن سيرين قال صلى بنا في السفينة ونحن قعود، ولو شئنا لخرجنا.
وقال مجاهد: صلينا مع جنادة بن أبي أمية قعودًا في السفينة، ولو شئنا لقمنا، ذكره في " المحيط " والحددة التي ذكره في " جامع الغرائب "، والحد بالضم وتشديد الدال شاطئ النهر.
م: (إلا أن القيام أفضل، لأنه أبعد عن شبهة الخلاف والخروج) ش: أي من السفينة إلى البر.
م: (أفضل إن أمكنه، لأنه أسكن لقلبه) ش: لأن القلب تعلق في الماء، وقيد بقوله إن أمكنه أي الخروج منها، لأنه إذا لم يمكنه الخروج إلى الشط يصلي فيها.
م: (والخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (في غير المربوطة) ش: أي في غير السفينة المشدودة بشيء في الشط م: (والمربوطة) ش: أي السفينة المربوطة م: (كالشط) ش: حكمها حكم الشط، فلا تجوز الصلاة فيها قاعدًا مع القدرة على القيام م:(هو الصحيح) ش: احترز به عن قول عامة المشايخ أن على قول أبي حنيفة تجوز الصلاة فيها قاعدًا مع القدرة على القيام قاعدًا في السفينة جارية كانت أو راسية لإطلاق ما ذكره في " المبسوط " و" الجامع الصغير " والصحيح أن الخلاف في الجارية لا في الراسية، كما قال بعض مشايخنا.
وفي " الدراية " هو الصحيح احترازًا عن قول بعض المشايخ، حيث قالوا: تجوز الصلاة فيها قاعدًا. وإن كانت مربوطة تفتح ساعة بساعة أو تفتح بهيجان الريح، فكان في الخروج خطر عظيم.
ولكن الصحيح على قولهم أنه لا يجوز لأن دوران الرأس غالبًا حالة الجري مع أنه يمكن الخروج، لأن المربوطة على الشط كالمستقرة على الأرض لإمكان الخروج فلا تجوز كالصلاة على الدابة.
وقال التمرتاشي: هذا إذا كانت مربوطة على الشط، فإن كانت موثقة باللجة في لجة البحر وهي تضطرب.
قيل: يحتمل وجهين والأصح أنه إن كان الريح يحركها تحريكًا شديدًا فيهي كالسائرة، وإن حركها قليلا فهي كالواقفة.
وفي " المجتبى ": والخلاف في السائرة وقيل في الساكنة أيضا. أما في المربوطة لا يجوز إلا قائما بالإجماع، وعند الدوران يجوز قاعدًا بالإجماع.